جلست فردوس على الأريكة في منزل عائلة إيمان. لم تكن تظن أنه بعدما صفعتها، من الممكن أن تعود وتتحدث معها مرة أخرى. والدة إيمان، رغم كل شيء، استقبلت فردوس بترحاب. هي لا تعلم التفاصيل كلها، ولكن تعلم ربما القشور. لكنها لا تستطيع سوى أن تستقبل ضيفة أتت إلى منزلها. ولأنها كانت مشغولة مع ولدها الذي يأخذ الطعام لأصدقائه في الأعلى. هتفت إيمان بانزعاج واضح وهي تعقد ساعديها: -جاية تتكلمي معايا في إيه يا فردوس؟
مش قولتي إنك مش عايزة تشوفي وشي تاني؟ حتى إيدك لسه معلمة على وشي. ياترى ضميرك أنبك على اللي عملتيه معايا؟ وأنا ما عملتش معاكي كل خير. ياترى عرفتي إنك غلطتي في حقي؟ ضحكت فردوس رغمًا عنها ساخرة مما تسمعه. وعقبت على حديث إيمان بهدوء وثبات تحسد عليه: -ما علينا. هحاول أدور على الخير اللي عملتيه معايا، يمكن أكون ناسياه دلوقتي. أو زي القطط بأكل وبنكر، الله أعلم بحالتي. أما بالنسبة لضميري، متقلقيش عليه، الحمد لله مرتاح.
تحدثت إيمان بانفعال تحاول كبته: -اومال جيتي ليه يا فردوس؟ تمتمت فردوس بتوضيح بسيط عن سبب الزيارة: -شريف سلم نفسه. كررت إيمان كلمات فردوس بعدم تصديق: -شريف سلم نفسه؟!!!!!!!! قالت فردوس بدهشة: -معقولة متعرفيش؟ ده البلد كلها عرفت. غمغمت إيمان بسخرية شديدة ومقت: -والله الفضل كله يرجع ليكي. ولا معايا تليفون ولا بنزل أشوف الشارع، ومعرفش أي حاجة. وبعدين سلم نفسه ومسلمش نفسه إيه اللي جابك؟ أنا مالي بالموضوع.
هتفت فردوس بتفسير: -المحامي هيحط اسمك من بين الناس اللي هيعوز يستدعيهم. عايزاكي تشهدي شهادة حق. قالت إيمان باستنكار: -عايزاني أقول اللي عمله في أفنان؟ هزت فردوس رأسها نافية:
-هما مش عايزين كده. بس عايزينك تفسري الموضوع من تاني وتقولي اللي شوفتيه. وإنها مجرد خناقة. ووقتها أنتِ اتحاملتي على شريف لأن أعصابك كانت تعبانة من المنظر. وده الراجل اللي هتتجوزيه. لكن طبعًا مع مرور الوقت أعصابك هديت وبدأتي تفهمي الموقف صح. واوصفي اللي أنتِ شوفتيه بالظبط، لا أكتر ولا أقل. تمتمت إيمان بتهكم طفيف: -وأنا إيه اللي يجبرني أعمل كده؟ وأعمل حاجة مش مقتنعة بيها. تحدثت فردوس ببساطة:
-لو لسه عندك شوية ضمير، هتعملي كده. غمغمت إيمان بعدم تصديق: -أنا بجد مش فاهمة إزاي واحدة تقبل كده على أخوها، مهما عمل. أنتِ مش موجوعة حتى؟ ما كنتيش محتاجة تسمعي تفسيره. حبك لكمال مجننك. قالت فردوس باعتراف حقيقي:
-لو في حاجة واحدة وجعاني، هي إن موته لسه واجعني. مهما كان وحش، بس هو اللي عمل في نفسه كده. وأنا مش مجبرة أعيش عمري كله أدفع ذنب غيري، وأعيش نفسي في الوهم. كفايا كل اللي بيعمله. وكفايا أوي اللي عرفته عن محضر اللي اسمها أسماء. كمال مرضيش يقولي، بس لما قعدنا مع المحامي عرفني. قالت إيمان بتردد: -أسماء؟ أنتم عرفتوا الحكاية دي منين؟ دي كانت… رفعت فردوس يدها متمتمة باختناق:
-اياكي تكملي. أنا مش عايزة أعرف أي تفاصيل. لو كنت حابة أعرف، كنت عرفتها من المحامي. بجد يا إيمان، أنتِ مش طبيعية إنك تكملي مع واحد عارفة كل ده عنه. كادت إيمان أن تدافع عن نفسها، تخبرها بأنه كان له طريقة، طريقة عجيبة يجعلها تسامحه مهما اقترف، وكأنها مسحورة، أو مريضة به. أو ربما رغبتها الشديدة في الزواج، كونها لم تكن تقبل برجل غيره، ولا ترغب في أن تضيع سنوات من عمرها مع آخر. كانت حمقاء. واليوم لأول مرة تدرك هذا.
أسترسلت فردوس حديثها وهي تلغي أي محاولة منها لفعل هذا: -ومش عايزة أسمع كلام ملهوش لازمة. أنا جيت وقلت اللي عندي. أنا مش واثقة فيكي وعارفة إنك مش مضمونة، بس يمكن لسه عندك ضمير. شريف كده كده هيتسجن، بس يمكن كلامكم يخلي الحكم مخفف. ابتلعت ريقها ثم أردفت بنبرة جادة:
-حاولي تعملي حاجة كويسة. يمكن أنا ما أقدرش أبص في وش شريف عمري كله بسبب اللي أخويا عمله في أخته. ولأني مش هنسى إنه قتل أخويا برضو. بس هو ما عملش حاجة غلط. دي الحقيقة الوحيدة اللي أنا مصدقاها، رغم كل مشاعري التانية. _بشرى.. تلك المشكلة نفسها. -شمس… شهقت شمس وهي تستدير لتجد بشرى خلفها تقريبًا. أسترسلت بشرى حديثها التي كانت تقف في الناحية الأخرى تستلم الطلب: -إنتِ بتعملي أيه هنا؟
هذا هو السؤال التي تسأله شمس إلى نفسها دومًا حينما تفعل أي شيء غير منطقي، أو تتهور كعادتها. ما الذي تفعلينه يا شمس؟ حاولت التبرير لذاتها على الأقل. تلك المرة لديها سبب قوي جدًا للتهور، ألا وهو (شريف) . أنه من العجيب أنه بعد معرفتها لرجل يُدعى ثائر منذ سنوات، الآن تحاول الاعتياد على اسمه الآخر، أو بمعنى أدق اسمه الحقيقي. أستدارت لتواجه بشرى التي تنظر لها بضيق واستفهام. لا تعلم حقًا ماذا تفعل هنا أسفل مقر عملها؟
هل ينقصها التعامل معها؟ ماذا تفعل أسفل البناية؟ كررت بشرى سؤالها مرة أخرى بانفعال حاولت كبته قدر المستطاع: -بتعملي إيه هنا؟ رُبما أقلعت شمس عن كثير من العادات السيئة، ولكن يتبقى عادة واحدة، وهو اختراع الأكذوبة في ثوانٍ معدودة لإنقاذ الموقف. أحيانًا يتم إنقاذه فعلاً، وأحيانًا أخرى تقوم بزيادة الأمر تعقيدًا. -جاية للمتر هلال. محتاجاه في موضوع. تمتمت بشرى بغضب واضح وضوح الشمس: -محتاجاه في إيه؟ وتعرفيه منين أصلاً؟
أجابت شمس ببساطة: -أعرفه من زمان لأن مكتبهم القديم كان في المنطقة اللي كنت ساكنة فيها. وهو ماسك قضية حد مهم بالنسبالي وحابة أعرف الموضوع وصل لفين. “حد مهم” دون التصريح بالهاوية كما فعل هلال نفسه معها. هي لا تعلم ماذا يفعل بالشرقية حقًا، ولما قام بتأجيل كل شيء من أجل شخص واحد، ولم يصرح بهاويته. ما علاقة شمس به؟ هناك أشياء لا تفهمها، وأشياء تجعلها على وشك ارتكاب جناية الآن. غمغمت شمس بنبرة عفوية:
-خدي رقمي. ولو عرفتي حاجة عرفيني أو وصليني بيه. تحدثت بشرى وهي تضيق عيناها: -يعني أنتِ عارفة إنه خطيبي؟ قالت شمس ببراءة كاذبة: -معرفش. بس أعرف إنك شغالة هنا. ضحكت بشرى ساخرة وهي تتحدث باستغراب: -وتعرفي منين إني بشتغل هنا؟ ليه ما جاش على بالك إني شوفتك بالصدفة؟ لا تعتقد بشرى بأن بينها وبين والدها ود ليخبرها بهاوية خطيبها. هنا شعرت شمس بأن الخطر قد أقترب، وأن لسانها قد انعقد.
تمتمت بشرى بنبرة مكتومة خلفها الكثير، وهي تقوم بفتح هاتفها ووضعته أمامها: -اكتبي رقمك. وأنا لما أعرف حاجة هكلمك. كتبت شمس رقمها ثم غادرت وهي تتمنى قبل أن يحدث شجار بأن تحصا هي على معلومة عن شريف، وبعدها يحدث ما يحدث. لا تهتم. بعد مغادرة شمس، كان مراد يهبط من البناية بوجه غاضب ومقتضب. وما أن لمح بشرى تحدث معلقًا: -إنتِ فين كل ده؟ ده أنا نسيتك.
لم تجب عليه، بل وجد بصرها معلقًا في اللاشيء، تحاول أن تفهم أي شيء مما يحدث أو تربط الأشياء ببعضها. تحدث مراد بنبرة جادة: -بشرى، أنتِ كويسة؟ انتفضت بشرى متحدثة بارتباك: -كويسة. يعني هكون مالي؟ صاح مستنكرًا وهو يشد رحاله متوجهًا صوب المتجر (السوبر ماركت) -أنا اللي مش كويس. أنهى كلماته وغادر، مما جعل بشرى تنظر بعدم فهم، ثم رحلت وهي تتوعد لهلال بأنها لن تتركه. _فقلبي فيك مرتبطٌ رباطَ الأرضِ بالنَّبْتِ.. #مقتبسة
في الحب هناك امرأة نختار بإرادتنا أن نحبها وأن نقع في غرامها، وهناك امرأة أخرى لا نملك أمامها حق الاختيار. ستكونين أنتِ دائمًا تلك المرأة الأخرى. #مقتبسة في وسط اليوم..
اتصل داغر بأفنان التي كانت قد تركت هاتفها في المنزل وذهبت لزيارة شريف. وقتها أجاب عليه فهد، أخبره بأن والدته ذهبت مع شقيقها الأكبر وتوفيق، ورفضت أن تأخذه معها. رغم الشك الذي راود داغر، إلا أنه لم يجعل الصغير يشعر بشيء، بل أخذ يتحدث معه يخبره بأنه قد وصل بسلام ليلة أمس.
لا شك بأن فهد شعر بالسعادة العارمة بأن والده لم يخلف وعده معه، وبالفعل قام بالاتصال به، لم يترك له وعودًا كاذبة كما فعلت والدته السنوات الماضية. لكنه لم يعلم بأن الأمر لم يكن اختياريًا بالنسبة لها، بل كانت مجبورة. انتهت المكالمة بينهما بعد وقت عاطفي كبير بينهما كأب حقيقي وطفله.
في المساء، بعدما اتصل داغر بكمال ليسأله عما يحدث. هو يعلم أن أفنان تخفي عنه شيئًا منذ اتصاله بها ليلة أمس. وكان رد كمال عليه هو شرح ما يحدث، مما جعل داغر يعاتبه كمال بشكل كبير بأنه تركه يسافر رغم معرفته بهذا الأمر، وكيف سيؤثر هذا على أفنان. كان ليتواجد بجانبها ويساندها على الأقل.
كان رد كمال عليه بأنه يعلم بأنه من الممكن أن كان يتصرف بتلك الطريقة، لكنه يعلم ضرورة سفره وأنه لا يستطيع تأجيله أكثر من ذلك، وبأن هذا سيؤثر عليه. هدأ داغر قليلاً وقتها، وحاول معرفة بعض المعلومات عن قضية شريف وتوقعات ذلك المحامي، وأخبره بكل شيء تقريبًا. لذلك في منتصف الليل قام داغر بالاتصال بها. دثرت أفنان طفلها النائم على الفراش بالغطاء، ثم خرجت إلى الشرفة وأجابت عليه بنبرة حاولت جعلها عادية: -الو يا داغر.
“ايوة يا أفنان عاملة إيه؟! تمتمت أفنان بنبرة عفوية: -أنا الحمد لله بخير. لما اتصلت بيا مكنتش في البيت، كنت مع كمال في مشوار كده. قاطعها داغر مداعبًا إياها، وفي الوقت نفسه كانت هي تجلس على المقعد البلاستيكي المتواجد في الشرفة: -أفنان، سيبي الحوارات دي. الناس اللي بتعرف تخبي، هي مالها لغيرك. لأن مع شديد الأسف، أنا بقولك إنك فاشلة في الموضوع ده. أنا عرفت كل حاجة من كمال لما حسيتك مش طبيعية امبارح وأنا بكلمك. هبطت دموعها
متحدثة بنبرة مكتومة: -اديك عرفت. مالي. -أنا هتصل بيكي فيديو كول. قالت أفنان بعفوية: -لا بلاش تشوفني وأنا بعيط ونكدية. أنا مش عايزة أزود همومك أو أضايقك وأنتَ مسافر. أردف داغر برفق: -لو على دموعك، شوفتها قبل كده. أما على النكد، أنا نكدت عليكي كتير، مجتش من مرة تنكدي أنتِ. وبعدين يا أفنان، شعورك بالذنب ده شيء طبيعي جدًا ومنطقي، بس متحمليش نفسك فوق طاقتك. واهدي شوية. -بحاول والله، بس مش بإيدي. ردد داغر بضيق:
-أنا فاهمك وحاسس بيكي يا أفنان. بإذن الله كل ده هيعدي، وهيجي اليوم اللي مش هنكون فاكرين الأيام دي أبدًا. مش هتفتكري غير الحلو وبس، وحتى شريف نفسه. رغم عدم اقتناعها باحتمالية نسيانها تلك الآلام وأن ينسى شقيقها تلك المعاناة، إلا أنها غمغمت باهتمام: -يارب. -يلا، هتصل بيكي. -هو لازم؟ -أيوه. صمت لعدة ثوانٍ، ثم غمغم بنبرة جادة وصادقة لا يشوبها أي شائبة:
-وبعدين أنا عايز أشوفك علشان وحشتيني جدًا جدًا فوق ما تتخيلي. عايز أشوفك، مع إن ده مش كفاية والله. المفروض تكوني في حضني ومعايا. _” بـنـي سـويـف ” -فكري تاني يا نرمين، بلاش تخربي على نفسك. أنتِ مش صغيرة للكلام ده. صاح شقيقها الأكبر بتلك الكلمات. بعدما اتصلت به ورغبت في إتيانه لتخبره بالوضع القائم بينها وبين زوجها، وأنها ترغب في الطلاق بحضور والدة زوجها (زينب) التي أكدت ما حدث.
في الواقع، لم تجد نرمين أي احتواء من شقيقها، دعم أو حتى مساندة. لم يحاول حتى مواساتها. كل ما حاول فعله هو صياحه وسلبيته بأنه رجل وقد سبق له الزواج، من الممكن أن يكن هناك توابع للأمر. ما المشكلة؟ لما تضخم الأمر وهي امرأة في هذا السن، يجب عليها الاهتمام بأولادها وزواجهم، لا طلاقها. كان هذا ما تتوقعه منه، مما جعلها تعقب ساخرة:
-بتفكرني بأبوك الله يرحمه. ساعتها مكنش موافق على طلاقي علشان صغيرة. ياريتك قولتلها ساعتها الطلاق وأنا صغيرة أحسن من وأنا كبيرة في نظرك. صاح شقيقها مستنكرًا تحت نظرات زينب: -آهو ده اللي بناخده منك التريقة، ومش عايزة تقتنعي إنك غلط. إنتِ بكرة ولا بعده هتكوني جَدة، عيب واتكسفي على دمك يا نرمين واعقلي. قالت نرمين باستهجان:
-عمومًا، كويس إنك عارف إنّي كبيرة. يعني ممكن أطلق من غيرك ومش محتاجاك في حاجة، ولا محتاجة حد يصرف عليا، ولا محتاجة حد يقعدني عنده. كل الحكاية إني حبيت أكبرك وأجيبك، بس مفيش ولا مرة خيبت ظني فيك. مصمم إن محدش فيكم يقف جنبي. تمتمت زينب محاولة تهدئة الأمر، تحديدًا وهي ترى شقيق نرمين في حالة غاضبة من كلماتها التي كانت وقعها على أذنيه كالرصاص: -اهدوا يا جماعة، وخلينا نوصل لحل وسط. على الأقل مفيش حاجة هتتحل بالطريقة دي.
غمغمت نرمين بنبرة واضحة ولكنها مهذبة نوعًا ما في نظرها: -أنا هطلق، يعني هطلق. مفيش كلام يتقال. مع احترامي ليكي، مفيش حلول وسط. الموضوع خلصان من سنين. قالت زينب برزانة: -أيوه عارفة، وعارفة إنه معاكي حق. بس اهدي، مفيش قرار يتخد بالسرعة دي. قاطعتها نرمين بنبرة ساخرة من حالها قبل أن يكن منها: -بالسرعة دي!!!! ده أنا اتأخرت عمر كامل. تمتمت زينب بتجاهل لتعقيبها:
-منير في إسكندرية. وحتى لو جه، هييجي عندي أنا في البيت ومش هييجي هنا. وبراحتك في بيتك. على الأقل بلاش تيجي على نفسية بشرى. أنا عارفة إنها مش صغيرة وكبيرة وبقت عروسة، بس دي أهم فترة في حياتها. ومهما بينت إنها مش متأثرة بالقرار وقالتلك أعملي اللي أنتِ عايزاه، إلا إنها من جواها هتضايق وفرحتها هتتكسر. ابتلعت زينب ريقها وحاولت توضيح وجهة نظرها:
-إحنا نقدم ميعاد الفرح زي ما خطيبها كان عاوز في الأول. وساعتها بعد ما نطمن عليها، أوعدك إني بنفسي هجيبلك المأذون وأجي لو لسه مصممة على قرارك. بــشــرى..
حديث زينب هذا جعلها تتراجع. تتراجع من أجل بشرى. لا تريد أن تظل دومًا الأم المهملة، وبعدها الأم الأنانية في نظر أولادها. حسنًا، هي أدركت بأن الأم الغير سعيدة ليست قادرة على تربية أولاد بصحة نفسية جيدة، على الأقل، ويترك الأمر في قلوبهم ندبة إلى الأبد. لكنها أدركت ذلك في وقت متأخر. لا ترغب في إفساد فرحة بشرى. يجب عليها أن تقوم بتجهيزها لزفافها. ومن وسط أفكارها المشحونة والكثيرة، سمعت شقيقها الأمر يوجه حديثه
إلى زينب بانفعال طفيف: -حتى أنتِ يا حجة، بطاوعيها على الجنان اللي جاي ليها على كبر ده؟! بدل ما تعقليها. تحدثت نرمين ساخرة ولم تعطِ المجال لزينب للرد: -أبويا طلعني مجنونة زمان هو وأمي علشان عايزة أخرب بيتي علشان جوزي اتجوز عليا. تلف السنين وجوزي يطلع عنده بنت من جوازته، وعايزة أطلق. وأنتَ برضو شايفني مجنونة. الأحسن حطني في مستشفى المجانين علشان تثبتوا عليا التهمة.
هناك بعض الرجال والنساء ترسخت بهما الفكرة بأن المرأة لا يجب عليها هدم بيتها مهما كانت الأسباب، تحديدًا إذا كانت مكانة الشخص مرموقة، لم يقم بضربها مثلًا، أو تعنيفها. وكأن العنف النفسي لا يشبه العنف الجسدي بشيء. والحرمان العاطفي أقل أهمية من الحرمان المادي في نظرهم. تلك المفاهيم لن تتغير في عقول بعض البشر مهما حاولت ومهما تغير الزمان، ستظل عقولهم كما هي. وكانت للأسف تلك عائلتها.
وافقت فقط من أجل بشرى. بعد أن أملت شروطها على زينب. الشرط الأول: تعجيل حفل زفاف بشرى (إذا كانت هي موافقة ومستعدة لذلك) دون وضع عقدة منير في الأمر بغير سبب حقيقي. الشرط الثاني: هو بأن لا يأتي منير هنا لأي سبب من الأسباب. وأنها ستقوم بالحديث مع هلال حتى يفهم الأمر ويطلب مرة أخرى من منير تقصير المدة وإقناع بشرى بهذا. فهي لن تقبل أن تفعل ذلك بشرى مجبرة، بالرغم من أنها تشعر بميل ابنتها الواضح جدًا له. _‘ الشرقية ‘
في نهاية اليوم، كان هلال يجلس في الفندق. أخيرًا استطاع أن يلتقط هاتفه وينظر به، ليجد رسالة مختصرة جدًا من بشرى على غير العادة. لم تكن بها أي تفاصيل يومها كما اعتادت في الأيام الماضية. “لما تكون فاضي كلمني مهما كان الوقت”. ما الشيء الضروري الذي جعلها ترسل رسالة بهذا الشكل؟
يتذكر آخر مكالمة بينهما في الصباح. كانت روتينية، ربما وهي تخبره بأنها تتجهز للذهاب إلى المكتب. وبعدما وصلت، أرسلت له رسالة مخبره إياه بوصولها، ثم انشغلت هي في عملها ولم ترى رسالته التلقائية والطبيعية على رسالتها. وجد أن الساعة لم تتخطى التاسعة مساءً. الوقت مناسب على أية حال. ألتقط هاتفه وقام بالاتصال بها على الفور، ولم تمر ثوانٍ وكانت تجيب بشرى عليه. الهاتف بين يديها، كانت في انتظاره: -الو. تمتم هلال بهدوء:
-الو يا بشرى، عاملة إيه؟ إيه الأخبار. ردت بشرى عليه باقتضاب: -أنا الحمد لله كويسة. قال هلال بنبرة هادئة: -يارب دايما. في حاجة ولا إيه الرسالة اللي أنتِ بعتاها دي؟ جاءه الرد منها بانزعاج واضح جدًا: -أصل في واحدة سألت عليك وعايزة توصل ليك، فحبيت أكون حلقة الوصل ما بينكم. رد هلال عليها بعدم فهم: -واحدة مين؟ وحلقة وصل إيه؟ وبعدين أي حد بيجي المكتب، المفروض مريم هي اللي تكون معاه الفترة دي. تمتمت بشرى بسخرية:
-معلش، أصلها تخصني أنا. وفي نفس الوقت هي عايزاك بالاسم، مش عايزة أي حد وخلاص في المكتب. صمت هلال لمدة دقيقة ثم تحدث بنفاد صبر: -بشرى، في حاجة عايزة أعرفك عليها. أنا مبحبش حد يحور عليا، أو بمعنى أصح، مبحبش الألغاز. أقصر خط بين نقطتين هو الخط المستقيم. تقوليلي في إيه على طول. ده أريح. واحدة مين اللي بتتكلمي عليها؟ هتفت بشرى بنبرة مكتومة: -عن شمس. تعرفها؟ كان الرد الأمثل الذي سيأتي في عقله بأنه لن يتذكر عن أي (شمس)
تتحدث. لكن ربما ذلك كان سيتحدث لولا توصيات شريف اليومية له حينما يراه بأنه حينما يعود إلى القاهرة، يطمئن على وضع شمس هل انتهت الإجراءات أم لا. هو لم يهتم بحالته أو أي شيء يخص قضيته بقدر ما يهتم بحالتها. -شمس مين؟ قالت بشرى بنبرة منفعلة قليلًا وهي تعترف بشرعية تلك المرأة دون أن تدري: -شمس أختي. ببرود كان هلال يجيب عليها: -أختك مين؟ هو أنتِ عندك أخوات بنات؟ اللي أعرفه هو أخ واحد ومسافر برا، ومعرفش ينزل يحضر الخطوبة.
هو يجيد التلاعب، بل هو شيء أساسي في مهنته، يستعمله حينما يريد. رغم تفضيله الصراحة، لكن هناك بعض اللحظات يظن بأنه يجب عليه أن يحل الأمور الخاصة بمهاراته. تمتمت بشرى بنبرة فاترة: -بلاش شمس أختي، شمس البنت اللي أنتَ مهتم بقضية حد يخصها بالشكل اللي يخليك تسيب الدنيا وتفضل قاعد كام يوم في محافظة تانية. وسبحان الله، أنتم الاتنين مهتمين بنفس الشخص بالشكل ده. هتف هلال بـ دهشة أجاد صُنعها:
-لا، متهرجيش. البنت اللي ثائر بيحبها دي أختك أنتِ؟ مكنتش أعرف. أنا كل اللي أعرفه إن هو في مرة قالي حكاية كده عن البنت اللي بيحبها وطلب رأيي، وأنا اديتهوله. وساعتها البنت نفسها مكنتش تعرف مين أبوها، حسب ما افتكر. الموضوع ده عدى عليه شهور. حديثه مقنع نوعًا ما، ولكنها لا تشعر به. تمتمت بشرى بنبرة جادة: -هو القضية اللي أنتَ مهتم بيها دي قضية ثائر صاحبك اللي كان بيجي معاك في كل مرة عندنا؟ وِجه لما اتقدمتلي؟
تمتم هلال باختصار: -آه. هو الموضوع معقد شوية وفيه تفاصيل كتير. وأكيد هقولها ليكي، بس الحقيقي أنا مكنتش أعرف إنها اختك. وبعدين، هو ده السبب اللي مخليكي متغيرة بقالك فترة والمشاكل اللي عندكم؟
القرار السليم من وجهة نظره بألا يعطيها فرصة بأن تنقلب ضده، أو حتى يشرح لها الأمر بصورتها الصحيحة. شخصية مثلها لن تقبل، وستقوم بإنهاء العلاقة، ربما. ولن تشعر بأنه يرغب بها، حتى ولو كان شريف هو السبب في سرعة وتعجيل الأمر. هو يعترف لنفسه على الأقل بأنه لو كان مر وقت مناسب، لكان اتخذ الخطوة نفسها، لكن في وقتها الصحيح في نظره. لكنه سعيد. هتفت بشرى بشجاعة رغم الخذلان الذي يظهر في نبرتها:
-آه، بابا كان متجوز زمان وطلق، بس مكنش يعرف إنها خلفت، ولسه عارف من فترة قريبة. وهو ماشي في الإجراءات عمومًا. تمتم هلال بهدوء: -كويس. أهم حاجة أنتِ مضايقيش نفسك، وثقي فيا شوية. ولو على موضوع شمس، ابعتيلي رقمها وأنا هطمنها لو مش حابة تكلميها. رغم شعورها بالغيرة، إلا أنها تثق به. نبرته وردوده تجبرها على فعل ذلك: -ماشي. مع إنّي كنت أفضل أقولها أنا، بس طبعًا أنتَ مش عايز تقول تفاصيل.
-هقولك يا بشرى، بس مش دلوقتي. أوعدك في أقرب فرصة. وأنا هبعت ليها رسائل على الواتس وخلاص تطمن بيها عليه. لم يكن يرغب في أن تحتك شمس بها تحديدًا في تلك النقطة، حتى لا تقوم بتخريب علاقته بها. مدام فعلت ذلك، بالتأكيد هي لا تتحكم بتصرفاتها بشكل جيد. وهو يرغب في غلق باب معرفته بأمر شقيقتها من البداية، حتى تغلق هذه الصفحة من حياتهم، لأنه لم يختر المضي فيها. كان كل شيء من قبيل الصدفة، وهو يرغب في استمرار علاقتهما سويًا.
_بعد مقابلتها مع إيمان.. عادت إلى المنزل لتجد ريم تركض من فوق الدرج وخلفها تركض دعاء وتهبط على الدرج بخفة تناقض بطنها المنتفخة التي بدأت تظهر في الفترة الأخيرة. هي تقريبًا تخطت منتصف مدة حملها. كادت فردوس أن تصرخ بها مخبره إياها عما تفعل تلك المجنونة، لكنها وجدت أنها توقفت في منتصف الدرج وكأنها تذكرت شيئًا ما. ويبدو أنها همت لتضع يدها على بطنها. أقتربت فردوس من الدرج متمتمة بنبرة ساخرة: -إيه، افتكرتي حاجة صح؟
تمتمت دعاء بعفوية وابتسامة واضحة: -فعلاً، أخذتي بالك؟ افتكرت إني حامل في وسط ما أنا بجري. أتمنى يكون البيبي ماخدش باله. ثم تغيرت ملامحها مرة واحدة، متحدثة بعدما هبطت وبقيت في مستوى فردوس: -وبعدين أنتِ بتتكلمي معايا ليه؟ أنا مبتكلمش معاكي على فكرة. ضيقت فردوس عيناها وتحدثت باستغراب: -ليه؟ أنا عملتلك إيه؟ أنا حتى بقالي كتير مشوفتكيش؟ غمغمت دعاء بسخرية:
-لما البجاحة بتسأل وبتعترف في نفس اللحظة. يعني مش واخدة بالك إنك بقالك كتير مش مهتمة بيا؟ مكنتش عيش ونصايح ذهبية اديتهالك. أردفت فردوس بنبرة عادية: -يعني أنتِ مش شايفة إن من ساعة ما رجعت من السفر واحنا كل شوية في موضوع جديد، وأخرها اللي حصل. ضيقت دعاء عيناها ثم غمغمت بجدية:
-مشكلتي إني قلبي طيب. وأنتِ معاكي حق. أنا اتصالحِت عمومًا. أنا بس بنكشك. وحشتيني ووحشتني القعدة معاكي. وربنا يصبرك عمومًا، ويصبرهم كلهم في الوضع ده. أنا عارفة إنه صعب على الكل. قالت فردوس باختصار، ومن نظراتها فهمت دعاء بأنها ترغب في تغيير الموضوع: -يارب. ثم صمتت لبضعة ثوانٍ وتحدثت باستغراب: -وبعدين كنتي عماله تجري ورا ريم كده ليه وناسية نفسك؟ تحدثت دعاء باستنكار وعادت ملامحها مرة أخرى إلى ملامح غاضبة:
-البت مش عايزة تاخد الدواء. عمالة ألف وراها. بتعاند كل يوم وعصبتني وجبت أخري منها خلاص. غمغمت فردوس بهدوء: -هاتي الدواء وأنا هديهولها. واهدي شوية وبطلي فرك. وهطل نازلة تجري ولا كأنك فراشة. قاطعتها دعاء بغرور: -أنا فراشة كده كده، بس منتفخة شوية. ميضرش يعني. وبعدين أنتِ كنت فين؟ ردت فردوس عليها: -كنت في مشوار كده كان لازم أعمله. هتفت دعاء بنبرة هادئة:
-ماشي. المهم يعني، أنا حامل في بنت. والله كان نفسي أعملك زي بتوع الانستجرام، بس حاسة إن الحماس قاتلني ومش أنا اللي أسكت. مش بيتبل في بوقي أصلاً. وفي نفس الوقت الظرف مش سامح. ابتسمت لها فردوس رغم الهموم والأفكار التي تتواجد برأسها وغمغمت برفق: -ألف مبروك يا حبيبتي. بإذن الله تقومي أنتِ وهي بالسلامة، ودي أهم حاجة. وبطلي جنان وتنطيط ملهوش لازمة. كان رد دعاء عفوي جدًا. لكنه لم يمر مرور الكرام على فردوس.
-الله يبارك فيكي. عقبالك. اكتفت فردوس بابتسامة هادئة، ولكنها تمنتها من داخلها ألف مرة بأن يرزقها الله بأطفال كمال. هي تحب دعاء. لأنها ليست إنسانة لامبالية، وهذا واضح جدًا. هناك فرق بين اللامبالاة والتفاؤل. هي متفائلة جدًا وتحاول أن تبعث طاقة إيجابية في نفس من يتواجد أمامها بأي طريقة. لا شك بالنسبة لفردوس بأن هذا هو ألطف خبر قد مر عليها الفترة الأخيرة. _… في منتصف الليل تقريبًا…
لم تهبط إلى العشاء. رغم محاولاتها الفترة الأخيرة بأن تحتك بهم وتتعامل بصورة طبيعية، إلا أنه بمجرد ما أصبح شريف خلف القبضان الحديدية، أصبحت لا تتناول الطعام مع أي أحد. ليس هذا حالها بمفردها. بات الجميع لا يجتمع على طاولة واحدة من كثرة انشغالهم وحالتهم النفسية وترقبهم للوضع. يتناول تقريبًا الجميع حاجته الطبيعية للطعام لا أكثر. تم فقدان الشهية تزامنًا مع الأحداث.
رأت كمال يدخل إلى الغرفة بعدما مرت ساعات ولم تراه. علمت بأنه عاد من العمل وتوجه إلى غرفة والدته، وبعدها يجلس مع جده جلساتهم الطويلة تلك، والتي دون الحاجة إلى ذكاء أو تفكير عميق منها، الأمر يخص شريف. لذلك هي تجلس في غرفتها مبتعدة عن الجميع. لأن بداخلها امرأة تصف شريف بقاتل شقيقها. وامرأة أخرى تجد شريف مظلومًا وفعل ما يجب أن يفعله أي رجل حر. امرأة خجلة من تصرفات شقيقها. ولا تستطيع الإنكار.
الشيء الوحيد الذي يجعلها تشعر بالاستغراب هو إنكار إيمان للحقائق. كيف فعلت هذا بنفسها؟ إلى أي مدى من الممكن أن يقبل الإنسان الإهانة، الظلم، القبول بعلاقة مريضة كتلك. كيف لها بأن تكذب ما عرفت أو تتصنع بأنها لا تهتم؟ كيف فعلت هذا؟
من وسط عقلها المزدحم، أقترب كمال منها وترك قبلة على جبهتها كما اعتاد، وبعدها أخرج ملابسه من الخزانة وأخذ حمامه وبدل ملابسه، ثم خرج ليجلس على الأريكة تحت أنظارها. هي ترى كمال حزينًا كما لم يفعل من قبل حقًا. ذبلت ملامحه بشكل واضح وكأنه ازداد عمر فوق عمره. منذ أن أصبح شقيقه في السجن، هو يعلم أن هذا الأمر كان سيحدث يومًا ما. لكن حدوثه شيء صعب جدًا عليه. من الممكن أن الفارق بينه وبين شريف ليس كبيرًا، لا يتجاوز الأربع سنوات. إلا أنه كان يشعر به طفله، الطفل المدلل الذي يتشاجر ويذهب خلفه ليحل مشاكله. كان دومًا هو الشقيق الثائر، بينما كمال هو الوجه الحكيم.
غمغمت فردوس بهدوء مقاطعة هذا الصمت: -أنا رحت لإيمان النهاردة. تحدث كمال بنبرة خافتة: -وقالت إيه؟ -هي ما قالتش رد واضح، بس متخيلها إنها هتراجع نفسها. ومعتقدش إنها هتحاول تعمل أي حركة من حركاتها. سألها كمال بعدم فهم: -وأنتِ جايبة الثقة دي منين؟ هزت كتفيها بنبرة عادية:
-يعني إحساس. واللي فهمته إن كلامها ممكن يحسن موقف شريف. لكن لو رجعت لأقوالها القديمة، ده مش هيضره أو هيفرق بشكل كبير. وإيمان مش عبيطة، هتفهم وهتسأل وهتعرف. لذلك مش هتحاول تعمل حاجة مدام مش هتفيدها ومش هتضر غيرها. حاول أن يترجم كلماتها ويفهمها بشكل واضح. يتمنى أن ما تقوله صحيح. هو يرغب في أي أمل. أردفت فردوس بعفوية: -قاعد عندك ليه؟ مش هتنام؟ ده حتى الوقت اتأخر بالنسبالك. عقب كمال بذهن شارد: -مش جايلي نوم.
تمتمت فردوس بعفوية: -كنت بقلب في الدولاب ولقيت شريط منوم. إيه رأيك تاخد واحدة يمكن يريحك وتنام. ضرب كمال كفًا على كفٍ متحدثًا باستغراب: -أنا مش فاهم. كل ما تقلبي في حتة تلاقي شريط ليه؟ إيه مش بيخلصوا؟ أنتِ كنتي مخلصة عليه في البلد. أردفت فردوس بجدية: -والله أنا بطلته، بس أنا كنت بجيب كتير أوي وبحطه في أماكن بعيدة عن بعضها، فكل ما أقلب في حاجة بلاقي شريط. وبعدين أنا غلطانة إني عايزة أريحك وتنام.
لا يدري لما ضحك رغمًا عنه وهو يعقب أثناء نهوضه وغلقه المصابيح المشتعلة كلها: -هو اللي ناقص فعلاً يا فردوس، إحنا الاتنين نكون عاملين دماغ. _بعد مرور ثلاثة أيام… -صباح الخير. قالتها بشرى وهي تقف في المكتب تتحدث مع عادل (والد هلال) الذي أصبح يأتي يوميًا منذ اختفاء هلال (حسب وصفها)
. هي لا تعلم لما هذا الاهتمام الشديد والمريب، ليترك كل شيء. لا تعلم هل هذا شيء طبيعي، أم أن الاشتياق لرؤيته جعلها مجنونة. على ما يبدو، قامت ملك بنقل العدوى لها. تحدث عادل ببشاشة: -صباح النور يا بشرى، عاملة إيه؟ غمغمت بشرى بنبرة هادئة وتحاول مبادلته بشاشته تلك: -أنا الحمد لله بخير. عقب عادل برفق: -طبعًا مش متعودين كلكم تشوفوني، بس اهو مؤقتًا. بعد كده هرجع أجي زيارات. أردفت بشرى بصدق، هي تتعلم منه الكثير
والكثير في تلك الأيام: -حضرتك منور والله، وبنتعلم من خبرتك كتير جدًا. غمغم عادل بمكر: -أنا منور، بس في حد غيري كان منور أكتر أكيد. وسمعت إنك مضايقة منه. تحدثت بشرى بارتباك وخجل طفيف: -لا، أنا مش مضايقة. مفيش حاجة. برر لها عادل الأمر وكأنه يفعل مع ابنته: -عمومًا، معاكي حق تضايقي عمومًا من غيابه. بس قضية الشخص ده مهمة بالنسباله. وهو حد عزيز علينا جدًا. وبعدين هو جاي النهاردة، واستأذن باباكي تتغدوا برا.
ضيقت بشرى عيناها وهتفت باعتراض، ولم تعطِ تركيز بأن الباب تم فتحه دون استئذان: -وهو ما قالش ليا ليه؟ -يمكن علشان أنتِ مش بتردي عليا من امبارح. انتفضت تحت ابتسامة عادل. لتجد هلال يقف عند الباب، ويبدو أنه هنا منذ دقائق قليلة جدًا. في نهاية اليوم.
في أحد المطاعم، كانت تجلس برفقته بعدما تناولا الطعام وطلب كلاهما المشروب. تحت صمت بشرى وضيقها. ضيقها من أجل عائلتها وما يحدث بها، وتلك الفتاة التي أصبحت أخت لها ولا تعلم عنها أي شيء. أليس شيء غريب ومخزي؟ ومن أسباب ضيقها هو شعورها بالاشتياق له. مرت أيام طويلة على سفره. تحدث هلال بنبرة هادئة: -هتفضلي ساكتة كتير؟ -أنا مش ساكتة، أنا بتكلم أهو. تمتم هلال بنبرة عادية:
-حقك عليا. أنا عارف إن الفترة اللي فاتت والأيام اللي فاتت أنا مشغول عنك شوية، بس والله غصب عني. أنا حتى هسافر الفجر وجيت بس علشان أشوفك. كيف تخبره بأن وجوده أصبح مهم في يومها؟ كيف تخبره بأنها كانت ترغب بوجوده بجانبها الأيام الماضية بسبب ما تمر به؟ كانت ترغب في وجوده كمواساة؟
هي تعترف بأن وجوده يعني لها الكثير والكثير. عليها. هي بدأت تفهم معنى رغبتك في وجود شخص بعينه. لتعبر له عن ضيقك، يكون بجانبك وتجده حينما تريده، وكأنه يخفف عنك دون أن يتحدث. هي لا تعلم ما سر هذا التعلق الغريب به؟ هل فعلته؟ تمتمت بشرى بنبرة حاولت طعلها لطيفة قدر المستطاع: -حصل خير. ربنا معاك. عقب هلال بـ شك: -يعني خلاص مش زعلانة؟ هزت رأسها نافية متحدثة بتلقائية:
-خلاص حصل خير. أنا يمكن الفترة دي مضغوطة عمومًا. وبعدين أنتَ ليه طلبت نتغدى و… قاطعها هلال بتعجب: -هو المفروض يكون في سبب إني عايز أعزمك على الغداء؟ ضحك وهو يراقب نظراتها المتوترة والساخطة، ثم غمغم بجدية: -أول سبب إني بقالي كتير مشوفتكيش، وعايز أصالَحك. وموضوع تاني حابب أكلمك فيه. ضيقت عيناها وهي تتحدث بفضول واضح: -موضوع إيه ده؟ خرجت منه تنهيدة طويلة ثم تحدث برفق:
-يعني حابب إننا نخلي الفرح بعد أربع أو ثلاث شهور. إيه رأيك؟ تحدثت بشرى بذعر طفيف لأنه غطى عليه دهشتها: -ليه كده؟ مش بابا كان متفق على سنة؟ غمغم هلال ببساطة: -يعني إحنا سيبنا الموضوع مفتوح ساعتها إن الأمور لو اتسهلت وأنتِ حسيتي إنك مش محتاجة الوقت ده كله. وأنا واثق إنك الإنسانة اللي عايز أكمل معاها حياتي وتشاركيني فيها. ليه التأخير بقى؟ أنتِ محتاجة الوقت ده كله علشان تعرفيني يعني؟
نظرت له محاولة فهم مغزى كلماته، وتلك المرة شعرت بالرؤية مشوشة، لكنها مشوشة بشكل مختلف. هي لم تستطع أن تخبره بأنها تحتاج وقت. لم تستطع إخباره بأنها تحتاج معرفته بشكل أكبر وأوسع كما كانت تخبر ذاتها، وكأن هناك الكثير من الأشياء تغيرت بداخلها في وقت قصير جدًا. أسترسل هلال حديثه مداعبًا إياها: -إيه، محتاجة الوقت ده كله علشان تجاوبي؟ عمومًا، براحتك لو لسه عند قرارك، مفيش مشكلة. قالت بشرى من وسط حيرتها:
-مفيش مشكلة. يعني ممكن كل واحد يخلص حاجته ووقتها لو كده نحدد عادي. يعني مش عارفة… صمتت وشعرت بأنها لا تستطيع أن تتفوه بإجابة واضحة، ليغمغم هو بنبرة هادئة: -طيب نجهز كل حاجة، وقبلها بشهر تعرفيني إنك جاهزة خلاص ونحدد الفرح وكتب الكتاب. ولو حسيتي إنه لسه نكمل زي ما إحنا، وبالمناسبة، شوفي مامتك ووالدك هييجوا امتى علشان تيجي تشوفي حابة تغيري إيه في شقتي أو حابة نغيرها. هي عمومًا مفيش مشكلة. تمتمت بشرى بثبات:
-حاضر. هشوف وأظبط معاهم ميعاد وأقولك. بس ده لما ترجع وتفضل هنا. وبعدين أنتَ لغايت دلوقتي ما قلتليش إيه هي قضية صاحبك؟ غمغم هلال ببساطة: -قضية قتل خطأ في خناقة. أردفت بشرى باندهاش: -صاحبك قتل في خناقة؟!!! إزاي صاحبك؟ وبعدين ميبانش عليه يعني. تحدث هلال بنبرة مكتومة: -يعني وقت الغضب بيبقى الواحد مش شايف حواليه، وده اللي حصل. تمتمت بشرى بفضول كبير: -وكل ده حصل إمتى؟؟ قال هلال ببساطة: -من أكتر من سبع سنين. غمغمت بشرى
وهي تعقد حاجبيها بعدم فهم: -يعني إيه؟ هو كان هربان؟ هز هلال رأسه بنبرة جادة: -آه، حاجة زي كده. بس مكنش بمزاجه يعني. تغيرت ملامح بشرى كليًا: -أنتَ كنت عارف إنه هربان؟ -أيوه. من أهم الأسباب التي جعلت هلال مجبرًا على قول تلك النقطة، لأنه يعرف بأن قصة شمس وشريف لن تتوقف عند هذا الحد، وبالتأكيد هو لا يستطيع أن يجازف فيما بعد بمعرفتها أمر هكذا. تمتمت بشرى بضيق: -إزاي يعني يعمل حاجة زي دي ويسكت عن هروبه؟ أردف هلال مختصرًا:
-شريف صاحب عمري. قاطعته بشرى باستنكار: -شريف مين؟ إحنا مش بنتكلم عن ثائر صاحبك؟ -هو اسمه شريف مش ثائر. بصي يا بشرى، في موضوع مهم جدًا لازم تعرفيه وتسمعيني في الآخر قبل ما تحطي حكم مسبق عليا في الموضوع ده. صمتت وشيئًا ما أجبرها على الصمت، لتسمع تبريراته التي تظن بأنها لن تعجبها أبدًا مهما حاول. تمتم هلال يحاول توضيح موقفه، لكن بطريقة لا تظهر كل شيء: -شريف قتل في خناقة يوم فرح أخوه، واللي قتله أخو العروسة.
كانت تعبيرات الصدمة تحتل وجه بشرى، ليسترسل هو حديثه موضحًا:
-قتل علشان عرضه من غير ما أدخل في تفاصيل. وكانت فعلاً في خناقة، وهو هرب لظروف، لكنه كان هيسلم نفسه. وفي ظروف حصلت أجبرته يستنى السنين دي كلها. وأنا مش حابب أوضح أكتر من كده علشان دي حياته وخصوصيته هو وأهله. أنا بوضحلك بس موقفي. شريف مظلوم، ويمكن ميستحقش يتسجن ساعة واحدة بس، ده القدر. وأنا عمري ما سكت عن حاجة زي دي، إلا علشان أنا عارف اللي حصل بالتفاصيل المملة. تمتمت بشرى رغمًا عنها بعد ثوانٍ من صمتها:
-أنتَ فيك شيء غريب بيخلي الواحد يصدقك حتى لو هو شاكك فيك، وده مؤشر مش حلو عمومًا. هتف هلال بمرح: -ليه متقوليش إنه سر من أسرار المهنة؟ وبالعكس، ده شيء هيخلي حياتنا تستمر بشكل سليم. سألته بشرى بوضوح: -طيب، وإيه علاقة شريف أو ثائر أو زي ما بتسموه ده باختي، وإيه علاقتك أنتَ؟ تحدث هلال بتفسير بسيط:
-شريف بيحب شمس. هي في الأول مكنتش تعرف حاجة عنه. المهم إنهم حبوا بعض، وهي عرفت الحقيقة، وهو برضو عرف حقيقتها، وكان بيحاول يساعدها هي وأمها وخلصهم من حاجات كتير أوي. وساعتها حكى ليا إن أمها كانت متجوزة حد والتفاصيل دي. وأنا كنت بحاول أعرفه الإجراءات وبس. أما علاقتي باختك إيه؟ من حكاويه هو عليها. مشوفتهاش ولا مرة تقريبًا. شردت بنظراتها، لتسمعه يقول بنبرة جادة:
-متعاقبيش شمس أو اختك بذنب والدك أو ذنب أمها أو ذنب أي حد. لأنها تعبت في حياتها كتير ومرت بتجارب. كويس إنها قادرة تقف على رجليها. اتعرفي عليها واعرفي إن دمكم واحد. ومحدش له ذنب في أي حاجة قديمة. تحدثت شمس باختناق: -الله أعلم الأيام مخبية إيه. بس علشان تبقى عارف، أنا برضو مش مقتنعة ولا موافقة بفكرة إنك تكون عارف إن حد هربان ومتستر عليه دي، ومش متقبلاها. قال هلال ببساطة شديدة ولهجة جادة:
-خدي وقتك وحاولي تفكري في كل اللي قولته. وعلى العموم، براحتك في الأول والآخر. لو أنتِ شايفة إنّي غلطان وكل تبريراتي مش عجباكي، خلاص روحي بلغي عني وحققي العدالة. نظرت له في سُخطٍ في نهاية حديثه، وظل الصمت يرافقهما تقريبًا حتى نهاية الجلسة. _في اليوم التالي… في المكتب… يوم جديد.
كانت تجلس بشرى تجلس على مكتبها. بدأ اليوم بشكل روتيني، وفي منتصف انشغالها في الأوراق المتواجدة أمامها، وجدت صوت هاتفها يعلن عن اتصال. وجدته من والدتها. أجابت عليها: -الو يا ماما، صباح الخير. وأثناء ردها، كانت أخذت كوب الشاي المتواجد أمامها. جاءها رد والدتها المختصر لتخبرها بأن والدها في المستشفى وتعرض إلى جلطة أخرى. سقط الكوب من يد بشرى وصدع صوت تكسيره عاليًا. _في شقة شمس ووالدتها”
صدع صوت هاتف شمس عاليًا، فأخذته بعدما كانت تقوم بتنظيف غرفتها. وجدت رقمًا غريبًا وعلى ما يبدو دوليًا. أجابت بلامبالاة: -ألو…. جاءها صوته الغليظ متحدثًا بعنجهية: -ألو يا شموسة، إزيك يا بنتي عاملة إيه؟ صاحت شمس باستنكار رهيب: -بتسأل بيا ليه؟ مش خلاص موضوعنا خلص من بدري؟ جاءها صوت عبده بلامبالاة: -أيوه طبعًا خلصان وأنا نفذت الاتفاق وسافرت وعايش برا. ولا جيت جنبك ولا بلغت عنك. بس في نفس الوقت حسيت إني لازم أبلغ أبوكي.
توترت شمس وهي تسأله باندهاش: -تبلغه بـ إيه؟!!! أردف عبده بشماتة: -بإن بنته لامؤاخذة كانت رقاصة. بعتله كمان كام نسخة من فيديوهاتك الحلوة اللي كنت حايشهم. صحيح أنا قطعت وعد إني منشرهمش تاني، بس حسيت إن أبوكي مش غريب، لازم يعرف الحقيقة. سلام يا بنت سوسن وسلمي على أمك.
_تجلس على الأريكة في غرفة نومها في الصباح بعد ذهاب كمال إلى العمل، وبعدما حضرت الفطار إلى منى، لأن أفنان مازالت نائمة على ما يبدو، فهي تشعر بأن حالتها النفسية سيئة جدًا. أخذت تبحث عن الرقم التي قامت بأخذه من هاتف كمال أثناء نومه. رقم هلال. وها هي تتصل به وهي لا تعلم مدى صحة ما تفعله. بعد ثوانٍ تقريبًا أجاب عليها هلال: -ألو… تحدثت فردوس بتردد: -ألو. -مين حضرتك؟ تمتمت فردوس بنبرة رسمية: -أنا مدام فردوس مرات كمال.
عقب هلال بلهجة تشبهها: -أهلاً بحضرتك. عقبت فردوس بإيجاز: -كنت حابة أتكلم معاك في موضوع قضية شريف. ومحبتش يكون كمال ما بينا في النقطة دي بالذات. حابة أكلمك أنتَ لأني قولت أنتَ هتكون أفيد من إني لسه أدور على محامي وأشرح له القضية واللي عايزة أعمله، لأن كل ده وقت، خصوصًا إني مش متأكدة اللي قرأته صح ولا لا. لم يفهم هلال ما تريده كليًا. ولكن تحدث بهدوء: -اتفضلي، أنا سامعك.
تحدثت فردوس باختصار ونبرتها كانت قوية لتجعل هلال يُصاب بالخرس تقريبًا. هذا آخر شيء توقعه منها. -هل ينفع اتنازل؟ أو بمعنى أصح، أنا قرأت شوية إن في قضايا القتل الخطأ ممكن الورثة يقبلوا الصلح. الكلام ده حقيقي ولا لا؟ صدمته بسؤالها الثاني: -ولو الكلام ده حقيقي، فترة هروب شريف دي هتعمل فيها إيه؟ وتنازلي هيصلح موقفه ولا لا؟ يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!