تراجع "يونس" عن محاولاته للتواصل معها بعدما ظن أنها غابت عن الواقع وغفت كعادتها، مفضلة للنوم الطويل منذ أن عرفها. جلس "يونس" على حافة المسبح وأسقط ساقيه بعدما نزع حذائه. لم يهتم بسرواله الذي تشبع بالمياه، فقط أراد ذلك وفعله. تمتع قليلًا بالبرودة التي سرت في سيقانه وأنعشته حتى اكتفى ونهض.
عاد للفندق منتويًا تبديل ملابسه، ثم سيتجول قليلًا في المدينة. في اللحظة التي كان فيها "يزيد" يستعد لمغادرة الفندق برفقة "چين" بدون أن يعلم أن شقيقه لم يصعد لغرفته بعد، فتصادفا بالبهو. بعدما لمحه "يزيد" أولًا وحاول أن يتجاوزه دون أن يرى "چين"، ولكن الأخير كان قد رآهم بالفعل. تعلقت نظراته قليلًا بـ "چين" وهو يدنو منهم، بينما أشاح "يزيد" بوجهه بعيدًا وهو يهمس لها: "Can you get out of here now?" تنغض جبينها
وقد تضايقت وهي تجيب: "Why?" وقبل أن يكون لديه الفرصة للإجابة، كان "يونس" يقف أمامهم وهو يردف ببعض الجمود: "رايح فين يايزيد؟ ثم نظر نحو "چين" وكأنه يتسائل عن هويتها، في حين كانت الأخيرة تتطلع لـ "يونس" بنظرات مشدوهه وهي تتأمل التشابه الشديد بينهما وقالت متعجبة: "Oh, my God! What's this suspicious resemblance?" فسأله "يونس" بلغته: "تبقى مين المُزة؟
ارتفع حاجبا "يزيد" باستغراب من تطور لغة شقيقه الراقي الذي اعتاد فقط على الألفاظ والألقاب اللطيفة، وعبّر عن ذلك: "ما شاء الله اللغة عندك حصلها تطور سريع! "اللي يعيش معاك يتعلم أكتر من كده." ثم تجمد وجهه وهو يسحبه بعيدًا عنها قليلًا وسأله: "بتكلم جد! مين دي؟! فابتسم "يزيد" وهو يجيبه: "My best friend." مط "يونس" شفتيه بعدم اقتناع، بينما تملص "يزيد" منه و: "لازم أروح للضيفة بقى عشان أفرجها على البسين، عن إذنكم."
هم ومسرعًا ليختفي من أمامه، طوق كتفها وسحبها معه متعجلًا وهو يهمس: "بسرعة قبل ما أبويا يكبس علينا." "أبوك!! هو آيش عايش؟! فضحك "يزيد" وهو يوضح مقصده: "قصدي أبويا التاني، I mean, my brother." فعبّرت عن رأيها: "Looks like he's a classy guy." فتلوت شفتيه وهو يؤيد: "دي حقيقة للأسف، بس طالما قال مزة يبقى بدأ في طريق الإنحراف."
صعد "يونس" لغرفته، ترك هاتفه جانبًا وبدأ ينزع ثيابه عنه حتى ارتدى فقط "شورت" قصير. لا يعلم لماذا ولكنه أراد أن يمسك هاتفه ويتصفحه، ليجد رسالة متروكة لم ينتبه لها. تفحص محتواها، فتغير لون وجهه وشحب، ارتبك وهو يتحرك من مكانه نحو الباب غير منتبه لـ عُريّ جسده. فعاد مرة أخرى كي يرتدي أي شيء، وأثناء ذلك كان يقوم بمكالمة هاتفية وفتح مكبر الصوت ليجيب "عيسى" بصوت منخفض كأنه يواري شيئًا، فسأل "يونس" بتلهف: "في إيـه ياعـيسى!
خـدت ملك المستشفى ليه؟ "تعبت فجأة، تقريبًا خبطت دراعها أو حاجة اتحركت جواه، لسه معرفش.. الدكتور معاها جوه." ارتدى "التيشيرت" الأبيض القطني بدون أن يلتزم بنظام ثيابه الرسمية، والتقط الهاتف كي يغلق مكبر الصوت و: "طب اقفل وأنا هتابع معاك." خلال بضع دقائق قليلة كان قد جمع الأشياء التي بعثرها وضبّ حقيبته بالكامل مستعدًا لأن يغادر "الجونة" اليوم. لن ينتظر حتى الصباح. وقف أمام الاستقبال وهو ينظر لساعة اليد وسأل:
"في طيران للقاهرة دلوقتي؟ نظر الموظف للحاسوب قبل أن يجيب: "أقرب طيارة بكرة بعد الضهر." فبدأ "يونس" يفشل في السيطرة على أعصابه التي انفلتت منه وهو يردف بنبرة حادة وهو غير مدرك لذلك: "أتصرف، أنا عايز طيارة ترجعني مصر دلوقتي، حتى لو خاصة." فانزعج الموظف من تعنده الحاد، قبيل أن تدور بينهم حتى مناقشة باردة، ولكنه لم يبدِ ذلك رغم تجهم وجهه: "هرجع للشركة وأشوف في إمكانية ولا لأ." "ياريت."
بدأ الموظف يجري مكالمة بينما ابتعد "يونس" قليلًا كي يتحدث لـ "عيسى" مرة أخرى ليتابع تطورات الأمر بعدما انقلب حاله ومزاجه بعد علمه بما أصابها. بعد مجهود مضنٍ من الطبيب، وبعد جرعات مقننة من المسكنات نامت حتى أصبح صباح اليوم التالي، بعدما تأكد الطبيب من سلامتها وسلامة العملية الجراحية التي أجريت لها.
كانت تعابير وجهها تتقلص وهي نائمة كأنها تحلم بشيء ما. فتحت عينيها رويدًا رويدًا، فظلت على عينيها خيالات الزهور والباقات البيضاء التي وضعت بجوارها. التفتت برأسها لترى صدق بصرها، ابتسمت وهي ترى الزهور البيضاء اليانعة، وتأملتها قليلًا قبل أن تغمض عينيها من جديد. لتتابع نوبة النوم التي لا تنتهي لديها. —على جانب آخر —جلس "يونس" قبالة الطبيب وهو يسأل: "يعني مفيش أي خطر؟
"لأ، بالعكس.. الشريحة التحمت مع العضم والمسامير لسه ثابتة في مكانها، اللي حصل كان طبيعي بعد ما نامت على دراعها بالغلط والجبيرة ضغطت على الجرح." ارتاح "يونس" قليلًا لحديث الطبيب، بينما تابع الأخير: "طول ما نفسيتها كويسة ده بيحسن ويعجل من العلاج ومن استجابة جسمها للشريحة." "متقلقش، إحنا بنحاول نحافظ على ده." ختم حديثه وهو ينهض عن مكانه، ثم استأذنه وخرج، حيث يقف "عيسى" بالخارج. سار "يونس" لليمين وهو يتحدث إليه:
"عملت زي ما قولتلك؟ "آه، كله تمام." ثم استوقفه "عيسى" و: "أنا رأيي تروح من الناحية التانية، كاريمان هانم لو شافتك هنا دلوقتي هتبهدلني، مش بعيد تضربني بالعكاز بتاعها." تنغص جبينه وهو يتسائل: "هي نينة قالتلك متعرفنيش؟ هز رأسه بالإيجاب، فابتسم "يونس" وهو يقول: "كاري مش هتتغير أبدًا، أنا هتصرف متقلقش."
صعد "يونس" إلى الطابق الذي تتواجد فيه، نظر من خلف العمود، فرأى "كاريمان" تجلس برفقة "نغم". اعتدل في وقفته وهو يفكر، ثم أردف موجهًا حديثه لـ "عيسى": "حاول تخلي نغم تيجي هنا." "حاضر." ذهب "عيسى" كي يستدرج "نغم"، وبالفعل نجح في ذلك. وما أن رأت "نغم" "يونس"، شهقت بفزع غير متوقعة أن تراه هنا وهي تعلم أنه خارج القاهرة. تنفست بصعوبة وهي تسأل: "أنت! مش مسافر؟ فلم يجيبها وتجاهل سؤالها قائلًا:
"أنا عايز منك تبعدي نينة عن باب الأوضة." أضافت عيناها وهي تحاول الوصول للسبب دون أن تسأله، وجارته في الحديث: "وبعدين! فبرر لها بعدما رأى الفضول في عينيها: "نينة متعرفش إني رجعت، وأنا مش عايزها تعرف دلوقتي، ممكن؟ أومأت رأسها بفهم و: "فهمت." نظرت "نغم" نحو "كاريمان" فوجدتها غير منتبهة لأي شيء، فعادت تنظر إليه و: "حاضر."
استيقظ "يزيد" بعد نوم طويل وقد شعر بتكدس عضلات جسده وبعض الآلام المتفرقة في كتفيه. تثاءب وهو ينتقل للنوم على جانبه، فشعر بشيء بجواره. فتح عينيه المشوشتين، ثم فجأة هبّ من نومه وهو يرى "چين" نائمة بجواره مرتدية ملابس النوم التي تكشف أكثر مما تخفي. توتر "يزيد" وهو يهزها كي تصحو و: "چـين!!! يخرب بيتك إيه اللي نيمك هنا! تآوهت وهي تعتدل في نومتها و: "What happened?" فصاح بها وهو يشير لملابسها الفاضحة:
"ا happened إيه وزفت إيه!! قومي بسرعة يونس أكيد صاحي من بدري وممكن ييجي في أي وقـ..... لم يكمل عبارته حتى، حيث استمع لصوت طرق الباب فـ تصلب مكانه وهو يهمس: "ده يونس! يادي الليلة الزرقا." ساعدها كي تنهض بسرعة و: "قومي، أنجزي هنروح في داهية." قادها نحو دورة المياه بينما كانت تهذي: "What's that cruelty?" "مش وقته مش وقته." أقفل عليها الباب، وبتوتر شديد تحرك متعجلًا ليستر كل ملابسهما أسفل الغطاء وهو يصيح: "أيــوة."
تنفس بتسارع وهو يرتدي "التيشيرت" خاصته ثم توجه لفتح الباب. وجد أمامه أحد عمال الفندق، فرمقه بازدراء وهو يوبخه: "في حد يخبط على حد دلوقتي! حمحم العامل و: "آسف، حضرتك في معاد ليك الساعة ١ بعد الضهر، نبهتنا لو منزلتش قبلها حد يطلع يذكرك بالمعاد." مسح "يزيد" على شعره الفوضوي وقد تذكر ذلك و: "آه، طيب.. شكرًا." استأذن بالانصراف، بينما دلف "يزيد" وهو يستعيد تنفسه بارتياح. خرجت "چين" بوجهها العابس، وراحت
تبحث عن ثيابها وهي تردف: "أول مرة تعمل كده، I'm leaving." فأجاب ببرود: "okay." رمقته بنظرات ساخطة، ثم قذفت ملابسها في وجهه وهي تصيح بانفعال: "You'll be looking for me later." ترك ملابسها على الفراش، وتركها ليدخل إلى دورة المياه. وضع رأسه أسفل صنبور المياه كي يستفيق قليلًا، فما زالت الغيمة تظلل على عقله حتى إنه لا يشعر سوى بأنه نجى من مداهمة شقيقه فـ ارتاح داخله قليلًا.
رفع رأسه ونظر للمرآة وهو يرفع شعره عن جبهته، تناول المنشفة وخرج منتويًا أن يسترضيها بعدما كان سخيفًا معها. ولكنه وجد الغرفة خالية تمامًا منها، فقوّس شفتيه وهو يقذف بالمنشفة وهو يتمتم: "إيه الصباح الزفت ده! بعد أن فشل "يزيد" في التوصل لـ "يونس"، حتى إنه وجد غرفته مغلقة وهو ليس بالداخل. هبط للأسفل كي يستعلم عنه، قد يكون خرج باكرًا أو ما شابه. كان منزعجًا للغاية وتعابير وجهه ممتعضة وهو يسأل باقتضاب مدليًا باسمه:
"يونس الجبالي." فأجابت موظفة الاستقبال بتلقائية: "عمل cheak out امبارح بالليل." "إيــــه!! قالها مشدوهًا وقد جحظت عيناه عن آخرها وارتفعت نبرته قليلًا: "يعني إيه الكلام ده انتي متأكدة!! مستحيل يكون عمل كده." وأخرج هاتفه من جيبه كي يعاود الاتصال به بينما كانت الموظفة تجيب عليه بهدوء وهي تنظر حولها بتحرج: "ده اللي حصل، حتى أخد طيارة خاصة اتحركت بيه تقريبًا الساعة ٣ الفجر."
ازدادت حيرته التي امتزجت بغضبه المنفعل، قد يكون أمرًا ما وقع. أو إنه رغب في ذلك كما عبر له بالأمس. ما زال هاتفه مغلقًا ولا يستطيع الوصول إليه، فـ اضطر أن يتصل بـ "عيسى" عله يجيب. ارتفعت حرارة جسده وبدأ يشعر بالعرق رغم الأجواء الرطبة، فـ ابتعد قليلًا وهو يهمس: "يادي الخراب المستعجل! طب وحفلة بليل أعمل إيه فيها!! بقى ده مقلب تعمله فيا يايونس!
"عيسى" أيضًا لا يجيب. كاد يقذف الهاتف، قذفة لن يعود بعدها مرة أخرى، ولكنه تماسك بصعوبة شديدة وهو يقبض على أصابع يده يكاد يعتصرها، ولا يعلم.. ماذا سيفعل الآن! خرجت "غالية" من بوابة المشفى بعدما وضعت نظارتها السوداء الضخمة لتُخبئ نصف وجهها. استعدت للمغادرة بعد زيارة طبيب المخ والأعصاب الخاص بها. وإذ بالصدفة تشاء أن ترى سيارة "يونس" مصفوفة بالخارج. ركزت معها قليلًا ثم التفتت للسائق خاصتها و: "مش دي عربية يونس؟
فنظر السائق حيث تنظر وأيّدها: "آه هي، وعربية عيسى كمان هنا." فابتسمت من زاوية فمها بعبث: "طب ادخل شوفلي هو بيعمل إيه وجاي لمين." "تحت أمرك." دخل السائق وتركها واقفة، بينما كانت هي تخمن سبب تواجده هنا، قد تكون جدته التي تكرهها ستلقى حتفها، أو سيفقد عزيزًا له ويُقهر عليه، ربما هو نفسه يخسر روحه بالداخل. أحست بأن نفسها السوداء ترضى بمجرد تخيل إنه منكوب أو في أوج مصيبة ما. حتى إنها أرادت وبشدة أن تراه وتشمت به الآن.
لم تنتظر "غالية" هنا وسط تخميناتها، بل عادت تدخل لترى بنفسها ماذا يفعل "يونس" بالداخل. كانت كالملائكة وهي غافية بهدوء هكذا، ملامحها البريئة التي بالفعل زادت حلاوتها، وشعرها القصير المنساب على أذنيها وبعضه يغطي جبهتها. ثبات تنفسها وراحتها. تأمل كل على حدة. دنا "يونس" قليلًا بالمقعد حتى بات ملاصقًا لفراشها، واستند عليه بمرفقيه وهو يهمس بجوار أذنها: "مــلك."
كأنها أحست بصوته يداعب حواسها، ابتسمت لا شعوريًا معتقدة إنها هواجس أحلامها التي لم تتركها طوال الليل. فـ أجبرته أن يبتسم هو الآخر وهو يتحدث من جديد: "أيوة أنا هنا، جـمبك." وبطرف سبابته كان يُزيل شعره. اتخذت جفنها سكنًا، فـ اقشعر بدنها وهي تفتح عينيها ببطء. فـ خطف انتباهها وروحها بابتسامة أبرزت أسنانه المتناسقة وقال بصوت خافت: "صباح الخير." جاوبت بدون شعور حتى الآن: "صباح النور."
وفجأة حدقت فيه وتلاشت بسمتها، رمشت عدة مرات كأنها تتأكد إنه هنا، ثم صاحت وهي تعتدل من نومتها لتجلس: "يـونس!! أنت هنا ازاي؟ فـ ابتعد قليلًا و: "زي الناس، أنا مش قولتلك مش المسافات هي اللي بتفصلنا؟ اتسعت ابتسامتها مجيبة: "آه." "ده معناه إني صادق في وعودي وكلامي." غمز لها وهو يشير بعينه نحو شعرها و: "بس نينة ظبطتك على الآخر." وأمسك خصلة من شعرها متابعًا: "شعرك بقى أحلى بكتير." انبعجت شفتيها بسعادة و: "بجد؟
"بجد، متبقيش تقصيه بأيدك تاني." فـ تلاشت ابتسامتها فورًا وحلّ محلها الوجوم، ثم أجفلت وهي تقول بدون استحياء من فضح الأمر أمامه: "مش أنا اللي قصيته، محمد اللي قصه." تجمدت ملامحه بعد جوابها الغير متوقع، كأنها أظلمت بغضب حاول كتمه: "محمد! فـ أومأت وهي تبرر قبل أن يسأل: "آه، كان بيعاقبني."
أحس بغصة أزعجته وقفت في حلقه مباشرة لم يستطع ابتلاع ريقه بعدها، ولكنه تنازل عن شعور الصدمة كي يمتص الحزن الذي لمع في عينيها فجأة. وبخفة كان يلتقط كفها ويضمه بكلتا يديه باحتواء عجيب استشعرته و:
"من هنا ورايح لما تبصي للمراية مش هتشوفي غير السعادة.. أنتي أقوى من إنك تزعلي على مجرد ذكرى ماتت، اللحظات الوحشة اللي بتمر مينفعش نرجع نزعل عليها بعد ما خلصت، مينفعش تبذلي مجهود حتى عشان تفتكريها.. افتكري حريتك وبس، افتكري إنك بقيتي نفسك." ضمت أصابعها على يده وهي تشعر بتحسن جزئي يتسلل ببطء إليها. أصبحت طاقتها تُستمد من وجوده، وبات حديثه منبع الأمان لها. ماذا كانت ستفعل لو لم يتواجد هو بحياتها؟ لو لم يظهر فجأة؟
لو لم يتسبب والدها في الحسنة الوحيدة بحياتها. إنها أصبحت مسؤولة منه وتحب ذلك الشعور الذي لم تجده حتى في كنف والدها. ليته كان أولى المحطات التي مرت بها في قطار الحياة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!