الفصل 28 | من 36 فصل

رواية دمية مطرزة بالحب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ياسمين عادل

المشاهدات
16
كلمة
3,918
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

جلست "ملك" على المائدة، مستندة عليها بذراعها. طال انتظارها لـ "يونس" الذي لم يأتِ بعد منذ أن غادر ظهيرة اليوم. حتى إنه لم يتناول من الطعام التي أعدتهُ له بنفسها، وكان ذلك سبب عبوسها أغلب اليوم. استمعت لطرقات على الباب، فـ هبت من مكانها معتقدة إنه حضر أخيرًا. فتحت، فـ تفاجئت بوجود "رضا"، العامل لدى متجر والدها الصغير. أحنى بصره عنها باحترام وقال: -الحج موجود؟ أجفلت بضيق مجددًا وهي تجيبه: -آه.

-أصله بعت طلبني وأنا جيت أشوفه عايز مني إيه. أفسحت له "ملك" وقالت: -اتفضل، وأنا هبلغه. أغلقت الباب. وقبل أن تدخل لوالدها، كان يخرج هو بعدما سمع صوته: -أهلًا يا رضا. صافحهُ رضا بحرارة وقال: -أهلًا يا حج، أمر. أشار له ليجلس وقال: -اقعد، كوبايتين شاي يابنتي الله يكرمك. -حاضر يابا. ولجت للمطبخ تاركة إياهم. فبدأ "إبراهيم" يتحدث إليه باستفاضة: -أنا عايز أبيع المحل وبدور على مشتري. حدق "رضا" وقد أصابه الذهول: -ليه كده ياحج؟

ده إحنا اللهم صلي على النبي أكبر محل ملابس رجالي في المكان بتاعنا والزباين بييجوا علينا بالاسم! أطرق "إبراهيم" رأسه متضايقًا كونهِ مضطر أن يتخلى عن هذا الكيان الذي بناه لنفسه وسعى ليكون أفضل المتاجر الخاصة بالملابس وتكبد العناء كي يكون على مكانته تلك، ولكنهُ مضطر على تأمين "ملك" أولًا. فهي لن تستطيع التعامل بنفسها مع الأمر وتولي مكان والدها، لذلك قرر تجميد كل شيء وتحويله لمبلغ نقدي كبير من أجلها.

-عارف، بس الأعمار بأيد ربنا وأنا مش ضامن أعيش يوم زيادة. -ياحج بعد الشر ربنا يطول في عمرك. فـ غصب نفسهِ على بسمة مريرة وقد لاحت الحقيقة أمام عينيه. -مش باين. اقترح عليه "رضا": -طب ما تأجره ليا، أو أشغله وليا تلت الربح.. أي حاجة بس متقفلش مكان أكل عيشي أنا والرجالة. اختنق "إبراهيم" من هذه النقطة أيضًا، فهو ربّ عمل لـ خمس عمال بـ خمس أسر يعيشون من خيره وفائضه. تنهد بثقل. فـ رفع عنه "رضا" حمل الرد واستطرد قائلًا:

-هسيبك تفكر وتعرفني ردك بعدين، بس فكر فينا ياحج الله يخليك، دلوقتي الدنيا عطلانة والشباب اللي معاهم شهادات على القهاوي، يبقى إحنا هنعمل إيه! عادت "ملك" ووضعت الشاي أمامهم ثم انصرفت للداخل. فـ أومأ "إبراهيم" رأسه له وقال: -ماشي، هفكر يا رضا.. ربنا يعمل اللي فيه الخير. -إن شاء الله كل خير يا حج.

نظرت "ملك" من نافذة غرفتها يمينًا ويسارًا. لم ترى أي مؤشر يُنبئ بحضوره. حتى أن "عيسى" مازال مرابطًا أسفل منزلهم ولم يتحرك من المكان الذي تركه فيه "يونس". زفرت باختناق وهي تتحسس ذراعها بلطف لعلها تنسى تلك الوخزات المؤلمة التي مازالت ترافقها. ثم مدت على الفراش بعدما تناولت هاتفها. عضت شفتيها وهي تفتح تطبيق المكالمات المرئية، وأفتر ثغرها مبتسمة بعدما قررت أن تتصل به وتراه على الأقل. ولكنها فشلت في الوصول إليه، يبدو إنه أغلق بيانات الهاتف ولم يستخدم الإنترنت منذ الصباح. فـ ألقت الهاتف على الفراش مستسلمة لحزنها، وعيناها على الهاتف تتمنى لو إنه يتصل الآن بها فينـقشع حزنها.

نظر "ربيع" لمكعبات لعبة الضمنة التي اشتهرت بها المقاهي الشعبية قبل أن يقوم باللعب. ثم أشار للصبي الذي يعمل بتقديم الطلبات بالمقهى وصاح: -واحد شاي تقيل يابني وزود السكر حبتين. عاد ينظر لصديقه الذي أردف: -يعني عايز إيه من الآخر؟ فـ صرح "ربيع" بشفافية شديدة: -هتراقب الباشا ده، هو اللي هيوصلنا لبنت خالتي بكل سهولة. فكر صديقه مليًا قبل أن يرد بـ: -الراجل ده معاه حراسة؟ -لأ، المرات اللي شوفته فيها كان بطوله.

ترك الصبي كوب الشاي المخمر وانصرف. فـ تساءل صديقه وقد بزغ الطمع في نظراته: -والحكاية دي هتقبضني كام فيها؟ البت شكلها مريشة عشان كده عينك هتطلع عليها. فـ جسد "ربيع" دور البراءة أمامه وقال: -أبدًا ياخويا، بس دي لحمي ودمي ومش هسيبها يعني.. أمي راسها وألف سيف تشوفها.. هتموت عليها من ساعة ما خالتي منار اختفت. ضحك صديقه بسخرية وقال: -مدخلتش دماغي، بس هعديها.. المهم مصلحتي. -هتاخدها ياعم، بس هاتلي المفيد. دعس "ربيع"

سيجارته وتابع: -بس قبل ما تبدأ هعمل معاهم محاولة كده، يمكن يعقلو. نفث "يونس" دخان سيجارته أفقيًا في الهواء وهو يجلس بحديقة مزرعته ممدًا سيقانه على الطاولة المصنوعة من الخوص. منذ أن أتى بالصباح وهو بالخارج إما جالسًا وسط الكلأ أو بداخل الإسطبل مع خيوله. أراد أن ينفصل قليلًا عن الناس جميعًا، فقد أُرهق مؤخرًا بشكل لم يعتده.

ورغم صفو الأجواء وانفراده بنفسه إلا إنه مازال متخبط في اتخاذ قرار مناسب. والأصعب أن الأمر يخص "ملك" تحديدًا، وهذا ما جعل القرار صعبًا بالنسبة له. جلس "مهدي" بالقرب منه وسأل: -وليه مجبتش ملك معاك؟ مش بتقول إنها اتحسنت؟ أومأ وقال: -آه، بس قاعدة مع عمي يوم كده ولا اتنين بعد ما عرفت بمرضه، أقرب وقت هحاول أرجعها على هنا ونبعد عن كل الصداع ده. تنغض جبين "مهدي" بتحفظ على صيغة الجمع الذي تحدث بها وعقب على ذلك: -تبعدوا؟

فـ صحح "يونس" على الفور: -أقصد ابعدها عن الضغط ده، عشان نفسيتها لازم تكون كويسة في فترة العلاج. استمع لصهيل "ريحان"، فـ استدار برأسه ينظر نحو الإسطبل وقال: -هي ريحان كويسة؟ -متقلقش، الدكتور جه النهاردة واطمن عليهم كلهم زي ما انت عايز. تحرك "يونس" من مكانه وهو يزفر مختنقًا وقال: -أنا هطلع أغير هدومي وانزل عشان أرجع القاهرة قبل طلوع الصبح. -يونس؟ وقف "مهدي" أمامه ينظر لتعابير وجهه المكتئبة وسأله: -مالك يابني، أنت كويس؟

نفخ "يونس" بانزعاج وقال: -كل ما الدنيا تظبط وأقول هرتاح شوية ألاقي مصيبة جديدة طلعت من تحت الأرض، والمفروض إني أفكر في مليون حاجة في وقت واحد! أنا زهقت. استشعر "مهدي" وجود أمر ما لا يعلم عنه، فلم يتوانى عن محاولاته لسلب تلك الطاقة السلبية منه. -في حاجة تاني حصلت مقولتش عليها؟ يمكن أساعدك. خطى نحو الداخل وهو يردف: -متشغلش بالك، بعدين أقولك.

صعد "يونس" ببطء وكأنه لا يرغب في ترك المكان هنا. لولا إنه ترك "ملك" في القاهرة ما عاد إليها مرة أخرى. لقد نسى منذ مدة ماذا تعني الضغوط العصبية وما إلى شابه، ولكنه عاد يعيش وسط هذا الأمر وبقوة أكبر. مر "يونس" على غرفة "ملك". فدخل إليها، وكأنه أحس برائحتها فيها رغم غيابها عنها لأكثر من شهر. مازالت أشياؤها موجودة وحقيبة ملابسها، حتى دُميتها على الفراش وكأنها كانت تنام في أحضانها بالأمس.

التقطها من أعلى الفراش، يبدو عليها القدم ولكن شكلها مميز. تفحصها بدقة لأول مرة، وبتلقائية غريزية قربها من أنفه يتشمم رائحتها. فـ إذ بها معبأة برائحة "ملك" حرفيًا. تنفس فيها كأنه يدفن أنفه في عنقها، ولم يحس بالدقائق التي تمر وهو على نفس حالته الغريبة. حتى انتبه لما يفعل. حدق في الدُمية لحظات وهو يسأل نفسهِ ما الذي يفعله هو الآن؟

ثم أبعدها عن مركز بصره ومازال ممسكًا بها، وخرج من الغرفة مصطحبها معه، حتى يعود بها لصاحبتها. ارتبكت "نغم" وهي ترافق صديقتها للخارج بعدما أقنعتها "ملك" بأن تصطحبها معها. لم تكن موافقة بالبداية، ولكنها رضخت في الأخير لإلحاح "ملك" المستمر.

هبطت "ملك" بعدما أقنعت والدها إنها ستذهب لشراء بعض الحاجات برفقة "نغم" وإنها ستذهب بصحبة "عيسى". وما أن رآها الأخير وهو داخل السيارة بملابسها المتأنقة وشعرها المصفف جيدًا، ترجل عن السيارة وسار نحوها متسائلًا بشدو: -رايحين فين ياملك هانم؟ أجابته ببساطة: -مشوار مهم وانت اللي هتوديني. فـ أومأ برأسها وهو يشير نحو السيارة: -تحت أمرك، اتفضلوا. استقر كلاهن بالخلف وجلس "عيسى" في مقعده متسائلًا: -هنروح على فين؟ -وديني ليونس.

ارتفع حاجبيه تلقائيًا وقال: -بس الباشا مأمرش بحاجة زي دي، وبعدين أنا معرفش مكانه. فـ بدت نبرتها حازمة قليلًا وهي تقول: -أنا عارفه، كلمني الصبح وقالي إنه رايح الشركة.. وديني هناك. ثم أشارت بسبابتها تحذره: -ومتتصلش بيه ولا تبعت أي رسائل توضح إني رايحة له. تردد "عيسى" قليلًا وهو يُشغل المحرك. فـ قطعت "ملك" تفكيره قائلة: -متقلقش أنا اللي مسئولة، وهو مش هيضايق منك.. يلا نمشي.

وبالفعل قاد السيارة ليخرج بها من المنطقة ثم إلى مقر المجموعة. وما أن وصل بها وترجلت كلاهما من السيارة سائرتين نحو البوابة. أشار "عيسى" للأمن كي يفتح الطريق لهن. ثم سرعان ما اتصل بـ "يونس" يخبره بإنها وصلت إلى هنا. دَلفت "ملك" غير منتبهة لعراقة المكان وفخامته الزائدة. بينما تطلعت "نغم" لذلك الصرح الضخم بانبهار وأردفت: -مكنتش أعرف إن عمك الله يرحمه تقيل أوي كده. فـ تلوت شفتي "ملك" وقالت: -ولا أنا كنت أعرف أي حاجة عنه.

سارت نحو الاستقبال وطلبت: -من فضلك، عايزة أقابل يونس. قطبت الموظفة جبينها وهي تسأل عن هويتها: -مين حضرتك؟ -بـ...... ولكن قطع صوتهما صوت الهاتف الخلوي، فـ اعتذرت الموظفة وهي ترفع السماعة: -آسفة، ثانية واحدة.. ألو. استمعت للأمر ثم سألتها: -حضرتك مدام ملك؟ فـ أومأت الأخيرة برأسها. نهضت الموظفة عن مكانها وقالت: -حاضر يا فندم. ثم خرجت من مكانها وقالت: -اتفضلي أنا هطلعك عنده بنفسي.

وسارت في المقدمة وهن خلفها. بينما تفهمت "ملك" على الفور إنه علم بحضورهن في الحال. كان "يونس" قد ترك مكتبه وخرج لاستقبالها بنفسه. نظر نحوها وهي تتهادى في خطواتها فـ علت ابتسامة طفيفة ثغرهِ وهو يدنو منها. بسط يده نحوها يصافحها بحرارة وقال: -لو عرفتيني إنك جاية كنت جيت أخدتك بنفسي. فـ بادلته ابتسامة مستحية وقالت: -محبتش أضايقك.

اندهشت موظفة الاستقبال من استقباله الشخصي لها بينما هو لا يفعل ذلك في المعتاد حتى مع ضيوفه الهامين. ثم استأذنت بالانصراف وقالت: -عن إذنكم. نظر "يونس" نحو "نغم" وقال: -أهلًا يا نغم. -أهلًا. ثم سحب "ملك" برفق وقال: -اتفضلوا. فـ رفضت "نغم" بتهذيب وقالت: -لأ ادخلوا أنتم واتكلموا براحتكم، أنا هستنى هنا. فهزت "ملك" رأسها بالإيجاب وسارت معه وهو يسألها: -طمنيني دراعك عامل إيه؟

تجولت "نغم" في الشركة وتخيلت العديد من المشاهد وهي تسترجع أحد المسلسلات التركية المهووسة بها. حتى إنها تخيلت نفسها مديرة بهذا المكان تحكم وتأمر فيه وتديره. وأثناء تجولها شعرت إنها تبحث عن أحد ما بدون وعي، إنها تبحث عن وجه "يزيد" بين الأوجه التي تمر لها. حتى وجدته بالفعل، كان يخرج من مكتبه يحمل ملف ما ويتفحص ورقاته. ولكن على وجهه العبوس بيّن للعيان. توترت ولم تشأ أن تقاطع تفكيره، ولكنه رفع بصره أمامه ليقع عليها صدفة. اتسعت عيناه مذهولًا ونظر حوله متخيلًا إنه يتوهم. فـ ضحكت وهي تراه مشتتًا هكذا.

دنا منها وسأل بتحير: -أنتي بتعملي إيه هنا؟ وجيتي إزاي؟ -جيت مع ملك، سبتها بتتكلم مع يونس وأنا قولت أتفرج على الشركة. لم يتبين من تعابير وجهه شيئًا تفهم منه هل تضايق أم سعد أم ماذا. ولكنها وجدت نفسها تسأله بفضول: -هو مين الكبير فيكم، أنت ولا يونس؟ -يونس أكبر بـ عشر دقايق تقريبًا. وضاقت عيناه متسائلًا: -اشمعنى؟ وكأنها تخلق مجالًا للتحدث إليه، فلم تجد جوابًا مناسبًا ترد به سوى:

-عادي مجرد سؤال، أصلكم مختلفين عن بعض خالص. أسبل جفونه ينظر للملف في يده وقال: -دي حقيقة، إحنا الاتنين مجرد شبه في الشكل بس. كاد ينصرف من أمامها ليقضي مهمتهُ وقال: -أنا هروح آ..... ولكن ظل "رغدة" الذي لمحه يقترب قطع صوته. فـ أحنى بصره عنها كأنه لم يراها وسأل "نغم": -تشربي حاجة؟ وافقت على الفور: -ماشي. وقفت "رغدة" بالقرب منهم وهي تنظر لـ "نغم" بنظرات متفحصة وقالت: -أنا من امبارح بحاول أكلم معاك مش عارفه.

ثم وجهت حديثها لـ "نغم": -صباح الخير. -صباح النور. قالتها "نغم" ببشاشة وهي تبتسم بعفوية. بينما نظرت "رغدة" لـ "يزيد" كأنها تسأله عن هويتها، ولكنه لم يريد أن يرضي فضولها وقال برسمية جادة: -مش فاضي. ثم ناولها الملف وقال: -ياريت تراجعي الملف ده، عيب لما يخرج من مكتب سيادتك وفيه كل الأخطاء دي. تناولت الملف وهي تنظر إليه مليًا وأجابت مذهولة: -أنا مبعتش ليك أي ملفات! سخر منها وقال:

-ده غلط أنيل من اللي قبله يامدام، اتفضل راجعيه بنفسك. ثم أشار لـ "نغم" نحو مكتبه وقال: -تعالي يانغم، المكتب من هنا. من ناحية أسعد "نغم" كثيرًا وشعرت كأن العصافير تزقزق فوق رأسها. بينما هو يتهرب فقط من تلك التي دمرت قلبه وما زالت تدعسه حتى ينزف أكثر كلما رآها.

ومن ناحية أخرى ترك خلفه "رغدة" تقف متحيرة متضايقة. لا تعلم من تلك الفتاة التي أدخلها مكتبه، وأحست ببعض الغبطة تنتابها وهذا ضايقها أكثر. كونها ما زالت تغار عليه وتهتم لأمره جعل داخلها يختنق وكأنه ينطبق على بعضه البعض كأسطوانة معدنية.

مجرد جلوس "نغم" هكذا أمامهُ وهي تراه وتشاهد ما يقوم به كان يبعث بداخلها الفرحة. بينما كان هو متجاهلًا وجودها منشغلًا بالحاسوب الذي يعمل عليه. أصرفت بصرها عنه قليلًا كي لا ينفضح أمرها حينما كان هو يلاحظ كل ما تفعله ولكنه يدعي التجاهل. منع ابتسامة من الطفو على وجهه وتابع مهامه. بينما كانت هي تختلس من حين لآخر النظر إليه مصطنعة إنها تتجول بنظراتها في المكان. أجفل "يونس" نظراته يواري عنها قلة حيلته فيما تطلبه.

-صدقيني عملت كده من غير ما تطلبي، كلمت الدكاترة واقترحت عليهم نسفره برا لكن كلهم قالوا مفيش أي داعي.. كل المحاولات عملناها هنا. أطرقت "ملك" رأسها بحزن بالغ وقالت: -يعني إيه؟ هتفرج على بابا وهو بيموت؟ يعني اتكتب عليا أكمل حياتي كلها حاسه باليتم! ضاق صدره مع كلماتها وعجز عن إيجاد الحل، لأول مرة يشعر بالعجز هكذا. بينما كانت هي تُفضي بما بداخلها كي تنزع بعض من الهم عن صدرها:

-ماما ماتت وسابتني زمان، ودلوقتي بابا في الوقت اللي حسيت فيه إن ليا أب هيروح هو كمان.. أعمل إيه يايونس؟ ترقرقت عبرة من طرف عينها وهي ترثي حالها: -مش ممكن يكون اتكتب عليا أعيش طول عمري مقهورة ووحيدة. -ملك آ.. أنا..... لم يعرف ماذا يقول تحديدًا. رغب لو إنه يضمها بعناق يشفي خدوشها التي لا تنتهي مهما حدث. يطاردها ماضي وحدتها كالوصمة لا تستطيع مفارقتها أينما كانت. فقط وضع كفه على يدها يؤازرها، وظل يمسح برفق

عليه وقال بخفوت لمسها: -أنا هفضل جنبك، اسمحيلي بده. تركت فضولها يسأله: -ليه بتعمل معايا كل ده؟ فـ أسرع بالإجابة كي لا يسمح لها بالشك: -أنتي بنت عمي ياملك، مسؤولة مني.. آسف إنها جت متأخر، بس عمري ما فكرت إنك ممكن تكوني محتاجاني. -أنا اكتشفت إني كنت محتاجالك طول عمري. أسبلت جفونها بعد الرد الفوري الذي أتى من صميمها بدون أن تجمله. وتركت لديه قشعريرة لطيفة سرت مداعبة أطرافه وجسده. تنهدت رافضة التفكير في موته:

-بس مقدرش أستغنى عن فكرة وجود بابا في حياتي. ربت على كفها أولًا قبل أن يسحب يده وقال: -مقولتش استغني، لكن مش قادر أوجد حل منطقي. نهض عن جلسته وسار نحو المكتب. رفع سماعة الهاتف وقال: -واحد لمون فريش. ثم أغلق الهاتف ونظر نحوها لحظات صامتة. ثم قال: -عارف إنه مش وقته، بس هترجعي معايا أمتى ياملك؟ ترددت ما الرد المناسب الذي تجيب به. فـ قطعت تفكيره بقراره:

-عشان تكوني عارفة أنا مش هنفذ رغبة عمي، المرة دي القرار راجع ليا أنا. تضايقت كونهِ لم ينتظر حتى رأيها وقد قرر نيابة عنها. ونهضت واقفة وهي ترد بـ: -أفرض أنا مش عايزة أرجع! -مش مهم. قالها بنبرة غير مكترثة. فـ أرادت أن تعانده قليلًا: -لأ. قطب جبينه بعدم فهم وقال: -لأ على إيه؟ -لأ مش هاجي معاك. ثم دنت منه حتى أصبحت قبالته وأردفت: -مش انت اللي علمتني أقول لأ.. يبقى لأ.

ضحك، فقد تحقق كلام "يزيد" وأصبح هو من أوائل من تمردت عليهم. فـ رمقته بحنق وقالت: -بتضحك على إيه؟ حمحم وضبط وضعية الجدية وهو يقول: -افتكرت حاجة كدا. استمع لقرع على الباب، فـ أجلسها أولًا: -اقعدي. دلف عامل البوفيه وهو يحمل كأس من عصير الليمون أمامها ثم انصرف. فـ نظرت إليه قبل أن تقول: -مش بحب اللمون. فـ ترأس مكتبه وتابع تفحصه لتعابير وجهها وهو يقول: -زي ما تحبي. رمقته من طرف عينها وقالت: -طبعًا زي ما أحب.

ثم تناولت الكأس وبدأت تشرب منه. فطرق بأصابعه على سطح المكتب وهو يتحرك بمقعده الجلدي يمينًا ويسارًا ناظرًا إليها. حقًا إذا أردت شيئًا، فأطلق سراحه.

نفخت "نغم" بانزعاج وقد سئمت الجلوس وسط هذا التوتر والضغط العصبي. منذ أن جلست في مكتب "يزيد" وهي تشاهد فقط عصبيته المفرطة على موظفيه، أوامره الغير منتهية، مثاليته المتشددة. هكذا يُدير صرح كهذا بنجاح، هو قيادي مميز. ولكنها هي شخصية لم تعتاد على مثل هذه المعاملة. فلم تتحمل صمت أكثر من ذلك وتدخلت بعد أن غادر مسؤول الحسابات: -أنت على طول عصبي كده وبتزعق مع كل الناس؟ فـ تجهم وجهه ناظرًا إليها وقال: -أفندم؟

-يعني ممكن تعمل كل ده من غير زعيق وعصبية على الفاضي، أنا لو موظفة عندك مش هتحملك يومين على بعض. فـ أراد أن يرد عليها ردًا يُفحمها وقال متفاخرًا بصرحه: -عشان كده عمرك ما هتكوني موظفة هنا. فـ حدجته بنظرة حازمة وقد تبدل حالها جذريًا وقالت: -مين قالك عايزة أكون موظفة هنا أساسًا. -أحسن برضه. وضحكت بسخافة وهي ترمقه بنظرات محتقنة. ثم التقطت حقيبتها وسارت نحو الباب وهي تتمتم: -مغرور.

صفعت الباب خلفها وتدفقت الدماء في عروقها بحرارة، ثم غمغمت بإصرار: -طب والله لأوريك مين دي اللي مينفعش تكون موظفة هنا، ماشي يايزيد.

كانت "ملك" تتحدث إلى "مهدي" عبر المكالمات المرئية على هاتف "يونس" بعد أن رغبت في رؤية "ريحان". فتح لها "مهدي" الكاميرا الخلفية وجعلها تشاهد الإسطبل كله. فـ سعدت وهي ترى "ريحان" في حالة جيدة ونشيطة. حقًا أحلى فرس لدى "يونس" ويعتبر فصيلة نادرة جدًا يُقدر ثمنه بآلاف الدولارات، لهذا السبب تحديدًا أصرت "غالية" على الاحتفاظ به منذ أن كانت "هانيا" على قيد الحياة. أبعدت "ملك" عينها عن الهاتف وهي تسأل "يونس":

-ينفع أروح أشوفها؟ فـ ابتهج "يونس" وهو يجيبها: -من دلوقتي لو عايزة. فـ هبت متحمسة من مكانها وقالت: -طب يلا بينا. ثم نظرت للهاتف وقالت: -إحنا هنيجي شوية عشان أشوفها ياعم مهدي. -تنوروا، هستناكم. رن الهاتف الخاص بالمكتب، فـ تابع "يونس" ارتداء معطفه قبل أن يرد: -ألو.. مين ده؟ فأجابت موظفة الاستقبال: -ربيع اللي جه قبل كده، مصمم يشوفك وقال مش همشي من هنا غير لما يقابلك.

تعاقت نظرات "يونس" بـ "ملك" التي تتحدث لـ "مهدي" لم تنتبه له بعد. أصبح في موقف لا يُحسد عليه. الأمر الذي انتوى إنه لن يكشفه لها إلا حال تأكده من الحقيقة كاملة بات مجبرًا على إيجاد تفسير له في ظل وجود ذاك الـ "ربيع".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...