الفصل 1 | من 36 فصل

رواية دمية مطرزة بالحب الفصل الأول 1 - بقلم ياسمين عادل

المشاهدات
28
كلمة
3,348
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

حينًا ترى الدنيا كبساط الريح السحري، سيحلق بك حيث العنان، ولكن الحقيقة أن البساط سيهوى بك لأسفل سافلين مع أول مهب للريح.. فلا تدع الأمنيات تعلو عن سطح المتوقع، حتى يكون خذلانك سهل التقبل. الحادي والعشرين من أيلول -وقت الظهيرة تحديدًا

-صوت هدير المياه المصاحب لأنين بكائها كان يزعجه كصوت مذياع يصيبك بالضجر. يجلس على المقعد المقابل للنافذة العريضة التي تطل على الشارع الرئيسي، ورغم إغلاقه للزجاج إلا أن صوت صافرات السيارات رافق مسامعه. قبل أن يدعس "إبراهيم" سيجارته في المنفضة كان يشعل أخرى ليحرق صدره أكثر وأكثر وكأنه لا يكتفي. تنهد بحزن بالغ وهو يستمع لصوت صغيرته ذات العشر سنوات وهي تبكي بداخل دورة المياه ولا يوجد سوى كلمة واحدة على لسانها:

"عايزة ماما، هاتولي ماما." وكأنها تمزق في ضلوعه بصراخها الرنان. لم ولن ينسى ما حدث، وإن مرت عشرات السنون، مشهد خيانة زوجته وذبحه لها يقلص حياته ويؤرقها. مرّ على تلك الحادثة أسبوع كامل، لم تنعم فيه "ملك" بنوم هادئ طبيعي ولم تمر أيامها بسهولة بعدما أخبرها والدها بسفر أمها وإنها لن تعود. لم تتقبل "ملك" تلك الكذبة التي أُجبرت على التعايش معها وصاحبتها الأحلام المزعجة. وأغلب نهارها ينقضي هكذا، في البكاء.

ترقرقت عبرة تجمعت في عين "إبراهيم" على صدغه، فنزحها بطرف أصبعه على الفور وهمّ يدعس سيجارته، ثم نهض وهو يحمحم، ومسح على وجهه بكلتا يديه وهو يغادر غرفته. وقف أمام دورة المياه وصاح فجأة: "ملك!! "كفاية عياط زهقتيني." فصاحت الصغيرة من الداخل: "عايزه ماما.. ياماما." فنفخ "إبراهيم" بإنزعاج وهو يغمغم: "منها لله، الله يحرقها يارب." خرجت "هبه" من دورة المياه وأغلقت الباب من خلفها، ثم سحبت شقيقها "إبراهيم" بعيدًا و:

"سيب البت تطلع اللي جواها، ولا عايزها تتقهر وتموت يعني ياإبراهيم! ضرب "إبراهيم" الحائط و: "أنا مش طايق نفسي وصدعت من صوت عياطها." فربتت على كتفه تهونّ عليه و: "طب هدي نفسك شوية." ثم تطرقت للسؤال الذي لم تكفّ عنه منذ غياب "منار": "برضو مش هتقولي سبب طلاقك انت ومنار؟ ده انت لسه راجع من برا بقالك أسبوع.. فجأة كده تنزل تطلقها! فأشاح بوجهه عنها وأجاب بضجر: "أهو اللي حصل." ضاقت عيناها بفضول وكأنها لم تصدق و:

"بس انا حاسه كده إن في حاجة تاني مش عايز تقولهالي." "يــــوه! " قالها وهو يبتعد خطوات عنها ثم هدر بها: "أنا تعبت من كتر السؤالات دي ياهبه، ما كفايه ياختي بقا وتشوفي البت اللي اتفطرت من العياط دي أنا قربت أخرج من هدومي." فهزت رأسها وهي تستعد لدخول دورة المياه من جديد و: "خلاص ياخويا أهدى مش كده، داخله أشوفها أهوه." في نفس اللحظة، كان جرس الباب يقرع بهدوء، فانتقل "إبراهيم" نحوه وفتح ليجد إبن أخيه أمامه.

فأفسح له كي يدخل و: "تعالى يايزيد، طمني يابني عملت إيه؟ "كله تمام ياعمي، النقاش قالي إنه هيخلص شغل في المحل بعد كام يوم وهيسلمك كله خلصان." جلس "يزيد" على حافة الأريكة وهو يقول بضيق: "مش كنت وافقت على عرض بابا واشتغلت معاه في الشركة ياعمي! صحيح الشركة لسه صغيرة بس انتوا الأتنين هتكبروها." فأعرب "إبراهيم" عن رفضه القاطع و:

"لأ يايزيد، أنا عايز أشتغل براحتي وأتحكم في مالي من غير ما اشيل هم حاجة.. وفكرة المحل دي هتريحني." ثم ربت على ركبته و: "تسلملي ياحبيبي، تعبتك معايا في موضوع المحل لحد ما لقيت حاجة مناسبة." فابتسم "يزيد" بمجاملة و: "متقولش كده ياعمي، أنا تحت أمرك في أي وقت." استمع "يزيد" لصوت "ملك" وكأنه قريب منه. مازالت تبكي وهي تقول كلمات لم يفهمها، فزفر بضيق وهو يردف: "لحد دلوقتي مبطلتش عياط! هي مبتزهقش؟ أطبق "إبراهيم"

جفونه وهو يجيب ببعض الحزن: "بكرة تنسى، المهم عايز أوصيك يايزيد.. لو جرالي حاجة آ.... فقاطعه "يزيد" بحزم و: "بس ياعمي الله يخليك، ربنا يمد في عمرك." فلم يتخلى "إبراهيم" عن تكملة وصيته: "لازم تسمع يابني، الأعمار بأيد ربنا ومحدش ضامن.. ملك في وصيتك يايزيد، محدش ليها غيركوا يابني، مش هيبقى في وراها حد لو روحت وسيبتها.. ريحني." "متخافش ياعمي، بنت عمي دي لحمنا وفي عينيا.. بس برضو بلاش الكلام ده."

الغيب مُخيف. مخيف لدرجة لا يتخيلها عقل بشر. ولكن الدراية به أكثر بشاعة، فلُطف الله وعنايته تكمن في إننا لا نعلم عن الغد شيئًا. شرد "إبراهيم" قليلًا وهو يتخيل، ماذا قد يحدث في الغد بعد ما حدث؟

لقد أوجعها صدرها من فرط البكاء والأنين، وشعرت بوخزات تؤلمها مما جعلها تتوقف عن البكاء. واستسلمت لدموعها الصامتة تنسال على وجنتيها بغزارة، متشبثة بالدُمية الجميلة التي أحضرتها لها والدتها. منذ أن اختفت "منار" من الوسط وهي لا تترك دميتها، وكأنها آخر ما بقى لها منها وترفض تركه. انحنت "هبه" عليها وهي تجفف شعرها المبتل بالمنشفة. ثم تركتها وبدأت تُمشطه بروية كي لا تزعجها، ثم سألتها بلطف: "تحبي أعملك ضفيرة يالوكه؟

فهزت رأسها بالسلب ولم تجب. التفتت "هبه" وجلست أمام قدميها القرفصاء ومسحت على وجهها و: "حببتي كفاية عياط، هو انتي مش بتحبي عمتو هبه؟ فصدر صوتها الممشوج بنبرات الضعف والبكاء: "بحبك، بس عايزة ماما." "هترجع ياحببتي، بس لازم ترجع تلاقيكي زي ما سابتك وأحسن.. مش كده؟ أطرقت "ملك" برأسها. فتابعت "هبه": "لو بتحبيني صحيح كفايه عياط، وأنا هخلي ماما ترجع بسرعة.. اتفقنا؟

تغلب عليها صمتها كالعادة، فهمّت "هبه" تضمها لصدرها وتربت عليها بعطف كي تزيل عنها بعض الأعباء الفكرية التي تسيطر عليها. فاستكانت "ملك" قليلًا متأملة في وعود عمتها التي لم تدرك إنها مجرد كذبة. كذبة قد تنساها، وقد تعلق برأسها ما حيت.

هذا المشهد لا يفارق ذهني ومخيلتي، وهذا الوعد الذي لم يتحقق أبدًا. لم أنسى بين متاهات الحياة، ولكني استثقلت السؤال الذي كان يتكرر لسنوات والرد واحد. حتى سئم والدي وأصابه الضجر، فاعترف لي يومًا أن أمي قد توفاها الله ولكنه لم يستطع إبلاغي بذلك. وهنا كان للسكينة مكان في صدري الذي تحمم بحزن بعدما آمنت إنني لن أراها ثانية، لكني على الأقل علمت ذلك ولم أتأمل عبثًا كما كنت في الأعوام الماضية.

حتى العضد الذي ساندني طوال السنوات السابقة. عمتي الغالية "هبه" التي تولت تربيتي والإعتناء بي، قد توفت أثر أزمة قلبية وأنا فتاة تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا. كان فقدانها هو الوحشة الحقيقة بعدما تعلقت بها بشدة. خاصة وأن والدي لم يكن الأب الحنون الذي أنتظر منه دفئًا وحنانًا، كان حاد الطباع دائم الغضب وكثير العصبية والقسوة. مما جعلني أتحشاه كثير من الأحيان. فأصبحت كما أنا الآن، فتاة وحيدة. وحيدة جدًا.

هذا عامي الحادي والعشرين، مثيلاتي الآن يدرسن في الجامعة لتحقيق مستقبل لهن. أما أنا، فاكتفى والدي بأن أحصل على شهادة الثانوية العامة. بالرغم من حصولي على نتيجة عالية تؤهلني للإلتحاق بكليات القمة، إلا إنه رفض رفضًا قاطعًا، وصاحب رفضه رغبته الجامحة في تزويجي بدون النظر حتى لرأيي الذي لم يعترف به. ومع أول فرصة وعرض للزواج وافق وبشدة، كنت قد أتممت العشرين عامًا حينها، ولكن خبراتي الحياتية صفرية لا وجود لها. حتى لم يقتنع برفضي أو رغبتي في مدّ فترة الخِطبة، وتزوجت.

عامًا وشهر وأنا زوجة لـ "محمد التُهامي". صاحب متاجر التُهامي للمواد الغذائية. ذاك الرجل الذي لم يختلف كثيرًا عن أبي في طباعه، قد يكون أشد قسوة منه. لم أعتد على حياتنا الزوجية بعد، وكأن شيئًا بداخلي يرفض الإعتراف بهذا الواقع الذي لا يرضيني. ناهيك عن الزواج ممن لا تحب أو تقبله، شعور النقص الذي دائمًا ما يتجدد بخلايا عقلي يجعلني إنسانة بغيضة تغار ممن يملكون ما لا تملكه هي. ليس كوني إنسانة سيئة، ولكني أشعر بـ استحقاقي لحياة غير تلك. حياة أختار معالمها والأشخاص الذين يتواجدون فيها.

"مــــلك! استمعت "ملك" لصوت زوجها وهي تقف شاردة أمام الإطار الذي يحمل توثيق زفافهم، فتنهدت وهي تقوم بتلميعه جيدًا وأجابت: "نعم يامحمد، إيدي مش فاضية دلوقتي." "الشراب الأزرق راح فين؟ أحست صوته يقترب، فترجلت عن المقعد الذي تقف أعلاه وراحت تبحث في أحد الأدراج حينما دخل وهو يصيح: "١٠٠ مرة قولت الشرابات تفضل في مكانها، انتي مبتسمعيش الكلام ليه؟ استقامت في وقفتها وهي ترفع الجوارب أمام ناظريه و:

"وأنا قولتلك مليون مرة لازم كل حاجة تكون في المكان المناسب، إزاي عايزني أسيب الشرابات على الجذامة والداخل والخارج يشوف منظرها! فصاح بها وهي يجذب الجوارب منها: "ما يولعوا الناس انتي مالك انتي بيهم!! اسمعي كلامي أنا وخلاص." وهمّ يخرج وهو يقول: "مفيش نزول من البيت النهاردة." اتسعت عيناها وهي تقول: "بس انا قولتلك هنزل أروح لبابا شوية واشتري حاجات للبيت."

خرجت من خلفه ووقفت تعترض على أحكامه التي يصدرها كعقاب لها في كل مرة بينما كان يرتدي جواربه وحذائه: "أنت كل مرة تعمل معايا كده، بقالي شهر ونص مشوفتش بابا بسببك! .. مش كفاية ممنوع الخروج وممنوع زيارة اصحابي ولا حتى سمحتلي أجيب صحبتي هنا، كل حاجة ممنوع عندك! نهض عن جلسته ورمقها بفتور و: "ده اللي عندي لو عاجبك، وصحبتك اللي فرحانه بيها أوي دي مش داخله دماغي، دي بت شمال." فصاحت فيه فجأة:

"متقولش عليها كده، دي بنت محترمة جدًا ومتربيين سوا." فضحك مستخفًا و: "ما أنا لو مش رابطك كويس كنتي فلتي زيها وفضلتي من غير حجاب، أحمدي ربنا إنه رزقك براجل زيي عنده نخوة." وانتقل نحو الباب وهو يتابع: "اعملي أكل عدل مش زي امبارح مكنش ليه طعم كأنك عملاه من غير نفس."

وأنهى حديثه بصفع الباب من خلفه، فارتمت على الأريكة تنعي حظها العثر كونها زوجته. لا يفقه شيئًا عن طيب اللسان، كل حديثه لاذع وفظ كأخلاقه، ولم يترك لها حرية التصرف قيد أنملة حتى. سحبت هاتفها عن الطاولة وبدأت تحدثها هاتفيًا و: "أيوة يانغم، أنا آسفة مش هعرف أشوفك النهاردة.. أيوة منعني من الخروج زي كل مرة." وتجمعت الدموع في عينيها محاولة أن تبدو طبيعية: "هكلمك تاني، سلام."

وتركت الهاتف وهي تترك شهقة مختنقة تخرج من صدرها معها. ليت الأمر يقف هنا، فشخصية "محمد" بها خبايا كثيرة تزعجها وتؤرق حياتها معه. "جوزك وحقه عليكي تسمعي كل كلامه." كل مرة تلجأ فيها "ملك" لمجرد الفضفضة مع والدها يكون رده مناصف لزوجها وليس لها. لم يكن لتقديرها معنى لدى أي منهما. حتى والدها. تركت "ملك" حقيبتها الصغيرة على الطاولة أمام والدها واعترضت على رأيه:

"ده منعني أجيلك شهر ونص بحالهم، كل ده عشان تعبت وكنت بموت ونزلت الصيدلية اللي تحت البيت من غير ما اتصل بيه! . أنا كنت بموت وقتها هفكر في إيه ولا إيه! ترك "إبراهيم" حزمة النقود في الدرج حيث يجلس على مكتبه الصغير بمتجر الملابس الرجالي الخاص به وقال بدون أن ينظر إليها: "إيه المشكلة، انتي اللي غلطتي لما نزلتي من بيتك." حدقت عيناها و: "حتى لو بموت؟ فأكد والدها قصده:

"حتى لو بتطلعي في الروح، ده جوزك وصاحب الحق الوحيد فيكي دلوقتي." سحبت "ملك" حقيبتها عن الطاولة وهي تستعد للمغادرة و: "عمرك ما نصفتني ولا جيت عليه عشاني، كأن هو اللي ابنك مش أنا." أشار "إبراهيم" لأحد العمال لديه وصاح: "شوف الزبون يامحي، أتلحلح بدل وقفتك دي." ثم نظر لابنته من جديد و: "اسمعي ياملك، كفاية شكوى من جوزك وارضي بحالك، الراجل مفيش حاجة تعيبه غير جيبه.. وجوزك كسيب وراجل محترم." أطبقت "ملك" جفنيها لحظات ثم

فتحتهم وهي تردد بصوت واهن: "في حاجات كتير انت متعرفهاش يابابا." "ومش عايز اعرف، وأحسن ليكي محدش يعرف دخلياتك مع جوزك." وكأنه احتد قليلًا وهو ينظر إليها بحزم هكذا، فتابعت هي بدون يأس: "أنا عمري ما حبيت محمد و..... "إيــه المسخرة دي! حب إيه وكلام فارغ إيه! .. فكري في حتة عيل يشيلك في الدنيا بدل الكلام الـ *** ده! ونهض عن جلسته فجأة كأنه ينهي الحديث: "قال حب وكلام فاضي قال!

في كل مرة يكسر بها شئ وهو لا يشعر، يبدد ثقتها بنفسها ويبدد حلمها في الخلاص من تلك الزيجة التي فُرضت عليها، يحطم أملها في أن تعيش عمرها العشريني كالفتاة الأخريات. بدون قيود، بدون أن تُحسب عليها حتى أنفاسها. خرجت "ملك" من متجر والدها شاردة، فلم تلاحظ وجود "نغم" التي رأتها من مسافة قريبة وراحت تخطو نحوها، حتى اختطفتها من أوج تفكيرها و: "ملك، جيتي أمتى؟ فابتسمت الأخيرة ابتسامة باهتة و:

"جيت من شوية عشان اطمن على بابا، تعالي معايا هنشتري حاجات سوا ونتكلم شوية." ثم نظرت لساعة هاتفها و: "لسه معايا ساعة ونص." ارتفع حاجبا "نغم" باندهاش و: "هو محدد ليكي ساعة ترجعي فيها! "مش عايزة أتكلم في حاجة يانغم، أرجوكي." رافقته صديقتها المقربة لتحظى ببعض الوقت معها قبيل أن تعود لمنزلها. ففاضت "ملك" بالكثير والكثير، والذي لا تقوى حتى على الاعتراف به لنفسها، لعل داخلها يخمد قليلًا.

رفعت "ملك" آخر صحن طعام عن الطاولة، بينما كان "محمد" ينهض عن المائدة وهو يردد: "ابقي زودي الملح في الطبيخ، هو أنا كل يوم هعدل عليكي ياملك ولا إيه! "حاضر." قالتها وهي تدخل المطبخ، بينما قال هو بنبرة تعرف ما ورائها: "خلصي وتعالي عشان عايزك." نفخت "ملك" وقد طالها الإختناق فجأة، وألقت بالصحن في حوض المطبخ وهي تحك عنقها هامسة: "يارب خلصني من اللي بعيشه ده! حتى انت مترضاش بالعذاب ده يارب!

يارب. دخلت لدورة المياه تغتسل وخرجت مسرعة منتوية النوم، ولكن بمجرد دخولها لغرفتها كان ينتظرها على الفراش متأهبًا لليلة مميزة معها. ثقلت حركتها وخطت ببطء بينما كان يراقب جسمها الممشوق والمختفي أسفل منامة قطنية رقيقة، كأنه تخيل تفاصيل جسدها فتأججت رغبته فيها. وما أن وضعت نفسها على الفراش حتى همّ بها وكاد ينقض عليها منهالًا بالقبلات العنيفة التي تؤلمها وتترك أثر على شفتيها وجسمها تصل حدّ التورم. فـ أشاحت بوجهها وهي تردد بـ امتعاض

من تصرفه الهمجي المفاجئ: "أنا تعبانة يامحمد مش قادرة، سيبني النهاردة." لا حياة لمن تنادي، فقد وصل الشبق لذروته معه، وكأنه أصم كفيف لا يرى ولا يسمع في هذه اللحظة. بالرغم من رجائها الذي تكرر: "أرجوك مش قادرة بجد!

لم يهتم سوى برغبته التي راح يُشبعها بعنف شديد كعادته، فيترك خلفه جسدًا حاملًا الكدمات والعلامات المؤرقة، وروحًا متعبة ممزقة أنهكها التألم من ساديتهِ المُقننة على حسابها. لم ترى لحظة سعادة واحدة على هذا الفراش، حتى خلوتهما الأولى، كانت مُحملة بالذكرى المجحفة التي لم تنساها.

كانت تستمع لصوت هدير المياه وهو يدندن بصوت سئ بعدما أنهى عمله معها، بينما هي مسجاة على الفراش منذ أن تركها. لم تقوَ على النهوض وقد تسبب في خمول جسمها وتألم بعض المناطق الحساسة لديها ووجع في أغلب الجسم. استمعت لصوت باب دورة المياه ينفتح، فحاولت الإستعداد كي تغتسل هي الأخرى. ثمة حرارة في جسدها وكأنها أُصيبت بالإعياء. كافحت ونهضت دون اهتمام لما تشعر به من ألم حارق، وما أن وقفت على قدميها الرخوتين حتى انسالت خيوط الدماء من بين ساقيها. أخفضت بصرها لترى ماهية هذا الشئ الدافئ التي تستشعره، فانتفض قلبها برجفة وهي ترى كمّ الدماء التي تفقدها. وتسلل إحساس بفقدان وعي سيهاجمها. وبالفعل هوت على الأرضية التي استقبلت جسدها وطُرحت عليها فاقدة كل أنواع الحس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...