الرعب ملأ قلوب الجميع. توقف الزمن بصمتٍ كئيب، ثقيلٌ طلى صدأه على القلوب. نهض عثمان بصمت، وبلمح البصر كان يختفي من أمام الجميع، مستقلاً سيارته إلى حيث وجهته. يركض قلبه قبله بهلع، على من صورتها لا تفارق ذهنه. ذرفت عيناه الدمع قلقاً، وقلبه ينسحب ببطء، بطريقة مخيفة. كان يقود بطريقة مرعبة، كأنه يتسابق مع الهواء أو ما شابه.
وقفت السيارة أمام مخزن ذي باب خشبي، مصدره صوتاً عالٍ مصحوباً بغبار بصورة ضبابية. جذب سلاحه بأعين تتطاير منها الشرار. تخضب وجهه بحمرة الغضب، يكاد يحرق العالم بأجمعه. ترجل من السيارة، ثم دفع الباب بقدمه للخلف، فانكسر مصدراً صوتاً عالٍ للغاية. عيناه جالت بالمكان، لكن ما زاد شكه أنه لم يرَ أحداً بالمكان ألبته. لم يخرج أحدٌ ليُهاجمه. ليس هناك أي همس أو حركة تدل على وجود أحد.
لكنه لم ييأس، ولج إلى إحدى الغرف التي وجدها مفتوحة، فتسمر مكانه حينما وجدها مجسّية أرضاً، متغيّبة عن الوعي. ركض قلبه بهلع إليها، وقد سبقته عبارته على وجنتيها. هرع لها وحمل وجهها الذي استقبل دموعه بحرقة، ولطم على وجهها برعب وهو يقول بصوتٍ مبحوح: "مكة، مكة، مكة قومي. عملوا فيكِ إيه؟ قومي يا حبيبتي، متسبنيش بالله عليكِ. متوجعيش قلبي، أنا مش حمل فراق. أنا أخسر الجميع إلا أنتِ. حياتي هتقف لو سبتني. قومي يا مكة."
صدح صوت تصفيقٍ آتٍ من الخلف، مصحوباً بضحكةٍ رجولية بسيطة وجذابة، فالتفت عثمان نصف التفاته، عاقداً حاجبيه وهو يردد بتعجب: "أنت واقف بتضحك؟ تعالى شوف مكة؟ تهكم ياسين وهو يقول ببساطة: "متقلقش، هتصحى دلوقتي وهتبقى تمام. متشلش هم. المهم أنك عرفت قيمتها وتعرف أن الموت ملهوش انذار ولا موعد." صدمة احتلت سويداء قلبه، وهو يربط الأحداث ببعضها، فوثب واقفاً بزهول وتقدم ناحيته قائلاً: "فهمني قصدك إيه. كل دا مقلب؟ أومأ ياسين ببرود:
"أيوه مقلب." وقف عثمان تائهاً، وادمعت عيناه حينما شعر أن بإستطاعته الحديث، فأنفعل قائلاً بوجعٍ أضناه: "أنت غبي يا ياسين. أنا كان قلبي هيقف، دي مقلب دي يا أخي. حرام عليك بقا. أنت إيه؟ مبتحسش؟ أشار ناحية مكة التي لم تزل لم تفق، وقال من بين أسنانه: "وطبعاً هي مشاركاك المقلب البايخ دا، مش كدا؟ نفى ياسين ذلك قائلاً بصدق: "لا، مكة متعرفش أي حاجة. هي دلوقتي تحت تأثير منوم مش أكتر." ولّى عثمان ظهره وهو يقول بجفاء:
"دا آخر كلام بيني وبينك؟ حمل مكة وغادر بها عائداً للمنزل، ولحق به ياسين مفكراً. هل ما فعله صحيحٌ أم أنه أخطأ؟ وألمه حقاً؟ بلحظة وضع نفسه مكانه، وقتها فقط، تلك الفكرة أتت فؤاده وسرت الرهبة به؟ ولكن كان قصده خير، فقط لم يكن ينوي إيذاء قلبه بهذه البشاعة؟ حيرةٌ وتوتر... قلقٌ وتردد... وخوفٌ ورعب...
كل شيءٍ غزى فؤاده بثقلٍ عظيم. دخل عثمان بمكة، وجد الجميع يضحك، فرمقهم بألمٍ جليّ، ودون كلمة صعد لشقته. فوقف الجميع عقب صعوده مصدومون من ردة فعله. تنقل النظر فيما بينهم بغرابة، حتى ولج ياسين وأخبرهم بما حصل، فتنهد بضيق وقال: "شكلنا كدا زودنها أوي عليه؟ بضيق هتفت وعد على مضض: "ما أنا قولتلك غلط يا ياسين... أنت وجعته كدا. شعور وحش ما توصفش. مكنش لازم تعمل كده." وقفت لمار قائلة بحسم: "طيب تعالوا نطلع كلنا نكلمه."
وافقها الجميع، وذهبوا تباعاً للأعلى، وقرعوا الباب حتى فتح لهم عثمان بهدوء، وبوجهٍ باهت كأن كل ما حصل حقيقي، وهو حقاً خسر مكة. أولاهم ظهره ودلف للداخل، وجلس كأنه جسدٌ فاقدٌ للحياة. فولج الجميع بصمت، وجلس ياسين بقربه، ودفعه من كتفه بكتفه وهو يقول:
"ميبقاش قلبك أسود بقا يا عم. نيتي كانت خير والله، وكنت عايزك تقلل شغلك شوية. مش بقول متروحش، دا بلدك والعمل بتاعنا مش بأيدينا، بس كمان أهلك ليهم عليك حق. وبعدين متنكرش المقلب اتعمل بجدية، حتى أنك مشكتش صح." حدجه عثمان بطرف عينيه، فارتبك ياسين وهو يستشف منه على ما ينوي. بلحظة كان منكفئاً ملتقطاً حذاءه، لتتسع أعين ياسين وركض بهلع، وعثمان خلفه يصيح: "بذمتك دا مقلب؟ والله لأوريك...
يا كلب قلبي كان هيقف. يا بوز القرد أنت." وقف ياسين خلف أيهاب متسائلاً من خلف كتفه بغيظ: "بوز القرد يا معفن يا بيئة." "أنا هوريك البيئة دي هتعمل فيك إيه." ظل يركضون خلف بعضهم البعض، يطوفون بالشقة بأكملها. في آوان ذلك، هز يوسف رأسه بعبوس وهو يجلس، يليه فيكتور وأحمد ولمار. ردد يوسف مفكراً بتعجب وحيرة: "هو دا ياسين ابني ولا حد تاني؟ هو الواحد يتجوز عشان يعقل ولا عشان يتهبل؟
أفهم بس. الواد قبل الجواز كان راسي وعاقل وشخصية كدا الكل بيخاف منه، مكنش بنسمع صوتك. أمّال مين لهبل دا؟ "الله يخليك يا بابا، شكراً يا غالي، ربنا يديمك ليا." قالها ياسين بضحكة وهو يضع يده على صدره بتحية، ويقف خلف أحد الأرائك. وعلى حين غفلة، انقض عليه عثمان، أوقعه أرضاً وهو يعتليه، وتم نزاع بينهما. وإذ بضحكات ديجا تعلو تملأ المكان، لينظروا لها الشباب وما زالوا على حالهم، وجدوها تلتقط لهم بعض الصور، وقالت بمناغشة:
"هيييح، هفضحكم." حدق الشباب ناظرين لبعضهم، وبلحظة كان يختلف الحال، ويركضوا خلف ديجا يحاول أخذ الهاتف، حتى أخذته لمار، غامزة لها وهي تقول: "أيوه كدا يابت يا ديجا عشان نربيهم." أومأت لها ديجا بفخر. فحاول الشباب أخذ الهاتف من لمار، لم ينجحوا. قاطعهم قول مكة وهي تخرج من الغرفة تتثاءب: "هو في إيه؟
نظر لها عثمان بعشق، وقلب يقرع بقوة مشتاقة لأخذها بين أضلعه، وحقاً أسرع نحوها وضَمَّها مطمئناً ذاته. ابتعدت عنه بحياء وهي تضبط نقابها، محمرّة الوجنتين، ثم جلست بصمتٍ تام بجانب الجميع، وظلوا يتسامرون. "يا عثمان قولي بس واخدني فين؟ أنا مش شايفة حاجة. شيل الرابطة دي." همست بها مكة وهي معصومة الأعين، يتمسك بها عثمان دون علمها أين يتجهون. أحست أنها تخطو درجات، لكن إلى أين؟ "خلاص وصلنا أهوو. اهدي بقا وانزلي على مهلك!
فك رابطة عينيها، وهو يقف خلفها، وضمها من الخلف بتملك، وهو يضع رأسه على كتفها هامساً ببسمة: "افتحي عينك... هاا أيه رأيك؟ اتسعت عيناها بزهول، وفغرت فاه بصدمة، وبإنبهار وإعجاب شديد هتفت بزهول: "إيه دا؟ أنا فين؟ أيه المكان ده؟ أنا في الجنة ولا إيه بس؟
دارت حول نفسها تتطلع لتلك الخضرة التي تحيطها من كل جانب، والأشجار الراسخة، والأزهار المزدهرة. البحر الأزرق وسكونه الذي خطف عينيها مذ الوهلة الأولى. خيمة صغيرة معلق بها أنوار مزينة بورود حمراء اللون، يليها قلب بالورود وبداخله اسمها. كانت مشدوهة من كل ما يدور حولها. حتى انتشلها من شرودها صوت طائرة تقلع. الآن فقط تنبهت أنها آتت بها، شهقت بفزع وهي ترى المكان خالياً والطيارة تقلع، فظلت تقفز برعبٍ شديد وهي تصيح:
"رايحة فين؟ ده وقفوه، ده هيسبنا." كبت عثمان ضحكته بصعوبة، وهو يقول مهدئاً: "اهدي يا مكة، هو هيمشي وهيبقى يرجع." تخصرت وهي تقول بغيظ: "وهنقعد هنا لوحدنا في المكان المخيف دا. افتراض أشباح طلعت لنا، ولا اللي بيمصوا الدم دول." ضحك بملء فمه وهو يحاوط كتفها هامساً: "لو يا حبيبتي ظهرت حاجة زي كدا، همشي وأسيبك، وهنقذ روحي." لوت فمها بسخط، وهي تلكزه بقوة قائلة: "يا بارد! إن شاء الله عفريت يطلع لك!
ثم دفعته بعيداً وركضت تجاه البحر، ورفعت دريسها قليلاً، فما أن همت بملامسة الماء حتى انتفضت ناظرة حولها، لئلا يكون أحد يراها. فجاءها صوته قائلاً: "مفيش حد غيرنا هنا... يعني خدي راحتك، بس مش راحتك أوي."
زمت شفتيها بتذمر، وجلست وهي تدلي قدميها، وتدفع الماء بضحكاتٍ عالية، بلحظة كان يجلس بجانبها يفعل المثل، وهو يطوق كتفها. ثوانٍ وكان يغترف بكفيه الماء يقذفه بوجهها، وهي تبعد وجهها بغضب. حتى حذت حذوه، ووقفا يلهون بالماء بضحكاتٍ عالية رنانة، تتراقص على أنغامها أفئدتهم. دفعته بقوة ليقع بالماء على ظهره، وانتفض بفزع راكضة وهي تصرخ. وهو خلفها......
جذبها من ذراعها، فمن شدة الهجوم وقعت أرضاً وهي فوقه، لا تكف عن الضحك. ضحكتها التي أسرت فؤاده. ظل يتابع ضحكتها التي تهدأ شيئاً فشيئاً. توردت وجنتيها وهي تهرب من نظراته هامسة بحياء: "مالك بتبصلي كدا ليه؟ رفع ذقنها إليه متسائلاً بتعجب: "ارفعي راسك وأنتِ بتكلميني... أنتِ لسه بتتكسفي مني؟ أنا جوزك على فكرة، مش حد غريب."
نظرت له بصمت، ولم تحيد عيناها عن عيناه. فتمدد وهو يضع ذراعه خلف رأسه، يراقب ضحكتها التي تحولت لبسمة سحرت فؤاده، وصبغة الحمرة التي زادته حباً فوق حبه. إنها لحظات ومواقف بسيطة، ولكن تبقى ذا أثر بسويداء القلب كسراجٍ منير يوهج الأفئدة. كأن تلك اللحظة قد محت جل ما عانته قبلاً، وأزالت رواسب الحياة جميعها. كأنها لم تعش قبلاً، وها هي تحيا. ليتولد فؤادها من جديد ببدر ساطع بدروب حياتها الكاحلة، فتبدد كل الظلام الذي كان قبلاً. بهجة وسرور، حبٌ سرمدي لن يزول. قلبٌ أصبح كبستانٍ ليس به سوا ورودٌ وأزهارٌ، وزقزقت العصافير وألحان الحب والعشق. لحظات بسيطة قد تحيي الأفئدة بأملٍ جديد يبقى أمد الدهر.
ولج ياسين لغرفته صائحاً بلهفة على سجى، وشغفاً يتخلل سويداءه. بحث بالغرفة فلم يجدها! لذلك خرج متسائلاً عنها، حتى وجدها جالسة مع ورد وديجا. فتنفس الصعداء واتجه بوجهٍ مشرق وعينين تتلألأ من وجهها الضاحك البشوش. ألقى السلام، ثم قبل جبهتها قائلاً على عجل: "قومي عشان عندنا مشوار ضروري! ضيقت عينيها قائلة بتعجب: "مشوار إيه دا؟ مال على أذنها هامساً: "هخطفك يوم واحد! ضحكةٌ برقة وهي تهمس: "أنت عايز تخطفني؟ هقول لماما."
ابتعدت ورد عنهن براحة وهي ترى بهجة سجى. بينما دفعت ديجا ياسين بحدة وهي تقول بغضب: "أبعد عن سجى حبيبتي ومتقربش منها." أنهت جملتها تزامناً وهي تضم سجى بتملك. حرك ياسين كفه بغيظ على وجهها، وهو يكظم غيظه بشتى الطرق. بلحظة كان يمسك بديجا من ملابسها، رافعها للأعلى وهو يقول محذراً: "بت أنتِ... أنتِ في حد مسلطك عليا ولا إيه النظام؟ صاحت ديجا وهي تهوي بقدميها بالهواء: "يا سجى الحقيني." نهضت سجى قائلة وهي تحملها:
"سيبها يا ياسين، ملكش دعوة بيها تاني وإلا هزعل منك ومش هكلمك تاني! أمسك ياسين دون كلمة ذراعها هامساً بحسم: "تعالي طيب بما إن الذوق مش نافع معاكِ." ولج للغرفة وأغلق الباب، فتساءلت بغرابة وتعجب من فعلته: "ياسين في إيه؟ قلقتني." برقة وحنان أمسكها من يديها وهو يقول ببسمة ظهرت جليّة بصوته: "بصي يا حبيبي عايزك تجهزي عشان رايحين مشوار." ضيقت حاجبيها متسائلة: "مشوار إيه وليه؟ بنفاذ صبر تحدث من بين أسنانه:
"في واحدة يا بنتي تقول لجوزها عايز نطلع ليه؟ البسي يلا قدامك ربع ساعة يلاااااا يا بنتي اتحركِ." نفخت بضيق وهي تشير له للخارج: "طيب اطلع الأول." تساءل بدهشة: "اطلع ليه؟ افتراض احتجتي مساعدة." بتذمر صاحت بطفولة: "ياااسين اطلع وإلا مش هروح معاك." بإستسلام تحدث وهو يتحرك للباب: "طيب ماشي اهو، بس متتأخريش، ربع ساعة وبس وإلا هطلع."
أكتفت بإيماءة بسيطة، فخرج مغلقاً الباب خلفه. تنهدت بحبور وهمت أن تستدير، فجأة انفتح الباب وطل برأسه متسائلاً بضحكة: "متأكدة يا بنتي مش عاوزة مساعدة؟ ضحكةٌ مرغمة وهي تقول بغيظ: "ياسين اطلع بره." زم شفتيه قائلاً وهو يغلق الباب مرة أخرى: "غلطان، جاي أقولك إن اللبس عندك على السرير." أغلق الباب مرة أخرى، أخذت الملابس وهمت بالدلوف لدورة المياه، لينفتح الباب مرة أخرى ويطل ياسين برأسه قائلاً بضحكته الرجولية
التي تسلبها فؤادها: "يا بنتي متأكدة أنك مش عاوزة مساعدة كدا ولا كدا؟ ضحكة سجى ضحكة رنانة وهي تلقي عليه ما بيدها من ملابس، فأغلق الباب فوراً وهو يقول بصوتاً عالٍ بضحكة: "على العموم مستنيكِ تحت في العربية، متتأخريش يا بنتي." ارتدت سجى دريس باللون الزهري، ولكنها لم تنجح بلف الحجاب، فجلست حزينة، وأغرورقت عيناها بالدمع. طرقات خافتة تناهت لها، فأذنت للطارق بالدخول، لتفتح ورد الباب قائلة ببسمة:
"جايه أشوف القمر ليكون عاوز حاجة؟ أشرق وجه سجى وتلألأ وهي تقول بغبطة وحبور: "ورد كويس إنك جيتي... تعالي ساعديني في لف الحجاب." بفرحة تقدمت ورد وشرعت بلفه على رأسها، مغطياً جزءها العلوي. فلامسته سجى بمحبة وهي تقول بشكر وامتنان: "الله... تسلم إيدك يا وردتي.... معلش تعبتك معايا." ضربتها ورد بخفة وهي تقول بعبوس: "إيه تعبتك دي؟ اتعبيني براحتي. يلا هطلع أنا وأنتِ انزلي لياسين."
أومأت سجى بفرحة، ثم توجهت للخارج، فما كادت بالاقتراب من الدرج حتى ارتطمت بأحد، لتتأوه وهو يمسكها كي لا تقع. لتعتذر سجى قائلة بأسف: "آسفة مش قصدي، بس أنتِ مين؟ همست أنجي بخفوت، ولكن صوتها تناهى لسجى وهي تقول: "ما أنا عارفة إن مش قصدك، ما أنتِ عامية." ثم تنحنحت بصوتاً عالٍ وهي تقول بنظرة حادة: "أنا أنجي أخت بلال وأبقى زوجة... صمتت حينما بغتها ياسين بضغطة قوية على ذراعها وهو يقول بهدوء مصطنع: "يلا يا سجى."
همت سجى بالأعتراض، إلا أنه جذبها من معصمها بحنان دون حديث. أجلسها بالسيارة وجلس بجوارها، ومال على أذنها هامساً بنبرة جادة: "بلاش طيبة قلبك دي مع الناس كلهااا تمام؟ صمت قليلاً تستوعب ما يعنيه، فتساءلت بعدم فهم: "تقصد إيه؟ وضع كفه على وجنتها هامساً بمحبة: "يعني يا بنتي بلاش قلبك الطيب دا مع الكل... مش كله زيك... ولا عنده نفس طيبتك... مش كله بيحب الخير لبعضه...
أنتِ مفيش زيك قلبك فاهمه.. وعشان كدا مش كل الناس كويسة ونصدقهم... ومش كل اللي يبتسم ويكلمنا حلو يبقى كويس... إحنا في دنيا مصالح وأغلب الناس معانا عشان مصالحهم... فمش نثق أوي في الناس ثقة عمياء... ومش كل المظاهر تبقى حلو، أوقات كتير تكون القلوب وحشة." فهمتيني يا حبيبتي. هزت رأسها سريعاً، ليدير هو عجلة القيادة، ثم جذب رأسها يريحها على كتفه بحبور.
صوت ضجيج عالٍ آتٍ من مكتب الاستجواب. نهضت وعد ضاربة بقبضتها الطاولة وهي تصيح بوجه مراد، ثم توالت عليه باللكمات دون هوادة. ضحك هو ضحكة ساخرة وهو يقول والدماء تسيل من فمه، أو بالأحرى من وجهه جميعه: "تعرفي أنا كنت السبب في كل اللي حصل في الصعيد؟ لما أسروكِ على الجبل كنت أنا السبب. ولما كنتِ هتقعي كنت أنا مخطط لده، بس للأسف جه رحيم وأنقذك."
دفعته وعد من تلاليب ملابسه وأطرحته أرضاً، وانقضت عليه. ظلت تضربه حتى تعبت. ثم بصقت بوجهه وهي تلهث، ورمقته بنظرة حارقة، وخرجت من المكتب وهي تجفف وجهها بكفيها. جلست على أقرب مقعد وهي تتجرع المياه. ثم دوى رنين هاتفها برقم مجهول، فنفخت بضيق وهي تضعه على أذنيها قائلة برزانة: "السلام عليكم، مين معايا؟
لم يأتها رد أو همس حتى، ولكن مهلاً، قد خفق فؤادها خفقات شديدة حتى أحست أن فؤادها يكاد يخرج من محله. فأجفلت بإرتباك وهي تبتلع ريقها وهمست بصوتاً خافت: "رحيم." عند هذه الكلمة وأغلق الطرف الآخر. ووابل من الأسئلة اقتحمت ذهنها. هل هو؟ وأن كان هو، لماذا يعاملها هكذا؟ لماذا لم يجيب؟ لماذا يفكر بها وهو متزوج الآن؟
شردت بالفراغ وعيناها تتوهج بالأشتياق والحنين له. لكنه صعب، صعبٌ للغاية أن تشتاق لأحد وأنت تعلم علم اليقين أنك لن تراه، ولن تخمد نيران شوقك. بلى، على العكس تماماً، ستظل توقد وتشتغل بلا هوادة، لتكوي الفؤاد وتتعذب الروح ويحترق الجسد. "ياسين أنت واخدني فين عااااااا." همست بها سجى مصحوبة بصرخة قوية وهي تتشبث بياسين الذي ضمها ضاحكاً وهو يقول: "يا بنتي اهدي، دي طيارة يا ماما، متقلقيش، مش هموتك."
أغلقت جفنيها برعب وهي ترتجف، بينما ظل هو معانقها بقوة ويهدأ من روعها. ثم نهض فجأة وأوقفها، وانفتح باب الطائرة، فهمس بمرح: "مستعدة تطيري في الهواء." تشبثت بيديه وجلة وهي تقول بخوف شديد: "ياسين أنت هتعمل إيه؟ أنا خايفة." جذبها من خصرها مقترباً من الباب وهو يهمس: "أياكِ تخافي وأنا معاكِ."
قالها وهو ينظر من خلال باب الطائرة المفتوح، لسحب فوقه والأرض التي بدت صغيرة حجماً. ثم جري فحصاً سريعاً للمظلة، وبلحظة كان يضم سجى لصدره ويقفز بها من الطيارة، لتصرخ بملء صوتها. سرعان ما تبددت صرخاتها لضحكاتٍ عالية وهي تطير في الجو وسط الهواء ونسماته، بينما ظل ياسين ممسك بها بإحكام، وهو يروي لها ما حولهم، كأنها ترى وأكثر، حتى استقروا على الأرض.
ظلت سجى تضحك بزهو، أنه شيء كان فقط بحلمها، وها هو أصبح حقيقة مع من دق له الفؤاد ونبض. صفاء وجهها وابتسامتها الرائعة من سويداء الفؤاد جعلتها تشعر أنها تملك سعادة لا تضاهيها أي سعادة أخرى. لا ريب، فسائر السعادة الآن بفؤادها فقط. ضمها ياسين لصدره ضاحكاً وهو يقول بهمس: "مبسوطة." أومأت سريعاً وهي تقول على عجل: "اوي اوي اوي. أول مرة أفرح كدا... حاسة إني في حلم مش مصدقة." جذبها من يدها لتقف، وهو يقول: "مش مصدقة؟
طب تعالي نجرب تاني بقا." على مرأى من النجوم الساهرة، حيث الكواكب تتلألأ على صفحات السماء، بسكون الدجى، وهدوء الليل الذي ينعش الأفئدة بنسماته العطرة. جلس عثمان، وأخذ مكة بحضنه، مستنداً على إحدى الشجيرات ببسمة لم تفارق وجهه، ولعلها لا تفارقه من الآن، ما دامت صاحبة تلك البسمة وسر مكنونها بجانبه قرة عينه وقرة قلبه. تبتسمت مكة وهي تداعب كفه بأصابعها وهمست وهي ترفع رأسها به: "عايزة أعرف عملت إمتى كل ده؟ أغلق جفنيه متحدثاً
ببسمة: "أنتِ لسه شفتي حاجة؟ ابتعدت عنه متطلعة به بزهو: "هو لسه في حاجة تاني؟ انعدل وهو يقبل كفيها: "اومال يا بنتي."
أشار بعينه ناحية السماء، فالتفتت بدورها لتجد أنواراً كثيرة واسمها مشعاً باللون الذهبي، وثبت شاهقة بحبور وعدم تصديق لما ترى عيناها وتسمع أذنيها، كأنها ما زالت لم تستيقظ بعد ولا تود. سحبها عثمان وسارا لبعض الوقت، حتى اتسعت عينيها وهي ترى طاولة عليها جل الأنواع التي تفضلها. المكان مضاء فقط بالشموع، الورود تغطي المكان، مسدلة الستائر حول تلك الطاولة. سارت ناحية المكان مشدوهة، ثم أخذت تصفق وتقفز ببهجة تسري بعروقها. أخذت تتطلع لكل شيء حولها بانبهار،
حتى ضمته بقوة وهي تقول: "أنت عملت كل ده إمتى؟ شاكسها من وجنتها كأنها طفلة وقال بضحكة: "فاكرة يوم لما جهزتي أنتِ وأنا اتأخرت، وقتها قررت أعوضك عن اليوم ده. والمكان دا لما بحب أختلي بنفسي باجي فيه، وهيبقى لينا أنا وأنتِ وبس، ووقت ما نزهق من الدنيا والناس نيجي."
اقترب رمضان، الجميع يجهز له بهمّة ونشاط. تمتلئ الأفئدة بالهمة العالية لذاك الشهر الكريم. بهجة وحبور يملأ أرجاء المنزل. السعادة تستوطن الوجوه، البسمة لا تفارق الثغر، والحب يرفرف في الآفاق. الجميع منشغل يجهز "كراتين رمضان" بكل ما لذ وطاب. تركض ديجا وهي تساعدهم بفرحة، تناول هذا وتأخذ من ذاك. وقالت مخاطبة والدها ببسمة تشع من مقلتيها: "مش أنت يا بابا هتجبلي فانوس رمضان؟ حملها عمرو ببسمة وقبل وجنتها بسعادة وهو يدور بها:
"هجبلك يا قلب بابا أحلى فانوس." أنزلها برفق وتحدث بهدوء: "يلا تعالي ساعديني نخلص وبعدين نوزعهم سوا." شحذة همة خديجة ببهجة وهي تنتقل هنا وهناك، تساعدهم بكل محبة، تستقبل كل شيء بصدر رحب. تعلم هي أن ذاك الشهر الكريم به حسنات لا تحصى ولن تضيعها أو تتقاعس بها. أنهوا الكراتين ونقلوها الشباب بالسيارات. ثم ذهب عمرو وديجا لتوزعهم، وياسين وسجى، ومكة وعثمان، وحذيفة برفقة وعد. وتبقت أسماء من أجل تعبها.
ولج زين للمنزل بعد يوم عمل شاقٍ بالعمل. مشتاق قلبه لعائشته التي لونت حياته الكاحلة وروت ظمأ روحه. وجدها تقبل عليه وبيدها بعد الشنط "أكياس"، وتحدثت ببسمة وهي تقدمهم له: "امسك بقا وساعدني." ارتد للخلف مصعوقاً، ثم تحدث بتوتر وهو يتذكر حينما كان ينام بالمطبخ، وإذ وجد فئران تحيطه من كل جانب: "لا لا لا، فيها إيه الكياس دي؟ أكيد فيران صح؟ ابعدي." انفجرت عائشة ضاحكة وأخذت تهدأ آنًا فآن وهي تقول:
"يا بني أبداً مش فيران، والله متخافش، دي شنط رمضان." قطب حاجبيه بدون فهم وهو يتساءل: "يعني إيه؟ هتعملي إيه بردوا؟ عائشة بغيظ وهي تدفع له الأكياس: "امسك بس كدا، يلا امشي قدامي." قالتها وهي تدفعه، فتمتم هو ببعض الكلمات. تجمع الجميع مرة أخرى بالمنزل بعد الانتهاء من توزيع الكراتين. الفرحة تغمرهم كلياً، ليس مجرد فرحة بسيطة، إنها سعادة لا تضاهيها أي سعادة أخرى. لقد رسموا البسمة على الوجوه وأسعدوا أفئدة الناس.
ركضت ديجا تجاه لمار التي تلقفتها سريعاً ببهجة لتقول ديجا بفرحة وهي تقبل وجنتها: "أنا عملت كله لوحدي، وكمان خلصت كل الرسائل." قبلتها لمار وهي تقول ببهجة: "خلصتي كله كله." هزت ديجا رأسها سريعاً وهي تتمتم: "أيوه، روحت المستشفى وأديت للأطفال رسائل تفاؤل وهدايا وخلصت كله." تبسمت سجى وهي تضم كف ياسين قائلة: "أول مرة أحس بفرحة رمضان." رفع ذراعه مطوقاً كتفها بحب وهو يقبل رأسها وغمغم:
"وإن شاء الله هتفضلي حاسة بالفرحة دايماً طول ما أنا عايش." تبسمت بحياء شديد، لتنظر لمار لها بفرحة وأمان. وقف عثمان صائحاً بلهفة: "إمتى هنعلق الزينة دي؟ دفعته مكة بإحدى الوسائد وهي تقول بغيظ: "أنت عيل يا بني، اقعد." رفع حاجبه لها بغيظ، فقالت لمار ببسمة هادئة: "شوية وعلقوا براحتكم."
جلست "زينب" باكية وهي تستمع لإحدى المحاضرات التي أرسلتها "ورد" بالجروب الديني التي صنعته خصيصاً بينها وبين الفتيات للتشاور بين الحلال والحرام والاستماع لمحاضرات علم ومعلومات دينية وهكذا. وحقاً قد فدتها كثيراً جداً، تغيرت بنسبة كبيرة، أصبحت ذي قلبٍ سليم خالي من كل آفة. لا تترك فرضاً بعدما كان الكسل يردعها عن التفكر بأداء فرضها حتى!
غدت هادئة، تفعل كل شيءٍ برضى. دموعها لا تجف ولا يرقأ لها دمع من شدة الخوف والوجل من الموت. تقيم ليلها باكية ساجدة تتضرع وتبتهل للرحمن أن يغفر لها ويعفو عنها ويهديها ويثبت فؤادها على الإيمان... أصبح يومها عبارة عن صلاة وأذكار وصيام وفعل كل خير وما يوجب فعله... طردت الحياة الدنيا من فؤادها وذهنها
وكيانها وتبقى شيء واحد: التقرب من خالقها وطلب عفوه ورضاه وترجو الجنة. تناهى لها صوت إغلاق الباب، لتكفكف دموعها سريعاً ونهضت مقبلة من أنس ببسمة لم تعد تفارق وجهها. فتحدث هو بهدوء ملقياً السلام: "السلام عليكم." قبل جبهتها بهدوء ثم جلس بوهن على الأريكة. فردت هي السلام، وهمست بذات الهدوء: "أحضرلك الأكل؟
نظر لها لثوانٍ يستشف ما يعتمل صدرها وما ذاك التغير الذي انتابها بغتة، ولكنه يسعده ويريح فؤاده ويرضيه. فامسك ذراعها قائلاً بحسم: "اقعدي يا زينب عايزك." جلست بصمت بجانبه وما زالت البسمة على ثغرها مشرقة المحيا، ناظرة له بأعين محبة. همهم أنس قائلاً بزهو: "مالك يا زينب؟ فيكِ إيه؟ حاسك مخبية عني حاجة. بحسك عايزة تتكلمي ومش عايزة! نكست رأسها بحزن جلي، وأغرورقت مقلتاها بالدموع، فزاد قلقه، ضم كتفها مقربها إليه وتساءل:
"أنتِ لسه مفكرة إنى بفكر في سمر؟ لم يأتيه رد، فقط دموعها هوت بصمت بحرج شديد بتوتر. شعر بخوف يتملكها، فتابع هو مردفاً: "زينب أنا مش هقولك نسيتها، هبقى كذاب... بس اعرفي إنك دلوقتي وابني أهم من أي حاجة عندي... وأنا متأكد إن هيجي يوم وهنساها خالص... بس اديني فرصة." رفعت عينيها بعينيه. فردد بضيق: "بتعطي ليه طيب؟ أزاح دموعها بأنامله برفق، وهم بإن يتحدث، لكنها قالت بنحيب ونشيج: "سمر كويسة، هي كويسة جداً كمان...
هي تستاهلك أكتر مني... أنا مستاهلكش!! ردد بدهشة وأعين زائغة: "بتقولي إيه...... قاطعته قائلة وهي تغطي وجهها بكفيها وتذرف الدمع: "متقطعنيش... أيوه أنا وحشة وكنت مخططة أقتل سمر بسبب غيرتي منها... كنت هدخل النار. بس لما ورد ضفتني في الجروب وسمر وكلهم بيعاملوني حلو ومش بيبخلوا عني بعلومة وأنا تغيرت... أنا بقيت بصلي ولبسي تغير وطريقتي وطريقي كل ما فيا تغير... أنا وحشة أووووف... صدمت حينما ضمها أنس لصدره
مهدئها وهو يغمغم بابتسامة: "يا حبيبتي أنا عارف كل دا... ومش مهم، المهم إنك تعلمتي من الغلط... وعرفتي غلطك وذنبك وتوبتي منه... دا ربنا بيحبك عشان كدا رَدّك لية... فـ احمديه واشكريه ومتفكريش في الماضي تاني خالص، راح... وقولي الحمد لله إن ربنا نجا سمر ومحصلهاش حاجة... وأنتِ عرفتي غلطك وتوبتي ورجعتي لربك، دا أهم حاجة." ابتعدت عنه بزهول تود لو تنشق الأرض وتبتلعها كي لا يراها الآن، وغمغمت وهي تبتلع ريقاً جافاً:
"أنت كنت عارف؟ أومأ برأسه مؤكداً، ثم قرر تغيير الحديث بلحظة، فقال مبتسماً: "قومي يلا خلينا نخرج سوا." أنهى جملته وهو يجذبها من يدها بحنو.
خرج ياسين من دورة المياه بمنطال قطني من لون الكحلي، ومنشفة حول عنقه. وقف أمام المرأة لثوانٍ ثم توجه للشرفة، غير منتبه لـ "أنجي" الواقفة بالخارج بصمت تراقب الدرج باهتمام شديد، حتى تنبهت لـ "سجى" تصعد، فتوجهت للداخل مسرعة. ثم على حين بغته كانت تضم ياسين من ظهره الذي كان منشغل الفكر كلياً. فانتفض مبتعداً وهو يلتفت لها. سرعان ما طمس الهدوء من وجهه وتأججت النيران بمقلتيه، وقال وهو في أوج غضبه: "أنتِ مجنونة؟
بتعملي إيه أنت؟ أنتِ إزاي تعملي كدا؟ بكت بدموع زائفة وصوتاً عالٍ وهي تقول: "لا مش مجنونة، بس أنت جوزي ودا حقي؟ الآن هو لا يرى أحد أمامه، سواه يود لو يخنقها حتى تطلع روحها. أمسك ذراعها بكل قسوة، زاجراً بغضب هاج به: "حق إاااايه؟ قولتلك مليون مرة ملكيش حق عندي. اطلعي برة، اطلعي؟ زادت حدة بكائها حينما دفعها بقوة وهي تقول بمكر يشع من عينيها: "أنت كدا بتظلمني أنا كمان مراتك زي سجى بالظبط." جذبها من حجابها قائلاً بوعيد:
"اسمها! اسمها ميجيش على لسانك تاني، وعمرك ما هتكوني زيها." ثم قال بصوتاً عالٍ ساخط وهو يجرها للخارج: "أنتِ مش مراتي.... ابتلع باقي حروفه حينما وجد سجى أمامه واقفة لا حول لها ولا قوة، جاحظة العينين بصدمة لا مثيل لها. نظر لها بتوهان، ثم بدون وعي ترك أنجي التي تبسمت بفرحة لنجاح خطتها. تقدم ياسين منها متحدثاً وهو يضم وجهها: "سجى اسمعيني، اللي سمعتيه دا دا دا." "دا إيه؟ اتكلم.. أنت متجوز؟
نطقت بها سجى وعيناها تفيض بالدمع بنظرة تائهة. ثم أمسكت كفه راجية وهي تقول ببكاء مزق فؤاده: "ياسين قولي إن اللي سمعته دا كله وهم.. قولي إني سمعت غلط.. قولي إني مش بسمع، طيب قول أي حاجة بس إياك تقول إنها مراتي." أغلق ياسين عينيه بعنف. حضر الجميع على أثر أصواتهم العالية. الصمت يخيم الأرجاء ما عدا بكاء سجى الحارق. تمسكت بذراع ياسين مرة أخرى متمتمة من وسط دموعها بصوتاً متقطع: "ياسين جاوبني، أنت مش متجوز صح؟
ياسين ليه مش بترد عليا؟ كلمني بقولك بقا؟ أنت متجوزها؟ "أيوه يا سجى! همس بها ياسين وهو يغلق عينيه بعنف، متحاشياً النظر لها. كالصاعقة قذفت الكلمة بفؤادها، كأنها تستمع للتو لتلك الكلمة الآن، فقط استوعبها عقلها، فردت بضياع وهي تمسك بذراعه: "إمتى؟ إمتى اتجوزتها وليه مخبي عليا؟ ثم صرخت ببكاء حاد: "أنت اتجوزتها ليه واتجوزتني ليه؟ أنا عارفة إني عامية...
بس ليه تعمل فيا كدا ليه.. أنا عامية مبشوفش آه بس بس حبيتك، فـ ليه تجرحني كدا.. كنت عرفتني إنك هتتجوز، مكنتش هرفض. أنت من حقك تتجوز واحدة كويسة مش عامية زيي." صمتت عندما هزها ياسين بعنف، مزمجراً دون وعي: "اسكتي بقا، كفاية. أنتِ عايزة إيه؟ عايزني أطلقك؟ هدأ بكاؤها وكف، وصدم هو من ذاته، لم يدرك كيف نطق بها. دفعت لمار ياسين بعيداً عن سجى بغضب وهي تهدر به:
"ياسين أنا بنتي مش لعبة في إيدك.. طلقهاااا دلوقتي دلوقتي طلقها أنت فاهم." ضمت سجى لحضنها وهي تربت على ظهرها بحنو، بينما هي تشهق ببكاء حاد. ببرود قال ياسين وهو يوليهم ظهره: "لا مش هطلق." دفعه أدهم بحدة، مغمغماً بضيق: "لو بنتي عايزة تطلق منك هتطلق." "وأنا قولت مش هطلق مراتي وأنا محدش ليه دخل بينا؟ قالها وهو يحاول أخذ سجى من لمار، فلم يستطع، فصرخ بحده: "اووووعى يا لمار بقولك من قدامي دلوقتي." أمسكت لمار كفه ضاغطة عليه:
"ابعد ياسين ايدك عن بنتي؟ -وإن مبعدتش هتعملي إيه يعني؟ سيبي مراتي." دفع كفها بقسوة، وبكفه الآخر جذب سجى لحضنه، متمتماً بحنو: "قولتلك مليون مرة دموعك دي متنزلش غير في حضني، وقولتلك برضوا مش عايز أشوفهم أبداً." نظر الجميع لهم بزهول. سرعان ما تحولت لنيران الكرة التي شعّت بأعين أنجي، ثم جذتها يد والدتها للخارج، ثم زجتها لداخل الغرفة، وتوالت عليها بالصفعات المتتالية، وهي تصرخ بها بغضب بين الصفعة والأخرى: "ليييه عملتي كدا؟
عايزة تفرقيهم ليه؟ قولتلك مبيحبكش ولا هيحبك في يوم، فسيبيه وكفااايه ورضي بنصيبك." بالأعلى ما زالت سجى متشبثة بياسين الذي يعتصرها بداخله بصمت تام، ودموعها كخنجر مسموم ينغرس بفؤاده بحدة. ثم كالمتذكرة، انتفضت مبتعدة عنه وهي تتمتم: "أنا بكرهك يا ياسين." ضم وجهها بين كفيه رغماً عنها وقال بهدوء: "وأنا بعشقك يا قلب وروح ياسين." دفعت كفيه بحزن، متمتمة: "لو بتحبني بجد طلقني! بسط راحته، ثم قبضها بغضب، فتدخلت لمار
قائلة بغيظ وهي تشير له: "بنتي هتفضل عندي لحد ما أطلقها يا ياسين، ياما تشوف حل." رمقته بغيظ قبل أن يذهبوا جميعاً تباعاً، ما عدا عثمان وحذيفة وعمرو. تنهد ياسين مناجياً مولاه ويحرك يده على خصلاته بغضب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!