تحميل رواية ضروب العشق بقلم ندى محمود توفيق pdf
بقلم ندى محمود توفيق
الفصل 34 — رواية ضروب العشق الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
هناك بعض الأقاويل التي تصف العشق على أنه "ثقة". ولكن في حال انقشعت الثقة وانحلّت الخيانة والغدر والكذب محلها، فسينقشع معها مفهوم العشق على أنه ثقة، ويصبح يمثل بالنسبة لهم ما هو إلا تلاعب بالمشاعر كدمية على مسرح يحركها صانعها كما يشاء. فتذوق طعم الغدر يماثل السم الذي لا تشعر بمذاقه حين يقدم لك في صحن طعام شهي، ولكنه يسري في جسدك وأعضائك فيدمرها ويجعل نهايتك الموت. "ملاذ" كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. وكل دقيقة تسترجع لحظة اكتشافها لخيانته القذرة، وكيف أ...
رواية ضروب العشق الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندى محمود توفيق
يجلس على مقعد وثير داخل مكتب كبير نسبيًا بالقسم. يتجول بنظره بين أرجاء المكتب الذي أعاد عليه الذكريات الأليمة عندما كان يأتي لزيارة "سيف". ظل لدقائق وهو ينتظر أن يدخل له أحد، وإذا بالباب يفتح ويهل من خلفه ضابط يبدو أنه يناظر كرم بالعمر.
ابتسم كرم بدهشة فور رؤيته له ووقف يعانقه يرحب به بعناق حار. أما الآخر فقال مازحًا:
_ مش عيب برضوا لما تاجي القسم في حشيش يا صاحبي!
هتف شبه ضاحكًا:
_ مش وقت هزار والله ياحسام. أنا هتجن واعرف الحجات دي دخلت عربيتي إزاي وامتي!
تحرك حسام باتجاه مقعده وجلس عليه يقول بحناس:
_ طيب اقعد، هخلي الصون ياسين يجبلنا قهوة ونتكلم على رواق.
جلس كرم وهو يمسح على وجهه متأففًا، ليتمتم حسام بترقب:
_ إنت شاكك في حد أنه ممكن يكون حطلك الحشيش ده؟
كرم بغلظة صوت ونظرات نارية:
_ أنا متأكد مش شاكك، كمال الحسيني.
_ عم سيف الحسيني!
أومأ له بالإيجاب، فعقد حاجبيه وسأل بعدم فهم:
_ وهو يعمل معاك زي كدا ليه يعني؟
_ ما إنت عارف ياحسام مشاكل سيف معاه قبل ما يموت، وأنه بيكرهني وبيكره عيلة العمايري كلها. وكمان حصلت كام مشكلة تاني من قريب خلته يعمل الحركة القذرة دي.
_ طيب بس إنت معندكش دليل على الكلام ده!
كرم بخشونة:
_ من غير دليل أنا هتصرف معاه بطريقتي وهعرفه حجمه.
حسام بتحذير وجدية:
_ اعقل وبلاش جنان بدل ما تدخل نفسك في مشاكل. إنت احمد ربك إن النهردا ربنا سترها معاك وجيت علي القسم اللي موجود أنا فيه، لولا كدا كان هيبقى فيها سين وجيم وحبس وإنت أصلًا ممسوك متلبس بيه.
أجابه بنبرة عادت لطبيعتها قليلًا:
_ اطمن مش هيحصل حاجة.
دخل "الصون" وهو يحمل على يديه صينية فوقها القهوة الذي طلبها "حسام". التقط كل منهم فنجانه ودار حديث مرح بعض الشيء بينهم لدقائق طويلة.
***
وضع حسن المفتاح في القفل واداره للشمال فانفتح الباب ودخل ثم أغلقه خلفه بكامل الحذر والبطء حتى لا تشعر به. قاد خطواته نحو غرفتها وهو يتسلل على أطراف أصابعه. أحس باشتياقه لها ففكر بأن يلقي نظرة عليها ويملأ عيناه منها. بالتأكيد دون أن تشعر به، وإلا ستأكله حيًا إذا رأته بمنزلها ويحوم حولها.
فتح باب غرفتها بحرص وأدخل جزء صغير من رأسه يتأكد من انغماسها في النوم. ثم دخل وتركه مفتوحًا. اقترب منها وأمعن النظر بها. كانت ترتدي منامة طويلة بعض الشيء ولكنها انزاحت وأظهرت عن نصف ساقيها، وتترك العنان لشعرها الناعم. كانت جميلة لدرجة الجنون، فقط رؤيته لها تشتته وتيقظ بداخله مشاعر مختلطة.
انحنى ليجثى على قدميه أمامها ويمد يده يسحب الغطاء على نصف جسدها ثم يرتفع بجسده قليلًا ليطبع قبلة حانية أعلى كتفها ويهمس بعشق زارف وشوق شديد في صوت لا يسمع:
_ إنتي مش قدامي دلوقتي! بس رغم كدا وحشاني أوي. وحشني خناقنا وضحكتك وعصبيتك وتصرفاتك اللي كانت بتعصبني. حتى غيرتك عليا وحشتني أوي. مش كفاية بقى ولا إيه يايسر مش ناوية ترجعي يسر اللي اعرفها. أنا اتغيرت عشانك ومش عايز منك حاجة غير إنك تسمحيلي اكون الشخص الجديد ده معاكي.
مد انامله وابعد خصلات شعرها عن عيناها. ليدقق النظر فيها بإعجاب وكأنها ألقت عليه تعويذة فلم يتمكن من مقاومتها. اقترب بوجهه منها وطبع قبلة عميقة بجانب ثغرها. دامت قبلته للحظات، وفي تلك اللحظات فتحت هي عيناها بعدما أحست به وفغرت عيناها بصدمة. فرفعت كفها بدون تردد وصفعته بقوة. ثم ارتدت للخلف وهي تختبأ أسفل الغطاء من عيناه.
بقي وجهه على الجانب الآخر لم يحركه. هذه الصفعة الثالثة على التوالي! استشاط غيظًا ونظر لها مشتعلًا يهتف:
_ اخدتي عليه إنتي القلم اللي كل ماتتعصبي تدهوني ده!
صاحت بغضب عارم:
_ عشان إنت تستاهله. بعدين إيه اللي مدخلك عليا دلوقتي؟
كانت تسحب الغطاء لرقبتها تخفي جسدها كله كأن الذي أمامها ليس زوجها بل رجل يريد أن ينال منها بالإجبار! استقام وقال ساخرًا بانفعال من صفعتها له:
_ ومالك مغطية نفسك كدا ليه؟ هتحرش بيكي مثلًا؟
قالت بقرف وسخط:
_ وليه لا مش بعيد تعملها ما أنا أتوقع منك أي حاجة. وأنت كنت بتحاول تعمل كدا أساسًا وأنا نايمة.
ضحك مستهزئًا منها وغمغم بعدم تصديق:
_ أنا بوستك يايسر ومن خدك كمان. هي البوسة بقت تحرش!
انفعلت بشدة وقالت باشمئزاز وقرف:
_ أه ما أنت ماخد على الحاجات دي سيادتك ياقليل الأدب. اطلع برا يلا فورًا.
صر على أسنانه يكتم غيظه منها ويحاول تمالك أعصابه. وقرر إتباع الطريقة الأكثر فاعلية. حيث همس ببرود:
_ مش هطلع.
رفعت سبابتها تحذره بنظرات مرتبكة ويد شبه مرتعشة من التوتر:
_ حسن اطلع برا عايزة اغير هدومي.
جذب المقعد الأبيض والعريض الموضوع أمام المرآة وجلس عليه هاتفًا بلؤم وهو يبتسم:
_ قومي وتعالي طلعيني لو عرفتي!
فعلت حركات متعددة بوجهها تدل على فرط غيظها ورفعت يدها تضم أصابعها على بعض وتقول بوعيد حقيقي وهي تجز على أسنانها:
_ تعرف نفسي امسك راسك وافشفشها. صبرك عليا بس.
كتم ضحكته بصعوبة واستدار بالمقعد ليوليها ظهره هامسًا بخبث أشد من السابق يتصنع البراءة:
_ خلاص صعبتي عليا. قومي يلا غيري أنا مش شايفك أهو.
_ إنت ايه اللي مدخلك البيت أصلًا وأنا نايمة ومن غير أذني. بقى هو ده اتفاقنا!
_ لا اتفاقنا القديم اتلغي. احنا عملنا اتفاق جديد ومكنش فيه المادة دي. بعدين وحشتيني وقولت آجي أطمن على مراتي وأبص عليها شوية مفهاش حاجة يعني أعتقد.
يقولها بصراحة دون أي تردد ويعترف لها باشتياقه. كانت ستطلق على شفتيها ابتسامته خجلة ومحبة ولكنها أخفتها وقالت بحزم مزيف:
_ طيب اطلع وأنا هغير وأجيلك صدقني.
حسن بإصرار تام وهو يضحك:
_ مش هطلع يايسر وبعدين إنتي من إمتي بتتكسفي مني.
ده أنا كنت بصحى الاقيكي في حضني و...
قاطعته صائحة بضجر تلقي عليه تعليمات صارمة:
_ طيب خلاص بس عارف لو بصيت يا حسن هفقع لك عيونك دول.
قال بازدراء منها:
_ تفقعيهم! أما أنتي بيئة صحيح. اخلصي يا أختي غيري يلا.
أبعدت الغطاء عنها بحذر وهي لا ترفع نظرها عنه، تتابعه هل ينظر أم لا. نزلت من الفراش وسحبت الروب الملقى على الأريكة حتى ترتديه إلى أن تخرجه من الغرفة. لكن قبل أن تضعه على جسدها وجدته يقول بمكر:
_ هااا ابص خلصتي ولا لسه؟
_ إياك تبص يا حسن.
قالتها منذرة إياه بصوت مضطرب ووضعت ذراعها في ذراع الروب، وإذا بها تراه يلتفت برأسه ناحيتها ويقول بعفوية مزيفة:
_ يسر ااا...
أخفى عيناه بكفه فوراً وهو يهتف معتذراً بخبث:
_ أوووف نسيت معلش يا حبيبتي كنت عايز أقولك حاجة.
توقفت وألقت بالروب على الأرض بعد أن احمرت عيناها بلون الدماء واستاءت بشدة من لؤمه. فلم تعد تبالي بما ترتديه، ما يهمها هو أن تفرغ به شحنة غضبها. أنزل كفه من على عيناه وابتسم وهو يراها تقف بالمنامة وتعقد ذراعيها أمام صدرها ووجهها تقوس ليعطي معالم اقتراب الانفجار النووي.
سمع صوتها الحاد وهي تهدر:
_ انزل شقتك يا حسن.
استقام من مقعده بهدوء وقال باسمًا بغمزة:
_ ما هو هنا شقتي وتحت شقتي يا مزتي.
عادت والتقطت روبها من جديد لترتديه وتقول بسخط حقيقي هذه المرة:
_ حسن متخلينيش أندم إني اديتك فرصة تاني.
اختفت ابتسامته وتنفس الصعداء بعدم حيلة ليهتف بإيجاز وبعض الجدية:
_ طيب خلاص همشي. لو عزتي حاجة اتصلي بيا.
لوت فمها وتمتمت بحزم:
_ مش عايزة حاجة واللي حصل دلوقتي يا ريت ميتكررش تاني.
لم يجب عليها واستدار ثم انصرف تماماً. فأخذت هي نفساً عميقاً مع بعض الضجر، إلا أن سرعان ما ارتفعت الابتسامة لشفتيها عندما تذكرت ما قاله "وحشتيني وجيت أطمن عليكي".
***
تجوب بالغرفة إياباً وذهاباً وبيدها الهاتف تضرب به على كفها والرعب تملكها كلياً، حتى باتت تشعر بأن عقلها سينفجر من كثرة التفكير والخوف. لماذا لا يجيب على هاتفه؟ ماذا حدث معه؟ هل هو بخير أم أصابه مكروه؟ الكثير من الأسئلة التي تطرحها في عقلها وجميعها لا تجد لها إجابة. وكل ما بوسعها فعله هو الدعاء والبكاء. دموعها تستمر في الانهمار بدون توقف. إلى أن سمعت صوت باب المنزل ينفتح فركضت للخارج مهرولة ووجدته دخل وأغلق الباب وكان على وشك أن يبدأ في نزع حذائه ولكنه توقف حين رأى وجهها الغارق بالدموع. لم تمهله اللحظة لكي يتوقع الذي حدث حيث اندفعت إليه وارتمت بين ذراعيه تهتف بصوت مرتجف من أثر البكاء الحاد:
_ كنت هجن من الخوف عليك يا كريم حرام عليك.
لم يفهم شيء ولكن ملس على ظهرها وشعرها بلطف وهمهم بحنو ونبرة مستفهمة:
_ طيب ممكن تهدي وتفهمني في إيه؟ ليه العياط الرهيب ده يا حبيبتي؟
ابتعدت عن أحضانه واكملت بنفس نبرة صوتها السابقة:
_ فضلت أرن عليك وقت طويل وإنت مبتردش.
رفع رأسها عن صدره وثبت عيناه على عيناها متمتماً باستغراب وابتسامة عريضة:
_ كل ده عشان مرديتش عليكي. التليفون كان في العربية ومسمعتهوش.
هزت رأسها بالنفي وغمغمت بنبرة هدأ روعها قليلاً:
_ ريماس اتصلت بيا وقالت لي إن عمي وجاسر عملوا حاجة في عربيتك وأنا خوفت أوي ليكون حصلك حاجة وحاولت أتصل بيك معرفتش أوصلك.
تلاشت ابتسامته ليحل محلها الشر والغضب وهو يهمس متوعداً:
_ يعني طلعوا هما زي ما كنت متأكد.
_ حصل إيه قولي؟
نزع حذائه عنه ومن ثم أخذها معه للغرفة. فجلست على الفراش وهي تنتظر منه أن يبدأ ويسرد لها الذي حدث.
تشدق بصوت صلب وهو يفك أزرار قميصه عنه ويقف أمام الخزانة:
_ حطوا لي مخدرات في جيب العربية بس ربنا سترها الحمد لله ومحصلش حاجة.
أخفت شهقتها بكف يدها واستحوذت عليها الصدمة للحظات حتى قالت منذهلة:
_ وصل بيهم الوضع للدرجة دي.
انتهى من نزع قميصه عنه ثم اقترب منها وشاركها في الجلوس مغمغماً بثقة:
_ أنا هعرفهم حجمهم كويس أوي اطمني.
شفق بعصبية:
_ ولا أنا هسكت لهم على فكرة!
ظهرت الحدة على معالمه وأجابها بغلظة صوته الرجولي وبلهجة صارمة وآمرة:
_ إنتي مش هتدخلي في أي حاجة يا شفق مفهوم ولا لا.
رمقته بطرف عيناها في اضطراب بسيط. ونظرت لعيناه المريبة وهو ينتظر منها الإجابة فذعنت له وقالت بطوع:
_ حاضر.
انحنى يطبع قبلة على كتفها هامساً بهيام:
_ أنا خوفت أكتر منك. فكرت لو مسكوني وعمك الحقير ده استغل الفرصة هو وابنه وحاولوا ياخدوكي أو يأذوكي. مكنتش هقدر أبعد عنك للحظة واحدة.
وضعت كفها على وجنته تناهه بهمس ونظرة عاشقة:
_ متقولش كدا بعد الشر عليك. ربنا يخليك ليا ويحفظك.
لمعت عيناه بوميض لئيم فقال مبتسماً بحب:
_ أمين. بس الكلمتين دول مينفعش يتقالوا كدا. حسسيني بعواطفك!
ضيقت عيناها بحيرة وسألته بعدم فهم:
_ أعمل إيه يعني؟
غمز بعيناه في مكر ونظرة جريئة لأول مرة تراها. فخرج صوته خافت يحمل القليل من الوقاحة:
_ كلك نظر يا حبيبتي.
حدقته بدهشة من تغيره الجذري وهيمن عليها الحياء عندما فهمت مقصده. فقررت اللعب كما يحلو لها.
احتضنت وجهه بين كفيها وطبعت قبلة على وجنته بكامل الرقة هامسة بدلال مقصود:
_ بعد الشر عليك يا كوكو.
ثم اتجهت إلى الجهة الأخرى وفعلت المثل مستمرة في همسها ولكن بغنج أنوثي أشد:
_ قولي أنا أعمل إيه لو إنت مش موجود.. ده إنت جوزي وحبيبي وأخويا وصاحبي وسندي وراجلي.
كان ذائبًا بين يديها وأمام قبلاتها وهمساته التي الهبت مشاعر العشق بأعماقه، فكان يطالعها مبتسمًا بإعجاب ونظرات راغبة إلى أن تمتم بمداعبة:
_ إيه المشاعر الجياشة دي!
أطلقت ضحكة عالية وأجابته من بين ضحكها:
_ مش إنت اللي بتقول حسسيني بعواطفك.
مال عليها وتمتم بخبث ضاحكًا:
_ طيب تحبي أحسسك أنا بعواطفي.
وثبت واقفة وهمت بالفرار هاتفة بتوتر:
_ لا عواطفك إنت مش سليمة.
جذبها من ذراعها لترتد للخلف وتسقط فوق الفراش ليقول هو باستمتاع:
_ لا ده بالعكس عواطفي جميلة أوي وهتعجبك.
أطلقت ضحكات مرتفعة بعدما أغار عليها أمام محاولاتها للتملص منه وهو يشاركها الضحك.
***
أخرجتها من الفرن أخيرًا بعد انتظار دام لأكثر من نصف ساعة. أخذت تسكب عليها الشربات بكثرة حتى تتشربها جيدًا ومن ثم بدأت بتقسيمها لأجزاء صغيرة نسبيًا. انحنت إليها تشتم رائحتها اللذيذة والشهية لتقول باسمة بفخر واعتزاز:
_ اممم تسلم إيدك يابت ياملاذ والله. أنا مكاني مش هنا أساسًا.. لازم أفتح قناة طبخ أعرض فيها مواهبي. أما نشوف الأستاذ زين هيقدر يقاوم ولا لا.
فعلتها عمدًا من أجله، لعلمها بأنه يعشق "البسبوسة" وبالتأكيد لن يتمكن من مقاومتها، ولترى ماذا سيفعل عندما يراها!
دخل المطبخ على أثر الرائحة وقال بفضول:
_ إنتي عاملة بسبوسة ياملاذ؟
أخفت ابتسامتها الخبيثة وقالت بمضض:
_ أيوه.
تحرك نحوها حتى وقف وتطلع إلى الصينية فسال لعابه وانفتحت شهيته فمد يده بالشوكة وهم بأن يلتقط قطعة فمنعته هاتفة ساخرة:
_ مش إنت مبتكلمنيش هتاكل ليه منها بقى!
رمقها بطرف عينه مستنكرًا ما تقوله وعاد ليمد يده ويلتقط القطعة ويضعها في فمه هاتفًا بعدم اكتراث:
_ وإيه دخل مشاكلنا بالأكل ياحبيبتي.. الأكل حاجة وإننا متخانقين حاجة تاني!
تذوقها بلتذذ وهتف مبتسمًا بشهية وهو يمضغ الطعام في فمه:
_ امممم حلوة أوي تسلم إيدك.
رغم ضيقها منه إلا أنها ابتسمت بعذوبة وحب لتهتف برقة:
_ بالهنا والشفا.. استني هطلعلك منها في طبق.
أخرجت له قطعة منها في صحن فتناول منها الصحن وهم بالانصراف لتعترض طريقه وتقول بدلال:
_ خلاص صافي يالبن مش كدا!
كتم ضحكته وقال وهو يأكل يتصنع عدم الاهتمام بها:
_ هاكل الأول وبعدين نتكلم براحتنا ياملاذي.
ثم ابتعد من أمامها وغادر وتركها تشتعل من الغيظ والعصبية لتهمس وهي تصر على أسنانها:
_ تصدق أنا غلطانة إني عملتها أصلًا!
***
مع صباح اليوم التالي...
كانت ميار بغرفتها تتصفح هاتفها الذكي وهي جالسة على الفراش، وإذا بطرقة يد لطيفة تطرق على الباب فقالت وهي لا تبعد نظرها عن شاشة الهاتف:
_ ادخل.
فتحت الجدة الباب ودخلت ثم أغلقته خلفها فرفعت ميار نظرها أخيرًا بعدما اهتمت كثيرًا لترى من هو الطارق، فأصابتها الدهشة تمامًا وهي تحملق بجدتها الواقفة أمامها وبظرف لحظة وثبت من فراشها هامسة بصدمة:
_ نينا!
قالت الجدة بصرامة ولهجة آمر:
_ البسي يلا عشان هاخدك الدكتورة.
ضيقت عيناها بعدم فهم لتسأل بحيرة ولا تزال الدهشة مهيمنة عليها:
_ دكتورة إيه.. أنا مش تعبانة يانينا الحمدلله.
هتفت الجدة بحدة:
_ ما أنا عارفة إنك مش عيانة.. علاء حكالي كل حاجة وأنا حابة أتأكد عشان سعتها أبقى عارفة أنا بعمل إيه كويس.
تقهقرت للخلف وهي تقول بذهول وعدم تصديق:
_ إنتي عايزة توديني لدكتورة وتكشفي عليا.. يعني هو حكالك وبرضوا مش مصدقة!
صاحت بغضب بسيط:
_ أيوه مش مصدقة ومن غير كلام كتير يلا البسي وهستناكي تحت في العربية مع جوزك.
استدارت الجدة وهمت بالانصراف ولكن صوت ميار المدهوش وهي تسأل بترقب:
_ ثانية هو علاء عارف بالموضوع ده وموافق عليه.. يعني موافق يوديني لدكتورة!
قالت الجدة بحزم:
_ ومايوفقش ليه! ثم أن ده قراري أنا ومحدش يقدر يناقشني فيه.
قالت آخر كلماتها ورحلت، فظلت هي متسمرة بأرضها لا تستوعب الأحداث التي تنزل تباعًا فوق رأسها. لا تلوم جدتها بقدر زوجها.. هل لا يثق بها بمقدار ذرة واحدة لكي يوافق على ذهابها لشيء كهذا! هي لا تلومه ولكنها تحزن على الثقة التي لا يمنحها لها بالرغم من أنها أفشت له كل شيء وأقسمت بأن ما تقوله حقيقة ولا تكذب. لكن هيهات فلا حياة لمن تنادي فقد برمج عقله على تصديق شيء ولا يقبل أي أفكار أخرى...
***
نزل إسلام من سيارته أمام مبنى شركة العمايري وقاد خطواته للداخل. تفكير لوقت طويل استغرقه وهو ما بين قبول عرضه أو رفضه وأخيرًا استقر على القبول وأن يسمح له أن يساعده في جزء من المبلغ كدين ويسده له. قد اتصل به زين بالأمس وتحدثا معه فأخبره بقراره النهائي.
ولكن مجيئه له اليوم في الشركة لأمر آخر وهو "رفيف". فقد عزم علي أن يتخذ خطوة جريئة في هذا الأمر ويخرج عن إطار الصمت والمتابعة.
وصل أمام باب مكتبه فطرق الأول طرقتين ثم فتح الباب فوجده يجلس وأمامه حاسوبه النقال يعمل عليه بتركيز. رفع زين نظره وانطلقت ابتسامته العذبة وهو يرحب به.
_ اهلا بالبشمهندس.
وقف ليعانقه عناق حار ثم جلسا على الأريكة وبدأ الحديث بينهم بروتينية العمل حتى تحدث زين قائلًا في جدية:
_ بإذن الله على أول الأسبوع الجاي الدكتور هيكون موجود وهنسافر.
إسلام بامتنان:
_ والله ما عارف يازين أقولك إيه على اللي بتعمله معايا ده.
_ متقولش حاجة، احنا اخوات يا إسلام، عيب.
تنهد تنهيدة عميقة قبل أن يتحدث في صوت رجولي جاد:
_ طيب أنا كنت جاي الصراحة عشان أتكلم معاك في موضوع ميخصش لا الشغل ولا العملية.
عقد حاجبيه باستغراب وطالعه بأعين متسائلة بفضول عن هذا الموضوع. فاسترسل إسلام حديثه بنفس النبرة السابقة:
_ أنا طالب إيد الآنسة رفيف.
أصابت الدهشة زين فحملق به مدهوشًا لبرهة من الوقت. ليكمل إسلام بهدوء:
_ أنا كنت متردد أفاتحك في الموضوع ده غير لما أكون متأكد من قراري. وأنا دلوقتي متأكد إني مش هلاقي زوجة أفضل من الآنسة رفيف، على خلق ودين ماشاء الله.
لاحت ابتسامة صافية على ثغر زين. لا يزال يثق به ويعرف أنه خير من سيحافظ على شقيقته. لكن نفس الشيء يشغله وهو عندما يعرف بالحقيقة المؤلمة. فإسلام لا يعرف بشيء حتى الآن وهو ليس لديه الجرأة ليخبره.
دام تفكيره الطويل لدقيقة حتى عاد يرسم الابتسامة من جديد ويقول بفرحة بسيطة:
_ وأنا عارف إني مش هلاقي ليها أفضل منك. هفاتحها في الموضوع إن شاء الله وهشوف رأيها وأرد عليك.
تهللت أسارير إسلام وقال بخشونة:
_ إن شاء الله.
***
اقتحمت يسر عليه المكتب ودخلت دون أي أذن. كان هو يمسك بيده شيئًا لم تتمكن من رؤيته جيدًا حيث أنه أخفاه في الدرج بسرعة بمجرد دخولها. رفعت حاجبها بشك وخبث ثم اقتربت منه حتى وقفت أمام المكتب مباشرة واستندت بكفيها على سطحه ثم انحت بجزعه وهي تشير إلى الدرج بعينيها بمعنى "مالذي أخفيته مني هذا". ضحك بخفة واقترب بجسده على المكتب أكثر لينحني تجاهها هامسًا:
_ حاجة مش عايزك تعرفيها.
_ لا والله.
قالتها مستنكرة رده بالرفض. ورغم فضولها الذي يكاد يقتلها، تصنعت عدم الاكتراث للأمر وهتفت بشموخ:
_ أنا أساسًا مش فارق معايا أوي. جيت أقولك إنك هتيجي معايا لآني هروح أشتري شوية حاجات ليا وهتكون كتير مش هقدر أشيل وحدي.
تريده أن يأتي معها!! أليس الأمر غريبًا قليلًا أن ترغب في اصطحابه معها؟ استحوذ عليه الذهول لثواني قليلة ولكنه تحول لسعادة وأجابها بلؤم:
_ حاجات إيه؟
فهمت تلميحه الوقح من خلال نظراته ونبرته فقالت باسمة بعدم حيلة وهي تضرب كفًا على كف:
_ لا إله إلا الله. هروح أشتري مستلزمات محتاجاها ياحسن وهتيجي معايا. عندك اعتراض؟
لا يحب أمور الشراء هذه وخاصة مع النساء. لكن أبدى عن عدم اعتراضه بود حتى لا يخسر كل ما فعله لكي تصل علاقتهم لهذا الوضع.
_ لا معنديش، استنيني في العربية وهاجي وراكي.
يسر بصرامة مزيفة:
_ طيب.
ولّت ظهرها وسارت للخارج وهي تبتسم بمكر. فبتاكيد لن تطلب اصطحابه معها إلا إذا كانت لديها غاية خبيثة!!!
***
حذرها بأنها لن تتدخل في أي شيء يخص هذا الأمر. لكن نقمها وغضبها يستحوذان عليها ولن تهدأ إلا عندما تفعل ما يدور بعقلها. فهي تعرف جيدًا كيف تردع عمها وابنه عن أفعالهم الشنيعة. أول شيء هو أن "كرم" لن يعرف بأي شيء. ستقوم بالأمر بمفردها.
انتهت من ارتداء ملابسها وامسكت بالهاتف تجري اتصالًا به. ليجيب على الهاتف بعد رنات قليلة:
_ أيوة ياشفق.
شفق ببعض التردد الممزوج بالاضطراب:
_ كرم أنا هطلع أشتري كام حاجة تبع البيت وكدا.
هتف بصوت رجولي قوي:
_ طيب قوليلي اللي عايزاه وأنا هجبهولك معايا.
رفضت فورًا وهي تجيبه بتلعثم:
_ لا لا ياحبيبي، أنا عايزة حاجات معينة وهشتريها بنفسي أفضل. أنا مش هتأخر بإذن الله متقلقش.
_ طيب. ولو في أي حاجة رني عليا.
_ حاضر إن شاء الله.
انهت معه الاتصال وأصدرت تنهيدة حارة بارتياح أنه لم يسبب مشكلة ولم يشك بأمرها. أما هو فقد أجرى اتصالًا بمسعد الذي أجابه برسمية:
_ أيوه ياكرم بيه.
كرم بصلابة وحدة:
_ المدام طالعة تشتري شوية حاجات أكيد من السوق يعني، خليك وراها يامسعد عشان لو في أي حاجة حصلت كدا ولا كدا لأني مش ضامن عمها وابنه ده.
مسعد بجدية وإيجاب:
_ تمام، متقلقش ياكرم بيه.
أنزل الهاتف من على أذنه وهو يزفر بخنق. لا يريد تقييدها وإجبارها على عدم الخروج وبنفس ذات اللحظة يقلق عليها بشدة. ومن جهة أخرى باتت تتضايق بسبب أن "مسعد" يقوم بأخذها من المنزل ليذهب بها بالسيارة للمكان الذي تريده ومن ثم يعود بها للمنزل مرة أخرى. فقط حتى يكون "كرم" مطمئنًا عليها إذا لم يستطع الذهاب هو معها فيوكل "مسعد" بحمايتها. لذلك هو طلب منه الآن مراقبتها من بعيد وأن يخبره بأي جديد يحدث!
***
يجلس حسن على مقعد وثير داخل محل للملابس بعد أن قاموا بشراء العديد من الأشياء. انتهى به المطاف على شراء الملابس. سئم واختنق من الانتظار فهو يجلس على هذا المقعد منذ ما يقارب النصف ساعة وأكثر وهي لا تفعل شيئًا سوى اختيار الملابس وتدخل لتقيسها ومن ثم تخرج وتبدي عن عدم إعجابها بها!!
ينظر لها وهي تخرج من غرفة القياس ويقول بنبرة مختنقة:
_ مش كفاية ولا إيه يا يسر شوفي لو هتاخدي حاجة وخلينا نمشي.
وقفت أمامه وقالت بيأس متصنع وضيق:
_ لا مفيش حاجة عجبتني.
_ كل اللي قستيه ده ومفيش حاجة عجبتك!
قالها شبه مستاءً فأجابت هي بكامل البرود وعدم الاكتراث:
_ آه تعالى هنروح محل تاني يمكن نلاقي حاجة حلوة.
استقام وهتف بحدة:
_ لا محل تاني إيه.. خلاص هي شطبت على كده بكرا إن شاء الله.
عقدت ذراعيها في خصرها وقالت بغضب مزيف:
_ يعني إيه بكرا.. أنا عايزة أشتري كل اللي محتاجاه النهاردة.
انحنى إليها يهتف منفعلًا وهو يحاول إخفاض صوته:
_ محتاجة إيه! ليه ماشية عريانة ولا معاكيش هدوم في دولابك عشان لازم النهاردة. بعدين إنتي مش شايفة الكياس دي كلها؟ إنتي خلتينا نلف كاليفورنيا كلها. امشي يا يسر قدامي يلا متخلنيش أعلّي صوتي.
كادت أن تنطلق من بين شفتيها ضحكة مرتفعة على كلماته ولكنها كتمتها وقالت بثقة وثبات امتزج ببعض القوة:
_ همشي مش عشان أنا خايفة منك.. لا عشان حتى أنا تعبت الصراحة.
انصرفا وساروا باتجاه السيارة وهو يحمل بيده الأكياس. وفي طريقهم للسيارة مروا على عدة محلات وواحد منهم كان للحلى والعقود والذهب بمختلف أنواعه. وقفت أمامه عندما لفت نظرها عقد معين. هذه المرة لم يكن عمدًا ولكن حقًا ما جذبها له شيء ليس عادي.
علقت نظرها عليه وغامت عيناها بالعبرات وهي تهمس:
_ كان معايا واحد زيه بالظبط ذكرى من جدو الله يرحمه.. بس مش لاقياه للأسف وضاع مني وأول ما شفته دلوقتي افتكرت جدو.
وقف خلفها وقال بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا وحنون:
_ تحبي ندخل نشتريه يا حياتي.
جففت دموعها بسرعة وقالت بنفي وهي تبتعد:
_ لا لا يلا بينا نرجع البيت لإني بدأت أتعب فعلًا.
_ طيب يلا.
ساروا ناحية السيارة ودخلت هي بالمقعد الأمامي بجواره ليضع هو الأكياس بالمقعد الخلفي ثم يقول بخشونة:
_ خمسة وراجعلك.
قالت بحيرة ونبرة شبه مرتفعة عندما وجدته استدار وابتعد عن السيارة:
_ رايح فين يا حسن؟
لم يجب عليها وربما لم يسمعها حتى فتنهدت الصعداء بعدم حيلة وبقت بالسيارة تنتظره لدقائق قصيرة حتى عاد واستقل بمقعده المخصص للسيارة وانطلق بها لتسأل هي بفضول:
_ روحت فين؟
لم يجيبها وتصنع الانشغال بالقيادة فتأففت هي بضيق واشاحت بوجهها عنه. التقط بهاتفه الذي يرن وأجاب:
_ أيوة يا كرم إيه الأخبار؟
_ تمام.. وإنت عامل إيه ويسر كمان؟
_ كويسين الحمد لله.
تمتم كرم بصوت رجولي صلب:
_ عايزك تعملي حاجة بما إنك موجود في أمريكا.
_ إيه هي؟
بدأ يسرد له كل شيء يريده بالتفصيل ليهتف حسن بعدم فهم ونظرة ملتهبة:
_ كمال الحسيني! هو حصل إيه طيب ماتفهمني؟
كرم بإيجاز:
_ هفهمك يا حسن بس دلوقتي أنا مش فاضي.. شوية كده هتصل بيك تاني وهقولك كل حاجة. إنت بس اعمل اللي قولتلك عليه.
_ لما تتصل بيا تاني وتفهمني كل حاجة نبقى نشوف اللي عايز تعمله ده.
لم يرد كرم المجادلة معه كثيرًا وانهى معه الاتصال لينهي أعماله. بينما الآخر فأخذ يفكر فيما طلبه منه وهو يتساءل عن الذي فعله ذلك الرجل لأخيه! ويسر كانت تنظر له باستغراب تود سؤاله ولكنها فضلت عدم التدخل...
***
خرجت ميار مع الجدة من غرفة الطبيبة وكان علاء ينتظرهم بالخارج. ألقت ميار نظرة خزي عليه ومن ثم نظرت لجدتها وقالت بصوت مبحوح وعاجز:
_ يارب تكونوا مرتاحين كده!
وجهت كلامها هذه المرة لجدتها بالأخص وهي تقول بانكسار وأعين دامعة:
_ اخترتي الطريق الأسهل وصدقتي الصور زيهم مع إني كنت بقول مستحيل نينا تصدق عني ده وهي بتثق فيا. تخليتي عني وسبتيني وإنتي عارفة إني مليش غيرك. اجبرتيني على الجواز ومسألتيش عني حتى بعدها ولما حاولت انتحر مفكرتيش تاجي تطمني عليا. جيت لغاية عندك وفضلت أتوسلك تصدقيني وركعت عند رجلك وإنتي طردتيني برا البيت كله. حتى لما عرفتي الحقيقة برضوا مصدقتيش وجيتي توديني لدكتورة عشان تتأكدي بنفسك..
أنا مجيتش معاكي عشان عايزاكي تسامحيني، لا أنا خلاص مبقاش فارق معايا. جيت بس عشان أثبتلكم إنكم ظلمتوني وإني على حق.
همت الجدة بأن تقترب منها وتمسك بكفها هامسة بصوت حاني ونظرات متأثرة:
_ ميار ياحبيبتي.
تراجعت للخلف فورًا قبل أن تلمسها والقت نظرة غاضبة وناقمة عليهم قبل أن تندفع للخارج مهرولة. فجلست الجدة على المقعد وتركت العنان لدموعها الحارقة على ما سمعته منها. أسرع علاء خلفها راكضًا ليمسك بها بعد أن غادرت العيادة، وبحركة عنيفة منها دفعت يده عنه صائحة:
_ متلمسنيش.
علاء بهدوء:
_ طيب رايحة فين تعالي هوصلك البيت يلا.
هتفت بنظرة ثاقبة وبشجاعة جديدة عليها وغضب:
_ أنا مش هروح معاك مكان. وياريت تبدأ في إجراءات الطلاق اللي كنت بتقول عليها لمامتك، لأن الصراحة أنا اللي مبقيتش طايقة استحمل أعيش معاك ولا طايقة عيلة العمايري كلها.
ثم ولته ظهرها وهمت بالانصراف، فتوقفت مجددًا والتفتت برأسها نحوه تقول بلهجة جديدة:
_ ولعلمك هرجع ألمانيا ومحدش هيقدر يمنعني، لا إنت ولا نينا ولا عمي ولا أي مخلوق.
لم يفضل أن يضغط عليها الآن وأن يتركها على راحتها لبعض الوقت لعلها تهدأ. فتسمعه يقول بخنق بعدما رآها تستدير وتسير مبتعدة عنه:
_ طيب رايحة فين دلوقتي؟
_ ملكش دعوة.
قالتها بعصبية دون أن تلتفت له وأكملت سيرها. فمسح هو على وجهه متأففًا ببعض الضيق والأسى. ثم التفت وعاد لجدته بالداخل.
***
خرج زين من الحمام بعد أن أخذ حمامًا دافئًا ليزيح عن جسده إرهاق العمل. رآها تجلس على الفراش وتطالعه بأعين ساخطة ومغتاظة. لم يحتاج لسؤالها بل فهم تلقائيًا السبب. ابتسم بساحرية وتحرك ناحيتها ليجلس بجوارها ويقول بمداعبة بعد أن لف ذراعه حول كتفيها:
_ خلاص ياجميل متزعليش نفسك أوي كدا.
أبعدت يده عنها هاتفة بخنق:
_ اه بزعل نفسي وحضرتك مصدر ليا الوش الخشب ومش عايز تكلمني.
_ وإنتي شايفاني مش بكلمك دلوقتي! ما إحنا أهو زي السمنة على العسل الحمدلله.
أشاحت بوجهها للجانب تعبر عن احتجاجها عن الكلام معه، فهتف ضاحكًا وهو ينكشها في وسطها:
_ متضحكي يابت خلاص بقى. جاتك القرف وإنتي حلوة كدا.
لم تتمكن من كتم ضحكتها حيث انطلقت منها بعفوية وهي تتمايل جالسة تحاول إبعاد يده عن وسطها:
_ بس يازين الله.
توقف وهو يبتسم بحب لهم بالنهوض من جوارها، لولا أنها أمسكت بكفه تهتف بجدية:
_ زين أنا عايزة أروح لدكتورة، إحنا لينا فترة ومحصلش حمل، خايفة يكون عندي مشكلة أو أي حاجة.
طفل! هو لا يفكر بالأطفال الآن بتاتًا، بل يخشى من أن يكون أبًا فيفشل في مهمته كأب. يخاف أن لا يتمكن من تهيئة وتربية أطفاله جيدًا فيكون مصيرهم كمصيره وينحرفوا إلى طرق ليست سليمة.
مسك بكفها يملس عليه بحب:
_ ياحبيبتي دكتورة ليه، إحنا لسه يدوب متجوزين. وإحنا مش مستعجلين على الطفل، سيبها على الله وهو هييجي في وقته.
_ ماشي يازين بس أنا نفسي في طفل جدًا.
_ إن شاء الله ربنا هيكرمنا قريب، إنتي بس سيبها على الله.
أومأت له بتفهم وسكتت تمامًا، فاستقام هو وتنهد بعمق ثم رحل عن الغرفة بأكملها وتركها بمفردها.
***
أجاب كرم على الهاتف بجدية تامة وقلق:
_ أيوة يامسعد حصل حاجة ولا إيه؟
مسعد برسمية شديدة وبعض التوتر:
_ كرم بيه المدام مرحتش السوق، أنا شايفها دلوقتي وهي داخلة بيت كمال الحسيني.