تحميل رواية دلال حرمت على قلبك بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
الفصل 14 — رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
أمام يخت عملاق بمدينة الساحل كانت تقف، كبرت دلال عام أخر وتعلمت به الكثير وعانت به أكثر وأكثر، زادت جمال وأصبحت أكثر أنوثة وخبرة بحياة النساء، خلعت ثوب البراءة والآن انطبع عليها إسمها وأخذت منه كل صفاتها. "دلال" إسم على مسمى صاحبة جمال مميز نادر، بشرة سمراء ناعمة بها لمعة الماسية، عيون واسعة تزينها بكحل يتبروز من حولها، عدسات بلون غريب بين الأزرق والأخضر تخفي خلفها لونها البني الداكن، خصلات بنية طويلة مموجة جعلتها مثل أحدي البطلات الكرتونية. خلفها حقيبة متوسطة الحجم بها القليل من الملابس، وبجوار...
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء سعيد
حامل؟
قلبه يود الاطمئنان، يود سماعها من جديد تعلن وجود قطعة صغيرة منه بداخلها.
أومأت إليه بخجل، أعطته الحياة بحركة بسيطة من رأسها.
تعالت دقاته، بدأت المشاعر تتحرك بداخله بأنواعها المختلفة، خوف، سعادة، عدم تصديق، رهبة، أمان.
أصابت جسده رجفة قوية، ظهرت على كف يده.
رفعه ليضعه على بطنها مردفاً بتردد:
_ هنا بنتي؟
_ أو إبنك.. لا يفرق معه النوع، مكتفي اكتفاء تام بفكرة ربطها به.
ابتسم بحنان مردفاً:
_ مبروك..
تخيلت أن يردها بنفس اللحظة، لكنه خالف توقعاتها.
ابتلعت ريقها يترقب، ثم همست بنبرة مرتجفة:
_ مبسوط؟
وضع أحد أصابعه على ذقنها ليرفع وجهها إليه، ثم مرر نفس الإصبع على شفتيها الجميلة قائلاً:
_ أي راجل في الدنيا بيبقى مبسوط لما يعرف إنه هيبقى أب، خصوصاً لو الست اللي هيخلف منها في نفس مكانتك عندي يا دلال. أنتِ بقي مبسوطة إن جواكي حتة مني، وإلا شايفة إنه ربطك براجل عملتي كل حاجة في الدنيا عشان تهربي منه؟
قلب عليها الطاولة بأقل من ثانية، سألها سؤال هي نفسها لا تعلم إجابته أو حتى تواجه نفسها به. هل هي سعيدة بحملها من أيوب رسلان؟
العجيب إن الإجابة كانت تائهة بداخلها. حركت كتفها بضياع مردفة:
_ مش عارفة، بس الأكيد إني مبسوطة عشان هيبقى ليا بيبي، لما يكبر هيبقى سندي.
كانت متوقعة ذلك، دلال أتت إليه إلا طريقها كان نهايته هو مثل العادة.
عاد ليجلس على مكتبه بتعب وقال:
_ ما خبّيتيش إنك حامل ليه؟
_ الحمل مش بيتخبى، وبعدين متأكدة إنك هتقف في ضهري... صح؟
قالتها بثقة بها الكثير والكثير من الدلال.
ابتسم إليها مردفاً بهدوء:
_ صح.. يلا نروح للدكتور نطمن على صحة البيبي.
طوال الطريق وهو صامت، كل تركيزه على القيادة. شعرت ببعض الضيق من عدم اهتمامه بها، وضيقها الأكبر من عدم فتحه لسيرة عودتها إليه. لحظة، هل هي ترغب بالعودة إليه؟
توقفت السيارة أمام أحد أشهر عيادات النسا والتوليد، فقال بهدوء:
_ وصلنا.
ضم كفها بكفه ودلف بها للعيادة الخالية، فهمست بتعجب:
_ هو ما فيش حد غيرنا ليه؟ لسة بدري وإلا إيه؟
_ المكان محجوز بالكامل لابن أيوب رسلان.
مغرور، ومع كل يوم يمر يزيد غرور.
فتحت الطبيبة باب مكتبها، ثم اقتربت بخطوات سريعة مرحبة به، مردفاً:
_ أهلاً يا باشا، المكان كله نور بوجود حضرتك.
أومأ إليها بهدوء وقال:
_ شكراً يا دكتورة، ندخل بقي.
_ أيوة طبعاً، اتفضلوا.
رأت اللهفة بعين المرأة إليه. ليقول عقلها بكل جبروت: "آمال فاكرة إيه، من بعدك هيعيش على الذكريات؟ في بدل الست مليون ممكن تبقي تحت رجله بإشارة واحدة."
امرأة غيرها ستكون بين أحضانه؟
نطق لسانها بغضب دون أن تشعر:
_ ده على جثتي.
حدق بها بتعجب مردفاً:
_ مالك يا دلال، في إيه؟
ما بها؟ وهل له عين ليسأل هذا السؤال؟
نظرت إليه بنظرة مشتعلة، ثم أزالت يدها من يده مردفة بغضب:
_ مالكش دعوة بيا يا نسوانجي يا بتاع الراقصات أنت.
تركته ودلفت خلف الطبيبة بخطوات سريعة. رفع حاجبه بذهول مردداً:
_ بتاع راقصات؟
فلتت منه ضحكة مرحة قبل أن يقول:
_ هرمونات.
دلف خلفها وجدها تنام على الفراش والطبيبة تضع سائلاً شفافاً على بطنها. ما أن وقعت عينيها عليه أخفت بطنها مردفة:
_ استني برة كدة، عيب.
عيب؟ رؤيته لبطنها أصبح عيب؟
دلال بدأت أول مراحل الدلال. أشار للطبيبة بالابتعاد عنها قليلاً، ثم انحنى بالقرب من أذنها وهمس بنبرة خشنة:
_ اتلمي بدل ما أقلعلك البنطلون، ووقتها هتعرفي العيب.
اتسعت عينيها بخوف، ليشير إليها بعينيه تزيل الشرشف من فوق بطنها، ففعلت بأقل من ثانية. ليقول:
_ يلا يا دكتورة شوفي شغلك.
بدأت الطبيبة بتحريك الجهاز حول بطنها، ثم أشارت لنقطة صغيرة على الشاشة مردفة بابتسامة:
_ هو ده البيبي، النقطة الصغيرة دي.
هل سقطت دمعة من عينيه الآن؟ نعم، وأزالها بقوة قبل أن يرى أحد نقطة ضعفه. إلا أن دلال قد رأتها.
دق قلبها باشتياق، تود الآن أخذ صغيرها بين أحضانها لتأخذ أكبر قدر من رائحته الرائعة. انتبهت على حركة يده الخفيفة على بطنها مردفاً:
_ هو صحته كويسة؟
_ زي الفل يا باشا، هو كده في شهر ونص، كل حاجة ماشية تمام جداً وصحة المدام كويسة جداً ما شاء الله.
حدقت به بغيظ:
_ أنا مش المدام.
ألقى عليها نظرة لتصمت. وبعدها قال:
_ معادها الجديد إمتى؟
_ كمان أسبوعين بس، يا ريت تيجي مع جوزها يا باشا لأني حابة أتكلم معاه في شوية تفاصيل.
يا الله! سيخرج بروحها الآن. فتحت فمها تحاول الحديث، ليلقي عليها نظرة واحدة جعلتها تبتلع ريقها وتصمت، ثم تحدثت بقوة:
_ أنا أبو البيبي... بس مطلقها.
ابتسامة الطبيبة أشعلت بداخل قلبها نيران مجهولة الهوية، جعلت لسانها يرفض الصمت، فقالت:
_ على فكرة أنا اللي طالبة الطلاق، وهو هيموت ويرجعني. بيقولي مش قادر أعيش من غير يا دلال، وأنا أقوله لا يمكن.
***
فوق سطح منزل أبو الخير.
صعدت حنين بخطوات مترددة. رأته جلس فوق أريكة كبيرة وأمامه "شيشة" يأخذ منها نفساً وراء الآخر.
ضمت كفيها لبعض بتوتر، ثم اقتربت من محل جلوسه. رفع عينيه إليها بتعجب مردفاً:
_ في حاجة يا حنين؟
بتردد أومات، فأشار إليها بالجلوس قائلاً:
_ طيب أقعدي.
جلست بأخر الأريكة على بعد مسافة قريبة منه. وطال صمتها. ها هي تأخذ خطوة جديدة لا تعلم إذا كانت على صواب بها أم خطأ جديد يضاف إليها.
أخذ نفساً طويلاً من الشيشة، ثم وضعها بعيداً عنه مردفاً:
_ قولي يا حنون، سامعاك.
سألته بحزن:
_ أنت تعرف أنا هنا ليه؟
_ قولتي إن في حاجة عايزة تقوليها، قوليلي أنا سامعاك.
مسحت على أنفها مردفة:
_ أنا أقصد تعرف أنا هاربة في بيتك ليه؟
حدق بها متعجباً، ثم أومأ إليها بجدية مردفاً:
_ عارف السبب يا حنين، وبحاول أساعدك. مش عايزك تقلقي، هي تجربة وحشة بتمرّي بيها عشان تتعلمي بعد كده تعملي حسابك إن مش كل الناس زي ما أنتِ متخيلة.
ببراءة طفلة صغيرة ضائعة بكت، ثم هتفت بنبرة مرتجفة:
_ من وقت ما بابي مات ومامي اتغيرت، ما بقتش شايفانا خالص. بعدها على طول اتجوزت. خالد كان معايا بس معظم وقته لنفسه. عمو كان بيعملي كل حاجة نفسي فيها، بس للأسف عمو أيوب مش حنين، ما يعرفش يعني إيه يبقى إنسان حنين. اتعود إنه يبقى مسؤول وقوي، لكن ما اتعودش يطبطب. لما مات خالد، الدنيا كلها اسودت في عيني وحسيت إني خلاص مليش حد في الدنيا دي. عمو وقتها عرضني على دكتور نفسي يساعدني أخرج من المحنة اللي بيمر بيها، وكان الدكتور ده آدم.
صمتت مع ارتفاع شهقاتها. تتحدث وكل شيء يمر أمام عينيها مثل شريط سينمائي يعرض عليه أبشع لحظات حياتها. لم يتحدث ناصر، تركها تفرغ ما بداخلها دون تدخل منه. فأكملت بقهر:
_ آدم كان راجل شكله حلو أوي وشخصيته كمان كانت حلوة. كان حنين وبيسمعني في أي وقت، بيسمع أي حاجة أقولها حتى لو حاجة تافهة ممكن ما يعلقش نفسه بيها. كان بيحسسني بالأمان، بيحسسني قد إيه أنا بنت حلوة وقد إيه هو شايفني مميزة، وكتير على أي راجل. بدأ يزرع جوه دماغي حب لحاجات معينة، لمسة إيد، حضن بيطبطب فيه عليا، حاجات تانية مش هقدر أقولها. هو قدر يخليني أحبها. وقتها عقلي عشان كان صغير وهو لسه صغير، بصراحة تخيل إن الحاجات دي حب، وإن كل ما أعملها معاه هحبه أكتر ويحبني أكتر. كان بيحتويني وبيخليني أكلم ماما من ورا عمو أيوب. ماما قالتلي أكتر من مرة إن آدم في يوم من الأيام هيبقى جوزي وإنه شخص مناسب بالنسبة لي. قالتلي إن الحاجات اللي بنعملها مع بعض مش غلط. أنا سألتها والله يا ناصر، قولتلها على اللي آدم بيعمله معايا، وهي قالتلي وقتها إن الحاجات دي مش غلط، هو بيعبر عن حبه بيها، وأنا لما أحبها هثبت له إني بحبه.
انتفض جسده كأنها سقطت عليه كوب من ماء النار. والدتها كانت تعلم بكارثة مثل تلك؟ كانت شريكة لرجل مريض استغل ابنتها ليفرغ بها غرائزه؟
قبض على يده بقوة يمنع نفسه من فعل أي شيء يخيفها. صمت وتركها تكمل، فقالت:
_ آخر مرة كنت قرفانة وهو كان مش طبيعي، ضربته. كنت عايزة أموته يا ناصر، مش عايزاه يعيش. هو لازم يموت.
لهنا اكتفى ناصر. لا يقدر على سماع المزيد. لم يشعر بحاله، أو ربما تغلب عليه قلبه وسحبها بقوة بين أحضانه. أغلق ذراعيه حولها بقوة، أعطى لها مساحة من الحنان تبكي بداخلها كما تشاء، مردفاً بوعد رجل:
_ أنا عايزاه يعيش ويطلع منها سليم، بس أوعدك وغلاوتك عندي لاخليه يتمنى الموت كل يوم، مش هيطوله. هتبقي بالنسبة له كابوس، كل ما يشوفك قدام عينه يترعب ويرمي نفسه جوه النار ولا إنه يقف قدامك. مش هو بس، هو وأي حد وصلك للنهاية دي، أي حد لعب في دماغي واستغل إنك عيلة صغيرة، حتى لو كان الحد ده أمك.
ها هو يعطي إليها شعور رائع بالأمان. أبعدت جسدها عنه قليلاً، ثم قالت بخجل:
_ أنت عارف أنا حكيت لك ده كله ليه؟
همس بنبرة خشنة:
_ ليه؟
_ عشان أنت بقيت الهيرو بتاعي يا ناصر. بطلي، إلا لما ببقى في مكان هو موجود فيه بحس إني في أمان، إني ملكت الدنيا كلها. أقولك على حاجة؟
بداخله شيء اهتز. شيء يتمنى سماع المزيد، وشيء آخر يرفض ما هو قادم. ابتلع ريقه يترقب، ثم سألها بنبرة صوت متحشرجة:
_ قوليلي على حاجة.
بحماس شديد قالت:
_ سألت Gpt عن الحاجات اللي بحسها وأنا معاك. كلها عارف قال لي إيه يا ناصر؟
بخوف سألها:
_ قال لك إيه يا حنين؟
بخجل قالت:
_ إني بحبك يا ناصر.
***
أمام قصر رسلان وقفت سيارة أيوب. نظرت إليه دلال بتعجب مردفة:
_ مش المفروض توصلني الأول؟
أجاب بهدوء:
_ ما إحنا قدام البيت أهو، أوصلك فين تاني؟
_ قدام أي بيت؟
حركت رأسها مردفة:
_ ده بيتك، أنا عايزة أروح شقتي.
حرك حاجبه ببساطة شديدة وقال:
_ لأ، مهو بنتي مش هتنام إلا في بيتي. أنتِ بقي عايزة تعيشي في مكان تاني؟ يبقى لما حبيبة قلب أبوها تشرف، هاخدها تنام في حضني.
ماذا؟ يريد الصغيرة بمفردها بدونها؟ إذن لن يردها إليه.
نظرت إليه بغضب مردفة:
_ ده بعينك تأخد بنتي مني! روح اتجوز وخلف بعيد عني، وبنتي هتبقى في حضن أمها.
أومأ إليها بهدوء، ثم نزل من السيارة، فتح إليها الباب مشيراً لها بالخروج مردفاً:
_ انزلي يا دلال.
نفت برأسها عدة مرات مردفة:
_ مش هنزل، أنا رايحة بيتي.
مسح على خصلاته بتعب وقال:
_ ما أنتِ في بيتك يا دلال، نزلي وخلينا نتكلم بالعقل.
هدوئه دائماً يجعل منها قطة وديعة. أومات إليه ببراءة ونزلت معه من السيارة. دلفت معه للداخل لتجد السيدة فوزية بالحديقة، قامت من مكانها سعادة متجهة إليهما مردفة:
_ دلال يا حبيبتي، حمد الله على سلامتك. كدة برضه أرجع مخصوص عشانك تسبيني وتمشي؟
_ حقك عليا يا طنط، بس أنا عرفت إن البيت ده بتاع أيوب باشا، مش من حقي أعيش فيه.
ضمتها السيدة فوزية بحنان مردفة:
_ أيوب شايف إن أي حاجة من رايحة خالد غالية عليه.
تدخل أيوب بالحديث قائلاً بجدية:
_ معلش يا زوزو، اطلبي يحضروا الغدا على ما أتكلم مع دلال شوية.
أومات إليه فوزية بهدوء، ليأخذ دلال من كفها للداخل. مع أول خطوة رأت جومانة التي قالت بسخرية:
_ مش ناوية تسلمي على حماتك يا حلوة، وإلا إيه؟
_ حماتي؟
تحدث أيوب بقوة:
_ جومانة تبقى مامت خالد، الله يرحمه.
لم تبتسم أو حتى تقترب لتسلم عليها، لترفع جومانة حاجبها بغضب مردفة:
_ إيه؟ متعرفيش إزاي تسلمي على حماتك؟ وإلا أقول لك إيه؟ ما أنتِ معذورة، كان ليكي أهل منين عشان يعلموكي الأصول.
_ جومانة.
قالها أيوب بنبرة غاضبة، لتقول دلال بهدوء:
_ عندك حق، أنا أهلي ماتوا وأنا صغيرة، وفعلاً وقتها ما كنتش أعرف الأصول، عشان كده دايماً عندي أعذار لما بغلط. لكن للأسف في ناس عندها أهل وبرضه ما يعرفوش حاجة عن الأصول، لأن أهلهم نفسهم معدومين الأصل زي حضرتك كده يا طنط جومانة. أهلكم نسوا يربوكي، فانتِ كمان نسيتي إن عندك ولادك محتاجة تتربي. لولا إنهم عندهم ناس غيرك يعلموهم الأصول، كانوا يا خسارة طلعوا زيك.
اندفعت إليها جومانة بلحظة جنون لترفع يدها عليها، إلا أن يد أيوب كانت الأسرع. وضع يدها خلف ظهرها قائلاً بقسوة:
_ عارفة لو إيدك كانت لمست خدها، كنت عيشتك الباقي من عمرك تتمني الموت. تطلعي دلوقتي حالا تلمي هدومك وتغري في 60 داهية من هنا، اللي ما يحترمش أصحاب البيت ملوش مكان فيه.
أشارت جومانة على دلال بذهول قائلة:
_ وهي دي بقت من أصحاب البيت؟
_ تؤ، بقت أصحاب البيت كلهم، مش منهم بس.
أخذها بعدها ودلف بها لغرفة المكتب. جلست على أقرب مقعد، ليقول إليها:
_ ممكن أعرف اللي حصل بره ده معناه إيه؟
حركت كتفها بتعجب مردفة:
_ إيه اللي حصل برة؟ مش فاهمة؟
_ اتعدلي يا دلال، اللي عملتيه مع جومانة بره، أسلوبك كان غلط وطريقة كلامك كانت غلط وما فيهاش أي احترام للكبير. أنا وقفت جنبك عشان ما أطلعكيش غلطانة، لكن أنتِ غلطانة.
تذكرت جملة قالها إليها خالد بلحظة عابرة بينهما: "أمي عمرها ما حبت أبويا يا دلال، طول حياتها بتعشق عمي أيوب لدرجة إن أبويا كان بيشوف ده في عينيها ويسكت عشان بيحبها. تعرفي إنها بتحبني عشان أنا فيا شبه كبير من عمي أيوب."
هرمونات الحمل معها غير عادية، فضربت على سطح المكتب بقوة قائلة:
_ يا سلام، وأنت زعلان عليها أوي كده ليه؟ عشان حبيبة القلب؟ ولا تكون ناوي تتجوزها؟ أطلع بروحك وروحها في إيدي، والله لو حصلت.
لو تعلم تأثير كلماتها عليه، لو تعلم كم المشاعر التي دلفت إليه الآن. لا يصدق حقاً، لا يصدق إنه رأى الغيرة بعينيها.
لم يفكر، جذبها من خصرها لتلتصق به وهمس بنبرة مشتعلة بالحرارة:
_ غيرانة؟
اهتزت. وصل إليها أخيراً معنى غبائها. نفت بحركة سريعة من رأسها، ثم قالت:
_ أغير من مين وعلى مين؟ من الست اللي قد أمي دي! وعليك! لأ طبعاً. كل الموضوع إن طالما حضرتك ناوي تتجوز، فالأولى ترجع أم ابنك. أنا مش عايزة ابني يعيش مشرد ولا مع مرات أب شريرة زي دي.
للمرة الثانية تضع نفسها أمامه بخانة الزوجة التي تكاد تموت من الغيرة على زوجها. رفع حاجبه بابتسامة رجولية رائعة، ثم قال:
_ امممم، قولتيلي الأولى أرجع أم ابني، بس أنا مش ناوي أرجعك يا دلال.
سمعت صوت تحطيم بداخلها. لا تعلم أي شيء سقط. قلبها؟ كرامتها؟ حقاً لا تعلم، لكنه شيء مؤلم. ابتعدت عنه برفض لظهور ضعفها، فقالت بكبرياء:
_ ولا أنا عايزة أرجع لك. أنت راجل لا تعاشر ولا تطاق، بس ابني مينفعش ييجي في الدنيا من غير أب جانبه طول الوقت. حياة ابني أهم من راجل نسوانجي زيك. من يخت بورقة عرفي. لأ ومش كده وبس، عايز تطلعه معقد وتجيب له مرات أب كمان؟ ده على جثتي.
ظل بارد لدرجة مبهرة، ليجلس على مقعد مكتبه مردفاً ببساطة:
_ على ما حبيبة قلب أبوها تيجي الدنيا، أكون اتجوزت لي جوازتين تلاتة. وأنا أوعدك، أول ما أشيلها على إيدي، احتمال أفكر أرجعك يا دلوعة.
دلال، الهدوء الآن مطلوب. صحتك وصحة صغيرك أهم منه بكثير. ألقى عليه نظرة غاضبة، ثم خرجت بلا كلمة. ليقهقه بمرح مردفاً:
_ دلال مع الهرمونات حاجة آخر دلع.
***
صعدت لغرفة خالد لتجد جومانة تجلس بانتظارها. أخذت نفسها بضيق، ثم قالت:
_ بتعملي إيه هنا؟
ردت عليها جومانة ببرود:
_ أوضة ابني، أدخل وقت ما أحب. أنتِ بقي اللي المفروض أسألك بتعملي إيه هنا.
بنفس البرود دلال قالت:
_ أوضتي، هي من ضمن ورثي من المرحوم جوزي.
_ اثبتي.
كلمة واحدة بها جبروت العالم سقطت على قلب دلال. ومع ذلك قالت بقوة:
_ أثبت إزاي؟ الورقة كانت مع خالد، بس من الواضح إن في إيد قذرة أخدتها من العربية وهو في المستشفى.
أومات إليها، ثم هتفت بجدية:
_ عشرين مليون جنيه حلوين؟
عقدت دلال حاجبيها بتعجب مردفة:
_ يعني إيه؟ مش فاهمة؟
_ لأ، فاهمة كويس أوي، بس عايزة تعملي نفسك عبيطة. عشرين مليون جنيه وتمشي من هنا. عيشي حياتك بيهم زي ما أنتِ عايزة، بس تنسي القصر ده باللي فيه، وخصوصاً أيوب.
الآن فقط فهمت عرض السيدة جومانة. البعد عن أيوب مقابل عشرين مليون جنيه. ابتسمت إليها دلال بهدوء مردفة:
_ امممم، هي الحكاية كده. أبعد عن أيوب. عايزة ترجعي حب زمان يا شقية؟ بس تفتكري يا مدام جومانة، أيوب رسلان ممكن يحن لك؟ لو كان في أمل واحدة في المية، كان اتجوزك بعد موت أخوه بحجة إنك أم العيال ولازم تبقوا أسرة واحدة. بس سابك تتجوزي عدوه، وقالك مع ألف سلامة. بقي معقول واحد زيه ياخد واحدة مدوبة رجلين؟ اللي أعرفه عنه إنه يدوب بس ما يدوبش. هتدفعيلي فلوس على الفاضي، وبرضه مش هتقضي ليلة واحدة معاه.
هذه الفتاة أقوى مما توقعت بكثير، واللعب معها على المكشوف خطر كبير. قامت من فوق الفراش، ثم قالت بهدوء:
_ أنتِ لسه جاية من بره، أكيد تعبانة ومحتاجة ترتاحي. نبقى نتكلم بعدين، كده كده مش هنختلف. ده أنتِ مرات الغالي.
فلتت من دلال ضحكة ساخرة قبل أن تقول:
_ من ناحية إني مرات الغالي، فأنا فعلاً مرات الغالي.
بعد أكثر من نصف ساعة، دقت الخادمة على باب غرفة دلال. شعرت دلال بالثقل ورفضت القيام من فوق الفراش، فقالت بتعب:
_ مين؟
_ أنا يا ست هانم، أيوب بيه بيقولك تنزلي معاد الغدا.
_ لأ، شكراً، أنا تعبانة ومش قادرة أنزل.
أخذت الخادمة منها الجملة وقالتها إليه مثلما هي. بلهفة ترك غرفة الطعام وصعد إليها. فتح باب الغرفة دون أن يدقه. رآها تنام فوق الفراش ويدها على بطنها وتتحدث:
_ يا حبيبي، مش معقول تكون بتوجع ماما وجايب لها مغص وأنتِ لسه نونو؟ المفروض تحترمني من دلوقتي عشان لما تكبر تسمع كلامي، وبعدين أنا مش قادرة أتحمل وجع بصراحة، هعيط.
فلتت منه ابتسامة حنونة، ثم اقترب منها مردفاً:
_ دي بنت أبوها ومش هتسمع كلام حد غيري أنا وبس.
اعتدلت بجلستها بغضب وقالت:
_ ما تحترم نفسك! هو ما فيش خصوصية في البيت ده خالص؟ داخل زريبة! الباب ده اتعمل عشان نخبط عليه قبل ما ندخل على الناس.
بوقاحة قال:
_ الكلام ده لما تبقى الناس غريبة، مش ناس عارفين إن عندها حسنة في...
بأقل من ثانية، وضعت يدها على شفتيه بخجل قائلة:
_ بس يا قليل الأدب يا سافل! إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أمشي أطلع بره.
بحنان شديد، وضع يده على بطنها، ثم بدأ يمررها عليها بنعومة هامساً:
_ بتوجعك؟
حنونة دائماً تفوز بسرقة قلبها. أومأت إليه مثل الطفلة الصغيرة التي تشكو ما يؤلمها لوالدها، فقالت ببراءة:
_ أوي، وعايزة أعيط، بس بقول أنا بقيت كبير وهبقى مامي، والأم لازم تتحمل دلع ولادها.
يا الله! تقوده لفعل أشياء يقيد نفسه عنها بالقوة. مرر يده على بطنها بخفة أكثر وهمس:
_ طيب وكده؟
_ الوجع راح. أنا اكتشفت حاجة غريبة جداً يا أيوب.
ابتسم إليها مردفاً:
_ إيه هي يا دلوعة؟
_ إن كل ما بتبقى جانبي بحس إني مرتاحة وبنسى وجعي حتى لو لسة موجود. وجودك في حياتي بقي علاج لكل حاجة يا أيوب.
بذهول قال:
_ يعني إيه؟
_ رجعني يا أيوب.
_ عايزة ترجعي ليه؟
_ عشان بحبك.