وصلت سيارتي "يونس" و "يزيد" أسفل العقار الذي تم نقل "إبراهيم" إليه بعدما خرج من المشفى. طوال الطريق كانت "ملك" تجلس بالمقعد الأمامي، لم تحرك حتى شفتيها بكلمة واحدة منذ أن علمت بتفاصيل الحكاية وإنهم كانوا يسترون الأمر عنها. لم تلفظ سوى بعبارة آمره بأن يقلّوها إليه في الحال، فلم يتردد "يونس" في تنفيذ رغبتها كي يجمح على الأقل غضبها ونظرات اللوم والعتاب في عينيها والتي لم يتحملها.
أوقف "يونس" السيارة وأغلق الإضاءة، ثم التفت نصف التفاته وهو يردف: "هتقدري تنزلي لوحدك؟ لم تنظر حتى إليه، فتحت الباب وبدأت تعتمد على نفسها وهي تترجل عن السيارة. فكان أسبق منها، حيث وقفت عن جلستها فوجدته أمامها مباشرة يغلق الباب بدلًا عنها. ثم أردف: "حالته متحملش أي عصبية، يعني بلاش دلوقتي عتاب وزعل.. أنسي كل حاجة مؤقتًا." رمقته بنظرات جامدة مستنكرة مخاوفه وكأنها لا تهتم لأمر والدها:
"أنت مش هتخاف على بابا أكتر مني، أنا اللي بنته مش انتوا." ثم نظرت بطرف عينها لـ "يزيد" الذي لم يصمت أو يراعي الضغط المتشكل عليها وراح يبدأ بالصياح: "بقولك إيه.. اللي بتكلمي عنه ده مش مجرد عم ليا.. يعني آ..... أشار له "يونس" كي يصمت، فانقطع حديثه وهو يبتعد عنهم زافرًا بحنق. بينما ابتسمت "ملك" بسخرية شديدة وقالت: "سيبه يقول اللي في نفسه.. أنا اتعودت منه على كده." وضع يده على كتفها وكاد يقودها للداخل برفق وقال:
"طب يلا بينـ...... قطع ما بقى من عبارته وهو يراها تُبعد ذراعه عنها وقالت: "أكيد هيكون ليا رد على إنك خبيت عني موضوع زي ده.. مش هعديها كده." وتجاوزته كي تصعد بمفردها كما كانت دائمًا. وهو ينظر إليها بضيق جلي. بينما استنكر "يزيد" لطفه الزائد معها وقال: "شوفت! أول حد هتتمرد عليه هو انتَ.. مبسوط بإنجازات الدروس بتاعتك؟ حدجه "يونس" بنظرات مختنقة قبل أن يستبقه ليصعد خلفها مفوضًا.
ظن إنها لا تملك مفتاح الشقة، ولكنه تفاجأ بها دخلت الشقة وتركت لهم الباب مفتوحًا. فدلف كلاهما وتركا لها مهمة الدخول إليه بنفسها. *** منذ أن رأته والتقت به وهي بنفس الوضعية. كانت "ملك" تنام برأسها على صدره وبين ذراعيه، تشتم رائحته وكأنها تُشبع الليالي التي ستقضيها بدونه. بصعوبة شديدة كانت تمنع الدموع من أن تفيض فتُضعف من حالة "إبراهيم" التي بكى مجرد أن رآها. حاولت أن تعطيه القوة التي تفتقدها هي.
مجرد فكرة تواجدها بين أحضانه كأنه أراح صدره الذي يشكو آلامه كل يوم. وبدون أن تشعر بعثت عليه الحبور. لقد كان يفتقد رؤية وجهها حتى، وها هو يتحقق أكثر مما تمنى. قرعات على الباب. دخل بعدها "يونس" وهو يحمل زجاجة مياه. نظر لحالتهم تلك بنظرة خاطفة كي لا يضايقهم. أشار لزجاجة المياه وقال: "في معاد دوا لازم تاخده يا عمي." فقال "إبراهيم" بدون أن يتحرك من مكانه: "مش عايز حاجة يا يونس، أنا كده كويس."
فـ اعتدلت "ملك" على الفور ليوخزها ذراعها المصاب واعترضت بدورها: "لأ هتاخده يا بابا." دنى منه "يونس" وناوله زجاجة المياه، ثم أخرج شريط من الأقراص وأفرغ قرصين وقال: "أنا كلمت دكتور معرفة هييجي الصبح يديك الحقنة." دخل "يزيد" حينما كان "إبراهيم" يترك زجاجة المياه ويردف: "مبقتش محتاج خلاص يا يونس، ملك لما تقعد معايا مش هبقى محتاج حاجة." وكأن "يونس" ذُعر فجأة واضطربت حواسه وهو يقول على الفور: "لأ.. ملك مش هينفع تقعد هنا."
تحولت نظرات الجميع المدهوشة نحوه، بينما سارع هو بالتبرير كي يبعد عنه أنظارهم المتهمة: "ملك لسه بتتعالج والدكاترة محذرين على المجهود عشان العملية.. كمان حالتها النفسية لازم تكون كويسة." ثم استدعى ذكر جدته ليكون مقنعًا: "نينينة اتعودت عليها خلاص، وملك كمان." ثم نظر نحو "ملك" وتابع: "وملك كمان اتعودت على نينة." أجفل "إبراهيم" بصره لا يدري ماذا يقول. بينما أثار الأمر حفيظة "يزيد" الذي استدرج شقيقه لخارج الغرفة بلباقة:
"تليفونك كان بيرن يا يونس، تعالى شوفه." كأن "يزيد" هو طوق النجاة الذي ظهر كي يُخرجه من هنا وينقذه من هذا التوتر. خرج "يونس" في أعقابه. بينما كان "إبراهيم" ينظر بحنو غريب لابنته. لم تستشعر هذه المشاعر الأبوية الجارفة من قبل، كانت تعيش مشاعر اليُتم فقط، بينما أبوها على قيد الحياة. نظرات بعثت بفيض من التسامح والعفو لنفسها حياله. ولكنه رغم ذلك سألها قلقًا من إجابتها: "مسمحاني يا ملك؟ أوعي تسيبيني أموت بذنبك يا بنتي!
فـ وضعت كفها على صدره ومسحت عليه بحنان وهي تقول بنبرة صادقة: "مقدرش أعمل حاجة غير إني أسامحك.. أنا ماليش غيرك يا بابا، أنا من غيرك هضيع، متسيبنيش في الدنيا دي لوحدي." كأنها أوجعت قلبه بوصوله المتأخر لها، فـ اجتذبها لتسكن أحضانه وعاد يسترخي وهي بين ذراعيه هكذا. هي لم تكن تستحق أن يسحقها ويأخذها بذنب والدتها، لم تكن تستحق أن يشد قلبه عليها معتقدًا إنه يحميها. وصل من طريق طويل متأخرًا، ولكنه أفضل من عدم وصوله نهائيًا.
حدجه "يزيد" بنظرات مشتطة وهو يعنفه بصوت منخفض: "أنت خلاص أديت دورك وأبوها عايز يرجعها جمبه تاني، أنت مالك انت بنفسيتها! تنهد "يونس" وهو يشيح بوجهه عنه وقال بفتور: "اللي بيعمل حاجة بيكملها للآخر، مش كده! "لأ مش كده.. أنت عملت اللي ميتعملش معاها يا يونس، اللي بعد كده مش بتاعنا." فـ انفعل "يونس" وهو يردف بنبرة قاطعة يعرف "يزيد" جيدًا إنها لا تقبل الجدال:
"لأ بتاعي، الموضوع خلصان وأنا الوحيد اللي هحكم فيه.. طالما عمي قرر إنه يسلمني الأمانة دي يبقى الموضوع يخصني أنا.. خلص." فسأله "يزيد" بعدم رضا: "وملك نفسها؟ أفرض هي عايزة أبوها وعايزة ترجع لحياتها الطبيعية." كأنه سؤال بلا جواب لديه. ولكنه رغم ذلك رفض رفضًا عتيًا أن يتنازل عن تسلطه في هذا الأمر: "أنا لما خدتها من هنا مخدتش رأيها، ولما أرجعها مكان ما كانت مش هاخد رأيها برضو.. اللي شايفه صح أنا هعمله."
انسحب "يونس" من أمامه، جلس على الأريكة وبدأ يُشعل سيجارة ومازال الأمر يدور في ذهنه كالترس، الذي لا يتوقف حتى أصابه بالصداع. لم يتخيل إن عمه قد يطلب استرجاعها، كان الأمر بعيدًا كل البعد عن تفكيره. ولكنه الآن مُجبرًا على إيجاد بديل ذا قوة إقناعية أكثر على "إبراهيم" إن لم يقتنع بحجته. هناك ضيق اعتراه أكثر بعدما حدث، ليس له مبرر مقنع من وجهة نظره.
ولكن فكرة ذهاب "ملك" وانتهاء مهمته معها أطبقت على صدره وجعلته لا يرتاح له بالًا. تدق الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل. نظر "يونس" في ساعته قبيل أن ينهض من جلسته. وطرق بابهم ليطمئن عليهم، فلم يصدر صوتهم منذ فترة. فوجدها نائمة في أحضانه وهو أيضًا مستسلم للنوم. فانسحب بحذر شديد وهو يطالعها للمرة الأخيرة قبل أن يخرج. وأوصد الباب. زفر "يزيد" وهو يرتدي معطفه وسأله: "ها، قولتلها عشان ننزل؟ "لأ، مش هننزل."
توقف "يزيد" عن متابعة ارتداء المعطف ورمقه متجهمًا وهو يقول: "يعني إيه مش هننزل!؟ جلس "يونس" وقال: "ملك نامت مع عمي، مقدرش أصحيها.. يعني هنبات هنا النهارده." مدد "يونس" ساقيه على الطاولة وارتخى للخلف وكأنه مرتاحًا. حينئذ كان "يزيد" ينزع عنه معطفه وهو يبتسم بسخرية وغمغم: "آدي أخرتها، هبات برا البيت عشان يعجب ملك هانم! "بطل تكلم نفسك أحسن هتجنن."
جلس "يزيد" قبالته وراح يعبث في هاتفه قليلًا حتى غلبه النوم في الأخير، فترك عقله يسبح بين أحلام عقله الباطن وغرق في النوم. *** كان صباحًا سيطرت عليه الغيوم، لم تظهر شمسه إطلاقًا حتى الآن. خرجت "رغدة" من مكتبها وكأنها تسحب من خلفها العاصفة، خطوات متعجلة ووجه متجهم عابس، حتى وصلت أمام غرفة "يزيد". تجاهلت مدير مكتبه "سيف" الذي صاح مناديًا: "رايحة فين يا مدام رغدة؟ مستر يزيد مش في مكتبه."
تجاهلته تمامًا وفتحت باب الغرفة لتتأكد بالفعل إنه غير موجود، فـ التفتت لتجد "سيف" خلفها وقالت: "قولت لحضرتك مش هنا." فسألته بحدة رافقت نبرتها الجدية: "هو فين!؟ "معرفش." همّت بالخروج وقالت: "مجرد ما يوصل بلغني." وسارت. وقفت بزاوية ما بعدما ابتعدت عن المكتب، وراحت تُجرب محاولات أخرى للاتصال به، ولكنه لم يجبها كالعادة، فـ تأففت بانزعاج وهي تجرب ثانية بدون يأس. _جانب آخر
_كان "يزيد" يخرج من دورة المياه توًا وهو ينظر لشاشة الهاتف التي لم تتوقف إضاءتها منذ الصباح، متجاهلًا اتصالاتها المتكررة وكأنها نكرة. تناول هاتفه، رفض المكالمة، ثم تركه من جديد وهو يغمغم: "خليكي كده شوية." خرجت "ملك" من غرفة والدها وأوصدت الباب بحذر، وعبرت الردهة لترى "يونس" نائمًا على الأريكة. دنت منه وتناولت معطفه الملقى على المقعد، وراحت تضعه من فوقه. فـ فتح عيناه فجأة وقد شعر بها لتتراجع هي خطوة للخلف وبررت:
"افتكرتك نايم." انتصب في جلسته وحمحم قبل أن يقول: "صباح الخير." "صباح النور." قالتها وهمّت بالانصراف، فـ استوقفها وهو يقف عن جلسته: "ملك." توقفت بمكانها مولية ظهرها له، فسألها بترقب: "أنتي لسه زعلانة؟ فاستدارت بنصف رأسها وقالت ساخرة: "أزعل ليه! أنت على طول بتعمل عشان مصلحتي." ثم نظرت إليه بجرأة وسألت بتهكم: "مش كده!! فلم يتراجع عن الرد الذي يعلم جيدًا إنه سيثير استفزازها: "بالظبط كده." أصدرت ساعة يده رنينًا مميزًا،
فنظر لها وهو يردف: "معاد المضاد الحيوي بتاعك." فنظرت لساعة اليد خاصته وسألت بذهول: "أنت ظابط منبه الساعة عشان معاد الدوا بتاعي؟ "آه." أجاب وهو يتجاوزها وعبر من جوارها، بينما كانت تقول هي: "مش جايباه معايا." "أنا جيبته، معايا في العربية." ارتدى حذائه بعجل وخرج، تاركًا خلفه فتاة تبتسم من قلبها بحق.
هذه المرة الأولى التي يهتم بها أحدهم، المرة الأولى التي تشعر إنها مسؤولية على عاتق شخص ما تستطيع أن ترتاح وتستند بأريحية على ظهره. دخل "يزيد" ليلمح تلك البسمة السعيدة وقد انقشعت ملامح القهر والحزن التي خيمّت عليها أمس. ضاقت عيناه وهو يتطلع للحبور الذي غزاها فجأة وهي لم تشعر بعد إنه يقف على بعد أمتار منها. وما أن انتبهت له حتى تجهم وجهها وجلست على الأريكة. لحظات ودخل "يونس" أيضًا ليجد شقيقه يقف
عند مقدمة الغرفة ويسأله: "كنت فين؟ "كنت بجيب حاجة من العربية." ناولها حقيبة صغيرة بها الأدوية خاصتها، بينما كان "يزيد" يتماسك بصعوبة وهو يتركهم مغمغمًا: "عندي أخ هيجلطني." راح "يزيد" يفتح الباب بعدما استمع لطرقتين عليه، فرأى "نغم" التي تجمدت بمحلها وهي تنظر إليه. ابتسم بسماجة جعلتها تفيق من ذهولها وفتح المجال كي تدخل: "أهلًا." ضبطت انفعالاتها وهي تسبل جفونها ممررة عيناها على الداخل، حيث استقبلتها "ملك" بترحاب
ما أن سمعت صوت الباب: "تعالي يا نغم، أتأخرتي ليه؟ "كنت بجيب الحاجات اللي طلبتيها." فانزعج "يونس" وهو يسألها: "مقولتيش إنك عايزة حاجة ليه؟ "دي حاجة مش هتعرف تعملها." ارتدى "يزيد" معطفه وقد سئم التواجد بينهم، وقرر الفرار من هنا بحجة شراء الطعام: "أنا هنزل أجيب فطار." فأشارت "نغم" نحو الحقائب التي كانت تحملها وقالت: "أنا جبت خلاص." فتدخلت "ملك" بدورها وقالت: "كل حاجة موجودة هنا يا يزيد."
حك "يونس" أنفه وقد اشتم رائحة مميزة يعرفها جيدًا، فلم يمنع فضوله من التساؤل: "ريحة طعمية سخنة، صح؟ فانبعجت شفتي "نغم" وهي تجيب بتحمس: "آه، جبت فول محوج وطعمية وبطاطس محمرة وبتنجان بالخلطة وعاملة بيض أومليت وعجة." فـ خلع "يزيد" معطفه بعجل وتناول منها الحقائب: "هاتي هاتي، أنتي لسه هترغي وأنا عصافير بطني بتغني جوا."
فهرعت "نغم" نحو المطبخ لإحضار أطباق، بينما نظر "يونس" للطعام بشهية مفتوحة محاولًا منع نفسه من ارتكاب هذه الجريمة في حق بنيته الجسمانية. حك أنفه وقال: "أنتي كده هتوديني في داهية يا نغم، أنا ممنوع من البقوليات كلها." فاقترحت "ملك": "كل خفيف، سد جوع بس." جلس وهو يتناول رغيف من الخبز الساخن. حينئذ كانت "نغم" تناولهم الأطباق وتضع بها الطعام: "في مخلل جزر اللي بتحبيه يا ملك."
وكادت تتناول علبة المخلل لولا أن "يزيد" سحبها والتقط منها ما يحب. رمقته "نغم" بعصبية. فتدخل "يونس" بعدما لاحظ تصرفات شقيقه المستفزة: "اقعدي يا نغم." صنعت "ملك" شطيرة خاصة جدًا لـ "يونس" الذي لم يكن يتناول سوى لقيمات صغيرة للغاية. ثم قدمتها له وقالت: "بالهنا." نظر للطعام وهو يلتقطه. حاول أن لا يقدم على ذلك. وأيّده أخوه كي لا يفعل: "بلاش يا يونس، افتكر إني قولتلك بلاش." فلم يهتم "يونس" وبدأ يتناول بنهم.
بحثت "نغم" عن أقراص البيض التي أعدتها بنفسها، ولكنها لم تجدها. وإذ بقطعة صغيرة للغاية في طبق أمام "يزيد" للتو كان يتناولها بقطعة خبز ويدسها في فمه. نظرت إليه بشدوه وقالت: "الأومليت عجبك أوي كده؟ ابتلع "يزيد" الطعام وهو يجيب: "نهائي، بس الجوع كافر بقى." حدقت فيه غير مصدقة رده المجحف، ولكنها لم تصمت عن ذلك طويلًا وقالت: "حقيقي إنك قليل الذوق." التفت لها يرمقها بفتور: "نعم؟؟ بتكلميني أنا؟ فـ هبّت به: "أمال خيالك!
وقبل أن يطيح فيها كان "إبراهيم" يخرج من غرفته ويستمع لهم. ثم زجر "يزيد" بنظرة حادة وقال: "وبعدين معاك يا يزيد!! ده انت المرة اللي فاتت خلصت المكرونة لوحدك! اتسعت عينا "يزيد" بعدما فضح "إبراهيم" أمره، حينما كانت "نغم" تنظر حياله بشماتة تجلت في عيناها وتمتمت: "كمان كذاب! مسح "يونس" يده بمنديل ورقي وهو يتطلع لكلاهما وهمس لـ "ملك": "الموضوع كبير وقديم." كادت "ملك" تنهض لولا أن أشار لها "إبراهيم":
"خليكي يا ملك، أنا هعمل شاي الأول مش هفطر دلوقتي." فـ بادرت "نغم": "أنا هعملك معايا يا عمو." نظرت "نغم" لـ "يونس" وهي تسأله: "تشرب قهوة؟ فـ سعد "يونس" وكأنه قرأت ما بعقلهِ وعلى الفور أجاب: "ياريت." مرت من أمامه بدون أن تنظر نحوه متجاهلة إياه رغم رغبتها الجامحة للنظر إليه. بينما سأل "يزيد" شقيقه بحنق: "أشمعنى سألتك انت بس؟ فـ حرك "يونس" حاجبيه كأنه يثير غيظه مجيبًا: "عشان كذاب، يا كذاب."
جلس "إبراهيم" بجوار ابنته التي توقفت عن تناول الطعام وتعقبت فقط هزل والدها وضعف جسده بحزن داخلي، ثم سألته: "مش هتفطر قبل الشاي؟ نظر "إبراهيم" للطعام وقال: "عايز لقمة فول بس على كيفي." فـ همّ "يزيد" يصنع له شطيرة وقال: "أنا هعملك يا عمي." صنع شطيرتين إحداهما أكبر من الأخرى، ثم أعطاه الصغرى وبدأ يتناول هو الأخرى وقال: "خليك خفيف عشان العلاج." لم يتوقع "يونس" أن يتناول شقيقه هذه الكمية رغم اعتدال وجباته.
فـ أشار له "يزيد" كي يصمت حاليًا بعدما تفهم ماذا سيقول له وقال: "بعدين نتكلم براحتنا." خرجت "نغم" ممسكة بفنجان من القهوة. استنشقت رائحته قبل أن تناوله لـ "يونس": "أتفضل." ثم دلفت من جديد للمطبخ. نظرت إليه "ملك" وقد راودها شعور تذوقه، وقبل حتى أن تطلب ذلك كان "يزيد" يسرع بالتقاطه. فـ هبّ "يونس" واقفًا وقال: "يـزيد." ابتعد "يزيد" قليلًا عنه وقال: "سامحني مش قادر."
وارتشق رشفة حرقت لسانه بفعل اللهيب والسخونة، ولكنه مذاق يُذكره بتلك الليلة التي شرب بها أفضل قهوة في حياته. لم يقاوم أكثر، وكاد يرتشف رشفة أخرى لولا أن "يونس" تناوله منه غصبًا ودفعه بمرفقه: "حقيقي طفس، كذاب وطفس." خرجت "نغم" من جديد، لتُفاجئ "يزيد" بفنجان من القهوة صُنع يدها، صُنع مميز للغاية. فغر شفاهه مذهولًا وهي تناوله إياه، التقطه، ونظر إليه قليلًا ثم عاد ينظر لشقيقه باستيهجان:
"شوف ربنا كرمني غصب عنك، وكمان هشربها في العربية وبمزاج." ثم سار نحو الباب وقال: "أنا هروح البيت أغير هدومي وأطلع على الشركة.. متنساش اجتماع النهاردة." خرج وتركها تنتظر بلوعة لفظًا شاكرًا منه، ولكنه خيب ظنها وأحزنها بإفراط. حتى تفاجئت به يطل برأسه من الخارج ويردف بصوت يبعد عن الهجومية المعتادة خاصته: "شكرًا على فكرة." فانبعجت شفاها بابتسامة واسعة وعاد التورد لوجنتيها قائلة بسرور: "بألف هنا." نهضت "ملك"
عن مكانها وقالت: "عايزاكي يا نغم، في حاجات كنت هديها لك." ثم سحبت رفيقتها للداخل بينما غمز "يونس" لـ عمه وهو يسأل: "إيه حكاية المكرونة دي يا عمي؟ أغلقت "ملك" الباب عليهما ثم التفتت لتقول لها بهامس: "إيه حكايتك يا بت انتي! فتوترت "نغم" وهي تجيب ببراءة: "حكاية إيه؟ فـ قربت "ملك" وجهها ونظراتها منها وكأنها تفحص تعابيرها: "عليا انا!!! .. طب قولي وأنا أساعدك." فـ تحمست "نغم" وهي تجيب: "عادي، حبيت أكون لطيفة مع ابن عمك."
لوت شفتي "ملك" بعدم تصديق وقالت: "بجد؟! أممم." قرع "يونس" بخفة على الباب وقال: "ملك، أنا نازل." فتحت الباب وقالت: "طيب." "أنا هبعتلك عيسى عشان لو محتاجة حاجة وأنا مش موجود." فـ ذكرته بالمسألة التي لم تنتهي بعد بينهم: "مش عايزة حاجة، لسه في موضوع هنتكلم فيه بس مش دلوقتي."
فتنهد "يونس" وهو ينصرف من أمامها، وبقيت هي واقفة تنظر إليه وهو يرتدي معطفه ليغادر، حتى خرج، فـ أجفلت بصرها وصفقت الباب هي الأخرى، كأن ذلك أقل القليل الذي يُنفث عنها. *** منذ أن غادر "يونس" وطوال طريق قيادته يفكر في أمر واحد. ما الذي أراد "إبراهيم" أن يقوله إليه قبيل أن يغادر ولكنه قام بتأجيله في آخر وقت؟ هل سيفتح معه أمر عودة "ملك" من جديد؟ أم ماذا؟ وصل لمقر المجموعة وما زال عاجزًا عن التخمين الصحيح.
ولكنه يخاف أن يكون الأمر هو ما يخشاه. لن يستطيع صدّ عمه إن أراد استعادة ابنته. لكنه قرر إنه لن يُفرط بسهولة. دخل "يونس" بعقل منشغل، حتى إنه لم ينتبه للموظفة التي كانت تسير من خلفه لتبلغه بأمر ما. دلف غرفته وهو ينزع معطفه. وهنا استمع لصوت "سيف": "يامستر يونس!! رفع بصره نحوه وقال: "إيه يا سيف! "بكلم حضرتك بقالي شوية، وموظفة الاستقبال كمان." "مخدتش بالي." ترأس مكتبه وهو يسألها بوجه حازم جاد: "في إيه!
"الأستاذ اللي جه قبل كده وحضرتك كنت مسافر يومها، جه تاني ومستني تحت مصمم يقابلك." تجعد وجه "يونس" وهو يقطب جبينه غير متذكر: "أستاذ مين! مش فاكر حاجة." "فاكر حضرتك لما كنت رايح المطار وكلمتك." -عودة بالوقت للسابق -كان "يونس" يجلس في سيارته متجهًا للمطار حينما آتاه اتصال من أحد أرقام الشركة فـ أجاب عليه: "أيوة.. ربيع مين! معرفش حد بالاسم ده، هو أي حد يقولك قريبي تصدقي!
.. لأ طبعًا خليه يمشي ولما أرجع أبقى أشوف إيه الحكاية." -عودة للوقت الحالي -"آه، افتكرت." زفر "يونس" وقال: "خليه يطلع أما أشوف في إيه." انصرفت بينما كان "سيف" يردف: "اجتماع مجلس الإدارة بعد ساعة، مستر يزيد جاهز ومنتظرك." "ماشي." أشعل "يونس" سيجارته وقام بفتح مكيف الهواء بعدما شعر ببعض الحرارة نتيجة توتره وفرط تفكيره. استمع لطرقات على الباب فـ سمح بالدخول.
دخلت موظفة الاستقبال أولًا، ثم "ربيع" من خلفها وهو ينظر حوله بتفحص. شمله "يونس" بنظرات دقيقة ثم سأله بحزم: "أنت تعرفني قبل كده! فـ ابتسم "ربيع" بسماجة وهو يدنو منه وقال: "لأ، بس هنتعرف." تحمل هم. فـ زجره "يونس" بنظرات حادة وهو يقف عن جلسته وأردف بنبرة مهينة: "أمال بتألف على الموظفين وتقولهم قرايب ليه؟ انكمش "ربيع" قليلًا من صرامته ولكنه أبقى توتره بداخله وقال:
"ما إحنا قريب فعلًا يا هندسة، خد مني بس وانت تفهم الحكاية." كأن "يونس" أحس بتعكر بدائي في معدته ولم يرغب في الإطالة خاصة وإنه ليس في حال يسمح له بالصبر والهدوء الآن. فـ أشار للموظفة كي تنصرف وسأله بعجل: "بسرعة معنديش وقت." "الحقيقة أنا مش قريبك انت.. أنا قريب حد تبعك." نفخ "يونس" بعدما أخرج السيجارة من بين شفتيه وبدأ يفقد أعصابه: "هي فزورة وهنقعد نلعب! ما تنجز." "مـلك بنت عمك."
تجمد كل شيء في لحظة، حتى حرارة جسده بدأت ترتفع. لم يستمع حتى بصوت عقارب الساعة الذي كانت تدق الآن. وعلى حين غرة سأل: "أنت مالك ومالها؟ فـ انبعج فمه عن آخره وهو يذكر صفته لها: "تبقى بنت خالتي." دعس "يونس" سيجارته ونهض واقفًا: "أنت بتقول إيه! أنت تبقى ابن خالة ملك؟ "آه." "هي ملك ليها خالة أصلًا." وكأن الفرصة أتت من ذهب لـ "ربيع" كي يفضي بكل ما يريد:
"ليها، وهي كمان أكيد فاكرة خالتها.. بس أبوها بقى اللهي يجحمه مطرح ما هو فصلها عننا وبقالنا سنين منعرفش حاجة عنها." فـ تهجم عليه "يونس" وهو يجتذبه من قميصه كي ينهض من جلسته وصاح به بدون وعي: "أتكلم عدل بدل ما أربيك من أول وجديد هنا." "الله الله الله، ما براحة عليا شوية." وحاول أن يدفع ذراعه وهو يتابع: "شكلكوا من الآخر كنتوا موانسين معاه أنت وأخوك.. روح أسأله منار فين، خالتي اللي اختفت في عز شبابها فين؟ دفعه "يونس"
وهو يرمقه باحتقار وقال: "أنت شكلك شارب حاجة." فـ بدأ "ربيع" يتحدث بلهجته المتشردة: "لأ لمؤخذة مش شارب، شربت المقلب أنا وأمي وزمان ومش هنشربه تاني.. حتى أسأل أخوك." يفكر "يونس"، أقل من ثانية وكان يرفع سماعة الهاتف المكتبي ويُملي أمره: "أبعتيلي يزيد على مكتبي، حــالًا....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!