تحميل رواية ضروب العشق بقلم ندى محمود توفيق pdf
بقلم ندى محمود توفيق
الفصل 19 — رواية ضروب العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
هناك بعض الأقاويل التي تصف العشق على أنه "ثقة". ولكن في حال انقشعت الثقة وانحلّت الخيانة والغدر والكذب محلها، فسينقشع معها مفهوم العشق على أنه ثقة، ويصبح يمثل بالنسبة لهم ما هو إلا تلاعب بالمشاعر كدمية على مسرح يحركها صانعها كما يشاء. فتذوق طعم الغدر يماثل السم الذي لا تشعر بمذاقه حين يقدم لك في صحن طعام شهي، ولكنه يسري في جسدك وأعضائك فيدمرها ويجعل نهايتك الموت. "ملاذ" كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. وكل دقيقة تسترجع لحظة اكتشافها لخيانته القذرة، وكيف أ...
رواية ضروب العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى محمود توفيق
أصدرت زفيراً حاراً استطاع سماعه وبكل شجاعتها قالت بدون مقدمات: _ أنا حامل _ وكأن صاعقة من السماء أصابته في أرضه فوقف مصدوماً لا يتحرك ولا يتحدث وهو فقط يحاول تكذيب ما سمعته أذناه للتو، هل قالت حقاً أنها حامل !!! لا هذا لا يمكن حدوثه أبداً ولن يسمح له بأن يحدث.. التفت لها كاملاً بجسده وأصبح في مقابلة وجهها مباشرة وهو يقول ضاحكاً بسخرية وعدم تصديق: _ نعم !!!! _ عادت عليه جملته ضاغطة على الكلمات وهي تخرج من فمها: _ زي ما سمعت، أنا حامل يا حسن! _ تحول لجمرة نيران ملتهبة بإمكانها أن تحرق كل شيء حولها وهي أول من سلتحقها نيرانه، حيث فقد السيطرة على نفسه وهيمنت عليه انفعالاته وعصبيته التي لربما أول مرة تراها وجذبها من ذراعها صارخاً بها بصوت جهوري ومخيف: _ حامل يعني إيه هااا، يعني إيه حامل إنتي هتستعبطي !! _ ارتعش جسدها على أثر صرخته وصوته الذي أول مرة تسمعه بهذه النبرة المرعبة وكادت أن تظهر أمامه خوفها ولكنها مازالت يسر الصامدة والقوية حيث دفعت يده عنها بكل قوتها وصاحت به مثلما يصيح بها: _ متعليش صوتك عليا كدا، ماكله بسببك.. إنت السبب في اللي حصل واللي أدى للنتيجة دي _ لم تهدأ ثورته وهيجانه حيث أكمل صياحه بعدم استيعاب: _ محصلتش حاجة بينا غير مرة واحدة حصل حمل إزاي أنا عايز أفهــــــم !!! _ _ وربنا أراد أنه يحصل حمل، هتقول لا لإرادة ربنا !! _ رفع سبابته في وجهها محذراً إياها بنظرات تركت آثاراً سلبية في نفسها وأرعبتها: _ عارفة يا يسر لو دي حركة زبالة من حركاتك عشان تحاولي تجبريني إني مطلقكيش أقسم بالله لأوريكي اللي عمرك ما شوفتيه في حياتك _ فقدت زمام نفسها هي الأخرى وصرخت به في نبرة جلجت الغرفة: _ هتعمل إيه يعني هااا.. قول هتعمل إيه ؟! _ كان يطلق زئيراً مكتوماً من بين شفتيه ويجز على أسنانه بقوة كادت أن تتكسر من فرط الغيظ ثم ابتعد عنها وأخذ يجوب في الغرفة ذهاباً وإياباً وهو يضع كفه على شعره يحاول التفكير في هذه المصيبة التي سقطت فوق رأسه، حتى توقف فجأة وقال في قسوة بالغة ونظرات لا تحمل أي رحمة: _ الطفل ده لازم ينزل _ آخر شيء كانت تتوقعه أن يطلب هذا الطلب، هل حقاً يطلب منها إجهاض طفلهم البريء من كل شيء حدث! وينتظر منها أن توافق بمنتهى السهولة! يبغضها للدرجة التي جننته بمجرد تخيل بأنه سيكون لديه طفل منها وستكون هي أمه ؟!! بالتأكيد هو ليس واعياً لما يطلبه منها ويحتاج إلى من يردعه عن سخافاته هذه، حيث قالت باندهاش وضجر: _ ينزل !!، أنت مدرك إنت بتقول إيه ؟! _ _ أيوة مدرك لأن ده هو الحل الأنسب للمصيبة اللي حطيتني فيها _ استفزها بشدة وصاحت به مندفعة في غضب عارم: _ والمصيبة دي زي ما قولتلك إنت السبب فيها، ذنبه إيه الطفل ده في كل حاجة بينا ملوش ذنب عشان نقتله.. وأنا مستحيل أقتل روح بريئة وأغضب ربنا، ده ابني ولا يمكن أقتله يا حسن، لو إنت مش عايزه فأنا عايزاه _ تصر على زيادة الأمر سوءاً وتجعل من غضبه يتفاقم ويزداد اشتعالاً ولابد من أنه سيفقد زمام نفسه بالكامل إن استمرت بهذه الطريقة! صاح في انفعال مرعب ونبرة أشبه بالسابقة: _ أنا على آخري يا يسر متخلينيش أعمل حاجة أندم عليها بعدين _ وقفت أمامه مباشرة وقالت باسمة بتحدي وسخرية: _ إيه هتسقطني !! _ _ لو لزم الأمر هعمل كدا فعلاً _ قالها بقسوة فاقت كل شيء، فنجح في إخراج حقيقتها الشرسة والجبارة التي لا تقهر حيث هتفت في أعين نارية ونبرة لا تحمل تهاون: _ ولو حاولت تقربلي بس أو تأذي ابني هاخد روحك يا حسن _ ألقى عليها نظرة صامتة ومتقززة ثم استدار وهم بالرحيل ولكن وقف عند الباب والتفت برأسه لها هاتفاً وهو يرفع سبابته في وجهها بلهجة آمرة: _ هتنزليه يا يسر برضاكي أو غصب عنك، وإياكي تقولي لحد إنك حامل فاهمة ولا لا وبذات ماما وجدتي _ ثم تركها ورحل عن المنزل أكمله وبمجرد رحيله جلست على الأرض مستندة بظهرها على الفراش وضمت قدميها إلى صدرها منخرطة في نوبة بكاء عنيفة بصوتها المرتفع وقلبها ينزف من الألم والحرقة !! .......... *** فتح كرم عينيه واعتدل في نومته وهو يفرك عينيه ليزيح عنهم أثر النعاس الذي لا زال يسيطر عليه بعد ليلة الأمس الطويلة، وأمسك بجبهته يفركها بقوة وخنق من ألم الصداع الذي أيقظه من نومه، ثم ألقى نظرة على الفراش بجواره ليجده فارغاً فاعتقد أنها بالخارج، أنزل قدميه من على الفراش واستقام واقفاً وهو يتمطى بذراعيه للخلف ويتثاءب، وكانت وجهته الأولى نحو الحمام الداخلي في غرفتهم فأخذ حماماً صباحياً دافئاً ومنعشاً ثم خرج وهو يرتدي بنطالاً منزلياً أبيض ويترك نصفه العلوي عارياً وبيده المنشفة يحرك برأسه يميناً ويساراً بقوة لينثر قطرات الماء عن شعره ولكنه توقف حين سمع صوت رنين هاتفه فأمسك به وقرأ اسم المتصل الذي كان "مسعد" وأجاب عليه في جدية: _ أيوة يا مسعد ؟ _ _ أيوة يا كرم بيه أنا حاولت أوصل لأي حد من عيلته أو صحابه معرفتش مفيش أي أثر ليه أو ليهم _ ألقى بالمنشفة على الفراش وهو يتأفف بوجه بدأت تظهر عليه قسمات السخط: _ والبنت اللي قولتلك عليها ؟! _ قال وهو يهز رأسه نافياً: _ للأسف برضو ملقتهاش لا هي ولا أمها _ كور قبضة يده بغيظ وقال يحاول تمالك أعصابه: _ طيب يا مسعد خلاص أنا هَشوف _ ثم أنهى الاتصال معه وألقى بالهاتف على الفراش وهو يهتف متوعداً وعيناه تلمع بوميض الانتقام الحقيقي: _ هتروح مني فين مسيرك هتقع تحت إيدي.. لو نزلت سابع أرض هجيبك _ ثم أخرج تيشرت له من الخزانة وارتداه وهو يتجه نحو الباب ليغادر الغرفة ويسير بخطواته نحو المطبخ باحثاً عنها فلم يجدها ثم يخرج ويبدأ بالبحث عنها في غرفة مكتبه الخاصة التي يوجد بها صورة أخيه الضخمة ولكن أيضاً لا أثر لها، فعقد حاجبيه بريبة وبدأ يصيح منادياً عليها: _ شــــفق !!! _ لم يجد إجابة منها فاندفع نحو بقية الغرف يفتش عنها في المنزل الواسع بأكمله وهو لا يتوقف عن منادتها ولكن المنزل كان فارغاً تماماً منها، ليتوقف ويتساءل في حيرة وقلق "إلى أين ذهبت دون أن تخبرني ؟!!!" هو غاضب أساساً والآن سيزداد سخطه الضعفين فكيف لها أن تخرج بمفردها ألم يخبرها ويلق عليها تنبيهاته الجادة بعدم الخروج بدونه، فهو لا يضمن ذلك الوغد ويخشى أن يستغل الفرصة حين تكون بمفردها فيحاول أذيتها ولكنها لا تفهم هذا وتصر على تعريض حياتها للخطر. توجه وجلس على الأريكة الكبيرة وقدماه تهتز من فرط الاستياء ينتظر عودتها وأخذ قراراً بأنه سيحاسبها عند عودتها على إهمالها ولن يشفق عليها كعادته ولن يكون لطيفاً وجميلاً كما اعتادت منه !! وبالفعل مر ما يقارب الخمس دقائق بضبط وعيناه معلقة على ساعة الحائط لا تنزل عنها وعند الدقيقة الخامسة فتحت الباب ودخلت وهي تحمل بيدها أكياس طعام فحدّقها بنظرة جديدة تماماً منه أربكتها وجعلتها تغلق الباب بهدوء وهي تحاول إخفاء توترها من نظرته الغريبة حتى سمعت صوته وهو يسألها بخشونة: _ روحتي فين ؟ _ رمقته بنظرة زائغة ومرتبكة بعد سماع نبرته الجديدة تماماً على مسامعها وتمتمت في تلعثم: _ نـ.. نزلت أشتري كام حاجة من السوبر ماركت اللي جمبنا _ عاد يسألها ولكن بصرامة أشد: _ وأنا منبه إيه عليكي ؟! _ التزمت الصمت وهي تجفل نظرها أرضاً في خجل وضيق عندما تذكرت تنبيهاته لها لتسمعه يقول في نبرة لا تحمل أي رفق أو حنان: _ ردي !! _ غمغمت وهي لا ترفع نظرها له وبوجه واضح معالم الندم: _ منبه إني مطلعش من البيت _ _ والسبب ؟! _ هنا رفعت نظرها له وحدّقته بصمت للحظات فتجده يهز رأسه وبنظرة قوية يخبرها من خلالها أن تجيب على سؤاله فتقول بتوتر وأعين على وشك أن تجتمع بها الدموع: _ عشان ميستغلش الفرصة ويحاول يأذيني _ ليتزين وجهه بابتسامة مخيفة ويكمل بنفس حدته في الكلام: _ طيب ما إنتي عارفة أهو كل حاجة، تطلعي وحدك ليه بقى ؟! _ شعرت بغصة مريرة في حلقها وأنها على وشك البكاء فشدت على محابس دموعها وقالت بصوت ضعيف: _ أنا آسفة! _ ارتفعت نبرة صوته قليلاً وهو يقول بانفعال: _ اعتذارك مش مقبول يا شفق.. لإن اللي حصل ده إهمال منك، لما أمسكه وأخلص عليه سعتها مش هَمنعك وتقدري تطلعي زي ما إنتي عايزة لكن أنا بحاول أحميكي وأحافظ عليكي عشان دي مسئوليتي تجاهك وإنتي مهملة، اللي حصل النهاردة ده ميتكررش تاني مفهوووم _ كان توبيخه لها قاسياً بشدة وبالأخص لأنها لم تعتاد منه على التوبيخ والحدة في الكلام، وفَقَط اعتادت على لطافته ومعاملته الطيبة ورقته في الحديث، فتركت كلماته ونظراته ونبرته أثراً سلبياً في نفسها الرقيقة ونجحت دموعها في اختراق الحصون حيث هطلت على وجنتيها وهي تهز رأسها له بالموافقة والخضوع ثم اندفعت نحو غرفتها تنعزل فيها قليلاً عن أي شيء !! ................ *** نزلت ملاذ من الدرج وهي تلقي عليهم تحية الصباح ثم انضمت لهم على المائدة، وكانت ترتدي بيجامة منزلية لطيفة وهادئة، فكانت نظرات الأربع نساء معلقة عليها وكانت نظرات الجدة وميار مليئة بالحقد والغل على عكس هدى ورفيف التي كانت عادية تزينها ابتساماتهن الصافية ! ثم هتفت هدى متعجبة عندما انتظرت للحظات أن يأتي ابنها خلفها وينضم لهم أيضاً ولكن لم يأتي: _ زين لسا نايم ولا إيه يا ملاذ ؟! _ هزت رأسها بالنفي وأجابت عليها في أدب وابتسامة عذبة: _ لا زين طلع من الساعة 7 عشان معاه شغل مهم واجتماع وقالي إنه هيخلص وياجي يعني ممكن كمان شوية وياجي _ _ طلع من غير مايفطر ؟ _ زمت شفتيها للأمام تؤكد على سؤالها بالإيجاب لتسمع صوت الجدة وهي تهتف بحزم ونظرة متقدة: _ مينفعش تخلي جوزك يطلع من غير فطار _ هي تحاول تمالك نفسها أساساً وهذه المرأة هي وحفيدتها الأفعى يحاولون استفزازها ولكنها ستكون أكثر أدباً ولطفاً فقط احتراماً لزوجها وقالت في وجه نجحت في رسم الابتسامة عليه بصعوبة: _ والله حاولت معاه بس هو كان مستعجل وحضرتك عارفة إنه عنيد أكيد، وقالي هيفطر في الشركة واتصلت بيه قبل ما أنزل ليكم عشان أتأكد قالي فطرت _ قالت ميار بنبرة ماكرة قاصدة إيقاعها في الكلام: _ على حد علمي إن زين مبيطلعش من غير فطار أبداً ومش بياكل من restaurants (مطاعم بالألمانية) _ "إنتِ اصمتي ولا تتحدثي أبداً فكم أود أن أقبض على رقبتك وأخنقك لأحبس أنفاسك للأبد" قالتها ملاذ في قرارة نفسها وهي تحدقها بأعين كلها شرارات الغضب ثم قالت باقتضاب: _ أهآ عندك حق، بس أصل في حاجة كدا مضايقاه وسدت نفسه عن الأكل، تحبي تعرفي إيه هي ؟! _ وضعت رفيف الجالسة بجوارها كفها على قدمها من أسفل المائدة لتهدئها وهي تنظر لها بابتسامة مزيفة ففهمت ما ترسله إليها من خلالها لتصمت وهي تصر على أسنانها بغيظ أما الجدة فقد ابتسمت بلؤم وتبادلت النظرات هي وحفيدتها، وعندما لاحظت نظراتهم شعرت بأنها ستفقد زمام نفسها فهبت واقفة وهي تعتذر منهم وعادت لغرفتها لتتأفف هدى بخنق وتنظر للجدة في جدية وضيق، فتبادلها هي نظرات غير مكترثة، وكذلك رفيف التي لم تتحمل الأجواء الموترة للأعصاب واستقامت وهي تقول: _ أنا رايحة الشغل يا ماما عايزة حاجة _ _ لا يا حبيبتي عايزة سلامتك خلي بالك من نفسك _ أومأت لها بالموافقة ثم اتجهت نحو الباب وفتحته فتندهش بأخيها وهو يحدقها بحنان ثم دخل وبدأ في نزع حذائه عنه وهو يقول: _ السلام عليكم _ ردوا عليه جميعهم تحية السلام فيما عدا ميار ثم اقترب من أمه وقبل رأسها واتجه لجدته يمسك بكف يدها ويطبع عليه قبلة، فترتب على كتفه في حب ليسمع صوت والدته تقول: _ اقعد افطر يا حبيبي _ _ فطرت الحمدلله يا ماما.. إمال فين ملاذ مش بتفطر معاكم ليه ؟ _ أجابته هدى في اختناق: _ طلعت دلوقتي على الأوضة _ حدّق بها بأعين تحاول قراءة ما يحدث بسبب نبرتها ونظرتها ولكنه فشل فسأل في ريبة: _ ليه ! _ ألقت أمه نظرة ممتعضة على الجدة بها شيء من عدم الحيلة لينقل نظره هو لجدته وسرعان ما توقّع الذي حدث لتتبدل حالته من الهدوء والبشاشة إلى الضجر وكانت نظرته لجدته كفيلة لتوضح كل شيء يود أن يقوله لها ثم تركهم واتجه نحو غرفته، وكانت ميار تتحرق غيظاً فهو لم يلقِ عليها نظرة واحدة فقط وكأنها نكرة !!
*** فتح الباب ثم دخل وأغلقه خلفه بهدوء لِيُلْقِيَ نظرة عليها فيجدها تجلس على حافة الفراش وساقيها تهتز بعنف من فرط غيظها وتفرك أصابعها ببعضها، فزدادت ريبته وظن بأن الأمر جديًا بالفعل بما إنها غاضبة لهذه الدرجة، اقترب منها ليجلس بجوارها هامسًا في خفوت: _ حصل إيه تحت ؟! نظرت له وقالت في اقتضاب وأعين تشتعل بنيران حمراء: _ محصلش حاجة بس لو كنت قعدت ثانية واحدة كمان كان هيحصل وكنت هتاجي تلاقيني جايبة بنت عمك الحرباية دي من شعرها لم يبدِ أي ردة فعل وبدا هادئًا تمامًا وهو يعاود سؤالها: _ حصل إيه للعصبية دي كلها ؟! لم تجبْه على سؤاله ولكنها عادت تعيد ما قالته تلك الأفعى الشقراء، تقلدها بحركات يد مضحكة: _ اللي أعرفه إن زين مش بيطلع من غير ما يفطر ومش بياكل من restaurants .. بنت مستفزة صحيح !! ثم عادت تثبت نظرها عليه وهي تهتف بأعين نارية وملتهبة بنيران الغيرة: _ هي تعرف منين إنك مش بتطلع من غير فطار ومش بتاكل من مطاعم !! انحرفت شفتيه لليسار قليلًا لتظهر عن ابتسامة خفيفة، حين رأى نيران الغيرة بعينيها وهي تأكلها أكل وقال بصدق وهو يضحك: _ هي قالتلك كدا !!! ، معرفش عرفت إزاي ممكن تكون جدتي قالت ليها ! _ بس وحياتك لاوريها البنت الرخمة دي هتف ببساطة وابتسامته لم تفارق شفتيه: _ أنا مش قولتلك نرجع بيتنا أفضل بس إنتي اللي صممتي إننا ناخد الأسبوع هنا هدرت في إصرار شديد وعدم تنحي عن قرارها: _ أيوة ومازالت عند قراري ويا أنا يا هي عشان تحرم بعد كدا ما تفكر مجرد التفكير فيك عقد حاجبيه وتمتم في عدم تصديق بوجه سمح: _ إنتي غيرانة للدرجة دي بجد ياملاذ !! توترت وتلعثمت بعدما سمعت ما قاله ولم تعرف بماذا تجيبه، فهيمن عليها الصمت القاتل للحظات وهي تحدق به فقط وتصرخ بعقلها قائلة " هيا اسعفني بسرعة ماذا أجيب عليه ! " وبعد ثلاث ثواني أشاحت بنظرها عنه وهي تهتف في استحياء وصوت مضطرب: _ لا مش غيرة بس هو الكائن ده كل ما بيتكلم بيعصبني أطلق ضحكة مرتفعة على كلماتها لتسترسل هي حديثها بغطرسة: _ وبعدين أغير إيه ! ، أنا أغير من دي !! .. ميار دي آخر بنت ممكن أغير منها وهي معصعصة كدا وشبه خلة السنان ، ثم إني أعقل وأنضج بكتير من كدا ، شغل الغيرة ده للبنات التافهة ، لإن الغيرة دي اعتراف مباشر من المرأة إن في واحدة تاني أجمل منها وأنا الحمدلله واثقة في نفسي كلامها متناقض إلى الحد الذي جعله ينفجر ضاحكًا، فهي تقول بشكل مباشر أنها لا تغار وهي تشتعل من نيران الغيرة وكلماتها التي كلها ذم في ابنة عمه تثبت هذا، ليجيبها من بين ضحكاته: _ أمممم مهو واضح فعلًا إنك مش غيرانة منها لم تثبت نظرها عليه وأعطته نصف استدارة وهي تجلس على الفراش لتوضح له احتجاجها على سخريته منها، فتشعر بجسده يلتصق بها ويحاوط كتفيها بيديه ثم يبعد خصلات شعرها عن عنقها وظهرها وينحني برأسه ناحية أذنها هامسًا في نبرة وقع أثرها على جسدها كرياح باردة في ليلة شتاء مثلجة: _ في بنات كتير أحلى منك أكيد ، بس في نظري أنا مفيش بنت في جمالك ولا أحلى منك ثم أبعد شفتيه عن أذنها ونزل بها إلى رقبتها أسفل أذنها بالضبط طابعًا قبلة عميقة وبعد لحظات طويلة رفع شفتيه وانتظر أن يرى ردة فعلها ولكنها كانت كالصنم لا تصدر أي صوت أو حركة فقط تفغر شفتيها وعيناها بصدمة، ليبتعد عنها تمامًا وهو يبتسم ثم يتجه إلى الحمام وبمجرد رحيله التفتت هي ناحية الحمام ووضعت يدها على رقبتها مكان قبلته وهي لا زالت في حالة ذهول لا تستوعب ما حدث !! *** حل المساء وأسدل الليل ستائره المظلمة ليرتفع ضوء القمر المكتمل في السماء والنجوم الساهرة تعطي منظرًا جميلًا ومريحًا للأعصاب. فتحت هي عينيها واعتدلت في جلستها بعدما أدركت أنها غفوت على مقعدها الهزاز في الشرفة دون أن تشعر وفركت عينيها بخمول ثم هبت واقفة ودخلت للغرفة وأغلقت باب الشرفة لتسدير وتعود لفراشها .. مددت نصف جسدها السفلي وجذبت الغطاء عليه ثم رفعت نظرها إلى ساعة الحائط فوجدتها تخطت الثانية عشر بعد منتصف الليل، لتتنهد بأسى وتسأل نفسها بحزن هل هو غاضب مني لهذه الدرجة فهو لم يتأخر خلال الأيام السابقة لهذا الوقت أبدًا !! وظلت لدقائق مثبتة نظرها على الساعة وهي تحاول تهدئة نفسها بأنه سيأتي الآن وسرعان ما علت ابتسامتها لشفتيها العابسة حين سمعت صوت باب المنزل ينغلق، ولكن أخفت ابتسامتها وبقيت كما هي على وضعها ترسم العبوس من جديد على محياها لتوَهِّمَه بأنها أيضًا غاضبة من طريقته الجافة معها في الصباح، وانتظرته للحظات لكي يدخل وحين فتح الباب فتحة بسيطة والقى نظرة عليها خانتها نظراتها ونظرت له ولكنها أشاحتها فورًا عنه ليفتح هو الباب كاملًا ويدخل ثم يغلقه خلفه ويقترب ناحيتها وهو يلف كلتا ذراعيه خلف ظهره يخفي شيء مجهول كانت ستحترق من فرط فضولها لمعرفته ! ، وحين رأته يجلس بجوارها على الفراش وهو يطالعها بتعويذة شفتيه الباسمة فرفعت رأسها بسيطًا للأعلى رافضة النظر له متصنعة الثبات أمام نظراته وابتسامته وتحدثت نفسها بتحدي " لا مش هضعف قدامه .. مش هضعف !! " وسرعان ما تراجعت حين سمعته يهمس في نبرة نجحت في إيقاعها بشباكه مثل كل مرة: _ أنا آسف ! خنثت وعدها مع نفسها دون تفكير حيث نظرت له وهي تظهر جزء بسيط من ابتسامتها التي اتسعت بشدة وظهرت عن أسنان ناصعة البياض عندما وجدته يسترسل في اعتذاره الجميل مثله: _ عارف إنك زعلانة مني ! ، أنا آسف مكنش قصدي أتعصب عليكي أو أتكلم معاكي بطريقة قاسية سامحيني ، أنا حبيت آجي أعتذرلك ومتأكد إن قلبك طيب ومش هتكسفيني وطبعًا مينفعش آجي أعتذرلك وأنا إيدي فاضية ثم أخرج يديه التي خلف ظهره وهو يمسك بهما علبة من أفضل أنواع الشوكولاتة وأغلاها، لتحدق بالعلبة المتوسطة والممتلئة بأنواع مختلفة من الشوكولاتة في ذهول وتصيح في عفوية وسعادة: _ الله !! ضحك بخفة وقال في نبرة دافئة: _ من خلال معرفتي المحدودة مع رفيف اللي أعرفه إن البنات كلها بتحب الشوكولاتة فقولت أصالحك بدي واتضح إنك من عشاقها غالبًا جذبت العلبة من يده وفتحتها وهي تحدق بالأنواع المختلفة ثم نظرت له وقالت بفرحة شبيهة بفرحة طفلة: _ كله ده ليا وحدي بجد .. أنا بعشق الشوكولاتة بطريقة متخيلتهااش وبدون تفكير غارت عليه وهي تعانقه وتلف ذراعيها حول رقبته هاتفة بامتنان ونبرة عاشقة: _ ميرسي جدًا ، ربنا يخليك ليا ياكرم دهش في باديء الأمر من حركتها المفاجئة وتعلثم كعادته ولكنه مد يده وملس على ظهرها في حنو ورقة وهو يبتسم ثم ابتعدت هي عنه وفتحت العلبة من جديد والتقطت أحد الأنواع المفضلة لديها وبدأت تأكلها برقة وبمجرد ما أدخلت قطعة صغيرة في فمها أصدرت أنينًا متلذذًا وهي تبتسم ومغمضة عينيها، ليجدها تصدر حركات طفولية بجسدها وهي تضحك قائلة: _ الله حلوة أوي ، نفسيتي كانت محتاجة ده بجد ! قهقه بقوة على حركاتها العفوية لتطالعه هي بابتسامة بها شيء من الحياء البسيط ثم مدت يدها بقطعة شوكولاتة إلى فمه لينفر هو قائلًا بنفور: _ تؤتؤ مش بحب الحاجات دي مليش فيها رمقته بنظرة حادة وقالت بحدة مزيفة ونبرة آمرة وهي تخفي ابتسامتها بصعوبة: _ افتح بقك فتحه مغلوبًا على أمره لتضعها في فمه فيغلق هو فمه ويأكلها وعلامات النفور والتقزز بادية على ملامحه، فتضحك هي على منظره وتقول ساخرة: _ طيب والله طعمها جميل جدًا ، ده أنا أخدت pour رهيبة بسببه ليجيبها وهو لا يطيق ذلك الشيء الذي وضعته في فمه: _ أمممم جميلة فعلًا !! ثم التفت خلفه وجذب كوب الماء الممتلئ على المنضدة الصغيرة وشربه دفعة واحدة ليزيل ذلك الطعم الذي يشعره بالرغبة في التقيأ، ويعود يكمل ببساطة: _ أنا عدو الحلويات وأي حاجة مسكرة وعندي حساسية منهم شهقت بفزع وقالت في خوف حقيقي: _ يعني اللي أكلتها دي هتتعبك ! هز رأسه نافيًا وهو يبتسم بلطافة متمتمًا: _ لا مش هتعملي حاجة متقلقيش لتأخذ نفسًا عميقًا بارتياح وتجده يهتف بمرح يسرق القلب: _ هااا نقول صافي يالبن خلاص ؟ أصدرت ضحكة أنوثية رقيقة وهي تفتح شفتيها باتساع وتجيبه مبادلة إياه نبرته المرحة بنبرة قاصدة من خلالها التغزل به: _ حليب ياقشطة أكمل مداعبته لها بعدما فهم نبرتها الخبيثة ونظرتها وقال ضاحكًا: _ أنا بتعاكس ولا بيتهألي !! انطلقت منها ضحكة متأججة وقالت هي ترفع سبابتها متصنعة البراءة: _ لا متفهمنيش صح ! نجحت في إطلاق ضحكته المرتفعة والجميلة وغمغم مشاكسًا: _ هحاول أفهمك غلط ! ثم هب واقفًا واتجه إلى الخزانة وأخرج ملابس المنزل خاصته واتجه إلى الحمام ليبدل ملابسه وهو يلقي عليها نظرة باسمة وبمجرد ما دخل واختفى عن أنظارها أصدرت تنهيدة حارة وهي تبتسم بهيام، فقلبها يتعمق كل يوم أكثر في عشق فريدها ووسيمها !!! ............ *** فتح حسن باب المنزل ودخل ثم أغلق الباب خلفه وبدأ في نزع حذائه عنه وإذا به يسمع صوتها وهي تتحدث في الهاتف فأسرع في نزع حذائه واندفع نحوها بعدما توقع مع من تتحدث وبالفعل بمجرد ما أن وقف أمامها مدت يدها له بالهاتف وهي تبتسم بلؤم: _ خد كلم مامتك اشتعلت نظراته وحدَجْها شَزْرًا ثم جذب الهاتف من يدها بعنف ووضعه على أذنه يجيب على أمه بمضض: _ أيوة ياماما أتاه صوت أمه الضاحك وكانت في قمة سعادتها: _ الف مبروووك يابني أخيرًا ياحسن هشيلك ولاد ياحبيبي .. الفرحة مش سيعاني والله ألقى نظرة مرعبة على يسر وهمس لها في وعيد حقيقي: _ وحياة أمي لأربيكي ثم عاد يجيب على أمه باقتضاب: _ الله يبارك فيكي ياماما _ خلي بالك من مراتك ومتخليهاش تتعب في البيت ولو زعلتها ياحسن حسابك معايا أنا ، الزعل وحش على الجنين وأنا عايزة حفيدي ياجي صحته زي الفل _ حاضر قالها بامتعاض حتى ينتهي من هذا الحديث المستفز ويتفرغ لتلك الأفعى ويلقنها الدرس الذي تستحقه، ولكن بمجرد ما أن انتهت والدته أخذت منها الهاتف الجدة وهي تلقي التهاني عليه وسعادتها لا تختلف عن هدى كثيرًا وهو يكاد يشعر بأنه سينفجر من الغيظ وحين انتهى من حديثه معهم ألقى بالهاتف على الأريكة وصرخ بها بوجه عبارة عن بركان خامد ما زال لم ينفجر حتى الآن: _ أنا قولتلك إيه الصبح ! تجاهلت كلامه وعصبيته وقالت ببرود: _ وأنا قولتلك إني مش هنزله ثم أكملت بخبث: _ تخيل مرات عمي تعرف بإنك عايز تطلقني وإنك مش عايز الطفل وعايزني أنزله ممكن يحصلها إيه وهي تعبانة وعندها القلب قبض على ذراعها بعنف وصاح في صوت جهوري: _ هتنزليه يايسر .. وزي ما بتمثلي وبتكدبي هتكدبي وتقولي إنه الحمل مكملش واجهضتي ابتسمت بمرارة وقالت في خذلان: _ إنت إزاي كدا ! ، إزاي قاسي بالشكل ده ، مفيش ذرة رحمة في قلبك .. الطفل وفهمنا إنه مش فارق معاك طيب وأنا !! إنت بتعرض حياتي للخطر باللي بتطلبه مني ، عمليات الإجهاض دي بتبقى خطيرة هيكون إيه منظرك قدام نفسك وضميرك لو عملتها وحصلتلي حاجة أو متثم دفعت يده عنها وقالت بنفس نبرتها السابقة: _ ده ابنك !! ، أنا كان عندي أمل إنك على الأقل تقول ده ابني ومش هفرط فيه حتى لو إنت مش عايزني وجوازنا ممكن ميكملش بس مكنتش منتظرة منك كدا ومتوقعتش إنك تطلب مني أنزله وتجازف بحياتي قرب وجهه منها وقال في قسوة تليق به وبنظراته القاتلة غير مباليًا لأي مما قالته، فالآن هو لا يرى شيء سوى ذلك الطفل الذي سيربطه بها للأبد ويريد التخلص منه بأي شكل ممكن: _ وأنا مش عايزه عشان منك وإنتي أمه يايسر غامت عيناها بالعبارات بعدما أحست بسكين رُشِقَتْ في صدرها بسبب كلماته المسمومة، في كل يوم تقول بأنها ستصل لمبتغاها حتمًا ولكن يأتي هو ويعيدها للصفر بقسوته، وكانت قد سعدت اليوم بخبر حملها واعتقدت بأنه فرصة أهداها إياها الله لتتمكن من كسب قلبه ويكون لديها وقت أكثر وكانت قد عزمت على استغلال هذه الفرصة أفضل استغلال ولكن دون فائدة. هاجت عواصفها واغتاظت بشدة منه حتى وجدت نفسها تهتف بعدم وعي: _ مفكرتش في الكلام ده ليه يوم لما جيت سكران ومش في وعيك واستغليتني ، مفكرتش ليه في النتيجة دي وحسبتلها حساب ، جاي دلوقتي تقولي الكلام ده !! ،
بس أنا غبية فعلاً أصل منتظرة إيه من واحد عديم مسئولية وقذر وحيوان وسافل وميعرفش شيء عن الرجولة بالاسم بس راجل!
غلّى الدم في عروقه وكأنها وضعته على موقد ملتهب، وأخيراً أطفأت حمّه البركانية معلنًا عن انفجاره الحقيقي والمرعب وفقدانه التام على السيطرة في أفعاله.
فلقد حذّرها الألف مرة من أن تستفزه وتتخطى الحدود الحمراء ولكنها لا تفهم هذا، والآن هي تستحق ما سيفعله.
نزل بكفه الكبير على وجنتها يصفعها بعنف ثم جذبها من خصلات شعرها إليه هامسًا بجانب أذنها في صوت يقذف الرعب في الأبدان:
_ هكتفي بكدا المرة دي لكن المرة الجاية مش هكتفي بده، لإني جبت آخرى منك خلاص ومبقتش طايقك ولا مستحملك.
ثم دفعها بعدم اكتراث لتسقط على الأريكة ويبتعد عنها وهو يرمقها باشمئزاز وغضب عارم....
***
داخل شركة العمايري في صباح يحمل الكثير من المفاجآت العجيبة...!
كان علاء في مكتبه يقوم بإنهاء أعماله الخاصة وبينما هو منشغل ويثبت كامل تركيزه على عمله انتشله رنين الهاتف فكان سيتجاهله لولا أنه لمح اسم المتصل والذي كان والده، ليتأفف بنفاذ صبر ويمسك بالهاتف وهو يجيب عليه مقتضبًا بعدما توقّع سبب اتصاله:
_ الو يابابا.
_ أيوة ياعلاء عامل إيه؟
تمتم علاء في هدوء مختنق:
_ كويس يابابا.. إيه إنت امتى جاي؟!
أتاه صوت أبيه الذي كان طبيعيًا في بدايته ومع نصف الكلام تغيّرت نبرته تمامًا:
_ يومين كمان إن شاء الله..
روحت سلمت على جدتك ولا لا؟!
كما توقّع تمامًا سبب الاتصال وهاهو يتحدث عن الجدة وابنة العم الساقطة ليجيبه بثبات انفعالي:
_ لا مروحتش.
جاءه صوت أبيه الحازم وهو يلقي عليه أوامره:
_ روح سلم عليها وجهّز نفسك عشان لما آجي إنت عارف هيحصل إيه.
صاح بأبيه مندفعًا في عصبية:
_ وأنا قولتلك يابابا مش موافق.. عايز تدبسني في ال**** دي ليه، أنا مالي.
هتف طاهر في غضب عارم:
_ أمال عايزنا نتفضّح، هتتجوزها ياعلاء.
هيمن عليه الصمت لثوان قليلة حتى لمعت عيناه بوميض مخيف وهو يقول بوعيد ونبرة لا تحمل في طيّاتها المزح أبدًا:
_ طيب طالما إنت مصمّم معنديش مشكلة بس محدش ليه دعوة بقى باللي هعمله فيها.
تمالأ يجيب عليه أبيه وفضل عدم الحديث الآن وحين يعود سيتصرّف كما ينبغي مع الجميع وأولهم أمه وابنة أخيه التي تدلّلت زيادة عن اللازم ولم يكن هناك حارس على أفعالها فأقحمت نفسها واقحمتهم جميعهم في نازلة كبيرة!!
.........
***
كان يجلس إسلام على المقعد وعيناه معلّقة عليها وهي تتحرّك هنا وهناك وتلقي الأوامر والتعليمات على الجميع حتى لا يتكاسل أحد منهم عن العمل لدقيقة، وكانت شفتيه تنفرج لتظهر ابتسامة إعجاب..
فقد تمكّنت من ترك بصمتها منذ أول مقابلة لهم في النادي بعدما سكبت القهوة على قميصه..
انتبه لنفسه بعد لحظات طويلة ولما يفعله فهز رأسه نافرًا تلك الأفكار اللعينة التي يفكّر بها وهو يستغفر ربه..
بعدما عاتبه ضميره بشدّة لأنه ينظر لها بهذه النظرات بعدما أَمَنه أخيها عليها، فأشاح بوجهه عنها وهو بهزفرة خنقة ولكن صَكَّ سمعه صوتها وهي تنادي عليه:
_ يا مهندس إسلام تعالى لو سمحت لحظة.
نظر لها وتنهّد بيأس ثم هبّ واقفًا وقاد خطواته خلفها معتكزًا على عكازه، حتى دخلوا لغرفة كبيرة بعض الشيء وكانت موجود فيها الكثير من الأوراق لتبدأ هي في إخراج الأوراق أمامه وتتحدّث معه برسمية تامّة على عكس عادتها وهي تملّي عليه ما سيفعلونه بالضبط ليبدأ هو يشاركها الكلام ويعرض عليها وجهة نظره وبعد دقائق توقّفت عن الحديث وأطرقت رأسها أسفل مغمّضة عينيها بتعب ليقول بريبة:
_ إنتي كويسة؟!
_ آه كويسة دوخت بس شوية!
أجابته بصوت واهن ومرهق ليطيل النظر إليها بتدقيق من قسمات وجهها التي اصفرّ وجهها وبمجرد ما أن أزاح نظره عنها وعاد ينظر للأوراق ويتحدّث من جديد ليجدها تفقد توازنها وتغمض عينيها معلنة عن تغيّبها المؤقّت عن الواقع وقبل أن تسقط يسندها بذراعه وجسدها يرتخي تمامًا..
أصابته الدهشة في بادئ الأمر وهو يحدّق بها وهي بين ذراعيه وفورًا قام بإنقاذ الموقف وإنقاذ نفسه حيث تحامَل على قدمه بصعوبة بعدما سقط العكاز من بيده وسحب مقعدًا كان بعيدًا عنه قليلاً ثم أجلسها عليه بحرص شديد وأسرع ليجلب كوب ماء ثم عاد لها وبدأ ينثر قطرات الماء على وجهها وهو يحدّثها باسمها حتى تفيق ولكن دون فائدة فلجأ للحل الثاني ومدّ يده لأنفها وبدأ يفرك بسبابته وإبهامه على عظمة الأنف العلوية وباليد الأخرى ينثر الماء وبعد لحظات أفاقت أخيرًا وهي لا تقوى على فتح عينيها جيدًا فقط سمعت صوته وهو يهتف بقلق:
_ رفيف ردي عليا إنتي كويسة؟!
أومأت برأسها في إيجاب دون أن تنظر له ليعود ويهتف في نبرة متهمة:
_ طيب أخدك للمستشفى لو حاسة نفسك تعبانة.
خرج صوتها ضعيف ومنخفض:
_ لا أنا كويسة الحمدلله.
اعتدل في وقفته وصاح مناديًا على أحد العمال باسمه ليأتي فورًا ويقول له في هدوء بعد أن أخرج من جيبه نقودًا:
_ معلش روح يا حسين جيب للأنسة عصير وحاجة تاكلها عشان تعبانة.
نظر لها الشاب الذي يكبرهم بسنوات قليلة وقال بعذوبة:
_ ألف سلامة عليكي يا أنسة رفيف.
ردّت عليه في خفوت:
_ الله يسلمك يا حسين.
وفي هذه اللحظة انضمّ لهم زين الذي جاء للتو وحين رأى شقيقته جالسة على المقعد وهي مغمّضة عينيها فاقترب منها وقال في فزع:
_ مالك يا رفيف!!؟
أجابه إسلام بنبرة رجولية عادية:
_ تعبت شوية يا زين.
عاد بنظره لشقيقته ومدّ يده يملس على وجنتها ويقول بحنًى:
_ رفيف يا حبيبتي مالك.. إيه اللي تعبك؟!
_ مفيش حاجة يا زين أنا مرهقة من إمبارح بليل بس.
أحس بحرارة جسدها المرتفعة فحرّك كفه وملس على جبهتها وكافّة وجهها ثم قال في حدّة:
_ حرارتك عالية عشان كدا تعبتي، ليه بتيجي المطعم لما شايفة نفسك تعبانة.
لم تجبْه فهي تشعر بنفسها غير متوازنة ولا تقوى على التحدّث ولكن شعرت به يمسكها من ذراعها ويساعدها على الوقوف هاتفًا بصرامة:
_ يلا تعالي هوديكي للدكتورة.
لم تعترض لعلمها بأن الاعتراض لن يجدي نفعًا معه ونهضت دون مقاومة بينما زين فنظر لإسلام وقال بصفاء:
_ أنا كنت جاي عشان أتكلّم معاك هتصل بيك وهقولك عشان نتقابل.
رَبَتْ إسلام على كتفه قائلًا بابتسامة واسعة:
_ تمام هستني اتصالك.
ثم تابعهم وهو يأخذ شقيقته ويخرج بها ثم يساعدها على الصعود بالسيارة وينطلقوا......
***
داخل منزل حسن العمايري...
ساعات مرّت وهو يحاول الاتصال بها ولكن لا إجابة..
منذ استيقاظه من النوم وهي لا أثر لها بالمنزل فانتابه الفضول حيال أين ذهبت دون علمه، وكان ينوي أن ينهي الشجار القائم بينهم منذ صباح الأمس ويتقبّل الأمر الواقع بعدما أحس في قرارة نفسه بالقلق والخوف من أن يصيبها شيء إن أجرت هذه العملية بالفعل فيعيش في عذاب ضميره الأبدي وكان سيخبرها بتراجعه عن رغبته في إجهاض الطفل ولكنه لم يجدها، والتساؤلات تنهش عقله نهش!!
بعد وقت طويل من محاولات الوصول لها أخيرًا جاءته رسالة منها مدونة بها (أنا في المستشفى يا حسن وداخلة العمليات هجهض الطفل).....!!!