تحميل رواية «ضحايا الماضي الجزء الثاني "ما ذنب الحب"» PDF
بقلم شهد الشوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
حياة و بدر أولادهم: يوسف، مروان، عشق، وعاصم توأم. آدم وزينة أولادهم: ياسين، صافي. أوس ومهرة أولادهم: مالك، حمزة، ليلى. ريان وندا أولادهم: ليلة، زياد. أمير وفرح: جوان وجوري توأم، آدم. إلياس ونسرين: سيدرا ويونس توأم. عمر وسارة: جومانا بنت عمر من مراته الأولى، ريماس، علي. ربما في تقارب الملامح لكن الشخصية مختلفتان كل الاختلاف. إحداهما هادئة، عواطفها هي من تتحكم بكل تصرفاتها. أما الأخرى جريئة لأبعد حد، هي والغرور وجهان لعملة واحدة. متمردة، لا مكان للعواطف بحياتها. إنهما "جوري وجوان أمير العمري". كان...
رواية ضحايا الماضي الجزء الثاني "ما ذنب الحب" الفصل الأول 1 - بقلم شهد الشوري
حياة و بدر أولادهم: يوسف، مروان، عشق، وعاصم توأم.
آدم وزينة أولادهم: ياسين، صافي.
أوس ومهرة أولادهم: مالك، حمزة، ليلى.
ريان وندا أولادهم: ليلة، زياد.
أمير وفرح: جوان وجوري توأم، آدم.
إلياس ونسرين: سيدرا ويونس توأم.
عمر وسارة: جومانا بنت عمر من مراته الأولى، ريماس، علي.
ربما في تقارب الملامح لكن الشخصية مختلفتان كل الاختلاف. إحداهما هادئة، عواطفها هي من تتحكم بكل تصرفاتها. أما الأخرى جريئة لأبعد حد، هي والغرور وجهان لعملة واحدة. متمردة، لا مكان للعواطف بحياتها.
إنهما "جوري وجوان أمير العمري".
كانت تقف على تلك المنصة الكبيرة، أمامها حشد كبير من المعجبين يصفقون ويهللون باسمها. وهي تنظر أمامها بثقة وفخر بما وصلت إليه.
بدأت بالغناء بصوتها العذب الذي اكتسبته من والدها هي وشقيقتها جوري، لكن الأخرى لم يكن لديها شغف بالغناء مثلها.
كانت جميع أغانيها مجنونة كشخصيتها تمامًا.
بعد وقت طويل قضته بالغناء والرقص بحركات جريئة، غادرت الحفل مودعة الجميع، وخلفها الحراس الذين اصطحبوها للفيلا.
على الناحية الأخرى، كان والدها يشاهد الحفل الذي يتم تصويره بواسطة بث مباشر على أحد مواقع التواصل الاجتماعي بعدم رضى وضيق من ابنته الطائشة والمتمردة التي لا تستمع لأحد.
جلست فرح بجانبه تسأله بقلق:
مالك يا حبيبي متضايق ليه؟
أجابها بضيق وحدة:
من عمايل بنتك يا فرح.
تنهدت بحزن قائلة بضيق هي الأخرى:
عملت إيه تاني؟
زفر بضيق قائلاً:
قولي معملتش إيه. كل اللي بتعمله غلط، انتي اللي حيشاني عنها لحد دلوقتي.
أجابته بحزن:
طب قولي انت إيه العمل يا أمير. أنا مش عايزة نستخدم معاها أسلوب يخليها تكرهنا. جوان أصلاً عنيدة، يعني لو قلت لأ على حاجة هتعند وخلاص.
زفر بضيق قائلاً بحدة:
الهانم واقفة تغني وتترقص بجسمها قدام الكل. لأ إيه كمان حضرتها لابسة... لأ الأدق مش لابسة.
دخلت بتلك اللحظة جوان وهي تضحك بمرح. ما إن رأت والديها من ملامح وجههم علمت أنها ستدخل معهم بشجار كالعادة، لذا ألقت السلام عليهم سريعًا ثم صعدت لأعلى، فهي بمزاج رايق لا تريد تعكيره بشجار.
لكن يبدو أن ما هربت منه بالأسفل وجدته بغرفتها!
إنها شقيقتها التي ما إن دخلت للغرفة التي يتقاسموها سويًا منذ الصغر، قالت بعتاب:
إيه اللي عملتيه ده يا جوان؟
اقتربت من شقيقتها مقبلة وجنتها قائلة برجاء:
جوري حبيبتي، أنا جاية ومودي حلو أوي. لو عندك أي محاضرات أو نصايح ممكن نأجلها لبكرة.
لم تصمت جوري ولم تلبي رغبتها قائلة:
مودك حلو، فرحانة بالحفلة والغنا والرقص واللبس العريان وتشجيع لكِ من ناس تافهة.
زفرت جوان بضيق لتتابع الأخرى بحدة وهي تنظر بقرف لثوبها القصير الذي يصل فوق ركبتيها، كاشفًا عن ساقها الممشوقة وحمالاته الرفيعة جدًا:
مش هقولك كلام الناس وبابا وماما، بس انتي عارفة شيلتي ذنوب قد إيه من ورا الحفلة دي اللي مخليا مودك حلو. عارفة برقصك وإنتي بتغني ولبسك عريان أثرتي كام شهوة واحد ناحيتك. كل كلمة غنيتيها كام واحد سمعها، وكل واحد أو واحدة بيسمعوها بتاخدي ذنوب قد إيه.
جوان بضيق:
أنا بعمل الحاجة اللي بحبها وبتخليني مبسوطة.
جوري بضيق وحدة:
المعصية بتخليكي مبسوطة؟ بتحسي بلذة وسعادة؟ إنتي بتعملي معصية.
زفرت جوان بضيق فعلاً. على الرغم من أنها لا تتقبل النقد أو النصيحة من أي شخص كان عدا شقيقتها التي تتقبل منها كل نصيحة بصدر رحب، لكن بذلك الموضوع تكره النقاش معها ومع أي شخص، فببساطة لا أحد يقدر ما تحب وترغب!
دخلت للمرحاض بعدما أخذت ثيابها و تركت جوري تنظر لأثرها بحزن، مرددة بدعاء لها بداخلها:
اللهم اصرف عنها لذة معصيتك وارزقها لذة طاعتك، أهديها يا رب.
خرجت جوان من المرحاض بعد وقفت ثم تسطحت على الفراش، تعطي ظهرها لشقيقتها وغفت على الفور من التعب والمجهود الذي بذلته طوال ساعات.
في صباح يوم جديد.
لم تكن تحلم بأروع من هكذا حياة. منزل جميل هادئ يسوده الدفء، أطفالها حولها أصبحوا الآن شباب، زوجها بجانبها يغرقها في بحور عشقه اللامتناهي لها. عيناه كانت ولا تزال تبعث الدفء وشعور الأمان بقلبها، وتشعر كلما نظر إليها أنها المرأة الأجمل على الإطلاق.
كل تلك السعادة لم يعكر صفوها سوى ابنها الأكبر يوسف.
كانت تساعد الخدم في تجهيز طعام الإفطار قبل نزول الجميع.
هي انتهت من تجهيزه وترتيبه على مائدة الطعام، ليبدأ الجميع بالنزول واحدًا تلو الآخر، حتى جاء بدر الذي لا يزال يحتفظ بوسامته. بل ازدادت، خاصة بتخلل بعض الخصلات البيضاء بين خصلات شعره البني ولحيته، لتزيده وقارًا وهيبة أكثر مما كان عليها.
اقترب منها طابعًا قبلة على وجنتها وجبينها قائلاً بحب ومشاكسة:
صباح الجمال يا صغنن.
ضحكت بخفوت. ها هو يقول نفس الجملة كل صباح كعادته. أصبحت كبيرة بالعمر ولا يزال يناديها بالصغيرة.
أجابته بابتسامة:
صباح النور.
نظر حوله ثم سألها:
فين عيالك؟ مش عاملين هيصة ع الصبح زي كل يوم يعني؟ القيامة قامت ولا إيه؟
ضحكت ثم قالت بلهفة:
عشق بتجهز وهتنزل، ومروان راجع من السفر النهارده، وعاصم راح يستقبلها.
طلق تنهيدة مليئة بالألم وانفلت لسانه قائلاً بما يشعر:
عقبال يوسف لما يرجع هو كمان. وحشني أوي يا حياة. آه زعلان منه وغلط، بس واحشني.
تنهدت بحزن هي الأخرى قائلة:
أنا كمان واحشني أوي.
شرد بدر بما حدث قبل سنوات قليلة مرددًا بخذلان:
أنا مغلطتش معاه يا حياة، ولا حتى انتي. هو اللي اختار يبعد واختار يخسرنا كلنا. ده حتى مسألش، فضل يتهم فينا وبس. ابني المفروض يكون مع أبوه مش ضده. ابننا كبرنا وفي الآخر بقى مع الغريب علينا. ابني بدل ما يصدقنا...
صمت ولم يقدر على تكملة حديثه. جلست على قدمه قائلة بأعين دامعة وابتسامة زائفة:
مصيره يوم يعرف الحقيقة يا بدر ويرجع.
تنهد بحزن وصمت. لتقول هي بتردد خشية من غضبه:
طب ما نكلمه يا بدر.
نفى برأسه قائلاً بصرامة:
أنا مغلطتش فيه، هو مشي واستغنى يا حياة. مسافر بقاله سنتين مفكرش حتى يتصل بيا ويعتذر مني ومنك. بيعاقبنا يعني؟ مين فينا الأب؟ مش فاهم أنا ولا هو؟ مين اللي يتصل بمين؟
صمتت بحزن. نعم ابنها فعل الكثير، لكنه يظل ابنها. لاحظ حزنها الشديد فردد مغيراً مجرى الحديث قائلاً بابتسامة صغيرة:
المهم الحقيني بفنجان القهوة بتاعي بسرعة والفطار متأخر ع الشغل، وكمان لسه هوصلك شغلك في طريقي.
ابتسمت قائلة بحنان أم:
لأ أنا إجازة النهارده.
ضحك وقد كان متوقعًا ذلك قائلاً:
عشان مروان طبعًا. ده هو كله أسبوع يا حياة اللي غابهم عنك.
قبل أن ترد عليه جاء صوت صغيرته عشق شبيهة والدتها بكل شيء:
صباح النور.
رد الاثنان الصباح، ثم سألتها حياة:
إنتي خارجة؟
- آه هروح لجوري.
- ليه؟
أجابتها عشق بهدوء:
رايحة أشوفها يا مامي، وكنت طالبة منها حاجة هروح آخدها بالمرة.
حياة بابتسامة:
طب استني وامشي بعد ما تسلمي على أخوكي زمانه على وصول.
عشق بابتسامة:
هوصل قبله يا مامي متخافيش.
غادرت بهدوء، بعد أن ألقت السلام على الاثنين. بينما حياة أخذت تحضر لبدر ما يريد، وعقلها لا يفكر إلا بتلك الليلة المشؤومة التي خرج بها يوسف ولم يعد، وكانت آخر مرة تراه بها بعد نشوب شجار كبير بينهما وبينه، وكانت نتيجته صفعة قاسية نالها يوسف من والده لأول مرة.
كانت تجلس خلف تلك المنضدة الكبيرة التي تحوي على أدوات العمل الخاص بها.
إنها تعشق تصميم الاكسسوارات الخاصة بالديكورات، خاصة بالريزن. تصممها بيدها وتبيعها بمعرضها الذي اكتسب شهرة بوقت سريع.
العديد والعديد من الأشياء تتقن صنعها. إنها تعشق هوايتها تلك أكثر من مجال دراستها الذي للآن لم تعمل به، فقط أخذت شهادتها واكتفت بها، ومارست عملها في هوايتها التي تعشقها.
لكن رغم كل ذلك النجاح وتواجدها وسط عائلة رائعة مثل عائلتها، إلا أنها لا تشعر بالسعادة. وكيف تشعر بها وهي فقدتها منذ سنوات على يده؟ لقد ربطت سعادتها به.
هذا أكبر خطأ فعلته، إنها ربطت سعادتها بشيء!
كانت تنظر للفراغ بشرود وحزن، غافلة عن ذلك الذي يقف خارج المعرض الذي كانت واجهته مصنوعة من الزجاج الشفاف، يراقبها بندم... اشتياق... حزن.
تمالك نفسه بصعوبة حتى لا يركض إليها يجذبها إليه في عناق ساحق، لعله يروي به اشتياقه الكبير لها. لكن بأي عين سيواجهها؟
نظر لباقة الورد التي بيده، ثم لها، مخرجًا قلماً من جيب سترته وكارت صغير خط عليه بعض الكلمات، ثم أوقف أحد المارين طالبًا منه أن يدخل لها بباقة الورد، واضعًا بيده عدة ورقات مالية، ليوافق الآخر على الفور.
أفاقت من شرودها على صوت الفتاة العاملة تتحدث مع الرجل. لحظات ثم غادر. اقتربت منها قائلة باحترام:
آنسة جوري، الورد ده لحضرتك.
سألتها بتعجب:
مين اللي بعته؟
أجابتها بعدم معرفة:
معرفش. سألته قال إن فيه واحد طلب منه يدخل بالورد، بس فيه كارت عليه أكيد مكتوب مين اللي بعته لحضرتك.
فتحت جوري الكارت وعيناها تنظر للورد بإعجاب. ورد أحمر، جوري مثل اسمها تمامًا. لكن ما قرأت الكلمات التي على الورقة، تعالت دقات قلبها بصخب. إحساسها يخبرها بأنه هو، لكن كيف؟
"أنا هنا وأنتي هناك، متى تختفي الكاف؟"
قربت الكارت من أنفها لتشم رائحة عطره. نعم، تحفظه على ظهر قلب. ولما لا؟ أليست هي من انتقته له قديمًا؟ لكن يبقى السؤال هو أم لا! وإن كان هو، فلماذا عاد من جديد؟
بشركة الجارحي.
كان يجوب بعينه على تلك الماثلة أمامه من أعلى لأسفل بنظرات غير بريئة بالمرة، والأخرى غير ممانعة، بل هي أكثر من سعيدة لأنها علمت أنها ستحصل على مبتغاها من نظرات الإعجاب التي تتراقص في عيناه نحوها. لما لا، فهي "شدوى" القادرة على أن تجذب نظرات الرجال نحوها بكل سهولة نظرًا لجمالها الساحر.
ابتسمت بغرور وهي تسمعه يغمغم ببرود لم تقتنع به، حيث لاحظت نظرات الإثارة والرغبة بها تلمع بعيناه:
سهر، عرفتك شغلك عبارة عن إيه.
أومأت له قائلة برقة مبالغ فيها:
آه باشا، متتصورش حضرتك أنا مبسوطة قد إيه عشان هشتغل مع سليم باشا بنفسها.
أومأ لها وعيناه لم تحيد النظر عن منحنيات جسدها الذي تعمدت إظهارها من ذلك الفستان الذي يلتصق على جسدها كجلد ثانٍ وكشف عن ساقها البيضاء الممشوقة.
استأذنت منه وغادرت وهي على يقين أنه يتابعها بعيناه من الخلف. فتعمدت السير ببطء وغنج.
ما إن أغلقت الباب، لمعت عيناه بمكر لا يقل عن مكرها، بل يفوقها بكثير!
يبدو أنها لا تعرف من هو جيدًا. إنه "سليم أدهم الجارحي"، المعنى الحرفي للمكر والدهاء. يصعب معرفة ما يدور بداخل عقله. هادئ، وهذا أكثر ما يميزه، حتى بأصعب الأوقات لا تجد سوى الهدوء مرتسمًا على ملامح وجهه.
بعد وقت، دخلت لمكتبه مرة أخرى قائلة بدلال وهي تقترب منه:
مستر سليم، فيه ورق مهم لازم حضرتك تمضيه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة عندما أنهت جملتها، ووضعت خصلات شعرها على جانب واحد، ثم مالت عليه وهي تضع الأوراق أمامه لتحصل على توقيعه، متعمدة بحركتها تلك أن تبرز مفاتن جسدها العلوية أمامه بسخاء. لكن فجأة شهقت بفزع عندما جذبها لتقع على قدميه قائلاً بمكر:
قربت أوي جو الإغراء اللي بتعمليه ده.
حاولت دفعه قائلة باعتراض زائف:
سليم بيه، من فضلك عيب كده.
ابتسمت بزاوية شفتيه قائلاً وهو يمرر يده على ساقها المكشوف أمامه:
ما تخليكي معايا، ضهري وبلاش لف ودوران. أنا عارف وإنتي عارفة آخرة اللي بتعمليه ده إيه.
- جواز!
ضحك قائلاً بسخرية:
مكنتش أعرف إن الجمال ده وراه الغباء ده. صحيح الحلو ميكملش.
اغتاظت من إهانته، لكنها تغاضت عن الرد قائلة بدلال وهي تحرر أزرار قميصه وتمرر يدها على صدره العاري بإثارة:
يعني عجبتك؟
أمسك فكها بين يديه بعنف، يهوي قائلاً:
هتجوزك!
توسعت عيناها بصدمة قائلة بسعادة:
بجد هتجوزني؟
خابت كل آمالها عندما قال ببرود:
عرفي.
ثم تابع بصرامة:
بلاش نلف وندور على بعض. أنا بجيب من الآخر. إنتي عجبتيني وأنا عايزك، وإنتي كمان نفس الكلام مش كده؟
سألته باحباط:
طب ليه متخليش الجواز رسمي؟
زفر بضيق قائلاً بصرامة:
عشان أنا عايز كده. ومش أنا اللي أعمل علاقة مع واحدة في الحرام، عشان كده بقولك جواز عرفي. نقضي كام يوم ولما نزهق هطلقك. يكون في معلومك حد يشم خبر عن الموضوع ده اعتبري نفسك من الأموات، فاهمة؟
- فاهمة.
لقد وافقت بدون تردد. حمقاء من ترفض هكذا فرصة. سليم الجارحي بنفسه سيتزوجها. صحيح أنه زواج عرفي، لكن لا يهم، المهم أنه قد سهل مهمتها!
أعلنت شركة مصر للطيران عن وصول الطائرة القادمة من دولة "المكسيك".
بعد وقت، كان يخرج من صالة المطار شاب، أقل ما يقال عنه أنه وسيم، خطف الأنظار من حوله، لكنه كعادته لا يبالي بأي أحد!
كان ينظر للمكان حوله بفضول، لم يسبق له أن جاء لمصر من قبل، حتى لم يزرها من الأساس.
ابتسم تلقائيًا وبدون سبب لذلك الشعور الذي انتابه الآن تحديدًا، وهو أن مجيئه لهنا لن يكون مجرد زيارة عابرة فقط، بل يراوده شعور أنه سيعيش مغامرة جديدة كليًا لم يسبق له أن عاشها!
اقترب منه ذراع والده الأيمن "سلطان" يأخذ منه الحقائب، يضعها بحقيبة السيارة بعد أن رحب به بحرارة مرددًا:
أياد باشا نورت مصر كلها. والد سيادتك عنده اجتماع مهم جدًا، مقدرش يأجله، وبيبلغ معاليك تنتظره في البيت، وهو ساعة بالكتير وهيكون عندك.
أومأ له بهدوء وصعد للسيارة، يجلس بالخلف يشاهد الشوارع من حوله بوجه خالٍ من التعبيرات، بينما سلطان يجلس بالخلف يراقبه خلسة.
- سلطان.
رد عليه سلطان على الفور:
تحت أمرك يا باشا.
ردد أياد بهدوء دون النظر إليه:
هشام ابن عمي موجود فين دلوقتي؟ خدني عنده.
نفذ سلطان ما قاله على الفور بعدما أجرى اتصالاً يعرف منه أين مكان "هشام"، الذي ما إن رأى أياد اقترب منه معانقًا إياه قائلاً بابتسامة:
نورت مصر يا ابن عمي.
رد عليه الآخر ببرود:
عارف.
ابتسم هشام ولم يعقب، ليسأله أياد:
فين عمي؟
هشام ببرود وهو يجلس بجانبه:
مع أبوك في الشركة.
أياد ببرود:
طب إنت مش هناك ليه؟
هشام بسخرية:
إنت أولى بالسؤال ده. المفروض إنك ابن صاحب الشركة، أنا وأبويا حيالله شغالين عندكم بمرتب.
أياد بسخرية وملل من ابن عمه الذي لا يمل من هذا الحديث الذي يعرف أنه غير صحيح بالمرة، هو فقط يفعل ذلك ليحصل على عطف وشفقة الآخرين:
ما تعيشش في الدور يا هشام. لو إنت وأبوك مجرد موظفين بمرتب زي ما بتقول، مكنتش هتركب عربية زي اللي راكنها بره، ولا كل شهر هتسافر بلد شكل وتصرف الفلوس ع الحشيش. مرتب إيه اللي يخليك تعمل كل ده؟
صمت هشام ولم يجيب، ليسأله أياد:
هتسهر فين انهاردة؟
هشام بسخرية وهو يدخن سيجارته:
جاي حامي إنت أو...
أخذ أياد منه السيجارة يدخن قائلاً بغمزة وقحة:
عندي فضول أجرب.
فهم هشام ما يرمي إليه ابن عمه. يريد أن يقضي ليلة ماجنة مع شرقية!
قبل أن يتحدث، وصلت له رسالة من أحد أصدقائه، سرعان ما ابتسم ولمعت عيناه بمكر قائلاً:
جيت في وقتك يا بن عمي!
بينما تلك الصغيرة صاحبة الجسد النحيف، ما إن خطت بقدمها بداخل تلك الفيلا الكبيرة وعيناها لمعت بسعادة تنظر لكل شبر بها بانبهار.
إنها "سلمى"، الخادمة الجديدة بفيلا بدر الجارحي عوضًا عن الخادمة التي تركت العمل بسبب زواجها.
كانت تسير بجانب كبيرة الخدم بالفيلا، عبير، والتي حدثتها برجاء وجدية:
سلمى، ركزي في شغلك يا بنتي، بلاش تسببي لي إحراج مع الست حياة أو أي حد من العيلة.
أومأت لها سلمى قائلة بطاعة:
حاضر يا خالتي، متشغليش بالك، هخلي بالي كويس.
أومأت لها عبير قائلة بجدية:
طب يلا تعالي أعرفك على حياة هانم وأوريكي الأوضة بتاعتك وتستلمي اليونيفورم بتاع الشغل.
أومأت لها سلمى بصمت وعادت تتابع المكان من حولها بانبهار وإعجاب، لم يسبق لها أن جاءت لأماكن مثل هذه.
ما إن دخلت الصالون الكبير، تفاجأت بسيدة ترتدي ملابس أنيقة تجلس على الأريكة ترتدي نظارة طبية تصب كامل تركيزها على ملف ما بيدها.
اقتربت عبير منها قائلة بهدوء:
حياة هانم.
رفعت حياة رأسها بابتسامة قائلة:
نعم يا عبير.
اقتربت عبير منها وهي تدفع سلمى برفق للأمام:
دي سلمى اللي قولت لحضرتك عليها عشان الشغل مكان رشا.
نظرت حياة لسلمى لتتفاجأ بفتاة ذات جسد ضئيل، ملامحها صغيرة، رغم شحوب وجهها لكنها تبدو جميلة. حياة بتساؤل:
إنتي عندك كام سنة يا سلمى؟
سلمى بتوتر:
عندي ١٧ سنة يا هانم.
حياة بصدمة:
دي صغيرة يا عبير، مش هتقدر ع الشغل هنا وهتتعب.
سلمى برجاء:
لأ مش هتعب ولا حاجة وهقدر أشتغل، جربيني بس يا هانم ومش هكسر حاجة ولا...
قاطعتها حياة قائلة:
يا بنتي أنا عاملة عليكي إنتِ، إنتي لسه صغيرة والشغل هيتعبك، وأكيد عندك دراسة.
سلمى بحرج وأعين تلمع بالدموع:
أنا معايا إعدادية، مش بدرس.
شفقت حياة عليها لتدخل عبير قائلة:
متخافيش يا هانم، سلمى شاطرة أوي.
حياة بهدوء وهي تشير بيدها لطريق المطبخ:
ماشي يا سلمى، روحي المطبخ من هنا وعبير هتحصلك.
أومأت لها سلمى بتوتر. وما إن غادرت، نظرت حياة لعبير مرددة:
عبير، خلي بالك منها، شكلها لسه صغير، بلاش تشغليها شغل تقيل وعينيكي عليها، شكلها ضعيف خالص.
عبير بهدوء:
أمرك يا هانم، عن إذنك.
غادرت عبير وتوجهت للمطبخ حيث توجد سلمى التي تقف بأحد الزوايا ونظرات باقي الخدم مصوبة عليها. عرفتهم عبير عليها، ثم قادتها لغرفتها المتصلة بغرفة المطبخ، فتلك هي الغرفة الوحيدة الخالية من غرف الخدم.
ثم أعطتها زيها المكون من بنطال أسود وفوقه قميص باللون الأسود ومريول أبيض صغير ملتف حول خصرها وحذاء باللون الأسود.
مر وقت طويل ولم يصل أبناؤها من المطار للآن، لذا قررت أن تصعد وترتاح بفراشها قليلاً لحين عودتهم.
مرت ساعة أخرى وتوقفت سيارة عاصم، أصغر أبنائها، أمام باب الفيلا الداخلي ليترجل منها برفقة شقيقه الأكبر "مروان" من كسر القاعدة. فكل أبناء بدر الجارحي اتخذوا نفس مجال والدهم، عكسه هو الذي كان يحلم منذ أن كان صغيراً أن يصبح قبطاناً بحرياً.
بحث بعينيه عن والدته بلهفة واشتياق، ظنًا منه أنها ستكون في انتظاره، لكنه لم يجدها. عندما سأل عنها، أجابته عبير بهدوء:
حمد الله ع السلامة يا مروان بيه، حياة هانم انتظرت حضرتك كتير وطلعت ترتاح في أوضتها لحد ما توصلوا.
صعد لغرفته مباشرة، مقرراً الاستحمام وتبديل ملابسه، ثم يذهب إلى والدته.
بعد وقت، خرج وهو يجفف خصلات شعره بمنشفة صغيرة وأخرى تلتف حول خصره وهو يدندن بخفوت. سرعان ما انتفض على صوت صرخات، بحث حوله ليجد فتاة تقف بأحد الأركان تعطيه ظهرها. سألها بغضب وحدة:
إنتي مين وإزاي تدخلي كده من غير استئذان؟
أجابته بصوت مختنق بالدموع والخوف، ولا تزال تعطيه ظهرها:
مكنتش أعرف إن حضرتك موجود والله، آسفة.
بتلك اللحظة دخلت حياة الغرفة، فقد انتفضت من نومها على صوت الصراخ العالي، ومن خلفها عبير:
حصل إيه وإيه صوت الصويت ده؟
مروان بضيق:
مين دي يا ماما؟
حياة بتعجب من هيئة ابنها وسلمى الباكية:
دي سلمى بدأت شغل هنا مكان رشا، إيه اللي حصل؟ فهموني.
سلمى بخوف من أن تفقد عملها:
مكنتش أعرف والله... آآ... إن حضرته هو... آآ... أنا كنت داخلة أمسح التراب، البنت اللي تحت قالت لي اطلعي امسحي التراب ولمعي الأوض اللي فوق.
حياة بهدوء وشفقة على الفتاة:
حصل خير يا سلمى.
زفر مروان بضيق وتركهم ودخل لغرفة الملابس، صافعًا الباب خلفه بقوة نوعًا ما، فهو تضايق من هيئته أمامهم هكذا. فانتفضت سلمى على أثر صوت غلق الباب العالي وذهبت لتكمل عملها.
بعد وقت، خرج ليجد والدته تجلس على الفراش تنتظره. اقترب منها قائلاً باشتياق:
حياتي وحشتيني.
ضحكت حياة بخفوت واحتضنته قائلة بحنان:
إنت كمان وحشتني يا حبيبي.
دار حديث قصير بينهما لتسأله هي بتردد:
شوفت أخوك؟
تنهد مروان قائلاً بحزن:
حاولت يا ماما، بس مرضيش يقابلني ولا يرد على تليفوني أصلًا.
لم تجد ما تقول، تنهدت بحزن قائلة:
ربنا يهديه.
هربت على يدها بحزن وضيق وغضب يتفاقم بداخله من شقيقه الأكبر "يوسف"، لما يفعله.
في المساء.
كان ينزل الدرج بحماس يبحث بعينيه يمينًا ويسارًا على والده وأشقائه، فقد اشتاق لهم. لكنها لم يجد هم، بل وجد تلك الخادمة التي كانت بغرفته في الصباح، كانت تنظف الأتربة وتعيد تنظيم الغرفة مكان جلوس الجميع قبل قليل.
كانت تتعامل مع كل شيء بحذر شديد وخوف، خاصة الكريستال أو التحف.
ما إن وصل لنهاية الدرج، حاول أن يتذكر اسمه، لكن فشل. لذا ردد بمرح:
بس بس.
نظرت للخلف لتقع عيناها عليه، فاخفضتها على الفور بخوف لا يعرف سببه، قائلة بتوتر:
فيه حاجة حضرتك؟
- آه، خدي تعالي.
اقتربت منه حتى وقفت أمامه، فسألها بابتسامة:
اسمك إيه؟
- سلمى.
ابتسم قائلاً:
عندك كام سنة؟
- ١٧ سنة.
- في سنة كام بقى؟
أجابته بحرج وحزن خفي:
طلعت من التعليم، معايا إعدادية بس.
أومأ لها بصمت ثم قال:
متزعليش من أسلوبي معاكي الصبح، أنا بس اتفاجأت أول مرة أشوفك والموقف كمان مكنش لطيف خالص.
حركت رأسها بهدوء قائلة بذهول أخفته:
حصل خير حضرتك.
- ماما والباقيين فين؟
أجابته وهي تشير لغرفة الطعام:
لسه داخلين ع السفرة عشان يتغدوا.
أومأ لها قائلاً بابتسامة قبل أن يغادر:
إن شاء الله تنبسطي في الشغل هنا يا سلمى.
زفرت سلمى براحة، فقد ظنت أنه ربما يتعمد مضايقتها أو يأمر بطردها بسبب ما حدث في الصباح، لكنه خالف ظنونها، فأخذت تحمد الله.
بينما بقصر الأدم.
الجميع ملتفون على طاولة الطعام يتشاركون الأحاديث سويًا. آدم يترأس الطاولة ينظر بفخر لزوجته وأبنائه وإخوته وزوجاتهم وأبنائهم. عائلته لم تعد تقتصر عليه وعلى أشقائه فقط.
عم الصمت على المكان عندما قالت صافي لوالدها آدم، ما جعل الصمت يعم المكان:
بابا، في حفلة بكرة بليل صحابي عزوموني عليها أنا وجوان وليلى، ممكن نروح؟
آدم بهدوء:
حفلة إيه وهتكون الساعة كام؟
صافي بتوتر:
حفلة تنكرية، وصحابنا كلهم هيروحوا وهتبدأ الساعة عشرة.
آدم بهدوء رغم ضيقه مما قالت:
هتبدأ الساعة عشرة وتخلص إمتى؟ والساعة عشرة متأخر أصلًا يا صافي، وإحنا متفقين ميعاد رجوعكم البيت يبقى الساعة كام.
صافي بضيق:
بس يا بابا، هي مرة وممكن تبعت حراس معانا عشان تبقى مطمئن، مفيش حاجة تقلق.
أوس بصرامة:
صافي، الكلام مش ليكي لوحدك إنك تخرجي من البيت الوقت ده وترجعي متأخر غلط جدًا.
جوان برجاء:
أول مرة نطلب كده يا عمي، الحفلة حلوة أوي وكثير أوي من صحابنا هناك وهنبسط جدًا.
آدم بصرامة:
صحابكم سمعتهم زفت وتصرفاتهم طايشة، وأنا عارفهم كويس، وعشان كده بقول لأ والموضوع انتهى خلاص، كملوا أكل.
تمردت صافي لأول مرة قائلة بضيق:
بس أنا عايزة أروح يا بابا.
تدخلت زينة قائلة بعتاب:
صافي، عيب كده.
صافي بحزن وضيق:
أنا مش غلطانة، أنا من حقي أعمل حاجة نفسي فيها طالما مش بغلط.
آدم بصرامة وحدة من طريقتها بالحديث:
اطلعي على أوضتك.
تحركت ونظرت لوالدها بصدمة، سرعان ما ركضت لغرفتها عندما كرر ما قال مرة أخرى بغضب:
قولت أطلع.
ركضت لغرفتها وهي تضرب الأرض بقدمها وهي تبكي بحزن. لحقت بها جوان، بينما ليلى غادرت المكان بهدوء يخفي خلفه الكثير. نظرات الجميع صوبت عليها ما إن قامت، وكم تكره ذلك!
تكره نظرات الشفقة المصوبة نحوها!
كورت صافي قبضة يدها بغضب قائلة:
أنا مبقتش صغيرة، هروح الحفلة دي يعني هروح، حتى لو من وراهم. أنا مش بعمل حاجة غلط. إمتى يعاملونا على إننا كبار ويثقوا فينا!
بينما بمكان مظلم بالحديقة الخلفية لأحد القصور، كانت تلتفت حولها يمينًا ويسارًا، تسير على أطراف أصابعها بحذر. سرعان ما شهقت عندما جذبها أحدهم خلف الشجرة قائلاً بهمس واشتياق وهو يدفن وجهه بعنقها يشتم عبقه المميز:
وحشتيني يا أحلى من القمر وأحلى أميرة.
ابتسمت بتوسع وعقلها يسترجع أول مرة قالها لها، لا يمكنها أن تنسى تلك الذكرى أبدًا. همست باسمه بعشق وهي تشعر بشفتاه تمر على جلد عنقها يقبله بنعومة ورقة.
"نـــــوح"
رواية ضحايا الماضي الجزء الثاني "ما ذنب الحب" الفصل الثاني 2 - بقلم شهد الشوري
بينما بمكان مظلم بالحديقة الخلفية لأحد القصور كانت تلتفت حولها يميناً ويساراً، تسير على أطراف أصابعها بحذر. سرعان ما شهقت عندما جذبها أحدهم خلف الشجرة قائلاً بهمس واشتياق وهو يدفن وجهه في عنقها يشتم عبقه المميز:
"وحشتيني يا أحلى من القمر وأحلى أميرة."
ابتسمت بتوسع وعقلها يسترجع أول مرة قالها لها، لا يمكنها أن تنسى تلك الذكرى أبداً. همست باسمه بعشق وهي تشعر بشفتاه تمر على جلد عنقها يقبله بنعومة ورقة:
"نوح."
ابتعد قليلاً ليرى وجهها الذي اشتاق لرؤيته طوال الأيام الماضية. جذبها من يدها قائلاً:
"تعالي معايا يا قمر."
سألته بصدمة:
"معاك فين؟ لو حد لاحظ غيابي هتحصل مصيبة."
اقترب منها حتى تراجعت للخلف قائلاً:
"خلاص هطلع أنا معاكي."
أوقفها قمر قائلة بصدمة:
"تطلع فين يا مجنون! نوح عشان خاطري امشي دلوقتي. بابا أو سليم لو شافوك معايا هتحصل مصيبة. امشي وبكرة نتقابل."
زفر بضيق قائلاً بحدة:
"براحتك يا قمر، بس يكون في علمك أنا زهقت من الوضع ده."
أجابته بحزن:
"طب أنا في إيدي إيه؟"
زفر بضيق قائلاً بصرامة:
"الحل في إيدك بس انتي اللي مش موافقة."
قالها ثم غادر بغضب من حيث جاء دون أن يلفت الانتباه، تاركاً إياها في حيرة من أمرها!!!
***
أوصدت عيناها بقهر، وكلماته القاسية لها بآخر لقاء لهم تتردد بأذنها كل لحظة. لم تستطع أن تنساها، بل هي كابوسها كل ليلة. نزلت دمعة حارقة من عيناها وهي تتذكر كيف كادت أن تزهق روحها بين يديه وهو يصرخ عليها بغضب أعمى وكراهية:
"فاكرة إن بموتها هبص لك وهجري عليكِ زي ما بتتمني؟ تبقي غلطانة انتي وهما لو فاكرين كده. عمري ما هسامحكم. اللي بيني وبينكم بعد اللي عملتوه هيفضل كره ولآخر العمر."
كانت تغمض عيناها وهي بعالم آخر، لم تسمع الطرقات على الباب ولا بدخول والدها الذي سئم من الطرق دون إجابة، فدخل. لتقع عيناه عليها وهي بتلك الحالة، تغمض عيناها وتزرف الدموع ببطء. ألمه قلبه على مدللته الصغيرة ورؤيتها بتلك الحالة.
اقترب أوس منها قائلاً بمرح باهت:
"قلب أبوها، سرحانة في إيه ومش سامعة كل الخبط اللي على الباب ده؟"
انتفضت ليلى جالسة وهي تمسح دموعها بسرعة قائلة بحرج:
"مفيش يا بابا، أنا آسفة مسمعتوش."
جلس بجانبها، وبدون حديث جذبها لأحضانه لتتشبث هي به بقوة وعادت تزرف الدموع مرة أخرى بصمت. قطعته بعد وقت غير معلوم قائلة بوجع:
"أنا مقتلتهاش يا بابا ولا كنت شمتانة في موتها زي ما بيقول، أنا عمري ما أعمل كده!!"
ردد أوس بحزن وهي يشدد من عناقها:
"عارف يا ليلى، عارف. وكلهم عارفين كده كويس. هو اللي غبي، وبكرة يندم."
سألته ليلى بحزن ووجع:
"بكرة مش بيجي ليه يا بابا؟ أكتر من سنتين ومرجعش ولا الحقيقة ظهرت. هفضل قاتلة في نظره لحد امتى؟ طب أنا ماشية، لكن ذنب عمتو وأونكل بدر إيه؟ أنا بنت خالهم لكن هما عيلته، أبوه وأمه. متأكدة إن الوجع جواهم أكبر بكتير من وجعي."
سألها أوس مباشرة:
"قلبك حن ليه؟"
صمتت للحظات ثم قالت بمرارة ووجع:
"حبه نهيته ودفنته خلاص. يوم ما شفت نظرتُه ليا يومها واتهامه، ولما كان هيموتني لولا إنكم حشتوه بعيد عني. تنهدت ثم تابعت بحزن: كل الحكاية إني مش عايزاه يفضل شايف نفسه مظلوم كتير، عايزاه يندم يا بابا، عايزة أشوفه موجوع ندمان زي ما أنا موجوعة."
ثم تابعت بكراهية:
"أنا عايزة حقي يرجعلي، عايزة أذله زي ما ذلني قدام الكل وأهاني. أنا بكرهه أوي!!"
أغمض أوس عينيه بحزن. الزمن يعيد نفسه من جديد بكل شيء، ولكن بألم أكبر!!!!
***
كان يقف بشرفة غرفته شارداً في النظر للسماء، يتساءل إلى متى سينتهي عقابه. أكثر من خمسة وعشرين عاماً وهو يعيش بمفرده متولياً تربية أبنائه. لقد ظن أنه بمرور الأيام سينساها، لكن أبداً لم يحدث.
وقعت عيناه على ابنته تجلس بمفردها على تلك الأرجوحة التي تشبه الأريكة، شاردة هي الأخرى. نزل للأسفل، وما إن اقترب منها سألها بحنان:
"قاعدة لوحدك بتعملي إيه يا سيدرا؟"
ابتسمت قائلة وهي تفسح المجال لأبيها ليجلس بجانبها:
"كنت بجري شوية وقعدت أرتاح."
أومأ إلياس لها بصمت، لتسأله على بغتة وبدون مقدمات:
"بابا، هو انت عمرك حبيت؟"
سألها بتوتر:
"ليه بتسألي السؤال ده؟"
حركت كتفيها لأعلى قائلة:
"فضول مش أكتر."
تنهد قائلاً بابتسامة حزينة:
"أكيد، مش أنا بشر برضه وعندي قلب."
سألته بتردد وقلبها لم يطاوعها على ذكر اسم تلك المرأة ومناداتها بذلك اللقب الذي لا تستحقه بتاتاً:
"طب، اللي انت حبيتها دي تبقى..."
فهم ماذا تعني، أكمل هو:
"قصدك حبيت مامتك؟"
أجابته بضيق:
"بابا، لو سمحت. الست دي خسارة فيها كلمة أم."
عاتبه إلياس قائلاً:
"سيدرا، دي مامتك. اتكلمي عنها كويس."
أشاحت بوجهها قائلة بسخرية:
"أم بإمارة إيه؟ خليني ساكتة يا بابا من فضلك بلاش نفتح سيرة الموضوع ده."
أومأ لها بصمت، لتعيد سؤالها:
"طب إيه، كمل. لسه بتحبها؟"
نفى برأسه قائلاً:
"محبتهاش. جوازي من والدتك مكنش حب أبداً."
سألته بفضول:
"يعني كنت بتحب واحدة تانية؟"
أومأ لها، ثم أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يردد بحب:
"محبتش في حياتي غيرها. هي بالنسبة ليا نجمة في السما، أقدر أشوفها لكن صعب أوي أوصلها."
سألته بفضول:
"طالما بتحبها أوي كده، متجوزتهاش ليه؟"
ظهر الحزن على ملامح وجهها بوضوح وهو يردد:
"كان هيحصل بس ضيعتها من إيدي بغبائي!! أنا مكنتش كده زمان، كنت عصبي و متهور، كان فيا صفات وحشة كتير، وكانت سبب إني أخسرها وأضيعها من إيدي."
كانت سيدرا تستمع له باهتمام وهو يردد بحزن:
"أنا مكنتش قادر أفهم هي محتاجة إيه. كنت متردد في إني آخد خطوة وأقرب منها، وكنت خايف أندم في يوم إني اخترتها. وسبب خوفي وترددي ده خلاها ما تحسش بالأمان معايا، وزودت شعورها ده بغلطة غبية مني كانت الناهية لعلاقتي بيها اللي يا دوب كانت لسه بتبتدي."
"طب هي دلوقتي فين؟ بتشوفها ولا لأ؟"
ابتسم إلياس بحزن قائلاً:
"بشوفها طول الوقت، وكل مرة عيني بتيجي عليها بحس بحسرة كبيرة في قلبي إني ضيعتها من إيدي."
"اتخطبت؟"
أومأ لها قائلاً بابتسامة حزينة:
"اتخطبت. اتخطبت للي يستاهلها بجد. قدرت تلاقي معاه الحب والأمان اللي فشلت أنا أحسسها بيه. هما الاتنين يستاهلوا بعض. وعلى قد ما بحس بحسرة لما بشوفها مع غيري وإني ضيعتها من إيدي، على قد ما بفرح لما بشوفها مبسوطة معاه."
ألمها قلبها لألم والدها، لتسأله بحزن:
"عشان كده سميتني سيدرا؟"
نظر لها بصدمة، لتتابع هي:
"مش اسمي برضه معناه نجمة زي ما وصفت حبك ليها بالظبط؟ كان نفسك تسميني على اسمها؟"
تنهد قائلاً بحزن:
"كان نفسي."
"طب ليه لأ؟"
"أسباب كتير أوي."
سألته بفضول:
"اللي هما إيه؟"
رفض الإجابة قائلاً:
"هحتفظ بيهم لنفسي."
"طب ممكن أعرف هي مين؟"
صمت ولم يجيب، ففهمت عدم رغبته في البوح. عم الصمت لدقائق، لتسأله هي:
"هي ليه سابتنا ومشيت يا بابا؟"
فهم أنها تتحدث عن والدتها "نسرين". استمع لها بصمت وهي تتابع بحزن:
"مهما حاولت أخفي، لكنه ظاهر بوضوح بصوتها: إحنا كنا صغيرين أوي، معتقدش ممكن نكون عملنا حاجة تخليها تزعل وتسيبنا وتمشي. ولو حضرتك كنت السبب..."
ضحكت بسخرية قائلة:
"بس حتى ده مش مبرر أبداً عشان ترمينا وتتخلى عنا بسهولة وما تبصش وراها حتى ولا مرة. ده أنا حتى معرفش شكلها إيه."
ربت إلياس على يدها محاولاً إيجاد كلمات لتخفف من وجع ابنته، لكنه لم يجد. لتتحدث هي بدلاً عنه:
"أنا مش بقول كده زعلانة، أنا بس مستغربة إزاي في أم تبقى كده."
صمت مرة أخرى، قاطعته هي مرة أخرى قائلة بحب:
"عارف يا بابا، أنت أحن وأجمل أب في الدنيا، والحمد لله إن أنت اللي معانا مش هي. لأني متأكدة إنها ما كانتش هتحبني أنا ويونس زي ما أنت بتحبنا."
ابتسم ثم جذبها لأحضانه قائلاً بحنان:
"إنتي وأخوكي كل حياتي يا سيدرا، والحاجة الوحيدة اللي مصبراني في الدنيا. أنا مليش غيركم."
جاء بتلك اللحظة صوت توأمها يونس الذي يسبقها بدقائق فقط قائلاً بمرحه المعتاد:
"خيانة مش عيب يا إلياس باشا تحضن بنتك لوحدها كده وتنساني، ها مش عيب؟"
ضحك إلياس فاتحاً ذراعه الآخر له قائلاً بحب:
"تعالى يا أهبل."
القى يونس بجسده بأحضان والده الذي ردد بحب وحنان مشدداً من عناقهم:
"ربنا يخليكم ليا."
قبل الاثنان يده قائلين بحب:
"ويخليك لينا يا بابا."
***
في الصباح بفيلا بدر الجارحي. جلست أخيراً على المقعد لترتاح دقائق قليلة قبل أن تعاود لعملها من جديد. مقررة أن تهاتف صديقتها "حبيبة" التي ما إن رأت اسمها يزين شاشة الهاتف أجابت على الفور قائلة بلهفة وقلق:
"طمنيني يا بت، أحوالك إيه ولقيتي شغل ولا لسه؟"
أجابتها سلمى:
"لقيت شغل الحمد لله يا حبيبة، والناس اللي بشتغل عندهم كويسين أوي."
تنهدت الأخرى براحة قائلة:
"طب الحمد لله. ابعتيلي العنوان في رسالة وسيبِ تلفونك مفتوح على طول عشان أطمن عليكي من وقت للتاني."
"حاضر."
صمتت للحظات قبل أن تسألها بتوتر:
"حبيبة، هو... هو بابا سأل عني؟"
لم تعرف بما تجيب عليها، لكن بكل الأحوال سوف تعرف لذا قررت أن تقص عليها ما حدث قائلة:
"أبوكي خد مراته وإخواتك وسافر بلدكم بعد ما باع الشقة لجابر الجزار."
أغمضت سلمى عيناها بقهر، ومنعت نفسها بصعوبة بالغة من البكاء، خاصة الآن وكل هؤلاء الخدم من حولها، وهي تستمع لكلمات رفيقتها تقول بحزن:
"متزعليش نفسك يا سلمى، بكرة يندم."
ردت عليها بسخرية مريرة:
"أو ما يندمش مش فارقة، خلاص خلص."
حاولت أن تجد كلمات تواسيها بها:
"سلمى..."
لكن قاطعتها سلمى قائلة باقتضاب:
"أنا هقفل بقى، ورايا شغل. بينادوا عليا، هكلمك وقت تاني يا حبيبة. سلميلي على خالتي وإخواتك لحد ما أشوفكم، سلام."
أغلقت معها الهاتف وعادت تباشر عملها من جديد بذهن شارد وقلب محطم. لقد تخلى عنها والدها، سافر وتركها وحيدة دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عنها حتى وكيف تعيش!!!
ردت باقتضاب على أحد الخادمات التي طلبت منها أن تنظف غرفة ما بالطابق العلوي لحين أن تنهي هي جلي الأطباق التي بيدها:
"ماشية."
عملت مثل الآلة، تنظف الأتربة هنا وهناك، وغيرت شراشف الفراش. رفعت كل ذلك مثل الآلة، كانت تمسك بيدها أحد التحف ذات اللون الأسود تنظفها، بينما عقلها يسترجع كلمات حبيبة وأفعال والدها معها هو وزوجته. تكونت طبقة شفافة من الدموع على عيناها. لم تشعر بفتح باب الغرفة ولا بدخول صاحبها، ولم يكن سوى مروان، ولا صوته وهو ينادي عليها. اقترب منها يحركها بطرف إصبعه قائلاً بقلق:
"يا آنسة."
أفلتت قطعة الزينة من بين يديها بفزع ليدوي صوت تحطيمها بالمكان تزامناً مع بكائها. ليسألها مروان بقلق وهو يرى انتفاضة جسدها وعلو شهقاتها:
"اهدي، اهدي، بتعيطي ليه دلوقتي؟"
لم تهدأ بل زاد الأمر سوءاً. تحول وجهها للون الأحمر، الدموع تنساب من عيناها بغزارة حتى أغرقت وجهه. لم يعرف ماذا يفعل. عندما كانت تبكي شقيقته كان يجذبها لأحضانه، لكن تلك ليست شقيقته ليفعل ذلك. جذبها من يدها برفق حتى تجلس على طرف الفراش قائلاً بقلق:
"اهدي يا... اسمك إيه؟ بتعيطي ليه؟ حد ضايقك من اللي في البيت؟"
نفضت برأسها ولا تزال تنتحب بقوة، ليسألها بحيرة:
"طب مالك بتعيطي كده ليه بس؟ تعبانة؟"
لم تجد ما تقوله، لتشير بيدها على حطام تلك الزينة قائلة بتلعثم من بين شهقاتها العالية:
"كسرتها غصب عني."
اتسعت حدقتاه بدهشة قائلاً:
"بقى المناحة دي كلها عشان دي اتكسرت؟"
أومأت له بتوتر ولا تزال تبكي. لم تكذب عليه، فسبب من أسباب بكاءها أنها ستخسر العمل الذي وجدته بعد بحث طويل بسبب كسر تلك التحفة التي بالتأكيد باهظة الثمن ولن تقدر على دفع ثمنها.
ضرب كفاً بالآخر من الصدمة وضحك قائلاً:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، يا شيخة. ده أنا قلت حد معذبها ولا حصلت مصيبة."
أجابته بصوت متحشرج ولا تزال دموعها تنساب من عيناها وجسدها ينتفض. زفر بضيق، سرعان ما ضحك بخفوت قائلاً وهو يقول بجدية:
"اقفي."
فعلت ما قال، ليلتقط هو أحد التحف التي تزين مكتبة الحائط الخاصة به، ثم دفعها بالأرض بعيداً لتتحطم لأشلاء على الفور تزامناً مع شهقتها الفزعة. ليقول هو بابتسامة:
"اهدي. محصلش حاجة. مش مستاهلة تبكي بالشكل ده عليها. فداكي يا ستي ألف واحدة زيها. المهم إنك متأذيتيش منها."
أخفضت وجهها بحرج وخجل، ليسألها بمرح:
"عايزة منديل ولا بتستخدمي الكم عادي؟"
انحنت لتنظف الزجاج من الأرض قائلة بحرج وهي تمسح دموعها:
"أنا آسفة. هنضف كل حاجة بسرعة."
تنهد وانحنى هو الآخر يجذبها لتقف قائلاً بابتسامة:
"اقفي بس وسيبِ اللي في إيدك. هتنضفي إزاي الإزاز وإنتي بتترعشي كده؟ هتجرحي إيدك. وتاني حاجة، بعد كده أوعي توطي قدام أي راجل."
أخفضت وجهها بخجل، وقد فهمت مغزى كلماته. فتابع هو حديثه مردداً:
"أنا مش بقول كده عشان أحرجك أو إن أنا نيتي وحشة مثلاً ومن النوع ده. أنا بنصحك، معايا أو مع غيري، خدي بالك من تصرفاتك يا سلمى."
ثم تابع بابتسامة:
"مش اسمك سلمى برضه؟"
أومأت له بحرج، ليردد هو:
"طب يلا روحي اغسلي وشك واهدي."
غادرت قائلة بخفوت وخجل:
"متشكرة."
ما إن اختفت من أمامه، ضحك بخفوت متذكراً هيئتها وهي تبكي لأجل شيء لا يستحق. مردداً:
"يا بنت المجنونة."
***
بخطوات بطيئة كان يدخل من باب المعرض الخاص بها. عيناه تبحث عنها بلهفة وخوف من تلك اللحظة التي هو مقدم عليها. ظل يدور بعينيه في المكان حتى وقعت عيناه عليها تجلس بأحد زوايا المعرض، أمامها منضدة مستطيلة كبيرة عليها أدوات العمل الخاصة بها، تصمم عليها أعمالها اليدوية. كانت تضع كامل تركيزها بالعمل الذي بيدها حتى أنها لم تشعر بوجوده حتى قال هو بصوت مشتاق:
"جوري!"
جمدتها الصدمة بمكانها. هذا الصوت تعرفه، تعرفه بل تعرف صاحبه تمام المعرفة. بالطبع هناك شيء خاطئ، ربما أصاب أذنها شيء ما!! رفعت وجهها ببطء، وما إن وقعت عيناها عليه، ألجمتها الصدمة. هو أمامها بعد كل ذلك الوقت، أمامها. جاء بقدمه إليها بعد كل ما فعل بها. كانت عكس شقيقتها بكل شيء. جوان تمتلك قدر كبير من القوة لتقدر على مواجهة هكذا موقف دون أن تضعف، لكن هي عكسها تماماً. دموعها تسبقها، سريعة البكاء عندما تتألم، لا تقدر على التحكم بذاتها. تلك الصفة أكثر ما تبغضه بشخصها!! تمنت تلك المرة أن تصمد عيناها ولا تزرف تلك القطرات الشفافة التي ستعلن عن ضعفها، لكنها مثل كل مرة خذلتها وسقطت دمعة من عيناها يليها المزيد. لم تستطع فرض سيطرتها عليهم!!
ألمه قلبه عليها. اقترب خطوتين منها لتتراجع هي مثلهم للخلف قائلة بجدية وهي تمسح دموعها سريعاً:
"تحت أمرك يا فندم. في حاجة عجبتك ولا هتطلب تصميم مخصوص؟"
عاد ينطق اسمها من جديد بحزن واشتياق:
"جوري."
حاولت هي الأخرى عدم البكاء قائلة بصوت حاولت أن تجعله طبيعي:
"طلبك إيه يا فندم؟"
أجابته بحزن وعشق:
"إنتي طلبي وكل حاجة عايزها من الدنيا، إنتي وبس يا جوري."
أجابته بجدية وهي تشير للباب من خلفه:
"طلب حضرتك مش موجود. شرفت."
نطق اسمها بتوسل أن ترحمه وتكف عن الحديث بتلك الطريقة التي تؤلم قلبه:
"جوري، من فضلك."
تجاهلته وجلست خلف المنضدة وبدأت بالعمل مرة أخرى، متجاهلة النظر إليه. اقترب منها حتى بات واقفاً بجانبها مردداً باشتياق:
"وحشتيني."
وبصعوبة بالغة سيطرت على مشاعرها وكافحت لتحتفظ بتعابير وجهها الجادة. لينحني هو جالساً على ركبتيه بعد أن حرك مقعدها لتبقى في مقابله وجهاً لوجه قائلاً بحزن واشتياق:
"أكمل الزيني جالك راكع لحد عندك زي ما قولتيله زمان."
ضحكت بسخرية قائلة دون النظر إليه حتى:
"يمكن زمان كانت تفرقلي إنك تيجي راكع، لكن دلوقتي مبقتش فارقة زي ما وجودك مش فارق معايا. وعلى فكرة جوان موجودة في النادي، أعتقد إنت عارف العنوان، تقدر تروح لها."
تمنى أن تنظر له، لكنها حتى تلك حرمته منها. ليجيبها بصدق وعشق:
"أنا هنا عشانك يا جوري، مش عشان جوان. أنا هنا عشانك إنتِ وبس."
ثم تابع بحزن وندم:
"أنا مش وحش يا جوري. أنا بعترف إني غلطان، بس فقت قبل فوات الأوان. ده ميشفعش ليا في قلبك."
ضحكت قائلة بعدم تصديق:
"فقت بعد فوات الأوان؟ تصدق ضحكتني. بتضحك على نفسك بكلمتين عشان تبرئ نفسك من غلطك؟"
نفى برأسه قائلاً بحزن:
"مش بضحك على نفسي. واحد غيري كان هيكمل في اللي بيعمله، مكنش هيفكر فيكي ويعترفلك بكل حاجة. وكنتِ ساعتها بدل ما تكوني فاسخة خطوبتك، هتبقي... مطلقة أو مع واحد..."
صمت لتكمل بدلاً عنه بسخرية مريرة:
"مع واحد متجوزاه وفي الأصل بيحب أختك."
كاد أن يتحدث، لكنها سبقته قائلة بتهكم:
"لو كان بيفكر فيا وعايز مصلحتي، ما كانش دخلني في لعبة زي دي من الأول."
نطق اسمها بتوسل قائلاً:
"جوري."
ردت عليه بجفاء يخالف كل ما بداخلها بتلك اللحظة:
"قولتلك طلبك مش موجود. اتفضل امشي."
مسك يدها ليديرها حتى تنظر له، لكنها نفضتها بعيداً عنها قائلة بحدة وغضب:
"إياك تتجرأ وتلمسني."
"أنا آسف."
اعتدل واقفاً، وكذلك هي، لتقول بدون وعي منها بحزن وعتاب:
"انت عايز مني إيه؟ رجعت ليه يا أكمل؟"
أجابتها بصدق:
"رجعت عشانك. علاقتنا تستاهل فرصة تانية يا جوري. لو ليا خاطر عندك سامحيني واديني فرصة أخيرة بس."
ابتعدت للخلف قائلة بسخرية:
"اديك فرصة تانية بإمارة إيه؟"
اقترب خطوة مماثلة قائلاً بحب:
"إننا بنحب بعض."
نفت برأسها قائلة بسخرية:
"قصدك إنت بتحب، وحتى دي أنا مش واثقة منه."
نظر لداخل عينيها قائلاً بحزن:
"بطلتي تحبيني؟"
أومأت له قائلة:
"بطلت."
نفى برأسه غير مصدقاً ما تقول:
"كدابة!!"
حركت كتفها لأعلى قائلة:
"مش مجبرة أخليك تصدق، لأن الحقيقة إنك مش فارق معايا."
ثم تابعت وهي تشير بيدها للباب:
"لو مش هتطلب حاجة، اتفضل امشي ومتعطلنيش عن شغلي."
بلحظة دخلت العاملة التي تساعدها في البيع قائلة بتساؤل:
"إنسة جوري، في حاجة؟"
نفت قائلة بسخرية:
"وصلِ الأستاذ للباب، ملقاش طلبه. هن..."
دخلت من الباب مرة أخرى جوان قائلة بحماس سرعان ما تبدد ما إن رأت أكمل:
"إيه رأيك في المفاجأة دي يا جوج... أنت!!!"
نظرت له بغضب قائلة بصدمة وغضب:
"بتعمل إيه هنا؟"
تدخلت العاملة قائلة بجدية لأكمل:
"اتفضل يا أستاذ."
أوقفتها جوري قائلة:
"خلاص روحي شوفي شغلك دلوقتي، هو لقى طلبه."
جوان بحدة وغضب:
"جوري، بيعمل إيه هنا؟"
أشارت له جوري بيدها قائلة:
"اهو عندك اسأله."
تنهد أكمل بحزن مغادراً المكان بأكمله، لتسأل جوان جوري مرة أخرى بضيق:
"جوري، جاوبيني إيه اللي بيحصل هنا وإيه ده اللي جابه عندك؟"
رددت جوري بحزن وهي تنظر للباب أثر خروجه:
"كان جاي فاكر إنه هيلاقي طلبه، بس ملقهوش."
***
دخلت للشركة الخاصة بوالدتها وأشقائها لتقابل خالها "أوس" بعدما تلقت اتصالاً هاتفياً منه حتى تأتي له. لكن قبل أن تدخل لمكتبه توقفت ما إن استمعت لصوت ابن خالها الأكبر "مالك" قائلاً:
"إزيك يا عشق."
التفتت له قائلة بابتسامة خطفت قلبه للمرة التي لا تعرف عددها:
"الحمد لله يا مالك، إنت إزيك؟"
ردد بهيام وبدون وعي:
"بقيت كويس."
ابتسمت بحرج ليسألها:
"إنتي رايحة فين؟"
أشارت لمكتب والده قائلة بابتسامة:
"جاية لخالو أوس، كان عايز يشوفني."
ابتسم قائلاً بحب:
"طب لما تخلصي، ممكن تيجي مكتبي... احم يعني مش معقول تيجي الشركة ومتجيش تشربي حاجة في مكتب ابن خالك وتنوريه لأول مرة."
ابتسمت قائلة بخجل:
"حاضر."
تنهد قائلاً بابتسامة:
"حضرلك كل خير."
بنفس اللحظة خرج حمزة شقيقه الأصغر قائلاً بابتسامة ما إن رأى عشق:
"عشق، عاملة إيه؟ ليكي وحشة."
لكنها لم تستطع الرد، حيث خرج أوس خلفه قائلاً:
"واقفين عندك بتعملوا إيه؟"
عشق بابتسامة:
"مفيش يا خالو، كنا بنسلم على بعض عادي."
ابتسم ما إن رآها قائلاً بحنان:
"حبيبة قلب خالك إنتي. تعالي."
دخلت معه للمكتب وتركت أنظار الاثنين معلقة على الباب المغلق.
جلس على الأريكة وهي بجانبه يسألها:
"قوليلي ماما عاملة إيه؟ أوعي يكون أبوكي مزعلها."
ضحكت بخفوت قائلة:
"لأ يا خالو، بابا مستحيل يقدر يزعلها. ده لو عرف إن حد فينا ضايقها بكلمة، بيقلب البيت كله فوق دماغنا."
ابتسم أوس بسعادة، كل مرة يثبت له بدر للجميع أنه كان بقدر ثقتهم التي منحوه إياها، لقد صان شقيقته وكان محافظاً على عهده معهم. سألته عشق:
"حضرتك كنت عايزني في موضوع مهم؟"
أومأ لها قائلاً بابتسامة:
"مظبوط."
ثم تابع حديثه قائلاً بتساؤل:
"إيه رأيك في مالك؟"
"مالك؟"
سألها بابتسامة ماكرة:
"إيه، مش عارفاه يعني؟"
نفضت قائلة بحرج وخجل:
"لأ طبعاً عارفاه. في حد ما يعرفش ابن خاله. بس رأيي فيه من ناحية إيه؟"
"كزوج."
تلعثمت وهي تجيبه وتوردت وجنتها بحمرة من الخجل الشديد:
"هو كويس و... أي بنت تتمناه... بس حضرتك بتسألني ليه؟"
ضحك بخفوت قائلاً:
"تفتكري إنتي ليه؟"
لم تجب، ليتابع هو بهدوء:
"من الآخر يا عشق، أنا مش هلاقي لمالك زوجة أحسن منك. ومكنتش هتكلم معاكي وأفاتحك في الموضوع ده غير لما لاحظت إن فيه مشاعر بينك وبينه متبادلة."
فركت جلد يدها بتوتر قائلة بحرج:
"خالو، أنا آسفة بس... أنا مش موافقة."
صدمها رده، لتقول بحرج وحزن:
"أنا مقلتش الكلام ده لحد قبل كده، ومكنتش ناوية. بس طالما حضرتك فتحته يبقى لازم أقول. بس اوعدني يفضل سر بينا."
سألها بحزن خفي:
"في حد في حياتك يا عشق؟"
نفضت قائلة بتردد وحزن:
"حمزة طلب يتجوزني."
نزل الرد على أوس كالصاعقة. ابناه الاثنان واقعان في غرام نفس الفتاة!!!!!!
***
في المساء، حفل صاخب. الظلام يعم المكان يتخلله أنوار خفيفة حمراء وغيرها عبر كرة معلقة بالسقف. أصوات الموسيقى عالية تجعلك غير قادر على سماع صوت من بجانبك حتى، وأجساد تتمايل على إيقاعها. الجميع يتوافدون على المكان، وكل منهم يرتدي قناعاً، إما يغطي وجهه بالكامل أو جزء منه.
دخل "إياد" للحفل برفقة ابن عمه "هشام" وأصدقائه. ينظر للمكان حوله بإعجاب. مضى وقت قصير وهو يحاوط خصر فتاة ما يمرح معه. لكن فجأة توقفت الموسيقى وتعالت همهمات الجميع ينظرون خلفه، فنظر هو الآخر خلفه تلقائياً لتنحبس أنفاسه مما رأى!!
فاتنتان، أقل ما يقال عنهما أنهما ملكات جمال!! لكن تلك صاحبة البشرة الحليبية والفستان الأحمر الناري الذي ينساب على جسدها وبدون أكتاف. خصلات شعرها الأصفر المائل للبرتقالي مصفف بعناية، وقناع ذهبي لامع غطى منتصف وجهها. على الرغم أنه لم يرى وجهها بالكامل ولا يعرف أن كانت جميلة أم لا، لكنه متيقن من أن جمال وجهها بالتأكيد لن يقل جمالاً عن جسدها الذي تفحصه بعينيه الخبيرة بالنساء!!
مر الاثنتان من أمامه وهو لا يزال مثبت عينيه عليهما. ماذا فعلت له تلك الفتاة لتجعله يراقبها بكل ذلك الشغف والاهتمام كل تلك المدة، وهو الذي لم يبقِ عينيه على أي فتاة، بل هن من كن يتهاتفن عليه، بينما تلك كسرت تلك القاعدة!!!
تعالى هتاف الجميع فجأة مهللين بسعادة باسم فتاتين لم يركز معهما بتاتاً، بل كان كل تركيزه معها. فجأة وجدها تصعد المنصة الدائرية برفقة تلك الجميلة التي معها ولم تقل عنها جمالاً. فجأة بدأت بالغناء برفقة من معها بصوت جميل. مدة لا بأس بها، وما إن انتهت، تساءل إياد باهتمام بينما عيناه رافضة أن تتوقف عن النظر لها:
"مين دول؟"
تدخلت كارلا وهي إحدى الفتيات التي يعرفها هشام مجيبة بدلاً منه بحقد:
"دول من بنات عيلة العمري، صافي وجوان."
سأل مرة أخرى باهتمام:
"طب واللي لابسة فستان أحمر دي اسمها إيه؟"
هشام وهو يرتشف من كأس الخمر بيده:
"دي صافي بنت أدم العمري. ده أنا فاكرك عارفهم. أبوك وعيلة العمري ومعاهم عيلة عمران داخلين منافسة قصاد بعض على مين اللي هيتولى تصميم القرية السياحية في الساحل. مشروع ضخم أوي. اللي هيتولى تصميمه هيحقق مكاسب كتير أوي ويتنقل في مكان تاني، خصوصاً إن اللي عايز يبني القرية دي أجانب وناس تقيلة أوي من لندن."
استمع له إياد باهتمام وعيناه لازالت عليها. انطفأت الأضواء جميعاً إلا من نور خفيف مصوب على المكان المخصص للرقص. ليجد قدمه تقوده إليها، رافعاً يده لها قائلاً بصوت رجولي بحت زلزلها من الداخل:
"تسمحيلي؟"
نظرت لداخل عينيها الجريئة، ثم لابتسامته الواثقة التي بادلته بمثلها، قبل أن تضع يدها بيده تشاركه رقصتها الأولى مع شخص غريب عنها!! ما تفعله الليلة مخالف تماماً لما تربت عليه، لكنها تفعل ذلك عناداً بوالدها ليس أكثر!!
بدأ الرقص معها باحترافية شديدة، يتبادلان النظرات بصمت دون حديث، وبدون إرادة منها اندمجت معه تائهة بنظراته التي زلزلتها من الداخل. كانت جوان منشغلة مع رفاقها، كما يلقبهم أمير، رفاق السوء هم بالفعل كذلك. بينما صافي كانت بعالم آخر، وكذلك الحال مع إياد الذي لا يختلف عنها.
انتهت الموسيقى، فجذبها من يدها بدون حديث للحديقة خارج الحفل بعيداً عن الجميع، وهي تسير خلفه كالمغيبة، كأنه ألقى تعويذة ما عليها جعلتها غير قادرة على الحديث والاعتراض.
تحدثت أخيراً بعد صمت بارتباك:
"انت مين؟"
لم يبعد عينيه عن خاصتها مردداً:
"مش عارف."
تحركت لتغادر، لكن أمسك يدها جاعلاً إياها تدور حول نفسها عدة مرات قبل أن تستقر بأحضانه، يدها على صدره ويداه على خصرها. كان مأخوذاً بسحرها، قائلاً بهيام بعينيها التي ألقت عليه سحراً جعلته غير قادر على النظر لغيرها:
"ارقصي معايا."
بدأ يتحرك معها برقة، وهي معه غير قادرة على الاعتراض أو التفوه بأي كلمة. توقف الاثنان بعد وقت، لتستقر عيناه أخيراً على شفتيها، يميل برأسه تجاهها كالمغيب!!!!
رواية ضحايا الماضي الجزء الثاني "ما ذنب الحب" الفصل الثالث 3 - بقلم شهد الشوري
بدأت تتحرك معها برقة وهي معه، غير قادرة على الاعتراض أو التفوه بأي كلمة.
توقف الاثنان بعد وقت، لتستقر عيناه أخيرًا على شفتيها. يميل برأسه تجاهها كالمغيب !!!!
بدأ ناقوس الخطر يدق عندها، وأفاقت من تلك الغيمة الوردية التي كادت أن تجعلها تقع في المحظور. لذا، وبدون مقدمات، صفعته على وجنته قبل أن تهرب من أمامه ومن المكان بأكمله.
ركضت لداخل الحفل، تمسك بيد ابنة عمها تسحبها للخارج حتى يغادروا سريعًا، رافضة الإجابة على جميع تساؤلاته.
بينما هو أيضًا أفاق من سحر تلك اللحظة، متعجبًا من حالته التي كان عليها قبل قليل.
منذ أن جاء من الحفل، يجلس مكانه ببهو القصر ينظر للفراغ شاردًا بها. لما صفعته؟ كل الموجودين بذلك المكان، وبشهادة ابن عمه "هشام"، الاحترام والعفة لا يعرف لشخصهم طريق. لكن لما هي رفضت أن يقبلها؟ هل هي مختلفة حقًا، أم أنها تتمنع وترسم عليه دور العفة؟ وإن كانت هي عفيفة وذات أخلاق، فماذا تفعل بهكذا مكان؟
أسئلة كثيرة تدور بعقله لا إجابة لها. لم يهتم لأحد هكذا من قبل، ولا يعرف لماذا يهتم لأجلها.
لم ينتبه لجلوس والده بجانبه، ويدعى عاصي، قائلًا بتمني وهدوء:
"أتمنى تكون عقلت وناوي تستقر هنا بقى وتمسك الشغل معايا بدل السفر من بلد لبلد."
أجابه بهدوء:
"أنا مرتاح كده."
عاصي بضيق:
"يعني إيه؟"
تنهد قائلًا بهدوء:
"يعني يا بابا أنا مرتاح كده، خلي الشغل ليك ولعمي فاروق وهشام."
عاصي بحدة وغضب:
"بس هشام مش ابني عشان يمسك الشركة والشغل من بعدي."
يمسح بيده على وجهه قائلًا بتعب وحزن:
"يا بني، عمك فاروق وابنه هشام طماعين ومش هيملى عينهم غير التراب، مهما ياخدوا فلوس مش بيشبعوا. أنا عارف اللي بيعملوه وسايبهم بمزاجي، عيني عليهم. لكن أنا مش هفضل كده طول العمر، أنا تعبت ونفسي أرتاح وأتسند عليك وتفضل جنبي."
يربت على كتفه قائلًا برجاء:
"ريح يا بني بالي وانزل اشتغل في ملك أبوك وراعي مصالحه. أنا ماليش في الدنيا دي غيرك."
صمت إياد لوقت ثم قال بابتسامة صغيرة:
"حاضر يا بابا، اللي تشوفه."
تهللت أسارير والده قائلًا بسعادة:
"من بكرة تنزل الشركة، وأحسن وأكبر مكتب هيكون جاهز. النهارده قبل بكرة عشانك."
أومأ له إياد بابتسامة صغيرة قائلًا وهو يلتقط أغراضه:
"تمام يا بابا، تصبح على خير."
***
يجلس سليم أدهم الجارحي برفقة شدوى بمنزله الذي يقضي به بعض الأوقات وحده بعيدًا عن قصر العائلة.
انتهى هو وهي من توقيع عقد الزواج العرفي، وعلى الفور طوى الورقتين ووضعهم بجيب سترته.
ما فعله جعلها تشعر بالصدمة، لتسأله:
"انت خدت الورقتين ليه؟"
سألها سليم بسخرية:
"وتاخديهم انتي ليه؟"
ثم تابع بنظرات ثاقبة ومكر:
"لا تكوني ناوية تعملي بيهم حاجة."
نظراته الثاقبة تجاهها أربكتها، لتقول بتوتر:
"لا، هعمل بيها إيه يعني."
ابتسم بزاوية شفتيه قائلًا ببرود واستهزاء:
"خلاص، يبقى ميخصكيش. هيتقطعوا في الأخر."
جزت على شفتيها بغيظ، ثم تنهدت بعمق مقتربة منه، تضع يدها على صدره بإغراء قائلة بدلال مثير:
"انت مش بتثق فيا يا روحي؟"
يضحك قائلًا بسخرية وبرود:
"أثق فيكي بتاع إيه؟ كنتي من باقية أهلي، فوقي لنفسك. اللي بيني وبينك ورقة تتقطع دلوقتي لو عاوزت كده، وده كان اتفاقنا. شكلك مستنية أكتر وشوفتي نفسك."
كادت أن تتحدث، لكنه لم يسمح لها قائلًا بصرامة:
"خلاصة الكلام، لو تصرفاتك هتفضل كده، الورقتين هيتقطعوا وتغوري في داهية. مش ماسك فيكي أنا، تروحي ويجي بدالك مية واحدة."
خشيت أن تخسر كل شيء، لذا حاولت التبرير:
"أنا مش قصدى..."
زفر بضيق مقاطعًا إياها بملل:
"خلصنا، مش هنقضيها رغي."
أومأت له قائلة بدلال وهي تجلس على قدمه، تحل أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر:
"عندك حق، مش وقته كلام، خلينا في الفعل."
جريئة لأبعد حد، لم يكن يتخيلها هكذا. لا ينكر شعور المتعة الذي تملكه منه برفقته.
بعد وقت ليس بقليل أبدًا، ارتمى على ظهره يلتقط أنفاسه قائلًا بقليل من المرح:
"طلعتي خبرة."
ضحكت بدلال مرددة بغنج:
"عجبتك يعني؟"
أشعل سيجارته نافثًا دخانها، مرددًا ببرود وكذب:
"مش بطال."
رسمت على شفتيها ابتسامة لم تصل لعيناها التي تشتعل بالغضب والغيظ، قائلة بدلال:
"المرة الجاية، وشرفي، هخليك تنسى اسمك."
ضحك ببرود قائلًا بتهكم:
"أما نشوف. بس ابقي احلفي بحاجة تاني غير شرفك عشان أصدق."
ألقى لها حفنة كبيرة من المال، يأمرها أن تغادر. قبل أن يتوجه للمرحاض. فعلت ما قال، وما إن خرجت من باب المنزل والبناية بأكملها، هاتفت أحد الأرقام ليدور بينهما الحديث كالآتي:
شدوى بغيظ:
"ده بني آدم لا يطاق ومستفز أوي، أنا مسكت نفسي بالعافية عشان..."
جاءها صوت من على الجانب الآخر:
"اخرسي، بلاش رغي. مستفز زبالة زي ما يكون يكون، اعملي اللي مطلوب منك وبس. وزي ما قلتلك مرة ورا مرة، وبعدها يكون موجود في بيتك."
كادت أن تجيب، لكنها سمعت صوت صفير معلنًا عن انتهاء المكالمة. زمّت شفتيها بغيظ قائلة بغضب:
"شايفين نفسهم على إيه؟ ده أنا محترمة جنبيهم. يلا يولعوا في بعض، أهم حاجة آخد الفلوس."
قالتها وهي تصعد لسيارة الأجرة حتى تذهب لبيتها الجديد بمنطقة هادئة، والذي انتقلت له منذ ما يقارب الثلاثة أشهر.
لكن توقفت بمكانها عندما خرجت من المصعد حيث الطابق الأخير، لتتفاجأ بشقيقتها تجلس على حقيبة سفر كبيرة أمام الباب. ما إن رأتها، ردت:
"شدوى، انتي فين؟ أنا مستنياكي من الصبح وروحت البيت القديم، قالولي إنك بعتيه وروحت الشغل بتاعك القديم، قالولي إنك سبتي الشغل وشغالة دلوقتي في شركة تانية، ومن هناك عرفت عنوانك هنا. بلف عليكي من الصبح."
زفرت شدوى بضيق قائلة:
"طب جيالي ليه يا أسيل؟ وبتدوري عليا؟ مش قولتي هتستقري في البلد مع أعمامك؟"
رددت أسيل بضيق:
"مش هنتكلم على الباب، أظن."
فتحت شدوى الباب لتدخل الأخرى خلفها، تنظر للمنزل من الداخل بإعجاب اختفى وحل محله الضيق عندما قالت شدوى بفظاظة:
"لخصي وجيبي من الآخر عشان عايزة أدخل أنام، وإنتي تروحي تشوفي حالك."
زمّت أسيل شفتيها قائلة بضيق:
"أنا مش رايحة في حتة، أنا جاية أقعد معاكي."
صرخت عليها شدوى بحدة:
"تؤ إيه يا ختي؟ ليه إن شاء الله؟ خلفتك ونسيتك؟"
زفرت أسيل بضيق قائلة بحدة مماثلة:
"ليه؟ لأنك بعتي الشقة بتاعتنا، والمفروض تتقسم بينا بالنص."
ردت عليها بتهكم وغضب:
"اثبتي ده لو تعرفي. الشقة كانت باسمي، يعني ملكيش عندي حاجة، ويلا من هنا روحي من مكان ما رجعتي."
ضربت أسيل الأرض بقدمها بغضب قائلة:
"مش هيحصل. وأه، أنا مش هعرف أثبت، لكن ممكن أعمل كتير."
تظرت لها الأخرى باستهزاء، لتتابع أسيل بحدة:
"ممكن أروح لخلانك أقولهم انتي عايشة فين، وهما ما هيصدقوا، دول بقالهم أكتر من سنتين بيدوروا عليكي بعد ما طفشتي من البلد. وأنا سكت، مردتش أقول مكانك عشان متطوليش أذاهم."
صمتت شدوى بغيظ وهي ترمق الأخرى بغل، لتتابع أسيل ببرود:
"فكري فيها كده. أنا مش عايزة يربطني بيكي أي صلة. إنتي كنتي أختي حبيبتي لحد ما طعنتيني في ضهري وروحت لفيتي على خطيبي وسرقتيه مني. ما بقتيش فارقة معايا ولا طايقة يجمعني بيكي مكان واحد ولا نفس واحد حتى."
ردت شدوى بحنق وغضب:
"طالما مش طيقاني، جاية ليه؟"
تنهدت الأخرى قائلة بضيق وغصب:
"مجبورة. الفلوس اللي معايا متقضيش أجر أوضة وأصرف منهم على نفسي أكل وشرب. هقعد معاكي هنا أسبوعين، يمكن أقل بكتير كمان ألاقي بيت إن شاء الله، حتى لو أوضة أقعد فيها وشغل."
سألتها شدوى بفضول:
"سبتي البلد ليه من الأساس؟"
"ما يخصكيش."
نظرت لها بغيظ، لتتابع أسيل بتحدي:
"قولتي إيه؟ أرجع بلدنا وأبلغ خلانك؟ ولا تقوليلي فين الأوضة بتاعتي؟"
دخلت شدوى لغرفتها صافعة الباب بقوة، بعدها تعلى صوت تكسير زجاج، لتبتسم أسيل قائلة بتشفٍ وصوت عالٍ حتى تسمعها:
"وماله. اختارها أنا!!!"
***
كان أوس يجلس بغرفته يتابع بأعين حزينة وقلب متألم أبنائه الثلاثة وهم يجلسون بحديقة الفيلا، متذكرًا حديثه مع عشق في الصباح.
Flash back
ما إن قالت تلك الجملة التي ألجمته من الصدمة، رددها مرة أخرى:
"حمزة طلب يتجوزك؟"
أومأت له بحزن، ليسألها مرة أخرى بصدمة:
"إمتى؟ إيه اللي حصل بالظبط؟"
أجابته عشق بصعوبة وحزن:
"اللي حصل يا خالو إن حمزة اعترفلي إنه بيحبني وعايز يتجوزني من حوالي كام شهر وأنا رفضت."
سألها بصدمة:
"رفضتي ليه؟"
تنهدت بحزن قائلة:
"عشان أنا عارفة مشاعر مالك ناحيتي، وعشان مش عاوزة أزرع كره بين أخين ولا أجرح واحد فيهم، وعشان علاقتنا بحضرتك وطنط مهرة متتوترش أكتر خصوصًا بعد اللي حصل من يوسف. وأقل حاجة هتقولها إن وقعت بين الأخين وممكن علاقتك بماما تتأثر بكده."
تنهد قائلًا بكل صرامة:
"أولًا، علاقتي بحياة عمرها ما تتأثر بحاجة. دي أختي قبل ما تكون أمكم، ومش بعد السنين دي كلها علاقتي بيها تتأثر عشانكم انتوا. حاجة وهي حاجة تانية خالص."
أومأت له بصمت، ليسألها:
"طب انتي عايزة مين؟ حمزة ولا مالك؟"
أخفضت وجهها قائلة بحزن:
"الإجابة مش هتفرق في حاجة."
نفى برأسه قائلًا:
"لأ هتفرق."
لم تجب، ليتولى هو الإجابة عنها قائلًا:
"مالك مش كده؟"
صمتت لوقت قبل أن تؤمئ برأسها بنعم. كان في حيرة من أمره، ابنائه الاثنان واقعان بغرام ابنة شقيقته. إن تدخل سيظن الآخر أنه يفضل شقيقه عليه، بالإضافة لمهرة التي أصبحت تصرفاتها لا تطاق بالفترة الأخيرة.
Back
يبدو أن السعادة لا تدوم أبدًا. الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، تارة تريك حلاوة أيامها ومن السعادة ما لا تحلم بها، وتارة تذيقك ما لم ترى من القسوة قبل!
يبدو أن الحزن والألم كتب على أبنائه، بداية من صغيرته ومدللته التي عرف الحزن طريقه لقلبها باكرًا جدًا بسبب من لا يستحق... يوسف!!!
***
بتلك البناية الكبيرة التي شهدت جنون العشق وحزنه والسعادة والفرح على جميع قاطنيها بمرور كل تلك السنين، إنها بناية "أكمل النويري".
بمنزل أيهم الزيني، كان يجلس على الأريكة برفقة أكمل ابن فريد، الذي يقص عليه ما حدث عندما التقى بـ"جروي". وما إن أنهى حديثه، سخر أيهم منه قائلًا:
"ده بجد؟ كلمتك كده عادي؟ ما خبطتكش بحاجة في دماغك ولا هزأتك؟"
أكمل بحنق:
"أيهم، أنا مش ناقص."
تنهد أيهم قائلًا بحزن:
"والله ما حد صعبان عليا في الموضوع ده غير البت دي. انت عشان تجيب مناخير أختها الأرض وتوريها إنها خسرتك لما رفضت ترتبط بيك، روحت خطبت أختها دونًا عن كل البنات."
انفعل أكمل قائلًا بغضب:
"مش دي كانت فكرتك؟ قولتلي خليها تحس إنها خسرتك وتتقهر لما تشوفك اتغيرت وبقيت زي ما هي بتتمنى تكون."
أيهم بغضب:
"قولتلك روح لأختها يا حيوان! ولا قولتلك يكون باتفاق مع أي بنت عشان ما تظلمش اللي هتعمل معاك الدور ده."
ضحك بسخرية متابعًا:
"لكن البيه هو اللي مش بيفهم، راح جاب أختها ومن غير ما يخليها على علم باللي ناوي يعمله."
تنهد أكمل قائلًا بتألم وحزن:
"مكنتش أعرف إني هحبها يا أيهم."
تنهد أيهم بحزن هو الآخر قائلًا:
"هي مش هتقدر تثق فيك من تاني. كل مرة هتقولها بحبك مش هتكون واثقة فيها، هتفكرها لأختها. دول أختين، يعني وجودك بينهم ممكن يوتر علاقتهم ببعض ويزرع بينهم كره، ده لو ما كانش حصل بسبب اللي عملته زمان."
سأله بحيرة:
"طب أعمل إيه يا أيهم؟"
أجابه أيهم بجدية:
"أيهم مش هيتدخل تاني. المرة اللي فاتت اتدخلت وانت طلعت أهبل ونيلت الدنيا. ودلوقتي بالذات أنا مينفعش أتدخل. روح لأبوك يمكن يكون عنده الحل."
كاد أكمل أن يغادر ليوقفه أيهم قائلًا بجدية:
"بس هقولك حاجة، مشوارك هيبقى طويل أوي عشان تقدر تخليها تثق فيك وفي حبك. الثقة مش بالساهل بترجع."
كذلك خرجت نفس الكلام من بين شفتي والده "فريد الزيني"، مصاحبًا بصفعة ونظرة خذلان لابنه، معاتبًا إياه على فعلته تلك التي، ولأول مرة، يعرف بها. يبدو أن الزمن يعيد نفسه من جديد.
***
ما إن خطت لداخل المطبخ في المساء لتعد قهوة لزوجها الذي يتابع عمله للآن، استمعت لصوت بكاء يأتي من تلك الغرفة المتصلة بالمطبخ والتي تمكث بها "سلمى".
اقتربت بحذر من الباب الذي لم يغلق كليًا. دفعته برفق وقلق من أن تكون مريضة بالداخل، لتتفاجأ بها تجلس على الفراش تدفن وجهها بين قدميها تبكي بقهر وجسدها يرتجف بقوة.
اقتربت منها تسألها بقلق وحنان:
"مالك يا سلمى؟ بتعيطي ليه؟"
انتفضت سلمى واقفة قائلة بحرج وهي تمسح دموعها بكف يدها:
"مفيش حاجة يا هانم، أنا بس كنت بقطع بصل وعيني بتحرقني."
ضحكت حياة بخفوت قبل أن تجلس على الفراش لكي تستمع للحقيقة منها، فهي تعرف أنها كاذبة:
"مش شامة ريحة بصل يعني؟ وبعدين المطبخ موجود فيه مفرمة للبصل، يعني عينك مش هتوجعك منه ولا حاجة."
أخفضت سلمى وجهها بحرج، فجذبتها حياة برفق لتجلس بجانبها تسألها:
"مالك؟ حد مزعلك؟"
نفت برأسها، لتبتسم حياة قائلة بمرح:
"طب عايزة تتكلمي براحتك؟ أنا بسمع من هنا و بطلع من هنا. اتكلمي كأنك بتكلمي نفسك."
كأنها كانت تنتظر الإشارة الخضراء، فسرعان ما أجهشت في بكاء مرير قائلة بقهر وحزن:
"سيبني وطردني من البيت عشانها."
استمعت لها حياة باهتمام وهي تتابع بألم:
"بابا طردني من بيتي عشانها. صدقها هي وأنا لأ. اتهمتني بسرقة دهبها وأنا والله عمري ما إيدي اتمدت على حاجة مش بتاعتي. قولتله معملتش حاجة، بس طردني ومسمعنيش. قالي روحي لخالتك ولا روحي في داهية ومش عايز يشوف وشي تاني."
مسحت دموعه التي سرعان ما تعود وتتساب لتغرق وجهها، بينما حياة تستمع لها بشفقة وحزن:
"مراته أصلًا مش بتحبني من بعد ما اتجوزها وأنا عندي عشر سنين، وهي مورياني الويل كل يوم ضرب وشتيمة. مشغلاني خدامة، حتى خلت بابا يقعدني من المدرسة ويخليني أنزل أشتغل. بتاخد مرتبي كل شهر وما اتكلمتش، وأحيانًا كانت بتسرق فلوس من محفظتي وبسكت."
شهقت من البكاء ثم تابعت بقهر:
"لكن تتهمني بسرقة الدهب اللي هو في الأساس لأمي اللي يرحمها، وهي طمعت فيه وبابا كالعادة بيسمع أي حاجة تقولها وينفذها."
تعالت شهقاتها وهي تتابع بحزن:
"كان عندي أمل يصدقني المرة دي ويدافع عني. كل مرة بيفضل ساكت لما بتمد إيدها عليا وتضربني، كل مرة بترفع إيدها عليا كنت بستناه يتكلم ويقولها لو بس كلمة كفاية، لكن ما اتكلمش. ولما سرقتني وفضلت تضرب فيا، لقيته بيحوشها. فرحت، قولت أخيرًا هيتكلم ويدافع عني. اتكلم، وياريته ما اتكلم."
بكت ولم تقدر على متابعة حديثها، لتتحدث حياة أخيرًا قائلة بشفقة وتأثر، وقد عاد سيل تلك الذكريات المؤلمة من الماضي يتدفق إليها:
"سلمى، يمكن محدش في الدنيا دي داق ظلم الأب ومرات الأب، وإنك تتحرمي من حنان الأب والأم قدي. أنا حاسة بيكي وحاسة بالحزن والوجع اللي جواكي، لأن سبق وعشت أصعب منه."
نصتت لها سلمى باهتمام ولازالت تبكي:
"والدك هو اللي خسران يا سلمى، وصدقيني بكرة يندم على كل لحظة قسا عليكي فيها. اللي حصلك مش آخر الدنيا، لسه قدامك الحياة طويلة. لو فضلت واقفة مكانك تعيطي عمرك ما هتبقي ولا هتكوني حاجة."
تنهدت حياة قبل أن تكمل بحزن:
"مش هقولك إنسا وكملي حياتك، لأن مفيش حد بينسى ماضيه. الماضي جزء منا، بنتوجع منه أه، بس بنتعلم منه كتير. لو فضلت قاعدة تعيطي كده وسايبة نفسك للدنيا، الدنيا هتفضل تلطش فيكي وتوديكي وتجيبك."
أومأت لها سلمى بصمت ودموع، لتجد فجأة نفسها بأحضان حياة التي جذبتها لأحضانها، تربت على خصلات شعرها بحنان ورفق حتى هدأت، ثم تركتها مغادرة لغرفتها. وسبقها مروان الذي استمع للحديث الدائر بينهم، والذي رغم حزنه عليه، لكنه تساءل: ما الظلم الذي تعرضت له والدته في الماضي؟
***
بمكان نذهب إليه لأول مرة، وهو الشركة الأم الخاصة برجل الأعمال "عاصي الخولي". بمكتب "فاروق الخولي"، الشقيق الأصغر لعاصي، كان يتحدث عبر الهاتف وصوته يظهر عليه التوتر والارتباك الشديد:
"عمران باشا، كله تمام. هانت خلاص، متقلقش."
عمران بغضب:
"لأ، لازم أقلق. بقالك قد إيه تقولي هانت هانت، ومفيش جديد بيحصل، وعمال تسحب فلوس ومفيش أي حاجة جديدة بتحصل."
فاروق بتبرير:
"ما هو يا باشا، عاصي محلق جامد على الملف اللي في التصاميم وكل اللي يخص المشروع ده. حتى اجتماعه مع المهندسين بيكون سري جدًا، وكلهم مستحيل يغدروا بيه."
يسخر منه عمران قائلًا بإهانة:
"الظاهر إنه مش واثق في أخوه، وعنده حق الصراحة."
فاروق بضيق:
"ليه كده بس يا باشا؟ الغلط ده."
عمران بغضب ونبرة قوية أرعبته:
"اسمع يا فاروق، هما يومين، يا تجيلي بحل، يا أنا هبعت اللي يجيلي بروحك."
"اسمعني بس ي..."
لم يستطع أن يكمل حديثه وأغلق الهاتف بوجهه، فدفعه للحائط بغضب وغل حتى تهشم على الأخير، ليدخل بتلك اللحظة هشام ابنه قائلًا:
"في إيه يا بوب؟ متعصب ليه؟"
فاروق بغضب وعصبية:
"تصدق إنك معندكش ريحة الدم، وعيل وهتفضل طول عمرك عيل."
جلس هشام على الأريكة قائلًا بضيق:
"في إيه على الصبح؟ أنا لسه صاحي، ملحقتش أعمل مصايب يعني."
فاروق بغضب:
"عملت إيه؟ عرفت توصل للملف أو التصميم من المهندسين؟"
نفى برأسه قائلًا:
"لأ، معرفتش. كلهم عايشين في دور الأمانة والشرف."
فاروق بخوف:
"طب والعمل؟ رقبتي أنا اللي هتطير في الحكاية دي كلها. ده أنا ساحب من عمران فلوس قد كده على حس الملف ده."
هشام ببرود وهو يضع قدم فوق الأخرى:
"رجعهم ليه؟"
صرخ عليه فاروق بغضب:
"يا برودك يا أخي! رجعهم ليه؟ وإنت خليت حيلتي حاجة؟ سهر وزفت شرب كل ليلة وعزائم وحفلات عربية جديدة صرفت كل اللي حيلتنا على المنظرة دي بدل ما تحافظ على القرش عشان نأمن لنفسنا مستقبل. عمك مش هنفضل مستغفلينه طول العمر، مسيره يوم يعرف، وشكله شاكك فينا عشان كده رافض يكون معايا نسخة من الملف أو فكرة عن اللي جواه."
تعالى رنين هاتف هشام بوصول إشعار من أحد رفاقه الموجودين بالحفل، ليجد أن مقطع فيديو مصور ليلة أمس. فتحه، سرعان ما بدأ عقله الخبيث ينسج تلك الخطة التي تؤدي بهلاك شخصان أو ربما أكثر.
نظر لوالده قائلًا بمكر:
"مش إياد موجود في مصر، وعمي مسكه شغل كمان في الشركة النهارده؟"
فاروق بسخرية وغضب:
"تصدق، مكنتش أعرف."
سخر هشام هو الآخر قائلًا بخبث:
"اديك عرفت. مش عايز تستغل وجوده؟"
فاروق بعدم فهم:
"استغل وجوده في إيه؟"
هشام بمكر وهو يعيد تشغيل الفيديو، يضعه أمام وجه والده:
"هقولك، بس الأول شوف كده الفيديو ده."
سأله فاروق ما إن انتهى من مشاهدة الفيديو:
"مين اللي معاه دي وبيرقص معاها كده؟"
هشام بمكر وهو يأخذ الهاتف يضعه بجيب سترته:
"دي صافي... بنت آدم العمري!!!"
صمت للحظات قبل أن يتبع كلامه:
"المنافس التاني لعمران بعد عمي عاصي!"
فاروق بضيق:
"انت عايز تقول إيه؟ هات من الآخر."
هشام بسخرية:
"مش عارف يا بابا، الذكاء اللي عندي ده جبته منين، بس الأكيد إنه مش منك."
فاروق بغضب:
"انطق، بدل قسمًا بالله لهديك علقة تربيك من أول جديد يا سافل يا قليل الأدب."
زفر هشام قائلًا بضيق:
"عندي شرط عشان أتكلم."
نظر له فاروق بتوجس، ليتابع هشام قائلًا:
"نص المبلغ اللي هتاخده من عمران بعد الخدمة الكبيرة اللي هتقدمها له."
أجابه فاروق على بغضب:
"موافق. انطق."
ابتسم هشام مخرجًا أحد سجائره، يدخنها ببطء قبل أن يقول بمكر:
"هقولك..."
ما إن انتهى من حديثه، لمعت عينا فاروق بسعادة، ليختم هشام حديثه قائلًا بفخر:
"إيه رأيك في دماغ ابنك الماظ، مش كده؟"
***
بينما بقصر الجارحي، كانت قمر تجلس وحيدة به بعد أن غادر والداها منذ قليل للمطار لاستقبال جدها وجدتها اللذان انتهوا من أداء مناسك العمرة.
تفكر بنوح حبيبها والعداوة التي تربطه بعائلتها لسبب ما مجهول. يرفض كلاهما الإفصاح عنه.
لكنها تحبه، وهي على يقين تام أنه يحبها بل يعشقها. لكن ما يقف بينهما أن والدها بالتأكيد سيرفض ذلك الحب وتلك الزيجة. ليصدمها هو بطلبه أن يتزوجا عرفيًا.
شهقت بقوة عندما فتح باب شرفتها على مصرعيه ليطل هو عليها من خلفه. توسعت عيناها بصدمة، ثم دفعته للداخل وأغلقت باب الشرفة سريعًا، ثم أغلقت باب غرفتها من الداخل قائلة بصوت خفيض:
"انت اتجننت يا نوح؟ بتعمل إيه هنا؟"
حاوط وجهها بيديه قائلًا:
"وحشتيني أوي يا قمر."
ابتسمت قائلة باشتياق مماثل وقلق:
"انت كمان، بس كده ممكن تحصل مشكلة كبيرة لو حد شافك عندي هنا في الأوضة."
تنهد قائلًا بحزن:
"بإيدك تريحينا وتقبلي نتجوز ونحطه قدام الأمر الواقع. إحنا هنفضل نتقابل في السر كده لحد امتى؟"
جلست على الفراش قائلة بخوف:
"مش عارفة، بس..."
جلس بجانبها قائلًا:
"إنتي واثقة فيا يا قمر؟ وواثقة من حبي؟ مش كده؟"
أومأت له بصمت، ليسألها بحزن:
"طب إيه؟ خايفة ليه؟ وافقي وأنا هخليكي أسعد واحدة في العالم. أنا محتاجلك."
قال الأخيرة وهو يقترب منها ببطء ينوي تقبيلها، لكنها ابتعدت قائلة بضيق:
"نوح، ابعد."
أجابها باشتياق:
"إنتي وحشاني."
وقفت قائلة بضيق:
"كل مرة أقولك إني مش بحب كده."
جذبها إليه مرة أخرى قائلًا:
"بس أنا بحب كده وعايز قربك."
أبعدته قائلة بحزن:
"اللي بنعمله كله غلط وحرام."
زفر بضيق قائلًا:
"قولتلك، في إيدك تخليه حلال لما تبقي مراتي. وافقي يا قمر عشان خاطري."
صمتت لوقت وهو يترقب لسماع إجابتها التي تتهرب من إخباره بها. كانت في حيرة من أمرها، لكنها حسمت أمرها قائلة...............
***
بينما بفيلا بدر الجارحي، انتفض الجميع من نومهم على صوت صراخ بدر العالي باسم حياة، حيث كانت فاقدة للوعي أسفل الدرج، وبجانبها ورقة يبدو أنها لم تتحمل الخبر المدون بداخلها.
رواية ضحايا الماضي الجزء الثاني "ما ذنب الحب" الفصل الرابع 4 - بقلم شهد الشوري
رواية ضحايا الماضي الجزء الثاني "ما ذنب الحب" الفصل الرابع 4
اسرع بدر وأولادها لإسعافها، واتصلوا بالطبيب الذي طمأنهم أن ما حدث بسبب التوتر وحالتها النفسية، في الوقت نفسه لاحظ مروان والده وهو يخفي الملف قبل أن يراه أحد !!
ظلوا جميعًا حتى اطمأنوا عليها ثم خرجوا، ولم يبقى في الغرفة سوى بدر وهي، تبادلوا نظرات صامتة تحمل الخيبة والوجع، وصمت طويل أثقل المكان دون كلمة واحدة !!!
بعد وقتٍ غير معلوم.......
كانت حياة جالسة على حافة السرير، جسدها متصلب كأن الأرض سُحبت من تحتها، وبين يديها أوراق، كانت ترتجف في صمت، عيناها تائهتان، تحاول أن تستوعب ما قرأته، لكن الدهشة صارت أثقل من قدرتها على التصديق، بينما أمامها جلس بدر على الكرسي، منكس الرأس، كفه يطبق على وجهه، والهم منقوش على ملامحه !!!
رفعت حياة بصرها إليه، وانحدرت دموعها بصمت موجع، ثم انفجرت قائلة بقهر ينهش قلبها بلا رحمة :
ازاي ابننا بقى كده يا بدر، ازاي وصل لكده؟ ازاي مشي في الطريق اللي هو فيه ده، ابننا اللي ربيناه وكبرناه، جاب القسوة دي كلها منين، اتعلم إيه مننا عشان يعمل كده، أنا اتخيلت منه أي حاجة إلا إنه يضيع نفسه كده، ابني ماشي في طريق آخرته موت وبس يا بدر
ظل بدر صامتًا، رأسه مثقل بين يديه، لا يجد ما يقوله، فاسترسلت هي، والدموع تسابق أنفاسها :
الماضي بيتعاد تاني يا بدر، مكتوب عليا أتوجع من كل يوسف في حياتي، لما بشوف ابني يوسف دلوقتي كأني شايفة بابا، بابا في ظلمته وشكه، بابا اللي خسر كل حاجة بتسرعه، واللي ظلم أمي زمان، زي ما ابني دلوقتي بيظلمنا وبيظلم ليلى معانا، قصة يوسف وليلى بتتعاد من جديد بنفس الظلم والقسوة، بس المرة دي الوجع جامد أوي، مش قادرة أستحمله، وجعي من أبويا ما نسيتوش غير بعد عمر ولسه محفور جوايا، لكن ابني؟!
صمتت للحظات ثم تابعت بوجع :
هنسى وجع ابني ازاي، ابني اللي كبر عشان يهد كل اللي تعبنا سنين عشان نبنيه
خيم صمت ثقيل بينهما، حتى رفع بدر رأسه أخيرًا، عيناه غارقتان في حزنٍ لا يوصف، نظراته مكسورة كأنها تبحث عن نجاة، أكملت حياة بقهر أشد، وصوتها يتشقق من الألم :
أنا خايفة عليه من الندم يا بدر، مش عاوزاه يفوق متأخر بعد ما يخسر كل حاجة، مش عاوزة ابني يضيع من إيدي أكتر من كده، مبقاش ينفع نسكت، حتى لو مش طايقنا، حتى لو مش عاوز يسمعنا
نهضت فجأة ثم هوَت بجسدها عند قدميه، جلست على الأرض، رفعت عينيها إليه مبللتين بالدموع وصوتها ينزف وجعًا :
روحله يا بدر، وخليه يسمعك حتى لو بالغصب، قوله الحقيقة، قوله البنت اللي حبيتها، واللي بتعمل كل ده عشانها، عمرها ما حبتك عمرها ما شافتك غير كوبري عشان توصل لأبوك !!!
ارتجفت الكلمات في حلقها، وهي تقول بألم، ودموعها تنساب على وجنتيها بغزارة :
قوله انها عمرها ما حبتك، لأنها كانت بتحب ابوك !!!!!!
تنهد بدر بعمق، وجذبها إلى حضنه كمن يلتقط آخر فتيل من قوته، يحاول استمداد ثباته منها، الملفات التي وصلت إليه كانت تخص ابنه يوسف.....
ابنه الذي ذهب في طريقٍ لا عودة منه، لقد تلطخت يدا ابنه بدماء الابرياء، صار تاجر سلاح ومخدرات، وعضوًا في عصابة لا تعرف الرحمة
كل ذلك بسبب لعنة اسمها "أروى" ملامحها وصوتها وبرائتها كلها خدع، كانت شيطانًا في هيئة أنثى، دخلت بينهم ففرقتهم، وحتى بعد موتها، لم يزحَ عنهم ظلها، لعنتها بقيت تلاحقهم وتشد خيط المصائب في حياتهم !!!!!!
............
في إحدى الدول الأوروبية بالأخص في لندن كان "يوسف بدر الجارحي" واقفًا خلف نافذة زجاجية طويلة تطل على المدينة بأكملها كانت الأنوار تتلألأ في المساء ولكن قلبه كان مظلمًا شارد الذهن غارقًا في ذكريات الماضي
اغمض عينيه واسترجع صورة حبيبته الأولى والأخيرة "أروى" وكيف أن حياته وسعادته تدمرت في لحظة واحدة بين يوم وليلة شعور الفقد كان كالسيف الذي يجرح روحه، وعذاب الندم يثقل صدره
استحضر في عقله صورة عائلته، والديه أو ما كان يعتقد أنهم عائلته وكيف كانوا سببًا في الألم الذي يشعر به
كانت مشاعر الرفض والقسوة تكمن في كل زاوية من حياته كأنها أقدار سيئة حتمت عليه وحدته، يعيش في فقاعة من الحزن محاطًا بأشباح ذكرياته المؤلمة يتذكر كيف كانوا يتجاهلون ما يريد ويرسمون له مستقبلًا مظلمًا لا يريده
في تلك الأثناء دخل عليه صديقه "ماجد" الذي كان دائمًا إلى جانبه وقد ظهر على وجهه القلق قائلاً بحدة متألمًا لرؤية صديقه في هذا الحال :
كفاية قرف لحد كده يا يوسف، أنا استحملت كتير ومشيت معاك في الطريق ده قولت بكرة يعقل بس مفيش فايدة الطريق ده آخرته واحدة أنا خايف عليك، أنا ماليش غيرك انت صاحب عمري والوحيد اللي طلعت بيه من الدنيا بعد موت أهلي بلاش تخليني اتقهر على خسارتك انت كمان، ارجع من اللي انت فيه، عشان خاطري
رد عليه يوسف ببرود وهو يشرب من كأس في يده لكن عينيه كانتا مليئتين بالأسى :
مش قبل ما أوصل للي عاوزه
لم يستطع ماجد كبح مشاعره فصرخ عليه بحدة :
ايه اللي انت عاوزه، عاوز تدمر أهلك، تدمر أبوك وعيلتك عشان إيه وليه وعشان خاطر مين
انفجر يوسف في غضبٍ مكبوت وضغط بيده على الكأس حتى تحطم مما أدى إلى جروح في يده، وسالت منها الدماء لكن الألم الجسدي لم يكن شيئًا مقارنةً بالألم النفسي الذي يشعر به :
بتتكلم كأنك مش عارف اللي حصلي، واللي عيشته، اشمعنا هي تدفع تمن أنانيتهم، وأنهم كانوا عاوزيني دايمًا تحت طوعهم، ازاي انسى انهم قتلوها بدم بارد
كان ماجد على وشك الرد لكن سكرتيرة يوسف دخلت قائلة بعملية :
Mr. Youssef, everyone is waiting for you in the meeting room
مستر يوسف، الجميع بانتظارك في غرفة الاجتماعات
خرج يوسف بعدها، متوجهًا إلى غرفة الاجتماعات، وملامح وجهه جليدية، لكن وقفته تجمدت للحظة عند كلمات ماجد الحادة :
أهلك، وليلى ماقتلوش أروى يا يوسف يارب تفهم ده وتقتنع بيه كفاية اللي ضاع من عمرك في أوهام
خرج من الغرفة، بل من الشركة بأكملها متجاهلاً الاجتمان
كان يسير، وكأنه في غيبوبة، قلبه ينزف من الوجع وهو يستحضر في ذاكرته صورة أروى تلك الملاك التي أحبها بصدقٍ لم يعرفه من قبل سحرت روحه بنقاء قلبها، وجمال روحها وملامحها البريئة التي كانت تشبه البهجة في أبسط صورها
لم تكن أروى مجرد امرأة في حياته كانت عالمه، أمله، نافذته على السعادة التي بحث عنها طويلًا لكن في تلك الليلة المشؤومة حين تمسك بها متحديًا رغبات عائلته وأصر على الزواج منها رغم رفض الجميع حدث ما لم يكن في حسبانه قبل ساعات من كتب كتابهما، دخل إلى منزلها ليعثر عليها غارقة في دمائها.......
تلك الدماء الحمراء التي أحالت كل شيء من حوله إلى جحيم من الرعب والألم تلك اللحظة التي توقفت فيها الحياة عنده، وتجمد فيها كل شيء
كان ما استطاعت أن تنطق حينها قبل ان تلفظ انفاسها الأخيرة هو اسم والده وبعدها اكتشف الحقيقة رويدًا رويدًا من شقيقتها
عقلُه رفض أن يستوعب تلك الفاجعة لم يكن ليتخيل يومًا أن والده الشخص الذي كان يجب أن يكون حاميًا لراحته، هو من سيحيل سعادته إلى كابوس دائم !!!
بينما ماجد الذي ظل واقفًا مكانه ردد بحزن :
كان عندي حق لما عملت اللي عملته يا صاحبي، محدش هيلحقك غيرهم !!!!
...........
تفاجأ ماجد في اليوم التالي بأن يوسف نزل مصر بدون سابق إنذار، لكن نبرته كانت محملة بشيء من الجدية والحدة !!
لكن فور وصوله إلى المطار، استقبلته فتاة فاتنة الجمال، ابتسم يوسف بمجرد رؤيتها، فركضت نحوه بنبرة مليئة بالحماس والمودة :
يوسف، ازيك واحشني اوي
رد عليها يوسف بهدوء، وصوته محمل بالجدية :
ازيك يا ريما
تنهدت ريما بحزن عميق، والكلمات تخرج من قلبها المثقل بالألم :
مش كويسة خالص يا يوسف، انت ناسي إن النهارده ذكرى وفاة أروى الثالثة، وحشتني أوي، دي مكانتش بس أختي الكبيرة، دي كانت أمي وكل حاجة ليا، بابا حالته في النازل خالص من يوم وفاتها، منهم لله اللي كانوا السبب
قالت الأخيرة بنبرة ذات مغزى، فهمها يوسف على الفور، فرد عليها بحدة لا تخلو من العزم :
كل اللي غلط هيتحاسب، أختك دفعت حياتها تمن حبها ليا، وانا مستحيل أضيع حقها أبدًا
انسابت الدموع على وجنتي ريما، وقالت بحزن :
مش قادرة أنسى اليوم ده يا يوسف، كل حاجة حصلت قدام عيوني ومقدرتش أعمل حاجة، قتلوها قدامي بدم بارد، اترجيت فيهم كتير، لكن محدش سمعني، قتلوا أختي، اهلك قتلوا أختي، وانا مقدرتش أتصرف، اتفقوا قدامي على كل حاجة، ومقدرتش أعمل حاجة
ثم تابعت بغضب مكبوت، وغل:
بنت خالك مسكت السكينة وفضلت تطعن فيها ببرود، وأبوك وأمك اتفرجوا عليها، وازاي ضربوني يومها فكروني مت، لكن ربنا أراد أني أفضل عايشة عشان أفضح جريمتهم، بس اي اللي حصل طلعوا نفسهم منها زي الشعرة من العجين
تنهد يوسف بعمق، ثم غادر ولحقت به ريما، لتوصله للفندق الذي سيقيم فيه، طوال الطريق مهما تحدثت معه يلتزم الصمت، عيناه مليئة بالحزن الشديد لما حدث، ولما وصلت إليه الأمور بين عائلته، وكيف فقد حبيبته
............
جلس مروان في حديقة الفيلا متكئًا على المقعد الخشبي وقد شردت أفكاره في أمور عديدة، تتشابك كخيوط معقدة
كانت والدته تتحدث إلى غنوة وسمع للمرة الأولى عن المعاناة التي عاشتها مع والدها جده الراحل يوسف، ورغم أن مروان لم يعرف جده إلا أن ذكراه لم تكن تحمل أي ظلال قسوة، بل كان الجميع يتحدثون عنه بكل خير، حتى أن والدته أسمت أخاه الأكبر باسمه تكريمًا له، لكنه الآن يتساءل عن حقيقة ما كانت تخفيه تلك الذكريات؟!!
وأيضًا، لم يفارق ذهنه ما حدث بالأمس، وأثره على والدته ووالده والملف الذي أخفاه والدهم عن أعينهم، حتى اللحظة كان يشعر بأن الملف يخص أخاه يوسف
في خضم تفكيره، لفت انتباهه حركة سريعة نحو بوابة الفيلا رأى غنوة تخرج بخطوات متسارعة، وفي المقابل كانت فتاة أخرى تدخل ما إن التقت عيناهما حتى اندفعتا إلى حضن بعضهما بشدة وكأن الفراق بينهما امتد لسنوات كانت غنوة تمسك بيد الفتاة كأنها طفلة ضائعة وجدت ملاذها
دخلتا معًا إلى الفيلا، وفي طريقهما، اعترضتهما حياة التي كانت تتابع المشهد من بعيد توقفت غنوة مرتبكة وقالت بتوتر :
بعد إذنك يا هانم دي حبيبة بنت خالتي جت تطمن عليا خمس دقايق وهتمشي، وهشوف شغلي علطول مش هطول
شعرت حياة بتأثر عميق تجاه غنوة، كأنها ترى انعكاسًا لهشاشتها وضعفها في تلك الفتاة الصغيرة، بادرها الحنان الذي كان يخرج منها دون وعي كلما رأتها فقالت بلطف :
عيب لما ضيفة تدخل البيت من غير ما تاخد واجبها خليكي معاها براحتك يا بنتي
ابتسمت غنوة امتنانًا وسحبت حبيبة معها نحو المطبخ حيث عرفتها على باقي الخادمات اللاتي كن يتابعن بصمت ثم أسرعتا إلى الغرفة وأغلقتا الباب خلفهما بمجرد أن أصبحتا بمفردهما انطلقت غنوة بحماس يشبه براءة الأطفال قائلة :
آه يا حبيبة، لو تشوفي الفيلا ولا الجنية اللي برا دي، المنظر بس يرد الروح والناس هنا، خصوصًا الست حياة طيبين اوي اوووي
ابتسمت حبيبة بسعادة لمجرد رؤية سعادة ابنة خالتها وقالت :
باين عليها يا بنتي، ربنا بس يبعد عنك أبوكي ومراته وبناتها العقارب، يلا الحمد لله، ركزي انتي في حياتك مالكيش دعوة بحد والفلوس اللي تطلعلك حوشي منها حاجة للزمن محدش عارف بكرة في ايه، زي ما انتي شايفة محدش بيلاقي شغل بالساهل، ده لولا الست عبير كان زمانك متشحططة
ابتسمت غنوة ابتسامة باهتة يكسوها القهر، تُخفي خلفها جبالًا من الوجع، لو أن والدها أدى دوره كما ينبغي، لكانت الآن معززة مكرمة في بيتها، تستعد لدخول الجامعة، حيث كان أكبر أحلامها أن تكمل تعليمها
لكنه حرمها من كل شيء، حرمها حتى من حنانه....
كم من رجال أنجبوا، لكن ليس كل من أنجب استحق أن يُدعى أبًا
كانت غارقة في شرودها، حتى قالت حبيبة بصوت عالي قليلاً :
فينك يا بت؟ سرحانة في إيه؟
ردت عليها غنوة بهدوء ظاهري :
مفيش
لم تُخدع حبيبة، فقد فهمت بما تفكر، فقالت بصوت مشبع بحنان أخوي :
والله يا غنوة، ولا يسوى عشان تزعلي نفسك كده، ركزي انتي في حياتك الجديدة، اشتغلي وادرسي زي ما كنتي عاوزة، وأنا متابعة كل حاجة، وأول ما التقديم يتفتح هقدملك زي ما طلبتي مني، كملي تعليمك، واعملي اللي نفسك فيه، ابسطي نفسك بنفسك وما تفكريش فيهم، هو رمى كل حاجة ورا ضهره ومشي، وانتي كمان اعملي كده، مفيش حاجة مستاهلة، انتي زعلانة عليه وهو مبسوط وعايش حياته ولا مفكر فيكي، ما تضيعش عمرك في الزعل، ربنا هيعوضك خير على قسوته معاكي
أومأت غنوة في صمت، كأن قلبها يُصغي أكثر مما يُجيب، ظل الحديث بينهما ممتدًا لبرهة، قبل أن تُخرج حبيبة من حقيبتها حقيبة بلاستيكية تضم العديد من نوع الحلوى الذي تحبه غنوة "المشبك"، وقدمتها لها بابتسامة، فرحت غنوة بها كأنها نالت كنزًا، وأمطرت صديقتها بالشكر
ودعتها غنوة بالدموع، وردت حبيبة بدعوات صادقة تمس القلب تتمنى لها التوفيق، والسعادة
تركتها ورحلت، وبقيت غنوة تُكمل عملها بحماس، وفي داخلها عهد صامت عليها ان تكف عن الحزن والدموع التي لن تُجدي نفعًا فما حدث قد حدث وهذا قدرها !!!!
...........
استفاقت صافي مع أول خيوط الصباح، وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة لا تفهم سرها، كانت صورٌ متقطّعة من ليلة الأمس تلوح في مخيلتها، كلما لامستها عادت خفقات قلبها تتسارع، كأن روحها ترقص على أنغام ذكرى لم تعهد مثلها من قبل !!!
دخلت عليها والدتها زينة، وهي تحدق فيها بنظرة يختلط فيها الفضول بالريبة :
امبارح نمتي بدري، مش من عوايدك يعني ايه الحكاية
ارتبكت صافي، وأخذت تمسح على وجهها بخجل، ذكرتها كذبتها الصغيرة مع جوان وكيف خدعت الجميع لتذهب إلى الحفلة، حاولت أن تخفي اضطرابها وردت متلعثمة :
مفيش، كنت حاسة بصداع بسيط فقولت أنام بدري
لكن عيني زينة كانتا كفيلتين بفضحها، فقالت بنبرة مشككة :
سبحان الله، انتي وجوان الاتنين عندكم صداع في نفس الوقت، ونمتوا كمان عشان نفس السبب
تضايقت صافي، وسارعت لتغيير الموضوع :
هو بابا فين، صحي؟
تنهدت زينة ببطء، وبان في ملامحها قلق غامض لم تخفه كلماتها :
في الشركة، هيكون فين يعني، قومي يلا حضري نفسك وروحي ليه، هو مستنيكي
اتسعت عينا صافي باستفهام :
اروح الشركة ليه يعني
ردت عليها زينة بهدوء :
روحي وانتي تعرفي بنفسك
قامت صافي، ولازالت تتذكر ليلة الأمس، رغم ان ما كان سيحدث كارثيًا لكنها تشعر بشعور غريب يجتاح قلبها، مقلق لكنه جميل !!
........
على الجهة الأخرى، كان إياد ينهض من فراشه بعد ليلة لم يذق فيها طعم النوم، ظل ذهنه مشغولًا بتلك الفتاة التي رقص معها، لا يزال وجهها ضبابيًا في ذاكرته، لكن عينيها كانتا كالنار والندى معًا، قسوة طفيفة تخفي براءة نقية، مزيج غريب أربك قلبه من أول نظرة
بعد قت قصير، وقف أمام خزانته، يختار ثيابه الكاجول التي يفضلها، وبعد ان ارتداها، وقف أمام المرآة يتأمل هيئته بثقة شيئًا ما بداخله يخبره انه على وشك لقاء مميز !!!!!!!
بعد قليل، جلس بجوار والده في السيارة، غارقًا في صمته حتى قال والده جلال بجدية :
فيه اجتماع مهم مع آدم العمري في شركته هو واخواته، السواق هيوصلني وبعدين ياخدك ع الشركة
لمعت عينا إياد بوميض لم يستطع إخفاءه، وسرعان ما ابتسم بخبث صامت، اسم آدم العمري أشعل داخله احتمالاً.....
احتمال أن يراها مجددًا، مجرد ذكرها كان كافيًا ليدق قلبه بعنف
فقال لوالده متصنعًا الاهتمام.:
طب أنا هاجي معاك، عاوز أشوف الشغل ماشي إزاي وأكون موجود في الاجتماع
غمرت الفرحة ملامح والده، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يربت على كتف ابنه :
ما تعرفش أنا مبسوط قد ايه، وفخور بيك يا إياد، أخيرًا هشوفك جنبي في الشغل، انت ضهري اللي هسند عليه
ابتسم إياد ابتسامة هادئة، لكنها كانت مزيجًا من مشاعر متناقضة، جزء منه يود أن يبادله الفخر ذاته، وجزء آخر يعتصره ألم دفين، رغبة مكبوتة في العتاب على جراح قديمة لم تندمل، فاختار الصمت، فالألم الذي يحمله أكبر من أن يُقال
بعد وقت.....
كانت صافي تجلس بجوار والدها في غرفة الاجتماعات، مبتسمة بإتقان على شفتيها، لكنها داخليًا غارقة في شعور بالملل من الحديث الذي يدور حولها، يتحدثون عن العمل بكثرة، كل شيء يبدو ثقيلاً عليها، كانت بعيدة تمامًا عن كل ما يقال، غارقة في عالمها الخاص، عالمٍ لا يفهمه أحد سواها
ما كان يشغل بالها حقًا، تلك النظرات التي يوجهها إليها ذاك المدعو اياد، كانت نظراته غريبة، مزيجًا من المكر والهيام في آن واحد، يتفحصها بشدة، ومع كل تقاطع بين عينيهما، كان يبتسم بزاوية شفتيه ابتسامة جذابة، فكانت ترد عليه بابتسامة حادة بعض الشيء، محاولةً أن تخفي ارتباكها الداخلي
أما هو، فقد كان من الصعب عليه أن يزيح نظره عنها تلك الفتاة تحمل في حضورها شيئًا غريبًا، شيئًا لم يتوقعه قط، لم يتصور يومًا أن تكون هناك من تستطيع أن تسرق نظره، وأن تشغل تفكيره بهذا الشكل، كان يقف عاجزًا أمام ما يحدث له يتساءل في نفسه ما الذي يحدث معه؟
كل حركة منها، كل رمشة عين، كل ابتسامة، ترسم في ذهنه ألف احتمال، لكنه كان يدرك في أعماقه أن الأمر يتجاوز الفضول أو الانجذاب العابِر، كان هناك شيء أعمق، شيء يطرق روحه بلا استئذان، ويتركه عاجزًا عن فهمه، لكنه يعلم أن قلبه لن يستقر إلا بعد أن يقترب أكثر، وأن عينيه لن تفارقها مهما حاول !!!!!
ارتفع صوت والده جلال لينتزعها من دوامة أفكارها، حيث قال بنبرة مفعمة بالثقة، تعلوها لمحة من الغرور المحبب :
اياد هو اللي هيمسك المشروع الجديد، وإن شاء الله هاخده منكم يا ولاد العمري
تعالت الضحكات بين الحاضرين، وامتد جو من المزاح المتحدي بينهم، لكن إياد بدا بعيدًا عن كل ذلك، كأن ضجيج القاعة لم يكن موجودًا، وكأن المكان كله قد تلاشى، ولم يبقى سوى عينيه الموجهتين نحو صافي، كان يراقبها بعينين تحاولان فك طلاسمها، تغوص في تفاصيلها
شعرت صافي بنظراته الحادة تخترق قشرتها الخارجية، تتسلل إلى أعماقها، وتجرفها نحو تيار جارف من المشاعر الغامضة، شيء ما في حضوره يربكها، يغمرها بارتباك غريب، حاولت أن تدير وجهها، أن تتجنب نظرته، لكنها وجدت عينيها تنجذبان إليه رغمًا عنها، كأنها محاصرة داخل دائرة مغناطيسية لا تستطيع الفكاك منها
استأذنت صافي من الجميع بصوت هادئ للخروج، ثم غادرت الغرفة بخطوات سريعة، محاولة التخفيف من توترها الذي تصاعد كلما التقت بنظرات إياد، وما إن غابت عن أنظارهم، حتى وقف هو هو الآخر، متعللًا بمكالمة مهمة ليخرج من الغرفة، لكن داخله كانت تعصف مشاعر أشبه بالجنون
تلفت حوله، عيناه تبحثان عنها بتوتر لم يستطع السيطرة عليه، كمن يبحث عن ضالته، كانت نظراته مضطربة، كأنه يخشى أن تكون قد ابتعدت بالفعل، وفجأة، لمحها وهي تتجه نحو المصعد، هاتفها في يدها، تخطو بسرعة كأنها تهرب من شيء يطاردها
توجه نحو المصعد باندفاع غير محسوب، وفي اللحظة الأخيرة وضع قدمه بين الأبواب قبل أن تُغلق
رفعت صافي عينيها عندما شعرت بوجود شخص ما، وعندما رفعت رأسها لترى من تفاجأت بوجود ذلك الوقح !!!!!
صُدِمت، وحدت نظرتها نحوه كانت على وشك أن تتكلم، لكنه اوقف المصعد، وما إن حاولت الصراخ حتى وضع يده على فمها وأجبرها على الصمت، اقترب منها، ونظر في عينيها، فاستكانت صافي للحظة، وارتجف قلبها برقة بعدما لمست دفء عينيه، نفس النظرة، ونفس العطر المألوف تتساءل بداخلها بارتباك، ودقات قلبها تتعالى بصخب هل هو نفسه من سرق عقلها بالأمس هل نفسه من كانت ستقع معه في المحظور دون وعيٍ منها
أخرج إياد من جيب سترته قناعه الأسود الذي ارتداه ليلة الأمس، وارتداه امام عينيها، فصُدمت صافي ووضعت يدها على فمها، ورددت بصوتٍ خافت :
انت !!
............
بعد يومين، صباح يوم الجمعة، كان قصر آدم واخوته اليوم يعج بالحضور، كبيرهم وصغيرهم، الرجال والنساء، الجميع التفوا حول بعضهم رغم الحزن الذي يسكن قلوبهم، ومع ذلك، كانت البهجة الخفية في اجتماعهم تُخفف شيئًا من ثِقل الأيام، إذ لم تكن لهم فرصة كهذه إلا مرة واحدة في الأسبوع
جلست سيدرا ابنة إلياس في ركن بعيد، تنظر في هاتفها بهدوء بعيدًا عن الضجيج حولها، لكن جلستها لم تكتمل، فقد اخترقها صوتٌ تعرفه جيدًا، صوت أكثر من يثير غيظها في الحياة، شريف ابن عمتها ندا وعمها ريان، اقترب منها قائلاً بسخرية وهو يتعمد استفزازها :
ازيك يا واد يا سيد، عامل ايه؟!!!
رفعت سيدرا نظرها نحوه بغيظٍ واضح، لكنها آثرت الصمت، جلس شريف على الكرسي المقابل لها، وأعاد كلمته وهو يزيد من استفزازه لها :
مش بكلمك يا واد يا سيد، ما ترد عليا
هنا طفح الكيل، وقفت سيدرا بسرعة، ثم رفعت إصبعها في وجهه قائلة بحدة :
انت يا بني ادم مستفز وكمان مش بتشوف انا بنت اسمي سيدرا مش سيد، اياك تاني مرة تناديلي بالاسم المستفز ده وإلا.....
قاطعها شريف، وقد نهض هو الآخر واقترب منها، قائلاً بصوت رجولي ماكر :
هتعمل إيه يعني، يا.....يا واد يا سيد؟
اشتعلت عيناها غضبًا، ثم التفتت محاولة الابتعاد عنه، لكن خطواتها تعثرت بحجر بالارض لم تنتبه له، لم تكد تقع حتى أسرع شريف وأمسكها بذراعيه، التقت العيون، نظرة طويلة ثابتة، كأن الزمن توقف بينهما، ومن دون وعي، خرج من شفتيه كلامٌ لم يتوقع هو نفسه أن يقوله :
يتقطع لسان اللي يقول عليكي واد،
ده انتي ست البنات كلها ♡
دفعت سيدرا يده بعصبية وخجل، ثم ذهبت جلست بجوار والدها، الذي كان منشغلًا بالحديث مع عمها آدم، لكن بين الحين والآخر، كانت نظراتها تتلاقى مع نظرات شريف
نظرات تحمل خليطًا عجيبًا من التناقض، شريف دائم الاستفزاز، يعرف كيف يُشعل الغضب بداخلها، وفي الوقت ذاته يُربكها بكلماته الغامضة التي لا تدري أهي صدقٌ أم عبث تراه أحيانًا كالأخ، وأحيانًا أخرى تلمح في عينيه حبًّا أعمق، حب رجل لامرأة، لكنها سرعان ما كانت تنهر نفسها كيف لها أن تفكر في ذلك، هما لا يلتقيان إلا في شجار، كقطٍ وفأر فكيف يمكن أن تولد مشاعر في قلبها تجاهه....؟!!!
في تلك اللحظة، كان القصر يضج بالأحاديث، ضحكات هنا وهمسات هناك، حتى توقف كل شيء فجأة.....ساد الصمت
التفت الجميع نحو الباب، وارتجف المكان كأن زلزاله حل به الغائب قد عاد بعد سنوات طويلة !!!!
كان بدر أول من شعر أن الأرض تسحب من تحت قدميه، لولا أن أسرع ابنه ليُمسكه، قلبه يريد أن ينطلق ليحتضنه، لكن وجع السنين أوقفه، أما الأم فخطت خطوة، ثم تجمدت، فالحب يشدها نحوه، لكن الغصة تعتصر قلبها، فلم تستطع سوى الوقوف مكانها والدموع تحاصر عينيها
أما ليلى، فكانت كالتمثال في مكانها، أمامها يقف ماضيها بكل ثقله، حب حياتها الذي خان ثقتها وكسرها، هو الوحيد الذي أعطته قلبها فحطمه بيده، الآن يقف قبالتها بعد غياب طويل التقت نظراتهما، طويلة مثقلة بالذكريات
عينيه كانتا مزيجًا من مكرٍ وغضب، وكأنهما تحملان استنكارًا واستنفارًا في آنٍ واحد، أما هي، فللعجب، لم تُبدي ضعفها بالعكس، تماسكت أمامه، أخفت دموعها، وواجهته بتحدي صامت، وبينهما دارت نظرات لا تُقال بالكلمات، تحدي مرير، وعتاب دفين، ووجع لا يُشفى !!
تبادلا الاثنان النظرات العنيفة، نظرات تتحدث بلا كلام، تحمل تحديًا وغضبًا مكتومًا، كل منهما يوصل رسالة للآخر انه لن يترك حقه !!!!
كان الهواء من حولهما مثقلاً بالعداوة، والخطر يلوح خلف كل كلمة، كل حركة، وكل نفس
صاح أوس بغضب محتدم :
جاي برجلك لحد هنا، يا يوسف، يا بجاحتك
تقدم أوس يخطو بخطوات سريعة، عينيه تتقدان غضبًا، يتهيأ للاشتباك، لكن آدم تدخل بحزم، وخرج صوته صارم يملأ المكان :
جاي ليه يا يوسف
نظر يوسف إلى خاله آدم بعينين هادئتين، لكنه صوته يحمل احترامًا ممزوجًا بالتحدي :
طلع نفسك بره الموضوع ده يا خالي، لو سمحت، الموضوع ده بيني وبين ليلى......وأمي وأبويا
قال الاخيرة وهو ينظر بسخرية لأبويه، صمتٌ ثقيل ساد المكان، كأن الزمن توقف لبرهة، وفجأة وبدون سابق انذار هوت على وجنته صفعة قاسية، قوية، جعلته يرتد للخلف عدة خطوات، لقد صفعه خاله ادم !!!
ابتسمت مهرة ابتسامة تشفي، أما أوس فظل صامتًا، غير مصدق ما يحدث، وما وصل إليه الحال بهم
رفع آدم صوته، قائلاً بحزم وغضب :
القلم ده يمكن يفوقك، ويعرفك إنت بتعمل إيه في نفسك وفي امك وابوك، وبنت خالك، القلم اللي ضربه ليك زمان بدر مكنش كفاية عشان يربيك
امسكه من مقدمة ثيابه، قائلاً بصوت جهوري غاضب :
من سنتين ولعت الدنيا بينا ومشيت غورت في داهية، كسرت قلب ابوك وامك، وبنت خالك وعملت لينا فضيحة كبيرة عشان اوهام وكلام فاضي في دماغك، وعديتها قولت خلاص اهو غار في داهية، بكره لما يرجع هيكون عقل، لكن الظاهر ان مفيش فايدة فيك، عيل وهتفضل طول عمرك عيل، مش قادر تفرق بين الصح والغلط، العيلة دي احنا شقينا عشان نكبرها، ومش شوية عيال هيجوا على اخر الزمن يهدوا اللي بنيناه، قسمًا بالله يا يوسف، لو ما اتعدلت وبقيت راجل، لا هيهمني امك ولا ابوك اللي مهما حصل مش هيعرفوا يقسوا عليك، لكن انا عندي استعداد اكسر عضمك واربيك من اول وجديد، اعملك ازاي تبقى راجل تحمي بنات خالك مش تفضحهم يا عيل، انا اقدر اعمل كتير، عقلك في راسك تعرف خلاصك
ثم لفظه للخلف بقوة، اقترب ريان، قائلاً بصوته الهادئ يحاول تهدئة الموقف :
خلاص يا آدم، سيبه، مفيش منه فايدة الكلام
شعر يوسف بالاهانة الشديدة، لكنه اكتفى بالصمت، بينما نظرة خاله امير له كانت مليئة بالعتاب والألم، وهو يقول له :
أمك وأبوك عمرهم ما كانوا يستاهلوا منك كده، بغباوتك هتخسر كل حاجة، فوق يا يوسف قبل ما تقع من نظرنا أكتر من كده
صاح أوس بغضب :
اطلع بره، وإياك أشوفك قريب من بنتي خطوة واحدة، فاهم؟
ابتسم يوسف ابتسامة مشحونة بالغضب والتهديد وقال :
ابلع ريقك يا خالي، ابعد إزاي عن مراتي!!!!!!!
تصاعدت الصدمة في المكان، وصرخت مهرة بغضب وتهكم :
مراة مين يا حيوان، انت مش طلقت بنتي يومها
اقترب يوسف بثقة، وعيناه تمتلئان بالمكر والتحدي، وهو يقول بثقة :
اثبتوا !!!!!
اقتربت ليلى منه وسألته بتهكم :
ايه لعبتك الجديدة المرة دي يا يوسف
أمسك أوس ياقة قميصه بغضب وصرخ عليه :
مراتك إزاي، رد عليا
رد عليه يوسف ببرود متعمد، وصوته بارد كالثلج :
طلقتها شفوي، بس هل معاك ورقة تثبت إن طلقتها رسمي يا خالي
تقدم خطوة، نظراته كلها تحدي ومكر، صوته صار أشد تهديدًا:
أنا جاي عاوز مراتي، ومش هخرج من هنا إلا بيها
ثم أضاف بتهديد صريح للكل :
مراتي هتخرج معايا بالذوق، أو هاخدها بقلة الذوق، والشرطة موجودة بره.....وانا بقول نمشيها ذوق أحسن
ثم نظر إلى ليلى، التي كانت تحدقه باحتقار وقرف، بينما بدر وحياة شعروا لدبخيبة أمل من ابنهم، كأن الحزن غلبهم، عاجزين عن التحرك، عاجزين عن الكلام، والدموع تكاد تختنق في أعينهم
ساد صمت اثقل المكان، حتى خرج صوت ليلى، مفعم بالتحدي والحزم :
مراتك جاهزة تيجي معاك يا بن عمتي؟
ثم اقتربت منهم وهمست بتهديد، وكلماتها كالسيف :
بس وحياة خرجتي من هنا بالطريقة دي، لهتدفع التمن غالي يا يوسف، وافتكر، إنك انت اللي ابتديت
............
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية