تحميل رواية ضروب العشق بقلم ندى محمود توفيق pdf
بقلم ندى محمود توفيق
الفصل 26 — رواية ضروب العشق الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
هناك بعض الأقاويل التي تصف العشق على أنه "ثقة". ولكن في حال انقشعت الثقة وانحلّت الخيانة والغدر والكذب محلها، فسينقشع معها مفهوم العشق على أنه ثقة، ويصبح يمثل بالنسبة لهم ما هو إلا تلاعب بالمشاعر كدمية على مسرح يحركها صانعها كما يشاء. فتذوق طعم الغدر يماثل السم الذي لا تشعر بمذاقه حين يقدم لك في صحن طعام شهي، ولكنه يسري في جسدك وأعضائك فيدمرها ويجعل نهايتك الموت. "ملاذ" كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. وكل دقيقة تسترجع لحظة اكتشافها لخيانته القذرة، وكيف أ...
رواية ضروب العشق الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندى محمود توفيق
توقفت سيارته بالخلف وترجل كرم منها ليقف للحظات معدودة يحملق بعمر وهو يمسك بذراع شفق بعنف ويرغمها على الوقوف معه. تطاير الشر من عينيه وبدأ يظهر عن حقيقته المتوحشة التي شهدتها منذ أيام عندما اختطفت. رأته يندفع نحوه كالوحش الثائر ودفعه بعيدًا عنها هاتفًا بنظرة مرعبة:
_ شكلك محرمتش من المرة اللي فاتت!
وإثر ذلك، أعطاه كرم لكمة كادت أن تطيح به أرضًا. ليستشيط عمر غضبًا وغيظًا ويندفع إليه يعيد له اللكمة بقوة. كانت شفق تقف تحدق بهم وهي منذهلة ومرتعدة، لا تدري كيف تتصرف أو ماذا تفعل لتنهي ما يحدث. ولكن حين رأت كرم أصبح كبركان انفجر وأطاح بعمر إلى الأرض وهم بأن يكمل ويبرحه ضربًا أكثر، فهرولت ووقفت أمامه تمسك بذراعيه هاتفة برجاء:
_ كرم خلاص ابوس إيدك.. يلا بينا احنا في الشارع مينفعش اللي بتعمله ده.
رفع سبابته يصيح منذرًا إياه بأعين شرانية:
_ لو شفتك بس بتقرب منها تاني.. هشرب من دمك وهندمك على اليوم اللي شفتني فيه.
كانت شفق تحاول أن تجعله يتحرك ويرحلوا بتوسلاتها. وأخيرًا وجدته يقبض على يدها ويسحبها معه ناحية السيارة ثم فتح الباب وقال بلهجة صارمة:
_ اركبي.
حدقته بنظرة مرتبكة واستقلت بالسيارة دون أدنى اعتراض. ليلتف هو من الجهة الأخرى ويستقل بمقعده المخصص للقيادة وينطلق عائدًا إلى المنزل. أخذت تختطف إليه النظرات بارتعاد من ملامحه المريبة وغضبه العارم. وعندما وجدته يحول رأسه ناحيتها أشاحت بوجهها فورًا للجهة الأخرى في خوف. وأصابتها نفضة بسيطة حين سمعت نبرته المستاءة وهو يهتف بحدة:
_ والقذر ده عرف إزاي إنك هناك؟
خرج صوتها متلقلقًا ومضطربًا:
_ مـ..معرفش أنا لقيته مرة وحدة طلع قدامي بعد ما نهلة مشيت وأنا كنت قاعدة مستنياك جوا في مكاني لغاية ما توصل. ولما لقيته قعد قدامي وفضل يتكلم وبيحاول يعتذر مني طلعت وسبته وهو طلع ورايا.
أتاها صوته المرتفع وهو يصيح بها لأول مرة منفعلًا:
_ وإنتي تتكلمي معاه ليه أساسًا؟ وازاي تسمحيله يمسكك بالشكل ده!
رمقته مندهشة من طريقته القاسية وصياحه. وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع وابعدت نظرها عنه هامسة بصوت مبحوح:
_ أنا آسفة ياكرم!
_ لا مفيش حاجة اسمها آسفة.. كان المفروض تسيبه وتطلعي ترني عليا. مش تقعدي تتكلمي معاه!
عادت له بعيناها الدامعة مجددًا وقالت في اندفاع وضيق من عصبيته:
_ متــكــلــمـتـش معاه.. هو يدوب اللي قاله إنه اعتذر مني وكان بيحاول يخليني اسامحه وارجعله فقولتله إني اتجوزت وسبته ومشيت.
_ امممم ترجعيله!
قالها وهو يبتسم ساخرًا ويغلي من الغيظ. أطالت هي النظر إليه ببعض الصدمة، تنتظر منه أن يعتذر عن حدته معها ويعود لطبيعته الحانية واللطيفة. ولكنها لم ترى سوى رجل غاضب وقاسي، حتى أنه لم ينظر لها ليرى حالتها ودموعها. فضحكت بصمت واستنكار ثم أشاحت بوجهها تمامًا عنه تجفف دموعها وهي تتوعد له حين يعودوا للمنزل.
وماهي إلى دقائق قليلة حتى توقفت السيارة أمام المنزل ففتحت هي الباب واندفعت نحو الباب مسرعة. وبحثت بحقيبتها عن المفاتيح ولكن من الواضح أنها نسيتها. فاضطرت لانتظاره حتى أتى وأخرج المفاتيح وشرع في فتح الباب وهو يحدق بوجهها المستاء والحزين ليتنهد مغلوبًا على أمره حين أدرك الآن فداحة الخطأ الذي ارتكبه للتو معها وهو في لحظات الغضب. وبمجرد ما فتح الباب أسرعت باتجاه الغرفة غير مبالية له وهو يهتف:
_ استني.. شــــفــــق!
أغلق باب المنزل ولحق بها مهرولًا وقبل أن يدخل أغلقت الباب في وجهه بالمفتاح فطرق عليه متمتمًا:
_ شفق افتحي الباب!
أتاه صوتها المرتفع والباكي:
_ لا.. مش هفتح ياكرم.
مسح على وجهه متأففًا من حماقته وفعلته الغبية معها. ثم عاد يهتف بنبرة حانية أخيرًا عادت لطبيعتها وهو يعتذر بأسف حقيقي:
_ أنا آسف.. أنا عارف نفسي غبي والله بس للأسف لما بتعصب مش ببقى عارف أنا بقول إيه ولا بعمل إيه. افتحي بقى ياشفق يلا.
صاحت بإصرار أشد:
_ قولتلك مش هفتح. إنت بتزعقلي كأني أنا اللي قولتله ياجي ويشوفني ويتكلم معايا. أنا إيه ذنبي.. ده واحد ولقيته مرة واحدة قعد قدامي. المفروض يعني اقوم اجري مثلًا!
سمعت صوته الدافئ والمتوسل:
_ طيب افتحي وأنا هصالحك.
_ مش عايزاك تصالحني ياكرم. أنا عايزة افضل وحدي لو سمحت.. ممكن تسبني وتمشي بقى!
زفر بعدم حيلة ويأس ثم استدار وذهب للخارج يجلس على الأريكة الكبيرة المتوسطة في الصالة أمام التلفاز. ودفن وجهه بين راحت كفه. أما هي فألقت بجسدها على الفراش وانخرطت في نوبة بكاء قوية.
بمدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية.
وقفت السيارة في منطقة راقية وهادئة ثم ترجلت منها هي أولًا ومن الباب الآخر ترجل هو ودفع الأجرة للسائق. ثم أخرج حقائبهم وجرها خلفه حتى الباب. وكانت هي تتجول بنظرها في كل مكان وتحدق بالباب الخشبي الجميل. حتى وجدته يخرج المفاتيح ويضعها في القفل لينفتح ويدخل هو أولًا ومن ثم تبعته. وبمجرد ما وقع نظرها على المنزل الريفي والعصري من اللون البني. وأمامه حوض سباحة كبير وحوله حشائش خضراء قصيرة مع طاولة دائرية وحولها أريكة متوسطة الحجم. كان منزل صغير جدًا يكفي لشخصين أو عروسين اتوا لقضاء عطلة رومانسية.
ظلت تحدق به بانبهار حقيقي وسعادة بالغة حتى نظرت له وقالت بفرحة:
_ هو ده المكان يازين؟
أومأ لها برأسه في ابتسامة عريضة ثم تحرك أمامها هاتفًا بغمزة ماكرة:
_ تعالي اتفرجي عليه من جوا كمان هيعجبك أكتر.
لم تركز كثيرًا على نظرته ورفعت النقاب عن وجهها وأخذت تتلفت حولها بإعجاب شديد وهي تسير خلفه حتى رأته يفتح الباب الزجاجي الجرار ويدخل لداخل المنزل وأسند الحقائب بجانب الباب. واستدار لها نصف استدارة ومد يده فشبكت كفها بكفه وسارت معه تتجول في أرجاء المنزل الخشبي. لم يكن هناك سوى حمام ومطبخ خارجي صغير جدًا وغرفة نوم رائعة. وعندما وصلا لغرفة النوم وتفحصتها بإعجاب هاتفة برقة:
_ الله جميلة جدًا.. والبيت كله جمييييل أوي يجد يازين. وجو الكيوخ والبيوت الريفية دي بحبه جدًا على فكرة. بس ده مفيش غير اوضة وحمام. والمطبخ موجود برا في الصالة كمان!
حاوطها من كتفيها بذراعه متمتمًا بحب:
_ وإنتي عاوزة إيه أكتر من كدا! كفاية علينا الأوضة هو في حد غيرنا أساسًا.
أومأت له بتفهم وابتسامة خجلة ثم تحركت ناحية النافذة الخشبية أيضًا المطلة على المسبح الخارجي فشعرت به يقف خلفها مباشرة ملتصقًا بها وهو يهمس بنبرة لمست اللؤم فيها:
_ وأهو حمام سباحة جوا البيت عشان تعومي براحتك ولو عايزة تنزلي بمايوه كمان عادي.
التفتت له برأسها وغمغمت بتعجب واستحياء:
_ مايوه!
_ آه مايوه. طالما مفيش غيري يبقى البسي اللي تحبيه.
هزت رأسها بالإيجاب وابتعدت عنه ببطء وهي تهمس بارتباك وخجل ملحوظ:
_ اممم طيب أنا هروح اغير هدومي في الحمام واخد دش.
وفي ظرف لحظة فرت هاربة من أمامه فعاد ينظر للخارج من النافذة وهو يبتسم بعاطفة. يؤمن بأن هذا المنزل سيشهد بداية الحكاية التي لم تبدأ بعد!
بمساء اليوم.
لا تزال في غرفتها منذ الصباح لم تخرج ولم تعرف هل ذهب للعمل مجددًا أم لا. ولا تشعر بشيء سوى اليأس. تفسر تصرفه بالصباح بالسأم منها! أجل لوهلة داهمها شعور بأنه سأم منها ومن تحمله لأمرها دائمًا وحمايتها. قد يكون انفعل عليها لأنه مل وليس الخوف هو السبب الرئيسي!
كانت كلها أفكار تدور في ذهنها وأقنعتها مع الأسف أن إنهاء هذه المهزلة ستكون خيرًا لها. وأدركت للتو بأنها أخطأت حين وافقت على الزواج وهي تعرف سبب زواجه منها وأنه لا يحبها. وكالحمقاء أقنعت نفسها بأنها ستتمكن من اعتلاء عرش قلبه. وفي النهاية فهمت بأنها لن تستطيع مهما فعلت. ستظل دائمًا في عينه. شفق الأمانة التي تركها صديقي لي. وسيظل حبه لها الأشبه بحب الأشقاء الممزوج بالشفقة على حالتها ووحدتها!
كل هذا جعلها تصمم على قرار واحد وهو الطلاق والخروج من دوامة العشق المميتة!
وأخيرًا عاد. رأته يدخل ويغلق الباب خلفه ثم نزع سترته عنه واقترب منها بخطوات مترددة. لا يعرف ماذا يقول وكيف يعتذر لها وهو مخطئ من أول حرف لآخر حرف. وجدته يجلس بجوارها فحركت رأسها للناحية الأخرى تتفادى النظر إليه عمدًا لتسمعه يتنهد بعمق ويهمس:
_ بصيلي ياشفق!
تجاهلته وظلت على وضعها رافضة النظر له فوجدته يمسك بكفها ويرفعه لشفتيه مقبلًا ظاهره وهو يعتذر بندم:
_ أنا آسف.
نظرت له بطرف عيناها وكانت على وشك أن تضعف أمام نظراته وحنانه وترتمي بين ذراعيه ولكن تحكمت بمشاعرها وسحبت يدها هاتفة بجفاء لا يليق بها إطلاقًا:
_ كرم أنا شايفة إنه كفاية لغاية كدا.. إنت السبب اللي اتجوزتني عشانه خلاص مبقاش موجود وأنا بقيت في أمان ولو على عمر اطمن هو مستحيل يأذيني أنا واثقة من ده. بس إنت مش مضطر تضحي أكتر من كدا. ومش مضطر تكمل معايا وإنت مش بتحبني وتمثل عليا إنك بتحبني. أنا عارفة إنك مش هتقدر تنسي مراتك فبرأيي كفاية والأفضل نتطلق. إنت شيلت همي كتير أوي وحملتك هم مشاكلي وحمايتي من وقت وفاة سيف الله يرحمه و......
قاطعها وهو يهتف بابتسامة ساخرة وغير مصدقة:
_ شفق في إيه! ماهو مش معقول عشان اتصرفت معاكي بانفعال خارج عن إرادتي لأول مرة تطلبي الطلاق!
قالت بهدوء تام وثبات مزيف:
_ لا مش هو ده السبب أكيد.. بس أنا عارفة زي ما قولتلك إنك لا هتقدر تنسي مراتك ولا تحبني. كل مافي الموضوع إنك حاسس بالشفقة تجاهي ومش هاين عليك تسبني وحدي.
مسح على وجهه متأففًا ثم نظر له ورسم ابتسامته بصعوبة وهو يجيبها بصدق ولطف:
_ ومين قالك إني مبحبكيش!
أنا أكيد مش محتاج أشرحلك غلاوتك عندي إزاي، وإنتي عارفة ده كويس أوي.
قالت بصوت مبحوح يغلبه البكاء وبه شيء من العصبية:
_ لا مش عارفة ومش عايزة أعرف! أنا تعبت ومبقتش قادرة استحمل. طلقني يا كريم ابوس إيدك وريحني.
مد يده ومسح على شعرها بحنو، مغمغمًا برفض هادئ ونظرات دافئة بها بعض الألم:
_ بس أنا مش عايز أطلقك. تعرفي إني بدأت أتعود عليكي ومش حابب ننهي اللي بينا حتى لو كان مجرد زواج ليه أسبابه زي ما بتقولي. أنا مش هقدر أغصبك على حاجة إنتي مش عايزاها أكيد، بس هطلب منك فرصة تانية، لإني حابب أدي لعلاقتنا فرصة تاني. وصدقيني لو منجحتش الفرصة دي وإنتي فضلتِ حابة ننفصل مش هقولك لأ ساعتها.
انسابت دموعها على وجنتيها بحرارة، تطالعه بنظرات العشق كعادتها، ولكنها كانت هذه المرة مختلفة. بها شيء من السعادة لأنه رفض التخلي عنها وأبدى عن رغبته في نجاح علاقتهم ليكونوا زوجان حقًا. طال صمتها، فسمعته يكمل مبتسمًا بترقب:
_ ها، قولتي إيه؟
هزت رأسها بالموافقة هامسة:
_ ماشي، موافقة.
ثم هبت واقفة وأشارت إلى الحمام بيدها دون أن تتكلم، ووجنتاها تعطي لون الطماطم. لتراه يوميء برأسه لها مبتسمًا بسحرية، فتندفع ناحية الحمام مسرعة. أما هو، فعبس وجهه من جديد وهو يعيد في عقله رغبتها في الطلاق. لم يقل لها حين قالت له بأنها تخشى خسارته كما خسرت عائلتها، أنه هو الذي يخشى من هذا وليس هي. فكلما يعتاد على أحد يخسره، ولا يخسر سوى الأشخاص الذين يحبهم. لم ينسى زوجته حين كانت في بداية خطبتهم تقول له أنه لا يحبها من فرط تحفظه وخجله وتوتره الذي يمنعه عن أي شيء ويضع الفواصل بينهم، والتي كادت أن تنهي علاقتهم كما يحدث الآن معه.
ما زال لا يعرف حقيقة مشاعره تجاه تلك الشفق، ولكنه يعرف شيئًا واحدًا فقط، وهو أنه لا يريد تركها، وسينبغي عليه في الفترة القادمة أن يتخلى عن كل ما قد يعوق بينهم. فهو ليس مستعدًا بعد لكي يشهد خسارة جديدة.
***
وصل علاء إلى المنزل بعد يوم طويل وشاق من العمل، ثم قاد خطواته نحو غرفته وفتح الباب ليتسمر بأرضه وكأن صاعقة برق أصابته. حين رآها فاقدة الوعي على الأرض وبيدها زجاجة أقراص دواء. فهرول ناحيتها وجثى أمامها يمسك برأسها ويهزها هاتفًا بهلع:
_ ميار.. ميار.
أمسك بزجاجة الأقراص فوجدها فارغة تمامًا. هل ابتلعت كل هذه الأقراص المجنونة؟ التفت برأسه ناحية الباب وصاح بأعلى صوت:
_ بابا!
جاء طاهر مسرعًا على أثر صياحه، وحين رآه يمسك بها وهي بين ذراعيه في الأرض وينظر لها بزعر، فهتف أبيه بغضب وهو يجثو بجواره:
_ عملتلها إيه يا علاء؟ ميار ردي عليا يا بنتي.
قال بصوت مضطرب ووجه مرتعد:
_ معملتلهاش حاجة والله. أنا لسه جاي من برا، دخلت لقيتها كدة. شربت البرشام كله المجنونة.
فغر طاهر عيناه بذهول ووثب فورًا واقفًا بعدما رأى الزجاجة، وقال بخوف شديد:
_ طيب قوم لبسها أي حاجة بسرعة، وأنا هستناك في العربية برا، خلينا نروح بيها على المستشفى نلحقها.
ثم انصرف مغادرًا شبه راكضًا ليصطدم بزوجته التي كانت في طريقها إليهم بعدما سمعت صياح ابنها. ولم تتمكن من إيقاف زوجها وسؤاله، فأكملت طريقها نحو غرفة ابنها.
حملها علاء ووضعها على الفراش، ثم اتجه إلى خزانتها وأخرج شيئًا أشبه بفستان، ثم عاد لها وألبسها إياه بأيدي مرتعشة من الفزع. ومن ثم التقط الحجاب ولفه على شعرها بعشوائية، لتدخل أمه وتهتف شاهقة بصدمة:
_ فيه إيه يا علاء؟
رأته يحملها على ذراعيه ويهتف على عجالة وهو يغادر بها مسرعًا:
_ حاولت تنتحر وشربت علبة البرشام كلها.
***
داخل منزل حسن العميري.
نسائم الهواء تحمل معها بعض البرودة، وهو يمسك بكوب قهوة دافئ يرتشف منه بتأني شديد، وعيناه معلقة على السماء يتأملها بشرود. بات يشعر وكأن المنزل ينقصه وجودها. أصبح هادئًا وفارغًا منذ ذهابها. وفي كل يوم يشعر بنمو نقطة الشوق الصغيرة التي في قلبه. وبالرغم من كل هذا، يرفض الاستسلام للحقيقة التي تخطت حاجز الندم وأصبحت اشتياق وفراغ يلاحقه في أيامه المملة بدونها.
ابتسم بتلقائية حين راوده إحساس بشوقه لشجاراتهم التي لم تنتهي منذ أول يوم زواج لهم. استوحش شراستها معه وقوتها وهي تصرخ به دون أدنى خوف.
هب واقفًا وتحرك باتجاه غرفتها المغلقة منذ ذهابها. فتح الباب بهدوء ودخل، ثم أضاء المصباح وألقى نظرة دائرية على الغرفة يتفحصها بإمعان كأنه يراها للوهلة الأولى. أصدر تنهيدة حارة بأسى، ثم اقترب من الفراش وجلس عليه مهمومًا. ليقع نظره على الصورة الموضوعة في برواز للصور على المنضدة. فالتقطها وأخذ يحدق بها بحزن. كانت صورة لها تجمعها معه من زواج "زين". يتذكر جيدًا ذلك اليوم حين أصرت عليه أن يأخذوا صورة لهم، ورغم رفضه وخنقه في البداية منها، إلا أنه ذعن لرغبتها في النهاية مجبرًا لكي يتخلص من إلحاحها المستفز بالنسبة له حينها. والآن، هي لم تترك شيئًا سوى هذه الصورة. أخذت كل شيء يخصها عندما غادرت وتركتها لأنه يشاركها إياها. هل حقًا توقفت عن حبه، أم تمثل أمامه الكره؟ تارة يشعر بأنها تكذب وتارة العكس. ولكن الشيء الوحيد المتيقن منه هو أنه بات لا يطيق ألم تعذيب ضميره وندمه واشتياقه لها الذي يزيد يومًا بيوم.
فأخرج هاتفه دون تردد هذه المرة وأجرى اتصالًا بها. ظل ينتظر ردها حتى أتاه الرد منها مرتعدًا وشبه باكيًا:
_ الو. مين؟
لم يعقب على عدم معرفتها لرقمة وهتف بقلق:
_ أنا حسن يا يسر. صوتك ماله؟
انهمرت دموعها وقالت بصوت مبحوح:
_ أنا في المستشفى يا حسن. ميار حاولت تنتحر وبابا تعب كمان دلوقتي.
استقام واقفًا بفزع وهتف:
_ إنتوا في مستشفى إيه؟
***
كان زين يجلس بالخارج على الأريكة ويباشر بعض أعماله على حاسوبه النقال الموضوع فوق الطاولة الصغيرة. فرآها تخرج من المنزل وتتحرك ناحيته وهي تحمل على يدها صحن به طعام لا يعرف نوعه. ولكن لم يكن هذا المهم، بل ملابسها هي الأهم، وكأنها نفذت ما قاله بالحرف حول ارتدائها ما تحب طالما لا يوجد غيره. كانت ترتدي منامة قطنية لطيفة تصل إلى ركبتيها وبحمالات عريضة قليلًا مع فتحة صدر واسعة بعض الشيء، ولكن لا تظهر نهديها. ظل نظره معلقًا عليها بانبهار وعيناه تتفحصها بتدقيق لآخر قدمها. وأخيرًا وصلت له وجلست بجواره، ثم غرست الشوكة في قطعة الكعك المتوسطة الموجودة في الصحن الذي بيدها ومدتها لفمه هاتفة برقة:
_ دوقها، أنا عاملاها.
قرب شفتيه من الشوكة وأكلها وهو لا يرفع نظره عنها، ليسمعها تهمس بحماس:
_ حلوة؟
أماء برأسه وغمغم مبتسمًا بعاطفة:
_ أكيد حلوة، تسلم إيدك.
ثم أكمل بنظرة ثاقبة وابتسامته لا تزال تزين ثغره:
_ اقفي كدا!
طالعته باستغراب لبرهة، ثم هبت واقفة كما طلب. فرأت عيناه تنظر لها بنظرات لأول مرة تراها، ثم وجدته يرفع سبابته ويلفها بحركة دائرية قائلًا:
_ لفي.
مصمصت شفتيها بارتباك وخجل مردفة بحيرة:
_ ليه؟
_ اسمعي الكلام بس يلا.
أخذت نفسًا عميقًا وسيطرت على توترها بصعوبة لتدور حول نفسها بحركة دائرية سريعة بعض الشيء. وحين توقفت واستقرت عيناها عليه، رأته يبتسم بغرام ويغمغم بخفوت رائع:
_ بسم الله ما شاء الله. تعرفي إنك جميلة أوي وكل يوم بتبهريني بجمالك أكتر.
أطرقت رأسها أرضًا وهي تبتسم بخجل وتفرك في يديها من الارتباك، لتتسع ابتسامته على شفتيه ويشير لها بيده أن تنضم له هاتفًا بضحكة بسيطة:
_ تعالي، تعالي.
فعلت دون تردد وجلست بجواره، ليلف هو ذراعه حولها ويضمها لصدره ويده تملس على شعرها وذراعها بحنو. مما كان يزيد من توترها، ولكنها قررت أن تذيب الحدود وتكون هذه البداية. وبعد تفكير عميق واستحياء دام لدقائق، همست وهي بين ذراعيه:
_ زينو.
نظر لها بدهشة بسيطة من الاسم الذي نطقته للتو، وضحك ببساطة متمتمًا:
_ زينو! أول مرة تقوليلي الاسم ده. بس ما علينا. نعم يا ملاذ؟
استجمعت كل الثقة والشجاعة الكامنة في نفسها لتنظر له بثبات وتهتف بخفوت يحمل بداخلة كل أشكال العشق والرقة:
_ بحبك أوي.
لجمه الذهول للحظات طويلة بعض الشيء وهو يحدق بها بعدم استيعاب لما سمعته أذنيه للتو. ثم بدأت تعود الابتسامة لشفتيه تدريجيًا وهو يجيبها بأعين تلمع بوميض السعادة:
_ قوليها كمان مرة!
انطلقت على شفتيها ابتسامة خجلة وهمست بدلال غير مقصود:
_ بحــــــــبك.
رأت عيناه تضحك قبل شفتيه، وفي ظرف لحظة وجدته يغار عليها ويمطرها بوابل من قبلاته على وجنتها وجبهتها هامسًا:
_ وأنا والله بعشقك يا قلب وروح زينو!
ابتعد عنها وأطال النظر في ملامحها بأعين عاشقة ودافئة، ثم اقترب ناحية ثغرها، فتوترت هي بشدة واضطربت من فرط خجلها. لتبتعد وتمسك بصحن الكيك وهي تثب واقفة قائلة بتلعثم:
_ ااا.. أنا هـ.. هروح أحط الكيكة في التلاجة عشان نسيتها برا.
وفي ظرف لحظة فرت من أمامه كالسهم، وما إن خلت بنفسها داخل المنزل بعيدًا عن أنظاره، أخذت تضحك بعدم تصديق أنها قالتها وأنه أخيرًا اعترف لها أنه يحبها. كانت تشعر بنفسها تحلق في السماء من شدة سعادتها. أما هو، فكان حاله لا يختلف عنها كثيرًا. أخيرًا ذاب الثلج بينهم وأفصحت عن عشقها له. كان يود كثيرًا أن يكمل الليلة معها كما ينبغي لتكون أول لياليهما معًا، ولكن خجلها وتوترها سيضطره للتريث قليلًا في ذلك الأمر.
***
وصل حسن للطابق الموجود فيه غرفة عمه، فرآها تقف بجانب باب الغرفة دافنة وجهها بين ثنايا كفها. اقترب منها وأبعد يدها عن وجهها هاتفًا بخوف:
_ يسر، طمنيني عمي كويس.
أماءت له بوجه عابس وأعين دامعة:
_ كويس الحمد لله، ماما قاعدة معاه جوه. وميار عملوا لها غسيل معدة ولسه ما فاقتش.
_ هي عملت إيه في نفسها المجنونة دي؟
علاء وبابا لقوها شربت علبة البرشام كلها والدكتور قال لو كنتوا اتأخرتوا شوية كمان مكنوش هيقدروا يلحقوها.
وعلاء طلع دلوقتي تقريبًا راح يجيب حاجة وجاي تاني.
***
أجفلت عيناها عنه وبدأت تذرف الدموع في صمت.
وخرج صوتها يغلب عليه البكاء:
_ خوفت أوي على بابا لما تعب.
لم يمهل نفسه اللحظات لكي يفكر كما اعتاد، بل ضمها لصدره وملس على ظهرها بحنو صعودًا ونزولًا هامسًا بخفوت:
_ الحمدلله إنه بقى كويس، متزعليش نفسك كفاية.
أغمضت عيناه تستنشق رائحته وهي بين ذراعيه. عطره الرجولي المميز يستحيل أن تنساه. وحرارة صدره اشتاقت لها بشدة. بل بالأحرى هي اشتاقت لكل شيء فيه بدرجة لا يتخيلها. وتعاني الألم وهي تتصنع أمامه القوة والقسوة. والآن هي لا تريد الابتعاد عنه، ولكن عقلها رفض استسلام قلبها الذي لا يجلب لها سوى المتاعب. وذكرها بكل شيء فعله معها بداية من ليلتهم الأولى معًا حتى إجباره لها على إجهاض طفلهم. فابتعدت عنه فورًا وقالت بجفاء وحزم:
_ أنا هدخل لبابا جوا، ومتقربش مني تاني، متنساش إنك طلقتني!
فتحت الباب ودخلت لتتركه يقف يحدق على أثرها بشرود وأعين بائسة. ولكن سرعان ما ارتفعت الابتسامة لشفتيه تدريجيًا حين تذكر كلمتها "طلقتني!".
***
داخل خلفها بعد أن طرق الباب عدة طرقات خفيفة وسمع صوت عمه وهو يسمح للطارق بالدخول.
اقترب من عمه وهتف باهتمام:
_ عامل إيه ياعمي؟
طاهر بنبرة عادية تمامًا:
_ الحمدلله يابني بقيت كويس.. أنت عرفت منين؟
خطف نظرة سريعة على يسر ثم هتف بثبات مخترعًا كذبة صغيرة حتى لا يضع نفسه في موقف قد لا يحبه عمه:
_ كلمت علاء وقالي على اللي حصل.
هز طاهر رأسه بالتفهم ثم نظر لابنته وهتف بقلق حقيقي:
_ ميار عاملة إيه يايسر؟
_ لسا مفاقتش يابابا، أنا كنت عندها دلوقتي.
كان حسن يعلق نظره عليها بسكون وأمها كانت منشغلة بالتحدث مع طاهر الذي يصر على الذهاب لابنة اخيه والاطمئنان عليها بنفسه!
***
عاد علاء للمستشفى واتجه نحو غرفة ميار فورًا عندما أخبره الطبيب بأنها استعادت وعيها.
فتح الباب ودخل ثم أغلقه خلفه وتحرك نحوها ليجذب المقعد ويجلس أمام الفراش هاتفًا بصوت هاديء:
_ ميار.
فتحت عيناها ورمقته بأعين منطفئة وكئيبة ليكمل هو بنبرة مهتمة حقًا:
_ بقيتي كويسة دلوقتي؟
اماءت له بالإيجاب، والتزم هو الصمت للحظات طويلة حتى بدأت ملامحه تأخذ الحدة والعصبية وهو يقول:
_ إيه اللي عملتيه ده!! إنتي مجنونة! ده بدل ما تكفري عن ذنبك وتطلبي من ربك العفو وتتوبي لا بتحاولي تنتحري عشان تحملي نفسك ذنب أكبر.
همهمت بمرارة وبؤس:
_ محدش طايقني ولا عايزني.. كل عيلتي بتكرهني حتى نينا بقت مش عايزاني وهي اللي كانت بتصبرني على فراق بابا وماما.
أشفق عليها لأول مرة فأخذ نفسًا عميقًا وهو يحدقها بأعين متأثرة.
ثم تمتم بخفوت لين:
_ إنتي اللي رخصتي نفسك بعملتك ياميار، واجبرتي الكل إنه ياخد منك جنب حتى جدتك. بس متخافيش هي لسا بتحبك أكيد. كل ما في الموضوع إنها هتاخد فترة لغاية ماتسامحك. وبكرا هبقى اخدك تتكلمي معاها شوية.
ابتسمت بسعادة واعتدلت في نومتها هاتفة:
_ بجد ياعلاء!
تراجعت في لحظتها وقالت بيأس:
_ لا بس هي مش هتوافق تشوفني أصلًا ولا تتكلم معايا.
_ جربي.. نفع كان بها منفعش خلاص.
امسكت بكفه تضغط عليه بلطف وتطالعه بعيون دامعة وممتنة بشدة وهمست بخفوت رقيق:
_ vielen Dank.
شكرًا جدًا.
سحب كفه بهدوء تام وهو يرسم ابتسامة صارمة بعض الشيء ثم هب واقفًا وقال بغلظة:
_ أنا هروح اطمنهم إنك فوقتي.
هزت رأسها بالموافقة وهي في أقصى درجات سعادتها ولا تتمكن من انتظار الغد حتى تذهب لزيارة جدتها ورؤيتها!!
***
مع صباح اليوم التالي......
كان كرم يرتدي ملابسه ويستعد للذهاب وهي بالمطبخ تقوم بتحضير وجبة الإفطار.
فخرج من الغرفة فور انتهائه واتجه إليها في المطبخ يقول على عجالة باختصار:
_ شفق أنا همشي معلش عشان مستعجل جدًا متعمليش حسابي معاكي.
لم تجيبه واكملت ما تفعله محاولة كتم غيظها من أنه سيتركها تفطر بمفردها.
فعقد هو حاجبيه باستغراب عندما لم يأتيه رد منها حتى ولو بإيماءة رأس خفيفة.
اقترب منها ووقف بجوارها متمتمًا:
_ شفق أنا بكلمك إنتي سمـ....
توقف عن الكلام حين رأى دموعها تملأ وجهها فمد يده وامسك بذقنها يدير وجهها ناحيته هامسًا بريبة:
_ بتعيطي!! إنتي لسا زعلانة مني؟
أجفلت عيناها أرضًا وانهمرت دموعها بقوة أشد.
فجذبها فورًا لأحضانه هامسًا بلطف ورجاء جميل:
_ متعيطيش ياشفق ابوس إيدك.. إنتي عارفة إني مبقدرش ازعلك، حقك عليا وعد مش هيتكرر تاني.
انخرطت في نوبة بكاء قوية وهي تهتف من بين بكائها:
_ مش زعلانة.
لم يتمكن من حجب ضحكته حيث أجابها ضاحكًا بمشاكسة:
_ إنتي كدا مش زعلانة! أمال لو كنتي زعلانة كان هيحصل إيه!!!
استمرت في بكائها فأبعد رأسها فقط عن صدره وبيده مسك ذقنها يرفع وجهها لأعلى لكي يراها بوضوح.
وباليد الأخرى مد أناملها وجفف دموعها.
وأطال النظر في وجهها مبتسمًا بساحرية ولم يجد صعوبة في فعل خطوته القادمة.
فهو لم يعد يخجل ويتوتر منها كالسابق.
انحنى برأسه ناحيتها وطبع قبلة بجانب ثغرها هامسًا بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
_ أنا آسف.
ثم ارتفع بشفتيه لجبهتها يكمل همسه وهي ذائبة تمامًا بين ذراعيه وهمساته وقبلاته:
_ وكمان مرة تاني، أنا آسف.
تحولت إلى قطعة طماطم وتوردت وجنتيها بشدة.
وسرت قشعريرة في جسدها الذي شعرت بحرارته ودقات قلبها تطرق بعنف.
وكعادتها تحاول اخفاء خجلها بأي شيء حيث دفنت وجهها في كتفه هامسة بتمرد ونبرة عابثة:
_ إنت وحش على فكرة.
ابتسم لها وتمتم بمكر:
_ آه ما أنا عارف.
استكمل برقة تليق بصوته الرجولي:
_ لسا زعلانة؟
هزت رأسها بالنفي عدة مرات متتالية تدل على فرط توترها وخوفها من أن تجيبه بنعم فيعود ويقبلها.
ليبعدها هو عنه بلطف ويقول بحنو:
_ طيب أنا اتأخرت همشي واستنيني على الغدا عشان هنتغدى مع بعض.
_ طيب.
اقترب منها وطبع قبلة أخرى وسريعة على شعرها ثم استدار وابتعد عنها ليأتيه صوتها وهي تصيح برقة:
_ متتأخرش ياكرم.
فتح الباب وقال قبل أن يغادر:
_ حاضر.
***
داخل شركة العمايري......
كانت يسر تقف أمام النافذة تتابع حركة المارة والسيارات بشرود في أشياء كثيرة في مقدمتهم وضعها الحالي الذي لا يبشر بخير أبدًا.
استمعت لرنين هاتفها المرتفع فعادت لمكتبها والتقطته لتجيب بنبرة عادية:
_ أيوة ياريم.
_ عاملة إيه يايسر.. واخبار عمي طاهر إيه وبنت عمك؟
_ الحمدلله كويسين ياريم متقلقيش. بابا بقى زي الفل الحمدلله وحتى ميار بخير. شكرًا على وقفتك معانا في المستشفى امبارح.
اجابتها معاتبة إياها بضيق:
_ اخص عليكي يايسر. هو من إمتى في بينا شكر ده احنا اخوات. وعمي طاهر زي بابا بالظبط والله بنسبالي وإنتي عارفة ده.
هزت رأسها بإيجاب وابتسامة عذبة هامسة:
_ عارفة عارفة.
_ إنتي قاعدة في الشركة؟
سمعت ريم تمتمها بـ "امممم" لتستكمل بترقب للإجابة:
_ لسا بيحاول يتقرب منك؟
ظهر السخط على ملامحها وقالت بقسوة ونبرة لا تحمل المزح:
_ يحاول براحته. أنا مبقيش يهمني أساسًا ولو السما اطبقت على الأرض مستحيل ارجعله. كفاية أوي اللي عيشته معاه أنا محتاجة ابص لحياتي ولنفسي بقى.
_ بظبط هو ده الصح. لأنه مكنش يستاهل ضفرك ومازال ميستهلكيش.. بس مش كان غلط اللي عملتيه امبارح؟
زفرت بخنق وقالت مستاءة:
_ بالله عليكي ماتفكريني ياريم أنا كل ما افتكر اتعصب. أنا أساسًا غبية. ارد عليه ليه واقوله.
عادت تكمل بعد ثواني قليلة بشيء من الحزن والحيرة:
_ أنا مش هينفع اقعد هنا اكتر من كدا ياريم. لو فضلت قاعدة هيتكشف الموضوع وأنا بدأت اتعب وبدأوا يلاحظوا في البيت.
_ طيب هتعملي إيه؟
_ مش عارفة. بس راسل راجع امريكا بعد يومين بفكر اروح معاه واشتغل هناك في شركة بابا وهحاول اقنعهم وهقعد في شقة لوحدي.
قالت ريم بحزم ورزانة:
_ مينفعش تقعدي وحدك يايسر. اقعدي مع خالتك وراسل ونبهي عليها متقولش حاجة لحد وراسل اكيد مش هيتكلم.
يسر باندفاع:
_ إنتي بتقولي إيه ياريم. خالتو مستحيل توافق على اللي بعمله وهتقولهم كلهم واولهم هو. سيبك دلوقتي انا لما اسافر هتصرف واشوف حل.
تمام سلام وبلاش تتصرفي تاني بتهور زي امبارح هاا
ابتسمت وقالت بخفوت:
حاضر اطمني
ثم انهت معها الاتصال وجلست على مقعد مكتبها لتبدأ في أعمالها، ولكن جذب انتباهها الملف الخاص به، وأنه من اللازم أن يضع امضته عليه حتى يكتمل.
فتأففت بنفاذ صبر وضجر، ثم جذبته وغادرت مكتبها باتجاه مكتبه هو.
وكانت ستعطي الملف لمساعدته حتى تعطيه هي له، ولكنها لم تجدها.
لتضرب بقدمها الأرض مغتاظة على ذلك الحظ اللي يجبرها على الوقوع في طريقه دومًا ولا تستطيع تجنبه.
اتجهت نحو الباب واستنشقت هواء قوي تستعد لمقابلته بطريقة قاسية وصارمة وليس كالأمس.
فتحت الباب بهدوء وادخلت رأسها أولًا، لتنطلق ابتسامة واسعة وفرحة على شفتيه حين لم تجده أيضًا.
فدخلت فورًا واتجهت لمكتبه لتضع الملف على سطحه وتستدير لتسرع وتغادر قبل أن يأتي، ولكنها لم تتمكن من الهروب.
حيث بمجرد ما أن استدارت بجسدها ناحية الباب رأته أمامها مباشرة وهو يسألها:
بتعملي إيه؟
قوست معالم وجهها للصرامة وقالت بإيجاز وهي تهم بالرحيل:
الملف على المكتب محتاج امضتك. امضي عليه وابعته مع ميرنا.. مع ميرنا هااا
ثم ابتعدت من أمامه.
وقبل أن تغادر وجدته يقبض على ذراعها ويغلق الباب هاتفيًا وهو يتفحص ملابسها.
فهي ترتدي نفس الرداء الذي لديه فتحة صدر واسعة ونبه عليها سابقًا بأن لا ترتديه مجددًا، وأيضًا ضيق قليلًا.
حاولت هي التملص من قبضته وهي تصيح باستياء:
سيب إيدي في إيه؟
قال بصوت رجولي خشن ونظرات مريبة ومخيفة بعض الشيء:
أنا مش قولتلك قبل كدا متلبسيش البتاع ده تاني.
يسرا بانفعال وصوت مرتفع:
وإنت مالك البس اللي أنا عايزاه. حاجة متخصكش.
تمكن منه غضبه أكثر حيث أصبحت نبرته أكثر حدة وغلظة وهو يجيبها:
يخصني ونص كمان. آخر مرة اشوفك لابساه تاني يايسر وإلا مش هيحصل كويس.
ضحكت ساخرة وقالت بعند ونظرة شرسة:
قولتلك ملكش دعوة! وبالعند فيك هلبسه كل يوم واعلى مافي خيلك اركبه. سيب إيدي ياحسن.
قالت آخر جملها