كيف أخبرك بأني اشتقت إليك، بالطريقة التي تجعلك لا ترى من الدروب إلا طريقاً يأتي بك إليَّ؟ كيف؟ تؤلمني نوبات الاشتياق لك، يحطمني غيابك، أشعر بفراغ منذ اختفاءك، لم أجد للسعادة سبيل إلا في ذكرى حبنا الذي لن يعود. بالرغم من الحنين، لكنني سأبقى متمسكًا بذكرياتنا المؤلمة حتى لو كانت آخر ما تبقى لي في هذه الحياة البائسة. كيف أفتح معك حديثاً يخبرك أنني اشتقت إليك، دون أن أجرح كبريائي. بالتأكيد هذا خطأ!
ربما هذا الرجل من أشباهه الأربعين! ربما يشبه وجهه في ملامحه، هو لم يراه جيداً على أي حال بسبب النظارة الشمسية التي كان يرتديها، ولكن الجسد والطول! أخذ يحاول ضبط نفسه وأفكاره، فاستغرق الأمر عدة دقائق وهو يقف مكانه يشعر بالذهول والدهشة، ربما الخوف وكأنه رأى لتوه شبحاً. ولج إلى المكتب، وبمجرد أن وجد مريم سألها بنبرة سريعة: "هو الراجل اللي لسه خارج من هنا مين؟! أجابته مريم بثرثرة وعفوية:
"ده أستاذ ثائر صاحب المتر هلال، صاحبه من زمان أوي من أكتر من خمسة عشر سنة، وجاره في المنطقة القديمة اللي كان ساكن فيها قبل ما يعزلوا، بس هو مش بيجي هنا كتير." أخذ مراد يفكر في حديثها، ربما هذا الرجل يشبهه لا أكثر، أو ربما هو توهم! باغته مريم بسؤال آخر وكأنها الآن استوعبت وجوده: "وبعدين أنتَ بتعمل إيه؟! مش المفروض تروح الشرقية وتقضي الكام يوم دول مع والدتك زي ما قولت؟! تمتم مراد موضحاً:
"أيوه بس قولت أجي أشوفكم النهاردة وأسلم عليكم، مسافر بليل إن شاء الله…" تمتمت مريم بنبرة عملية وهي تتوجه صوب مكتب هلال لأخذ بعض الملفات: "ماشي ربنا معاك يا مراد، عن إذنك." "اتفضلي." رحلت مريم وظل هو واقفاً في مكانه لا يدري حتى ما الذي يحدث! هل كان مجرد تخيل؟ فهي أخبرته بأنه يكون جار هلال منذ سنوات عديدة، بالتأكيد ليس هو. يبدو أنه اختلط عليه الأمر. قاطع أفكاره صوت أنثوي يقف بجانبه: "إيه يا مراد، واقف مبلم كده ليه؟!
نظر لها مراد متمتماً: "مفيش حاجة يا بشرى." هتفت بشرى بعدم تصديق لتلك الإجابة: "مفيش حاجة إزاي أنتَ واقف سرحان خالص، وبعدين صحيح إيه اللي جابك؟! أجابها مراد بنبرة مرحة عكس المشاعر المتناقضة التي يشعر بها الآن: "جيت أسلم عليكم وأسلم على المتر الأول، أنا هسافر بليل." هتفت بشرى بأسف وهي تعقد ساعديها: "المتر هلال مشى لأن دكتور عادل تعب شوية." قال مراد بحزن حقيقي ظهر بسرعة على ملامحه: "إيه دا؟!
ألف سلامة، هبقى أكلمه وخلاص، وبعدين مالك مكشرة كده ليه، فين غطاكي؟! استنكرت بشرى كلماته وهي تغمغم بنبرة ساخرة، لوهلة ظنت بأن هناك مشكلة في ملابسها: "غطايا؟! مش فاهمة؟! تمتم مراد مداعباً إياها: "ملك، ما أنتم حلة ولقيت غطاها، وهي ما شاء الله توأمك في النكد وكل حاجة." هتفت بشرى بنبرة فاترة: "يعني تعبانة، عندها دور برد النهاردة ومجتش." عقب مراد بعفوية: "طيب ابقى سلمي عليها…" *** "بني سويف"
تشرب نرمين قهوتها وهي تجلس تشاهد التلفاز، بذهن صافي، فما أجمل تلك الليالي التي لا يتواجد زوجها في المنزل، وقتها تشعر بالحرية والسعادة حقاً. الشيء الوحيد الذي يعكر صفوها في غيابه هي والدته "زينب" التي تغضبها، بسبب تحكماتها في المنزل وفي كل تفصيلة في حياتها، وكأنها دومًا تخضع للمراقبة من قبلها.
امرأة لعينة في نظرها، ربما لم تكن تلك علاقتهما في البداية، ولكن تغير الأمر، تغير منذ معرفتها بكثير من الحقائق التي كانت غافلة عنها، لتستمر في زواج من أجل مصالح العائلتين سوياً وبسبب إرغامها من قبل عائلتها على الاستمرار. وعلى ذكر زينب، أتت وهي تستند على عكازها التي أحياناً تقوم باستخدامه، وجلست على المقعد الوثير متمتمة: "إيه يا نرمين مالك قاعدة كده ليه؟! رفعت نرمين حاجبيها وتحدثت بنبرة باردة:
"والمفروض أقعد إزاي يا حماتي العزيزة؟! بتلقائية شديدة كانت زينب تتحدث: "المفروض تقومي تجهزي نفسك وتقومي تعملي الأكل اللي جوزك بيحبه وتجهزي الدنيا مدام جاي من إسكندرية وبنتك جاية هي كمان نهاية الأسبوع، مش معقولة يعني التكشيرة دي." ضحكت نرمين بسخرية وهي تعقب بنزق: "ومن امتى يعني أنا بستعد وبستقبل ابنك علشان تكوني مستغربة أوي المرة دي؟! أردفت زينب بتهكم صريح:
"والله الواحد معاكي شاف العجب، مش عارفة امتى هتعملي حساب لبيتك وتلمي عيالك حواليكي، واحد قاعد في بلاد برا بينزل كل كام سنة وبنتك مبتفكريش حتى تقربي منها." قالت نرمين وهي تترك القهوة على الطاولة بانفعال ملحوظ: "كفايا حضرتك قريبة منها يا حماتي، وبتنفذي ليها كل طلباتها." صاحت زينب بنبرة منفعلة: "أنا مش فاهمة أنتِ غيرانة ليه من علاقتي ببشرى؟!
أنا كل اللي بعمله إني بعوض البنت على إهمالك فيها، وياريتني عارفة أعوضها، اهتمي بيها أنتِ أحسن وساعتها أوعدك هقعد أتفرج مش هدخل في حاجة، أنا مش عارفة أنتِ إزاي أم أنتِ؟! صاحت نرمين هي الأخرى بجنون وهي تغمغم: "ومقولتيش ليه الكلام ده لابنك؟!!
مقولتيش ليه الكلام ده لابنك ومن سنين، من سنين لما كان متجوز واحدة من الشارع وابنه كان لسه حتة لحمة حمراء، مش كفايا القرف اللي كنت بستحمله لما كان كل شوية يكون ماشي مع واحدة، واخرتها راح اتجوز واحدة شمال…" غمغمت زينب بانفعال وهي تقاطع حديثها المستفز بالنسبة لها: "اسكتي يا نرمين…" تمتمت نرمين بغيظ ونبرة هستيرية: "مش هسكت، هو أنتِ بس اللي من حقك تفضلي تدي اللي قدامك بالكلام وتحرقي في دمه؟!!
"كل اللي بتقوليه ده ميديش مبرر لمعاملتك لأولادك، وبعدين استمرارك في الجوازة دي كان معناه أنك موافقة على كل اللي بيحصل محدش ضربك على إيدك.." قالت نرمين ساخرة: "أبويا الله يرحمه غصبني أكمل على أمل إنه هيتعدل بس ابنك لغاية دلوقتي متعدلش." تمتمت زينب بنبرة جامدة وهي تتلو عليها الحقائق واحدة تلو الأخرى:
"هيتعدل إزاي وأنتِ بقالك أكتر من سبعة وعشرين سنة بوزك شبرين، كل ما تشوفي وشه مبتديهوش أي ريق حلو، وحتى لما حملتي في بشرى بعد سنين من خلافكم الواحد كان عنده أمل إن الأمور ما بينكم بقت أحسن.." هتفت نرمين بنبرة منزعجة وجريئة: "كانت لحظة ضعف مني إني أعتبره جوزي من تاني، مكنش المفروض أخلف منه تاني، مكنش المفروض ده يحصل أبداً، وبعدين ابنك اللي مش عايز يطلقني من بعد موت أبويا وهو مش عايز يطلقني…." قاطعتها زينب بضيق:
"طلاق إيه ما تتعدلي يا نرمين، ده عيالكم بكرة يخلواكم جدود، وأنتِ لسه بتتكلمي في غلطات الماضي، ما خلاص اقفلي عليها واللي حصل حصل ساعتها، واعقلي كده واهتمي بجوزك وعيالك بدل ما أنا مش فاهمة أنتِ بتعملي إيه في حياتك؟! أردفت نرمين بنبرة مختنقة: "مش أنتِ اللي هتقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه، كنتي ربيتي ابنك أولى." قالت زينب بعدم استيعاب:
"أنتِ لسانك طويل ومتربتيش يا نرمين، وأنا غلطانة في أي حاجة عملتها عشانك زمان أو حتى لغاية دلوقتي، بالعكس كنتم طلقتكم وخلصنا من القرف ده." غمغمت نرمين بسخرية: "أنتِ معملتيش حاجة غير إنك في كل السنين اللي فاتت كنتي بتحاولي تصلحي صورة ابنك لا أكتر ولا أقل، عمر ما أي حد فكر فيا حتى أهلي مفكروش، فمش هعاتب عليكي…" تمتمت زينب بنبرة عقلانية: "على الأقل لو إحنا غلطنا وأهلك غلطوا متكرريش الغلط ده مع عيالك يا بنتي واعقلي."
"أنا اتجننت من زمان، اتجننت واللي كان كان، كلامك اتأخر أوي." أردفت زينب بنبرة هادئة وحانية: "لسه في وقت إن كل حاجة تتصلح يا بنتي." قالت نرمين بصدق وتعب من كل شيء تمر به: "مفيش خلاص…" ثم استرسلت حديثها بجحود قبل أن تنهض وتغادر المكان: "وياريت تكوني عارفة إن حوار جمال ده أنا مش قابلة بيه، ولو في حاجة صح هعملها في حق بنتي هو إنها متربطتش بأي راجل من عيلتكم." *** "في الشرقية"
فتح كمال بوابة المنزل بعد أن قرع أحدهم الجرس الخاص بالبوابة، وكان رأى الطارق من هاتفه قبل أن يذهب بواسطة الكاميرا. وجد أمامه شاب في مقتبل العشرينات من عمره، تحدث كمال بنبرة هادئة: "اتفضل!! تمتم الشاب بنبرة عملية وهو يمد الحقيبة له: "الاوردر ده باسم مدام فردوس."
نظر كمال على الحقيبة متفحصاً ليجدها من صيدلية، أخذها منه وسأل الشاب عن الحساب وقام بدفعه، وبعد رحيله أخذ يفتح الكيس البلاستيكي المدون عليه اسم الصيدلية والرقم وغيره.
ليجد به بعض المسكنات وأشياء من هذا القبيل، وباسط للعضلات، فتوجه صوب المنزل ثم صعد على الدرج وسار بضعة خطوات حتى وصوله إلى غرفة فردوس وفتح الباب ليجدها جالسة في نصف جلسة على الفراش تغطي نفسها بالغطاء السميك وترتدي منامة محتشمة كأغلب ملابسها وتلف خصلاتها بمنشفة مخصصة للشعر، كانت لا تدري كم مر من الوقت وهي تجلس في مكانها، ربما ساعتين، أو ثلاث ساعات. تحدثت فردوس في نبرة متعبة وحانقة رغم سعادتها برؤيته:
"برضو مفيش تخبيط على باب الأوضة؟! إيه أقفله من جوا بقا؟! "ابقي اعمليها." سألته فردوس باشتعال: "وبعدين استنى كده مش النهاردة يوم ست الحسن والجمال بتعمل إيه هنا بقا؟! عقب كمال على حديثها بنبرة باردة: "أنا أجي وقت ما أجي أنا حر ده أولاً، ثانياً إيه العلاجات دي كلها؟! إيه المسكنات وإيه دا كله؟! رفع يده بالحقيبة البلاستيكية لتنتبه لها في نهاية كلماته، مما جعلها تعقب بنبرة حاولت جعلها عادية:
"روحت الجيم النهاردة أول يوم، وتعبانة مش قادرة أقوم من مكاني فلازم مسكن وباسط للعضلات، إيمان قالتلي كده." ذهب وجلس أمامها على طرف الفراش سائلاً إياها باهتمام: "إيه اللي تاعبك بالضبط؟! عقبت فردوس بهدوء: "جسمي وعضلاتي هيكون إيه يعني؟! إيمان قالتلي علشان دي أول مرة أتمرن وأحرك جسمي والعضلات تشتغل فطبيعي أحس بالألم ده ومع الوقت ومع الاستمرار الموضوع هيكون أحسن وطبيعي…" تمتم كمال بنبرة ذات معنى وهو يقاطعها:
"طبعاً، أنتِ عضلاتك صدت من الركنة يا حبيبتي." ضيقت عيناها وهي تقول بانفعال طفيف وخجل: "كمال متعصبنيش وإلا…" قاطعها كمال وهو يرفع حاجبيه متمتماً بسخرية: "وإلا إيه؟!!! قالت بارهاق ولضحك فهي تشعر بالألم يعم في أنحاء جسدها كله: "ولا حاجة أنا أصلاً مش قادرة أتحرك من مكاني عشان أعمل فيك حاجة." هتف كمال بنبرة متهكمة: "ولا بتعرفي تعملي حاجة حتى وأنتِ كويسة." "لو جاي تسم بدني بالكلام، يستحسن تمشي." تحدث كمال بجفاء وسخرية:
"أنا مش مستني منك الأمر امتى أجي وامتى أمشي يا حلوة، واتعدلي." عقدت ساعديها وهي تقول بضيق: "أنا معدولة." أردف كمال بتهكم: "كويس، المهم مبعتليش ليه ولا كلمتيني لما رجعتي من الجيم؟! تحدثت فردوس بكل تلقائية: "مهوا أنا نسيت…" كز كمال على أسنانه وهو يغمغم بغضب ملحوظ: "فردوس متعصبنيش." أردفت فردوس بتوضيح:
"أسفة مركزتش في حاجة، كل اللي كنت بفكر فيه أجيب علاج أو أي حاجة تريحني، تعبانة أوي يا كمال، مكنتش متخيلة إني هتعب بالشكل ده، بس إيمان بتقول حاجة طبيعية يعني…" هتف كمال بضيق ملحوظ: "سلامتك يا حبيبتي، وبعدين كفايا كل شوية تجيبي سيرة إيمان عشان الست دي بتضايقني." نظرت له فردوس بانفعال ملحوظ وتغيرت نبرتها الهادئة إلى أخرى شرسة:
"كمال ملكش دعوة بإيمان، وبعدين دي غلبانة وكفايا أوي إنها مش عارفة تكمل حياتها بعد حسن، حسن اللي أنتَ عارف خسرناه إزاي، مش لازم نفتح في القديم، ملكش دعوة بإيمان لأني مش هتخلى عن صحوبيتي ومعرفتي بيها." تمتم كمال بسخرية: "طبيعي متتخليش، التخلي عندك شايلاه ليا أنا وبس على جنب، بس الشهادة لله شايلاه لوقت عوزة."
نهض بعد أن انتهى من كلماته، توجه صوب الحقيبة والصندوق المتواجد في نهاية الغرفة مما جعل فردوس تعقب بجدية متجاهلة كلماته وهي تجده يعبث في صندوقه: "تحب أفضي حاجتك في الأوضة والدولاب؟! عقب كمال بجحود ولوم: "عمرك ما عملتي اللي بحبه، فمتجيش في دي وتسألي إيه اللي حابه، اعملي اللي يريحك يا فردوس عايزة تفضيهم في أوضتك حطيهم مش عايزة نزليهم في المكتب اللي أنا بنام فيه."
زفرت فردوس بضيق وهي تعقد ساعديها فهي تشعر بالغضب شديد، كونها دائماً التي تلام في كل الأوضاع. بعد أن أخذ بعض الأشياء التي لم تهتم ما هي، عاد ونظر لها وهو يقف بمسافة ليست بعيدة عن الفراش: "وبعدين متكتريش في المسكنات دي عشان غلط، وبعدين اللي تعبان بياخد واحدة يجيب شريط مثلاً، لكن إيه العلب دي كلها؟! توترت فردوس وتحدثت بنبرة هادئة: "يعني أنا بحب أخلي الحاجات دي هنا احتياطي لأي وقت فقولت أجيب علب أفضل."
هتف كمال بنبرة عملية: "ماشي بس المهم متكتريش، آخرك واحدة بس، عشان المسكنات كترها غلط، وممكن تستحملي شوية ومتاخديش وخلاص، معلش دي ضريبة عدم استخدامك لعضلاتك الله يرحمها اللي صدت من الركنة وقلة الاستخدام…" صاحت فردوس باسمه: "كمال!!!! زينت ابتسامة رجولية خالصة ثغره وهو يقول بجدية: "خلاص ياستي أنا ماشي في العموم." خرجت منها بطريقة عفوية وهي تقول: "لا استنى خليك شوية…" نظر لها بعمق وهو يسألها بعبث: "ليه أخليني؟!
تمتمت فردوس محاولة إيجاد أي سبب منطقي: "يعني علشان عايزة أتكلم معاك." أقترب منها وجلس بجانبها على الفراش لينكمش جسدها تلقائياً. عقب كمال باهتمام: "ها عايزة تقولي إيه؟! "أنا رايحة بكرة أبيع الدهب عشان أكمل الحاجات اللي قولتلك عليها." عقب كمال بنبرة عملية: "برضو مش عايزاني أساعدك؟! قالت فردوس بجدية شديدة: "أنا هكون مرتاحة كده أكتر."
"خلاص وأنا مش هدخل في قرارك، اعملي اللي يريحك، بس ابقي عرفيني رايحة امتى وهترجعي امتى وكده عشان أكون معاكي على الخط." عقبت فردوس بابتسامة هادئة: "حاضر، وبجد شكراً إنك سبتني أعمل اللي أنا عايزاه في الموضوع ده." قال كمال بنبرة واضحة: "أنا هسيبك تعملي اللي أنتِ عايزاه عشان أنتِ جيتي وصارحتيني، ودي بتفرق." غمغمت فردوس بود: "ماشي يا كمال." هتف كمال بنبرة جادة وهو يميل عليها:
"مش عايزة أي مساعدة لعضلاتك، أدعلك حاجة، أدهن ليكي حاجة، أعمل أي حاجة مش هتأخر عنك." أردفت فردوس بنبرة خجولة وهي تنظر إلى داخل عينيه: "لا مش عايزة حاجة شكراً…" تمتم كمال بنبرة مرحة وهو يستند بيديه على الفراش متحجز جسدها بينهما: "فكري أنا لو منك أفكر، العرض مغري جداً." "لا كتر خيرك." طبع قبلة على جبينها وهو يغمغم بهمس بجانب أذنيها: "أنتِ اللي خسرانة، خلي بالك من نفسك، ولو في أي حاجة كلميني…" "طيب."
تنفست الصعداء بعد أن ابتعد عنها ورحل تاركاً الغرفة فارغة بدونه كحياتها التي ينقصها وجوده، فمتى الوصل؟! تركها وذهب إلى بيته مع داليا… وهذا كفيل بأن يفسد أمسيتها، بات كمال يقضي ليلته مع امرأة أخرى بفضلها، فمازالت لا تنسى كلماته حينما أخبرها أنها لو كانت اعترضت على زواجه لم يكن ليفعل. يا ليتها أخرجت الثورة المتواجدة بداخلها أمامه. ***
تجلس ملك على الفراش باعياء نفسي قبل أن يكون بدني، لذلك قررت بألا تذهب إلى العمل اليوم لأسباب كثيرة. أتت بشرى من عملها وأخذت تقوم بتنظيف المنزل وترتيبه، فعلى ما يبدو أن ملك لم تنهض من فوق الفراش، وقامت بصنع الدجاج المسلوق والحساء لها، وأخذتهم وولجت إلى الغرفة قائلة بنبرة مرحة: "أحلى فراخ ولسان عصفور هتأكليهم في حياتك." نظرت لها ملك بشك وهي تغمغم: "متأكدة؟! ده أنتِ من الأيدي الناعمة يا بشرى اللي مش بتهوب ناحية المطبخ."
هتفت بشرى بحنق وهي تضع الطعام على الطاولة المتواجدة بجانب الفراش التي وضعتها بشرى منذ دقائق حتى تضع الطعام فوقها، وضعت يدها في جانبيها: "يا حبيبتي ايدي ناعمة؛ ايدي ناعمة بس لما بدخل المطبخ هشرفك وبعدين بلاش الحكم من غير ما تدوقي، وبعدين فوقي كده يا ملك؛ أنتِ مالك يا بنتي؟! تمتمت ملك بنبرة عادية: "ماليش يا بشرى عادي دور برد." قالت بشرى بهدوء: "ماشي ياستي؛ مش هتأكلي بقا؟! أردفت ملك برفض وهي تلقي بنظرها على
الدخان المتصاعد من الطعام: "شكله لسه سخن أوي لما يبرد شوية هأكل، أنتِ مش هتأكلي معايا؟! هزت بشرى رأسها نافية وهي تقول بجدية مصطنعة: "لا مينفعش نأكل أنا وأنتِ من نفس الحاجة افرضي حصلنا حاجة احنا الاتنين من أكلي مين ينجدنا؟! على الأقل لو حصلك أنتِ حاجة أنا هلحقك متقلقيش، حطي في بطنك بطيخة صيفي." قالت ملك بامتنان: "والله كتر خيرك يا بشرى." ابتسمت لها بشرى ثم غمغمت بالسبب الحقيقي:
"أكلت في المكتب، أكلت أنا ومريم وأحمد وإبراهيم وولاء على حساب مراد طلب لينا كلنا بيتزا الوداع…" تحدثت ملك بدهشة وهي تقول: "مراد مين؟! عقبت بشرى بعدم فهم: "هو إيه اللي مراد مين؟! هو إحنا نعرف كام مراد؟! سألتها ملك بدهشة: "طب إزاي؟! مش كان آخر يوم ليه امبارح وقال مش هيجي تاني؟! أردفت بشرى بعفوية وهي توضح لها الأمر:
"هو جه النهاردة وقال إنه مسافر بليل وحب يجي يودعنا، وبعتلك السلام على فكرة، بس وقال إنه عازمنا على حسابه على بيتزا الوداع زي ما بيقول." زفرت ملك بضيق وهي تعقد ساعديها، مما جعل بشرى تغير مجرى الحديث بعفوية شديدة منها: "صحيح مش بابا اتصل بيا النهاردة وقالي إنه هيجيب ليا عربية…" قالت ملك بلهفة شديدة: "بجد يا بشرى؟! وافق يعني؟! أردفت بشرى بعد تفكير لعدة ثواني:
"أتوقع يعني إن ستو ليها دخل كبير، بس أنا قلقانة إنها ترجع تضغط عليا تاني في حوار جمال وتبقى حاجة قصاد حاجة، بس برضو الموضوع هيبان بشكل أكبر لما أسافر آخر الأسبوع." هتفت ملك برفض: "مش عارفة مش حاسة من كلامك على ستك إنها هتحط حاجة قصاد حاجة أو بتشيلك جميل، بالعكس أنا شايفاها أكتر حد بيحبك وبيعملك اللي أنتِ عايزاه أكتر من مامتك وباباكِ."
"مش عارفة يا ملك، المفروض أنا أزعل ولا أفرح، بقيت بحس بكل حاجة وبعكسها ومش مطمنة في أغلب الأوقات." قالت ملك بنبرة مرحة: "يا بنتي بطلي نكد بقا، وبعدين بقا بصراحة الواد قمور جداً ومز وألف مين تتمناه، وكفايا اهتمامه بيكي رغم وش الخشب بتاعك اللي بتصدريه ده؛ وبعدين مصيرك تتجوزي يعني مش هتعنسي العمر كله، بعيداً عن إن اسمه جمال ممكن نشوفله اسم تاني ندلع بيه."
"لا ياستي مش مصيري أتزوج ولا حاجة ولا عايزة أتزوجه ولا هو ولا غيره، وبعدين يا حبيبتي لو عاجبك أوي كده أرشحك ليه ويابخت مين وفق رأسين في الحلال." ضحكت ملك وهي تدغدغها بمرح تحت رفض بشرى: "لا مش هينفع عشان هو عينه منك أنتَ يا جميل…" تمتمت بشرى من وسط ضحكاتها: "يا بنتي بس بقا بطلي تتسلي عليا وكلي يلا الأكل تلج مش برد…" *** "في اليوم التالي" -استني يا فهد…."
قالتها أفنان بعد أن كانت تجلس هي وابنها في حجرة والدتها، ولكن بمجرد أن أتت شيماء التي تعمل في المنزل مخبرة إياه بأن أطفالها في الأسفل هبط ولم يستمع إلى نداء والدته التي كان بين يديها طبق الفواكه وتقوم بإطعامه. هتفت منى بنبرة هادئة: "خلاص يابنتي سبيه يلعب هو حابب عيال شيماء ولاقى نفسه معاهم، يبقى يكمل أكل بعدين…" أردفت أفنان بضجر: "دايماً مغلبني في أكل الفاكهة والخضار وأي حاجة مفيدة." تمتمت منى بنبرة حانية:
"متقلقيش مع الوقت كل ده هيتعدل، اللي في سنه أول ما بيجيله فرصة إنه يلعب بينسى كل حاجة، ما أنتم كنتم كده أومال يعني فاكرة إنكم كبرتوا بالساهل كده؟! ابتسمت لها أفنان بهدوء وبالفعل بدأت تقدر ما كانت تفعله والدتهم من أجلهم حينما أصبحت أم، قدرت كل فعل كانت تفعله والدتها من أجل مصلحتها وكانت هي كطفلة تستنكره. هتفت منى وهي تحاول أن تقوم بنصحها: "عاملة إيه أنتِ وجوزك؟! وعلى ذكر زوجها تشعر بالقلق يطوف حولها…
زوجها الذي يكرهها ولا يطيق وجودها حتى… ولا تدري ما تخلصه من همها وتتخلص هي من غضبه وبطشه بها. تمتمت أفنان وهي تقرر بأن تمهد لوالدتها الأمل بالتأكيد لن يظل داغر مستمراً في زواجهما. "يعني الأمور ما بينا مش أحسن حاجة يا ماما." سألتها منى بضيق وكأنها لا تشعر بهذا من الأساس: "ليه كده يا بنتي؟! ما تحافظي على جوزك وعلى ابنك بدل ما هو طفشان طول اليوم كده."
حاولت أفنان توضيح الأمر بطريقة منطقية وكأن حياتها كلها منطقية، تحديداً الأكاذيب التي تقوم بتأليفها منذ دخولها المنزل معه. "داغر بينزل كل يوم عشان هو صحابه واحشينه ومنزلش ولا مرة من ساعة ما سافر، أما عن حياتي معاه فهي من الأول مش مستقرة وجه بعدها موضوع الحمل وبعدها تعب فهد وكله جه ورا بعضه." تمتمت منى بنبرة حانية:
"لما عرفت إن داغر اتقدم ليكي في عز مرضي بعد اللي حصل، أنا وافقت أول ما جدك قالي من غير ما أفكر، مش بس عشان كنت حاسة إنه بيحبك، عشان داغر متربي على إيدي، وراجل يعتمد عليه، وبعتبره زي ابني وطول عمري شايفة اللي تكون مراته أمها دعت ليها في ليلة القدر، ساعتها رغم كل حاجة كنا فيها فرحت وقولت تونسيه في غربته وتكونوا سند بعض." هتفت أفنان بخجل وتوتر:
"عادي يعني مش كل حاجة بتمشي زي ما إحنا متخيلين يعني إحنا الكيمياء ما بينا مش موجودة، ومش متفقين في حاجات كتير يا ماما، وعلشان كده أنا بقولك عشان لو حصل طلاق متستغربيش." قالت منى بإصرار على موقفها: "كل حاجة وليها حل يا بنتي لو في خلاف نقدر نحله واقعد أنا وجدك معاكي ونسمعكم، لكن الطلاق ده آخر حاجة بنلجأ ليها."
تمتمت أفنان بارتباك وانزعاج من فكرة أن الجميع يشعر بحبه لها رغم أنه لم يعبر عن مشاعره بأي شكل من الأشكال، بل هو يفعل النقيض. "يعني أكيد إحنا حاولنا أكتر من مرة مع بعض بس الموضوع مش بينفع، يعني مفيش مشكلة أساسية بس إحنا مش متفقين في العيشة مع بعض في أمور عادية…" هي لا تصدق أي كلمة تتفوه بها ابنتها الآن، وربما ليس الآن فقط منذ عودتها هي وزوجها لا تصدق هذا كله ولكنها تحاول الاستمرار في أكذوبتهم.
"الكلام الخايب ده أنا مش بحبه، مدام الراجل محترم مرفعش إيده عليكي، لسانه مش عمال على بطال بيغلط، مش بيخونك، في أسباب كتيرة قطعاً لازم الست تطلق فيها، لكن في حاجات تانية مقدور عليها." حاولت أفنان قول أي شيء: "مش شرط في ناس بتطلق عشان هما مش مناسبين لبعض واكتشفوا ده بعد الجواز لأن العيشة مع بعض شيء ومعرفتهم ببعض قبل كده شيء تاني…" أردفت منى بعدم اقتناع:
"الكلام الخايب ده كلام ناس عايزة تخرب بيتها وحياتها ودلوقتي في بينكم ولد يا بنتي لازم تعملي حسابة علشان كده بقول أي حاجة ممكن تنحل…" قاطع حديثهم صوت طرقات الباب مما جعل منى تهتف: "ادخل." ولج داغر إلى الغرفة مبتسماً والابتسامة تشق ثغره، مما جعل أفنان تنهض من مكانها عقب رؤيته وهي تشعر بالدهشة منذ أن أتى ولم ترى ابتسامته، لم تراها حتى منذ سنوات وليس الآن فقط. هتف داغر بأدب: "إزيك يا ماما عاملة إيه؟!
كان داغر معتاداً على أن يناديها بلفظ "ماما" فهي من قامت بتربيته والاعتناء به منذ أن جاء إلى منزلهم. وأثناء إجابة منى عليه كان سار عدة خطوات ووقف بجانب أفنان: "الحمدلله يا حبيبي، أنتَ عامل إيه يا ابني؟! "بخير طول ما حضرتك بخير." ثم وجه حديثه إلى أفنان بنبرة رقيقة لا تعتادها منه وقبلة وضعها على جبينها جعلتها ترتعش: "إيه يا أفنان فينك؟ قالب عليكي البيت لغاية ما توقعت إني هلاقيكي هنا مدام فهد بيلعب تحت."
لم تجد شيئاً مناسباً تعقب به. تلك المعاملة لا تفهمها. ولا تصدقها ولا تستطيع أن تجاريه. أردفت منى بنبرة لينة: "اهي أخيراً حنت عليا وجت قعدت معايا، ده إحنا حتى كنا لسه جايبين في سيرتك." تمتم داغر بنبرة عادية وفضول: "جايبين في سيرتي أنا خير؟! هتفت منى بنبرة ذات معنى وهي ترمق ابنتها بنظرات غريبة: "يعني كنت بسألها لو في أي مشكلة ما بينكم عشان كده بتنزل من الصبح وترجع بليل." أردف داغر نافياً وهو يحاوط أفنان بذراعه محكماً
يده عليها من ظهرها: "أبداً مفيش أي مشكلة يا ماما، كل الحكاية إن البلد وصحابي والناس كلها وحشاني لا أكتر ولا أقل، لكن مفيش بينا أي مشاكل خالص، مش كده يا أفنان." عقبت أفنان بخوف فهي تخشاه بالفعل: "فعلاً مفيش مشاكل." هذا الحديث المتناقض يؤكد صحة شكوك منى التي عقبت برفق: "ربنا يهدي سركم يا حبايبي." تمتم داغر بنبرة هادئة: "أنا هسيبكم لوحدكم بقا وأمشي عشان ورايا مشوار؛ وإن شاء الله هاجي على العشاء."
أردفت منى في حبور وحنان: "بإذن الله يا حبيبي في انتظارك." بعد تلك الكلمات رحل داغر، وبعد دقائق من رحيله كانت أفنان مازالت واقفة مما جعل منى تتحدث بلؤم: "واضح أوي المشاكل اللي ما بينكم." قالت أفنان بارتباك: "مهوا يا ماما أنتِ عارفة داغر مش بيحب يقول اللي بيحصل ما بينا قدام حد، ولو عرف إن إني حكيت ليكي حاجة هيضايق…" "هحاول أصدقك." أردفت أفنان بقلق: "قصدك إيه يا ماما؟!
"ولا حاجة يا حبيبة ماما، عايزاكِ تحافظي على نفسك وعلى ابنك وعلى جوزك لا أكتر ولا أقل، ربنا يبعد عنكم الشيطان يا بنتي ويهدي سركم." *** في متجر خاص ببيع الذهب والمجوهرات، يملكه ياسين صديق مقرب من كمال، يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاماً، أرمل لديه طفلتان الكبيرة تبلغ من العمر عشر سنوات والصغيرة سبع سنوات، توفت زوجته إثر حادث منذ خمس سنوات تقريباً ويقيم الآن مع والدته ووالده في منزل العائلة.
جاء كمال وولج إلى المعرض، خلع نظارته الشمسية وكان أمامه يجلس ياسين وهو بين أصابعه قطعة ذهبية واليد الأخرى عدسة مكبرة. تمتم كمال بنبرة هادئة: "السلام عليكم." رفع ياسين رأسه ليترك ما بيده حينما علم من أتى ونهض من مكانه وتحرك بسرعة وحماس ليذهب ناحيته ويقوم بمصافحته: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ إزيك يا كمال؟! أجاب كمال عليه بابتسامة هادئة: "الحمدلله يا ياسين؛ أنتَ عامل إيه واخبارك إيه؟!
"الحمدلله أنا تمام، اتفضل أقعد ده أنا لسه كنت هكلمك والله." جلس كمال على المقعد ليجلس ياسين أمامه. تحدث كمال بنبرة ذات معنى: "ما أنا جيت عشان اللي كنت هتكلمني علشانه." ضيق ياسين عيناه متمتماً باستغراب: "ليه أنتَ كنت تعرف إن مراتك كانت هنا؟! هز كمال رأسه ثم عقب بنبرة ذات معنى: "أيوه ده أنا اللي مديها الإذن كمان…"
استغرب ياسين من صديقه، فحينما كانت تأتي فردوس منذ فترة طويلة لبيع شيء كان يتصل ليخبره ولكنها انقطعت منذ مدة طويلة، واليوم عادت وأتت مع صديقة لها، فظن أن كمال لا يعلم شيئاً. ولكنه قرر أن يطلب لهما القهوة وبعد ذلك ليتحدثا، وبالفعل جاءت القهوة، وأخذ يتناولها كمال أمامه. غمغم ياسين بنبرة عادية: "على العموم أنا شايل الحاجة زي ما هي بعلبتها، وكنت هكلمك عشان أقولك." تحدث كمال بعبث: "وكالعادة أنا هاخدهم." لم يمنع
ياسين نفسه من أن يعقب: "بس غريبة يعني إنك المرة دي عارف وجاي لوحدك؟! تمتم كمال باختصار: "يعني المرة دي هي بتعمل كده عشان عايزة تكمل تشطيب وفرش بيتهم، وهي مرضيتش أتكفل بالموضوع وهي عندية شوية، فقولت أوافق وخلاص…" كانت بالفعل فردوس تلك المرة تظن بأنه لن يذهب ليقوم بشراء ما أخذته لأنه وافق! ياسين رأسه بتفهم ثم تمتم:
"ماشي، بس على فكرة أنا بشكر مدام فردوس في كل الأحوال إنها بتخلينا نشوفك، يعني لولا الحركات دي الواحد ولا كان هيشوفك ولا هيلمحك." "على رأيك، بس اعمل إيه يعني، شوية في البنك وشوية في الشركة، غير البيت." غمز له ياسين ثم أردف وهو يمزح معه: "البيتين يا عم، وبعدين أنا واخد على خاطري منك، كده متعزمنيش في جوازتك أعرف زيي زي الغريب؟! شعر كمال بالحرج وهو يجيب عليه مفسراً الأمر:
"زي ما أنتَ عارف الموضوع جه بسرعة وبعدين مكنش فيه فرح ولا حاجة ده مجرد بس كتب كتاب وكانت العيلة بس اللي حاضرة وكان ساعتها الدنيا مدربكة خالص." أردف ياسين بتفهم وبنبرة مرحة: "أنا بهزر معاك يا عم، ربنا يسعدك أنتَ تستاهل كل خير عموماً." ابتسم له كمال بألم فلا يدري لما لا يشعر بأنه حقاً يستحق كل الخير.
لما حتى الآن لا يشعر بأنه سعيداً حتى بالرغم من زواجه من أخرى تكون برعايته وفعل كل ما يتمنى، تعطيه كل ما حُرم منه من اهتمام ورعاية، وتشعره برجولته بتصرفاتها دوماً ولكنه لا يشعر بالسعادة، انطفاء غريب يرافق روحه. "سيبك مني، المهم أنتَ عامل إيه وبناتك عاملين إيه؟! تمتم ياسين برضا: "الحمدلله بخير، كل أمورنا تمام، على فكرة فرح أخويا الشهر الجاي هستناك بقا." "إن شاء الله…" استرسل حديثه بنبرة عملية:
"قولي بقا باعت إيه، وخدت كام عشان أحول ليك علطول…" "مستعجل على إيه، خليك بس قاعد معايا شوية واحشني والله الواحد مش عارف يتلم عليك…" *** في منزل عائلة عادل النشرتي الجديد. كان شريف يجلس مع هلال في بهو المنزل، بعد أن اطمأن على صحة عادل الذي ارتفع ضغط دمه في صباح يوم أمس، ووقتها اكتفى شريف بمحادثة هلال على أن يذهب له في الصباح واليوم كان في حالة أفضل وقام شريف بإلقاء التحية عليه ثم هبط وجلس مع عائلته.
هتفت هلال بنبرة هادئة وشاحبة، فهو بمجرد أن يشعر بأن والده أو والدته في حالة مرضية كبيرة أو صغيرة يشعر بالذعر والخوف. "تعبت نفسك يا ثائر…" ربما أكثر شخص اعتاد على مخاطبته في أغلب الأوقات بثائر هو هلال، إلا حينما يشعر بالغضب من تصرفاته. تمتم شريف بنبرة صادقة: "تعبت نفسي إيه؟! أنتم أهلي يا هلال، ووقفتوا جنبي في عز ما كان مفيش حد جنبي، اللي عمله والدك علشاني أنا عمري ما هنساه لأخر يوم في عمري، وبعتبره زي أبويا بالظبط."
"وهو بيعتبرك زي ابنه، وأنتَ أخويا اللي عمري ما هتخلى عنه." "ربنا يخليك ليا." ابتسم له هلال وربت على كتفه ثم تحدث باستغراب: "صحيح إيه اللي وداك المكتب امبارح؟! أنتَ عمرك ما بتجيلي على هناك أبداً هو في العادة أنا اللي بلف وراك وبشوفك فين." حك شريف مؤخرة رأسه وغمغم بنبرة مترددة حاول جعلها عادية: "مفيش حاجة." "لا إزاي؟! أكيد في حاجة خليتك تيجي المكتب علطول من غير ما تكلمني هو أنا هتوه عنك يعني؟! تمتم شريف بتردد كبير:
"يعني خليها وقت تاني أفضل." غمغم هلال بإصرار وفضول: "قول يا شريف علطول!! "كنت عايزك في حوار يخص شمس." تحدث هلال بضيق: "هو أنتَ لسه على علاقة بالست دي؟! وبعدين أنا هعملها إيه يعني أو إيه علاقتها بيا؟!!! فجر شريف القنبلة من دون تفكير مما جعل هلال ينظر له مدهوشاً عقب كلماته: "عايزك تعمل ليها بطاقة…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!