فتحت "ملك" عينيها لتجد ظله جالسًا قرفصاء بجوار الفراش. استشعرت أصابعه التي احتوت يدها وضغطت عليها تضامنًا وحنانًا. تنفست بصوت مسموع وكأنها لا تشعر بهذيانها: -أنت مش حقيقي. فمسح بأطراف أنامله على خدها اللين المبتل ببقايا الدموع: -أنا الحقيقة الوحيدة في حياتك يا ملك، فوقي وشوفيني كويس. فرفضت مجددًا وكأن حالتها النفسية قد ازدادت سوءًا: -أنا بحلم. صمت هنيهة: -لسه بحلم.
فاضطر أن ينهض ويفتح ذلك الستار الذي حجب عنها الضوء وجعلها تعيش في هذا الظلام الموحي لها بأنها تحلم. فتح الستار، فانبثقت أشعة الشمس الموشكة على الغروب لتتسلط على فراشها مباشرة، وفتح الزجاج ليتجدد هواء الغرفة. فغطت وجهها بذراعها وهي تبتعد عن الإضاءة، بينما اقترب منها "يونس". أزاح يدها عن وجهها وأردف ببعض الحزم: -ملك. فاجتذبت ذراعها منه فجأة وجحدته بنصف نظرة: -خلاص يا يونس صحيت. وأشاحت بوجهها عنه، فأشار لها كي تنهض:
-قومي طيب، عايز أتكلم معاك. فرفعت طرفها نحوه تسأل بارتياب: -هتكلم عن موضوع امبارح؟ وقبل أن توليه فرصة الرد قاطعها: -لو هو يبقى مش عايزة أتكلم. فدفعت الغطاء عنها ووقفت على قدميها بدون أن تولّي نفسها الفرصة لاستجماع رأسها. فانتابها الدوار فجأة وعادت ترمي بجسدها الرخو على الفراش قبل أن تسقط. فركض نحوها وقد فزع قلبه: -حصل إيه؟ انتي كويسة؟
ملامحها مقتضبة وجفونها مطبقة وهي ممسكة رأسها ولم تجب. فازداد قلقه وأزاح يديها متسائلاً: -ملك! -دوخت، قمت فجأة فدوخت. فتنفس وهو يعتدل في وقفته، ثم سار نحو الطاولة ليأخذ كوب الحليب. عاد إليها ومد يده به: -طب اشربي ده، أنتي من امبارح مأكلتيش. فـنظرت ليده، فـحدقت عيناها: -أنا مش بحب اللبن. -معلش. قالها بنفاذ صبر: -عشان يهديكي شوية. فأبعدت يده عنها وقد بدا عليها الاشمئزاز: -مقدرش، بكرة ريحته.
بدأت أعصابه تنفلت منه. فترك الكوب على الكومود، ثم رفع ساقيها عن الأرضية على حين غرة، فارتمى نصف جسدها العلوي على الفراش. شهقت متفاجئة من رد فعله غير المتوقع، بينما تابع هو ودثرها مجددًا بالغطاء وهو يهتف منفعلًا: -براحتك متشربيش، بس قسمًا بالله ما انتي خارجة خطوة واحدة من هنا إلا لو الكوباية دي اتشربت. فـرمقته مذهولة وحاولت استدعاء تلك الشخصية التي حاولت خلقها بفعل نصائحه: -انت ازاي تعمل معايا كده!! فـرمقها بحدة:
-هو ده اللي عندي. ثم التفت كي يترك الغرفة. وقبل ذلك أعطاها فرصة أخيرة وهو يسأل: -لأخر مرة هسأل، هتشربي ولا لأ؟ فـتابعت شجاعتها المزيفة وهي تهتف: -لأ. فـخرج وصفع الباب وقد ارتفعت حرارة جسده وغمغم بسخط شديد: -اللي عملته معاكي هيطلع على دماغي، ماشي يا ملك. *** رفعت "ملك" كوب اللبن للمرة الأخيرة كي تُنهي ما بقى فيها، ثم تركته وقد بدا وجهها غريبًا كأنها ستتقيأ الآن.
فـرمقها "يونس" بنظرة راضية بينما كانا يجلسان في حديقة المنزل. فـشبك "يونس" أصابع يده سويًا وهو يبتسم قائلًا: -بألف هنا. فتشنجت عضلات وجهها وهي ترد بـ: -دي آخر مرة تغصبني على حاجة. فـحلّ وثاق أصابعه المتشابكة وأعلن براءته من اتهامها: -محصلش، أنا خيرتك وانتي اختارتي. فـانفعلت وهي تردف بـ: -عشان خيارك كان صعب، أنا لازم أخرج عشان أروح لبابا النهاردة.
فـفكر "يونس" في رغبتها التي لا تقبل الرفض، وفي رغبته هو في معرفة ما بقى من الحقيقة. صمته هذا جعل الشكوك تنخر في رأسها، فسألت فورًا: -انت هتوديني، صح؟ فـهز رأسه بالإيجاب: -أكيد. اعتدل في جلسته: -لسه عايزة تفتحي الموضوع بتاع امبارح ده تاني؟ فـنظرت للفراغ وقد غيم على عقلها غمامة، فـبادر "يونس" قائلًا:
-أنا مصدق عمي، مش معقول يعني هيكون في حقيقة غير دي، أنا رأيي متصدقيش أي حاجة من اللي حصلت وتهتمي بوجودك جنب عمي اليومين دول. لم تقتنع بما قاله بعدما قضت الليل كله تفكر بشكل منطقي. هناك لغز في الأمر لم تتوصل له وحله فقط لدى "إبراهيم". ولكنها تعلم جيدًا أنها لن تصل بسهولة لما تريد. نهضت عن جلستها فـنهض هو الآخر محاولًا إثارة تلك النزعة التي تُثار بسهولة: -بتتهربي من كلامي ليه؟ فتوقفت لتتحدث بدون أن تنظر نحوه:
-انت معشتش حاجة من اللي عشتها، مشوفتش يوم واحد من أيام الحرمان اللي عيشت فيه. تنهدت متحكمة في رغبتها الجامحة كي لا تبكي: -عيشت من غير أم، وحتى الأب كان وجوده زي عدمه.. ودلوقتي لما اعرف إن في أمل تكون أمي عايشة أكذب كل ده وأكمل حياتي في يتم! ثم التفتت تنظر إليه معاتبة إياه على تفكيره اللامبالي: -متبقاش انت كمان ظالم يا يونس. فتأنيبه لضميره بدأ للتو، بينما صدمته هي بتوابع عبارتها:
-انت الوحيد اللي حسيت إنه ممكن ينصفني، متخذلنيش أرجوك. فـأجفل جفونه بحرج: -آسف. فـأطرقت رأسها وهي تطلب: -لازم تساعدني، يمكن بابا يقولك انت الحقيقة وميقولش ليا. وهذا هو الطلب الذي خشيه أن تطلبه. ها هي تتفوه به صراحة وكأنها تستأمنه على رغبتها. شده قليلًا خشية بأن يعطي وعدًا لن يوفيه. في كل الأحوال يوجد سر، وعلى الأغلب سيكون أقوى من قدرته على الاعتراف به. تفحصت ملامحه قليلًا شاعرة بريبة وسألته: -يونس!
قالها وهو يتحرك من جوارها: -حاضـر. جهزي نفسك عشان نروح لعمك. وغادر نهائيًا من جوارها مكافحًا هذا الشعور ذو المفعول الشديد عليه. وجودها ورغبتها بأن ينفذ لها شيئًا، هذا الشعور الذي لا يقوى على مكافحته. في حين قررت هي أن تصعد لتبديل ملابسها على الفور، كي تلحق بوالدها وتعرف ما عليها فعله.
حينئذ.. كانت "كاريمان" تجلس بالشرفة مطفئة الإضاءة وهي تراقبهم من مسافة بعيدة وبدون أن تقتحم جلستهم. وما أن تحرك "يونس" ليدخل أردفت "كاريمان" متسائلة: -تفتكري هيحسوا أمتى بالـ Aşk "حب" ده؟ فـأجابت "خديجة" مستنبطة بحواسها الشعورية: -أنا حاسة إنه قريب أوي. فـاستندت بكلتا يديها على عكازها وهي تقف عن جلستها وأردفت: -Amen "آمين". *** طوال طريق الذهاب لم يلاحظ تعقب تلك السيارة له. انشغال باله غطى على حرصه المعتاد فلم ينتبه.
حتى وصل بها "يونس" بالقرب من البناية التي يسكنها "إبراهيم". وقفت السيارة مبتعدة قليلًا وراح سائقها يختلس النظر المدقق وهو يهتف: -هنعرف إزاي نفصل البت عنه؟ ده رايح جاي واخدها معاه! فـطرد "ربيع" الدخان من صدره ثم ألقى بصبابة سيجارته من النافذة وهو يردف: -هنلاقي حل. فـقذفته إحدى السيدات بسبة معلنة وهي تصيح فيه: -انت يا ××××××، مش تبص قبل ما تحدف الزفت اللي بتشربه على الناس! فـتلافى "ربيع" الاشتباك معها كي لا
يلفت الانتباه لتواجده هنا: -حقك عليا يا خالتي، العتب على النظر، امسحيها فيا. فـحدقته بنظرة محتقرة: -كتكم البلا. فـبصق "ربيع" على يساره: -كتك داهية تلمك ولية حيزبونة. ثم نظر قبالته وغمغم: -وبعدين! هنزلها إزاي لوحدها؟ *** صعدت "ملك" مستبقة "يونس" لمنزل والدها وداخلها متردد، مذعور، تخشى المواجهة التي قد تجدي لنتيجة لن تحبها. فتحت الباب وهي تستقبل شهيقًا عميقًا لصدرها، ثم طردته على مهل وهي تدخل ومن خلفها "يونس".
شقت "ملك" خطواتها نحو غرفته مباشرة وهي تردف: -معقول يكون نايم بدري كده! الساعة لسه ٨. فتحت باب الغرفة، فلم تجده بها، فـالتفتت وقد اعتراها القلق: -مش جـوا، بــابـا؟ نادت بصوت مرتفع كي يسمعها أينما كان ولكن لا يوجد رد. فـراح "يونس" يبحث في الشقة يمينًا ويسارًا وقد انتابه القلق هو الآخر خاصة بعدما لم يجده في أي مكان. وأخيرًا قرر النظر في دورة المياه عله بها.
طرق أولًا ثم فتح الباب، فلم ينفتح سوى نصفه ولمح "إبراهيم" ملقى خلف الباب مغشيًا عليه ويمنع فتحها. شهقت "ملك" بفزع بينما جاهد "يونس" ليعبر بجسده العريض من تلك الفتحة الضيقة دون أن يؤذي عمه. حتى نجح في الدخول، سحبه برفق وهو يحمل نصف جسده وصاح: -هاتي كرسي بسرعة. فـهرولت كي تحضر أحد مقاعد المائدة وعادت راكضة بعد أن فرت منها دماؤها. رفعه "يونس" بصعوبة لثقل جسده وحاول وضعه على المقعد بينما ساعدته "ملك"
وهي تقول بنبرة نادمة: -ياريتني ما مشيت امبارح. وعادت تؤنب نفسها لتتحمل نتيجة هروبها أمس: -أنا السبب، أنا آسفة يا بابا. فـوبخها "يونس" وهو يفكر سريعًا أثناء بحثه عن هاتفه في جيوبه: -بس يا ملك، بس.. انتي ملكيش دعوة. ثم وضع الهاتف على أذنه: -أيوه، من فضلك محتاج عربية إسعاف بسرعة، يونس حسن حماد الجبالي.. خد العنوان بالتفصيل.
مسحت "ملك" على وجهه الشاحب بصفرة قاتمة بكفيها مرتعدة من تلك اللحظات العصيبة. وضعت يدها أمام أنفاسه تستشعر انتظامها، فـبدت لها ضعيفة جدًا. ازدردت ريقها وهي عاجزة حتى عن التفوه بكلمة. بقى تضرعها ودعائها خفية بينها وبين الله كي ينجيه، كي يبقى قليلًا، كي لا تُحمل نفسها وزر موته هكذا بعد أن عانى ويلات التعايش مع مرض ينهش في صدره ويأكل من عمره. أرادت أن تراه حيًا كما لم تراه من قبل، تلك اللحظات التي تكون في صعوبتها لا مضاهاة لها.
*** صباح شتوي غائم على غير العادة. كأن العاصفة تسبقه، تلبش الجميع وتوترت الأجواء بمجرد وصول سيارة "يزيد" مبكرًا بعد أن علم الجميع بوجود تفتيش دوري وسيتم تصفية بعض موظفيه المقصرين اليوم وستكون نهايتهم بإقرار خطي منه بعد أن يمسك بثغراتهم.
كأن هذا ما سيتفث به عما يجول في صدره منذ الأمس. دخل فإذا بالجميع كالأصنام، والهدوء الصامت ذاك الذي يحبه يعم الأجواء. لم ينظر لأي منهم، خطى في طريقه مستقيمًا وبطرفه كان يرى كل شيء. سرّ بعد أن أحس بانتظام الجميع بعد تهديده الهاتفي صباح اليوم، وبدأ يفكر بأي أقسام الشركة سيبدأ. دلف حجرته ومن خلفه "سيف"، فأمله أول أوامره: -عايز ملفات آخر ٣ مشاريع الشركة دخلتهم، وتخلي أستاذ عبد اللطيف يجيب الكشف اللي طلبته منه امبارح.
-تمام. -وبعدها تعالى خد مني الشيك عشان تخلي حد يصرفه.. محتاجين نسدد آخر دفعة من قرض البنك النهاردة. فـخرج "سيف" فـتنهد "يزيد" وهو يجلس. رفع الهاتف على أذنه وهو يتحدث غامضًا كأنه الآن شكل آخر غير الذي كان عليه الأمس: -عملت إيه!؟ .. دبرت الرجالة اللي طلبتهم منك؟ فتـحفزت عيناه كالذي سينقض على طريدته، ولاحت ابتسامة متزينة بنواياه الشريرة التي بزغت حتى في نبرته: -أستنى مني الإشارة.
ثم وقف عن جلسته وبدأ ينزع عنهُ معطفه الثقيل ليكون بدلته الكحلية الأنيقة وتابع: -اتفقنا، سلام. ترك الهاتف ثم وضع المعطف على الشماعة الخشبية حينما طرق "عبد اللطيف" الباب: -أدخل. دلف "عبد اللطيف" قلقًا بعدما سمعه من أخبار عن وجود تفتيش دوري سيكون لمدة يومان من العمل. تنغض جبين "يزيد" وهو يقرأ تعابير وجهه، ثم أشار له كي يتقدم منه: -في إيه يا أستاذ عبد اللطيف!؟ مالك متخشب كده وواقف مكانك! .. تعالى.
ثم جلس مترأسًا مكتبه، تناول منه الملف وتفحصه سريعًا: -باقي الورق اللي طلبته فين؟ وورق المخالصة كمان؟ -من عنيا هروح أجيبهم. وهمّ ليخرج، فـاستوقفه صوت "يزيد" الصارم: -أسـتاذ عبد اللـطيف!! فتـلفت له على الفور، أشهر "يزيد" الكشف أمامه وسأل بزمجرة: -من أمتى بنعمل الكشوف بالشكل ده!؟ دنى "عبد اللطيف" قليلًا ليدقق ببصره: -هو صحيح شكله مختلف لكن المهم إنه سليم وأنا راجعت عليه بنفسي! فـضاقت عينا "يزيد" قليلًا مستهجنًا رده:
-ده من أمتى؟؟ أنا طلبت نغير الـ system بتاعنا؟ فـأطرق "عبد اللطيف" بصره: -لأ، بس الموظفة الجديدة اللي بتـ........... -نـــعم!!! فـنهض "يزيد" عن جلسته وقد انفعل بالفعل وهو يصيح فيه أثناء دورانه حول المكتب: -موظفة جديدة يعني إيه؟؟! من أمتى بتدخل نملة هنا الشركة من غير علمي! .. بتعين بمزاجك ولا إيه؟ ثم أشار لمقعده وتابع ساخرًا: -ده انت تقعد مكاني وتمسك انت المجموعة بقى! فـهز رأسه نافيًا: -لأ سعادتك أنا بس آ.......
فـلم يمهله حتى فرصة الدفاع والتبرير وكاد يفصله عن عمله جراء إقدامه على فعل ليس من تخصصه: -دلوقتي بقى هتنفعك بـ إيه الموظفة بتاعتك لما أقولك إنك اتفصلت و...... فـقطع "عبد اللطيف" حديثه: -لأ يا باشا مش أنا، مستر يونس بنفسه هو اللي عينها، أنا بدربها بس لحد ما تخلص دراسة وبعدها تتعين رسمي. فـانتفخت عيناه الجاحظة غير مصدقًا ما فعله شقيقه: -يونـس!! من أمتى يونس بيعين حد ولا بيتدخل في الموظفين! وكمان بتدرس و......... انقطع
صوته فجأة وغير مجرى حديثه: -روح هاتلي البنت دي، بسرعة. فـهرول "عبد اللطيف" ليخرج، بينما ضرب "يزيد" كفًا بكف: -إيه الحركات المتسرعة دي يا يونس! ثم نظر للكشف من جديد، رغم شكله المنظم ولكنه لم يروق له. فـتركه من جديد: -فاتحينها مؤسسة حكومية وأنا معرفش! انتظر على أحر من الجمر رؤية تلك الفتاة الجديدة. بالطبع لم يخطر حتى على عقله بأنها "نغم". وكيف يخطر بباله وهو الذي نسى حتى حوارهم الذي أقسمت بعده أن تثبت من تكون؟!
فتح "عبد اللطيف" الباب وأدخلها حينما كان "يزيد" ينظر متشوقًا لرؤيتها، ولكن انطفأ تشوقه وتبدل بصدمة لم يصدقها عقله. كارثة بكل المقاييس من وجهة نظره. على عكسها هي التي كانت تبتسم مثيرة استفزازه. وكأنها تبلغه بأنها انتصرت وأصبحت موظفة بالمكان الذي قال هو إنها لا تستحقه. فـأشار "يزيد" لـ "عبد اللطيف": -أطلع برا يا عبد اللطيف.
فـخرج على الفور معتبرًا ذلك تبرئة له مما كان سيلقاه. بينما خطى الاثنان في وقت واحد نحو بعضهما وهو يقول متذمرًا: -انتي بتعملي إيه هنا؟؟ فـأجابت ببرود: -أنا بشتغل هنا. -هـنا!؟ ثم ضحك مستخفًا بها: -وانتي بقى تفهمي في إيه غير المطبخ عشان تشتغلي في شركة زي دي! فـاعتبرت ذلك إهانة لها وتقليلًا منها ولكنها تجاوزته كي لا تكون المذنبة في أيامها الأولى: -انت مجربتش شغلي، هعتبر حكمك عليا مجرد رأي هتغيره في أسرع وقت.
وابتسمت مرة أخرى، مما جعله يشتعل أكثر وهو يقوم بطردها مباشرة: -أنا معرفش انتي أقنعتي يونس إزاي عشان تشتغلي هنا، لكن اللي اعرفه إني مش عايز أشوفك هنا. فـبدأت عصبيتها تظهر رغم كفاحها المضني كي تكبحها: -انت مش رئيسي المباشر عشان تدي أمر زي ده. فـارتفعت حاجبيه مدهوشًا من ردها الذي خالف أسلوبها المهذب الذي اتبعته منذ قليل: -انتي كمان بتردي عليا!! ثم صاح فيها فجأة: -رئيسك المباشر ده موظف عندي ممكن أمشيه حالًا لو عايز.
فـناطحته بالرد كأن رأسيهما متساوية: -وأنا جايه هنا بتعيين من أستاذ يونس، يعني انت ملكش دعوة. وتابعت بثقة رافقها صوت لين قليلًا: -أنا دلوقتي بشتغل في المكان اللي انت قولت إن عمرك ما هتقبلني فيها. فـاقتربت منه وقد وضعت ناظرها على ذرة غبار تكاد لا تُرى، وقالت: -الإفضل إنك تتقبلني، مش معقول هتعمل مشكلة مع أخوك حبيبك توأمك عشان حاجة تافهة زي دي. ثم نثرت ذرة الغبار تلك عن سترته وسحبت يدها سريعًا وهي تقول:
-كان في ترابه شيلتها. ثم ابتعدت عنه: -صباح الخير يا مستر يزيد. تركته محدقًا بصره على تلك البؤرة التي لمستها بأصبعها من لحظات، ثم انتقل بصره للباب الذي خرجت مسرعة منه. فـغرت شفتيه، ورفع كفه يمسح به إلى ذقنه وقد تسلط بصره على الفراغ وهو يهمس لنفسه بصوت خفيض: -بقى دي حركة تعملها فيا يا يونس؟ بتفرح فيا حتة بت مش فالحة غير في الطبيخ! ثم تحرك نحو المكتب ليسحب هاتفه محاولًا الاتصال به: -طب يا أنا يا هي بقى يا يونس! ***
رفض "يونس" المكالمة للمرة الثالثة وهو يقف أمام الغرفة التي تم نقل "إبراهيم" بها بعد أن قضى طوال الليل في قسم العناية المركزة. كان ممتعضًا للحد الذي لا يسمح له بسماع شيء أو التكلم عن شيء. دسّ الهاتف في جيب بنطاله ورفع بصره ينظر للطبيب الذي أنهى للتو عمله وشرع يخرج ومن خلفه "ملك" التي انفطرت من البكاء بالداخل وتماسكت بصعوبة. فـجذبها "يونس" إليه لتقف بجواره ونظر للطبيب وهو يسأله: -ها يا دكتور؟
لم ينطق الطبيب بكلمة واحدة، فقط نظر إليه بنظرات عاجزة توحي باقتراب النهاية إن لم تكن تلك هي النهاية. غمز له "يونس" كي يعطي قليلًا من الأمل لـ "ملك" التي سألت بتلهف: -قول حاجة والنبي. فـزفر وهو يقول: -مكنش صح إنه يمشي من المستشفى من الأول بس إحنا بنحاول نتفادى الموقف وهنعمل اللازم، متقلقوش. فـأشار الطبيب لـ مساعده كي يلحق به، فـسار "يونس" وهو يساندها نحو المقعد وحاول تهدئتها:
-أهدي يا ملك أنا مش عارف أفكر طول ما انتي كده. فـجففت دموعها وحاولت إبداء قوتها حتى لا يراها "إبراهيم" هكذا عندما يفيق. هزت رأسها مستجيبة له: -حاضر. -هجيبلك ميا وارجع. وقف كي يذهب، تعقب الطبيب حتى استوقفه. وسأل مباشرة: -المفروض نعمل إيه؟ فـمط الطبيب شفتيه معلنًا عن فشله: -خلاص يا أستاذ يونس، اللي بعد كده بتاع ربنا.. الحالة وصلت لمرحلة مفيش فيها حل غير الانتظار. فـشبك أصابعه وهو ينهي حديثه: -متأسف، عن إذنك.
فـأمسك "يونس" جبهته وضغطها بأصابعه. لم يعد بإمكانه التدخل بعد الآن، خرج الأمر عن قدرته أساسًا. فـوضعت "ملك" يدها على قلبها المقبوض واجتهدت كي تنظم أنفاسها وهي تنظر على الباب الذي يفصل بينهما. تتخيل الآن والدها ينهض من فراش المرض ويخرج من هذا الباب ويعنفهم بشدة كي يغادروا المشفى. تمنت ذلك وبشدة. ولكن طال انتظارها وهو لا يخرج.
فـأجفلت جفونها وهي تتنفس بصوت مرتفع، فـاستمعت لصوت أنين متألم. رفعت بصرها لترى تلك السيدة التي تستند على عكاز وساقها ملفوفة بالجبس يبدو عليها الكسر. تحسست "ملك" تلقائيًا ذراعها الذي تحرر من تجبيرته مؤخرًا وكأنها أحست بهذا الألم الذي حفظت شعوره. وبعفوية زائدة كانت تنهض كي تساعدها على المشي بعدما أشفت عليها: -تحبي أساعدك؟ فـابتسمت لها السيدة: -ياريت يا بنتي، الواد ابني ربنا ياخده سابني مش قادرة أخرج لوحدي.
ثم أشارت برأسها: -وصليني بس للتاكسي اللي قدام المستشفى أختي مستنية هناك. فـرحبت "ملك" بذلك وكأنها سعدت لتقديم المساعدة لها. ساندتها وسارت بها رويدًا رويدًا. وبعدما نزلت بها للطابق الأسفل بواسطة المصعد قادتها لباب الخروج وهي تسألها: -لسه رجلك وجعاكي؟ فـأومأت السيدة وهي ترمي ثقلها على ذراع "ملك" مستندة بارتياح: -آه، ربنا يشفيني يا رب. -يارب إن شاء الله. فـخرجت بها "ملك" من بوابة المشفى وهي تبحث بنظراتها:
-فين التاكسي اللي مستنيكي؟ فـأشارت السيدة بالعكاز نحو الصف الآخر: -هناك أهي، وصليني اللهي يكرمك يا بنتي. فـنظرت "ملك" يمينًا ويسارًا قبل أن تعبر بها الطريق. ثم سارت بها نحو السيارة. فتحت إحداهن الباب الخلفي وترجلت منه. سيدة بدينة ترتدي عباءة سوداء وعلى رأسها الحجاب الأسود. ابتسمت في وجه "ملك" وهي تشكرها بامتنان: -تسلم رجليكي يا حبيبتي. فـأجابت "ملك" بعفوية: -تسلمي. فـاستندت السيدة على كتف "ملك" وهي تطلب:
-دخـليني بس يا بنتي، براحة. فـساندتها "ملك" و: -ادخلي براحة طيب. فـاستقرت السيدة بالخلف وانحنت "ملك" كي ترفع ساقها المكسورة وتضعها داخل السيارة، فـإذ بالسيدة الأخرى تكتم أنفاسها بقطعة قطنية كبيرة مغموسة بمحلول مخدر بعيدًا. لم تلبث "ملك" أن تحاول التخلص من كفيها إلا وقد فقدت وعيها بعدما اشتمت رائحة هذه المادة الغريبة. فـدفعتها السيدة لداخل سيارة الأجرة وأسرعت بالجلوس في المقعد الأمامي وهي تردف: -أطلع بسرعة من هنا.
فـلحظة وكانت السيارة تطير طيرًا من على الأرض لتنتقل بها إلى حيث طُلبت و.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!