الفصل 14 | من 61 فصل

رواية ديجور الهوى الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فاطمة طه

المشاهدات
19
كلمة
6,019
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

اذكروا الله. دعواتكم لأهلكم في فلسطين. _متى اللقاء؟ أقسم لقد انفطر قلبي شوقًا إليك. أشتاق إليه فأراقبه لأطمئن فأعود مطمئنًا متألمًا. "يقودني إليك شوقًا لا ينتهي، ويردني عنك جرحًا أنت صاحبه." -لا أعلم لماذا يحبس الناس الكلمات الجميلة في قلوبهم، بينما لو نطقوها لأزهرت بساتين الورد في صدورهم وصدور أحبتهم. -إليزابيث جيلبرت 📚.

_يجلس كمال على الأريكة في منزله الثاني، حسب ما يصفه الجميع. هو بدأ في الاعتياد على الوصف أيضًا. جاءت في الصباح داليا كما وعدته وقامت بتحضير الغداء وجلست في انتظاره. وجاء بعد أن أنهى عمله في البنك، تناول الغداء معها وظل طوال اليوم معها تقريبًا بذهن شارد. على الرغم من مشاركته لها في الحديث ومداعبته لها وكل شيء طبيعي بينهما، إلا أنها تشعر دومًا بأن هناك جزء به شارد، جزء ليس معها حتى لو هو معها بجسده وبكل شيء. فيه شيء ناقص، جزء مفقود لا يصل إليه أحد…

أدركت داليا أن طبعه وشخصيته يطغى عليها الهدوء في أغلب الأوقات، ولكن هناك تفاصيل ثانية كثيرة لا تفهمها ولا ترغب في الحديث عنها. ربما لأنها تخمن بأن الإجابة التي سيخبرها إياها أو حتى سوف يكتمها ستخص فردوس. هي لا تفهم طبيعة علاقته بها أبدًا، لا تعلم حتى هل هي علاقة طبيعية أم ما زالت الخلافات القديمة تؤثر عليها! بالتأكيد ليست علاقة جيدة، فلو كانت كذلك لما رفضت الإنجاب منه! ولما تزوج عليها؟

لا تظن بأنه شخص من هذا النوع من الرجال الذي قد يتزوج دون سبب. لا تفهم شيء. وقبل زواجها حينما ذهبت في زيارة إلى منزله مع عائلتها وقابلت والدته، لم تقابلها فردوس. لم تهبط من غرفتها مقررة بأن لا شأن لها بأن تقابلها. أليس الرجل ذهب هو وعائلته لطلب يدها؟ ما يعنيها إذن في موافقتها؟!

بعد أن تناولت العشاء معه وغسلت الصحون في عجلة من أمرها حتى تأتي وتجلس بجانبه بعد أن قامت بتحضير القهوة له كما يحب، ووضعتها أمامه. استقرت في أحضانه، على الرغم من صمته في بعض الأوقات أو أغلبها لتكن صريحة، إلا أنه يمتلك يدين وذراعين يستطيعا جعلها تذوب من فرط الحنية والدفء المتواجد بهما. لا تعلم هل أي امرأة تجلس في حضن زوجها تشعر بهذا الشيء أم أنه يخصه هو وحده؟!

كان كالعادة يتابع التلفاز من أجلها، يد تحتضنها والأخرى يمسك بها هاتفه الذي اهتز بين يديه. فهو دائمًا يجعله على الوضع الصامت، فيكفي الضوضاء الذي يتواجد بها قلبه وعقله لا يحتاج لأصوات إضافية تزعجه. في الواقع لم يهتز الهاتف فقط، بل اهتز قلبه برؤية اسمها يزين شاشة هاتفه.

وضع الهاتف على الطاولة، لا يدري لما لم يرغب في الإجابة. ربما هي تبحث عن شجار جديد، وهو يريد ولو ليلة واحدة يقضيها بذهن صافي، ألا تتركه ولو ليلة واحدة دون أن تألم روحه!! أغلق الاتصال وهنا شعر بالضيق من تجاهله لها. ولم تعطيه الفرصة الكاملة ليعاتب نفسه، بل على الفور عادت الاتصال مرة أخرى وهنا اعتدل في جلسته وابتعدت عنه داليا، لتجده التقط هاتفه متمتمًا: -هرد على الموبايل وجاي. هزت رأسها في إيجاب، وذهب

إلى الشرفة ليجيب عليها: -ألو. جاءه صوتها الساخر: "مش بترد عليا ليه مشغول للدرجة يعني؟! لم تعطيه الفرصة أن يتحدث بل ثارت وهي تقول: -إيه نايم؟! بقيت تنام من بعد العشاء ولا إيه؟!! كان الإجابة عليها صارمة بعض الشيء، فكان يظن أن تخمينه صحيحًا، هي تبحث عن شجار ليس أكثر: -عايزة إيه يا فردوس في ليلتك دي؟! سألته هي تلك المرة بتهكم: "هعوز منك إيه يا حسرة، وبعدين مالك مخنوق أوي كده ليه! وبتتكلم من طرف مناخيرك ياخويا!

عطلتك ولا إيه أنت بتعمل إيه ان شاء الله دلوقت؟! لا يصدق.. حقًا لا يصدق، ما هذا السؤال الغريب؟! وما الذي تلمح إليه؟ وهل تتوقع إجابة من كل عقلها؟ هي نفسها أدركت غرابة وجنون سؤالها، لكنها كانت تقصده، تقصده وخرج منها دون أن تستطيع منع ذاتها. هي تموت من التفكير بأنها بين أحضانه، وربما قطعت عليه خلوته بزوجته، زوجته…… تلك الكلمة تكررها ألف مرة على عقلها مما يجعلها على وشك الإصابة بأزمة قلبية… تمتم كمال وكأنه

شعر بحرجها من وقاحتها: -في إيه يا فردوس! عايزة أيه! صعبان عليكي أنك تنامي من غير ما تتخانقي معايا! لو للدرجاتي تعبانة ميرضنيش تعبك شوفي عايزة إيه وعايزة تتخانقي على إيه وأنا معاك. "شكرًا لكرم حضرتك. وبعدين أنت دخلت أوضتي؟! سأل نفسه باستغراب! من أين لها أن تعلم. وكأنها تقرأ أفكاره كانت تسترسل حديثها بضيق: -نسيت ساعتك في أوضتي، وعرفت أنك دخلت.

هل يخبرها بأنه مراهق أراد سرقة بضعة قبلات منها أثناء نومها، وأن يأخذ نفس طويل ويستنشق عبيرها وخصلاتها؟ ليس عليه أن يقول ذلك… -كنت داخل آخد حاجة من حاجتي اللي فيه حاجتي ونسيتها، أنت متصلة علشان كده؟ قالت فردوس بنبرة مختنقة: -لا أكيد مش متصلة علشان كده بس، أختك جت هي وداغر. سألها كمال باستغراب: -أفنان وداغر! مش كانوا المفروض لسه هيجوا بكرا؟! سمع ضحكة ساخرة رنانة منها وهي تعقب:

"لا يا عنيا ميعادهم النهاردة بس أنت مش مركز في حاجة أصل بيقولوا صاحب بالين كداب ربنا يعينه ما بالك بجوز الاتنين." رائعة.. تستحق جائزة الأوسكار لو يستطيع أن يعطيها لها لن يتردد. فهي تستطيع تحويل الرجل الهادئ إلى إنسان بدائي ثور هائج. لا يدري هذه المرة الكام الذي يرغب في إعطائها الجائزة تليق بها وتستحقها. ولولا وجوده هنا مع داليا لصاح بها وأخرج جام غضبه بها… توقعت ما يفكر به، مما جعلها تفجر القنبلة:

"المشكلة مش أنها جت عموما. أفنان جت ومعاها عيل صغير والمفروض بتقول إنه ابنها وهي حاليًا في الأوضة مع أمك وجدك وعمك محدش فاهم حاجة ومستنيها تنزل." ردد كمال بعدم فهم واستنكار شديد: -عيل صغير!!!!!!!!!!!! لم يكن الهدف الأساسي من الاتصال هو إخبار كمال بشيء هكذا، بل كانت تريد إفساد أمسية ربما وإفساد ليلته مع تلك المرأة التي لو أطلقت لنفسها العنان ستقوم بأكلها. هتفت فردوس مسترسلة حديثها برغبتها الحقيقية:

-أنا شايفة أنك لازم تيجي ولازم تكون موجود، علشان تفهم إيه اللي بيحصل. هل أنجب داغر من زوجته الثانية؟! كانت أسئلة كثيرة تأتي في عقل كمال… لا يفهم شيء. كل الاحتمالات التي أتت في عقله لم يكن من بينها الاحتمال الصحيح والحقيقي… قال كمال بدهشة: -طيب اقفلي، أنا هنزل وأجي خلال ربع ساعة هكون عندكم. كان بيت كمال الجديد بالقرب من منزل عائلته…

أغلقت فردوس المكالمة بانتصار شديد، فليأتي ويترك تلك المرأة التي تكرهها. بالرغم من أنها كانت تحاول وضع مبررات لها إلا أن دعاء وشعور الغيرة بداخلها ساهموا على جعلها تكرهها. خرج كمال من الشرفة، تنظر له داليا بقلق التي نهضت من مكانها: -في إيه يا كمال؟! أجابها كمال بنبرة هادئة وهو يأخذ ميدالية مفاتيحه من فوق الطاولة:

-معلش أنا لازم أنزل، أفنان وجوزها جم هروح أشوفهم وأرجع علطول، أصلها وحشتني وأنا كنت فاكر أنها هتيجي بكرا لسه ونسيت خالص. تمتمت داليا بعفوية: -طب استني ألبس العباية أو أي حاجة وأجي معاك. وضع يده على كتفها متمتمًا بجدية: -ممكن تروحي معايا يوم تاني بلاش تجهدي نفسك، ولأنهم يعني أكيد جايين من السفر تعبانين هي علشان وحشاني بس مش قادر أستنى لبكرا هروح وأجي مسافة السكة مش هتأخر عليكي.

لم تقتنع بحديثه. لا تدري لما باتت تفهمه، وتعرف متى يكذب عليها ويتهرب منها… هتفت داليا بعقلانية: -ماشي يا كمال اللي تشوفه، هستناك. ترك قبلة على جبهتها ثم رحل. وكيف له ألا يرحل بعد أن استطاعت فردوس أن تقلب كيانه بمكالمتها والتي تعرف بأنه سيأتي ركضًا. وكان هدفها الأساسي بعيدًا عما يحدث هو أن يأتي وتراه، فهي لم تراه اليوم… أما داليا أخذت تراقب كوب القهوة التي صنعته من أجله في صمت… _وضعت أفنان صغيرها (فهد)

في الغرفة التي قاموا بتحضيرها من أجلها ومن أجل زوجها. تقف معها إحدى النساء التي تعمل في المنزل، ووالدتها التي جاءت من غرفتها التي لا تخرج منها إلا نادرًا، ولكن كيف لا تخرج حينما سمعت بإتيان صغيرتها… وها هي تجلس على مقعدها المتحرك تنظر لها بريبة وعدم فهم. دثرته أفنان بالغطاء وتركت قبلة دافئة وحنونه على جبهته، وابتعدت عنه ووجهت حديثها إلى المرأة قائلة:

-لو سمحت خليكي جنبه ولو صحي أو أي حاجة نزليه ليا أو قوليلي، وأوعي تتحركي من جنبه علشان لو صحي ولقى نفسه في الأوضة لوحده هيخاف لأن المكان جديد عليه. هزت المرأة رأسها بتفهم، ثم ابتعدت أفنان عن الفراش وذهبت نحو الباب التي كانت والدتها بمقعدها المتحرك عنده. سألتها منى باستغراب: -مين ده يا أفنان؟! أكثر إجابة منطقية تستطيع قولها هي: -فهد ابني يا ماما. سألتها منى بعدم فهم: -اتبنتوه يعني ولا إيه؟! قالت أفنان

بثبات شديد تحسد عليه: -ابني يا ماما أنا اللي خلفته. غمغمت منى باستنكار لا تصدق ما تسمعه: -أنت بتهرجي يا أفنان! ابنك إزاي!!! والسنين دي كلها كنتي بتيجي لوحدك وعمرك ما جبتي سيرة!! ولا جه معاكي!! أنت بتهرجي صح؟ ولما كنت بسألك تتهربي من الإجابة لدرجة إني افتكرت إن في حد فيكم عنده مشكلة وعلشان كده مخلفتوش. قالت أفنان في توسل وهي توجه حديثها إلى والدتها وتنخفض إلى مستوى مقعدها:

-علشان خاطري يا ماما وطي صوتك علشان فهد نومه خفيف ولو عايزة تفهمي كل حاجة خليكي هنا ناحية السلم واسمعيني أنا نازلة أعرفكم كل حاجة. نظرت والدتها بريبة لا تفهم أي شيء. بينما أبتعدت أفنان عنها، وأخذت والدتها تسير خلفها بمقعدها التي تستطيع التحكم به بسهولة حتى وقفت عند بداية الدرج من الناحية العلوية.

كان كمال يرغب بنقل غرفتها إلى الأسفل حتى يقوم بتسهيل الأمر عليها ولكنها رفضت لأنها لا تريد ترك الغرفة التي كانت غرفتها هي وزوجها وقامت بقضاء شبابها بها. في الأسفل كان توفيق جالس على الأريكة وبجانبه ابنه بكر، كلاهما ينظر على داغر الذي يجلس على الأريكة الأخرى صامتًا. لم يجرؤ توفيق على مطالبته بتفسير لأنه مصدوم، كان كمال محقًا على ما يبدو هناك شيء يحدث في القاهرة والآن بدأت تتضح الرؤية ويعرف ما الشيء الغريب.

تمتم بكر مقتحمًا الحديث: -حمدلله على السلامة يا داغر. أجابه داغر باقتضاب: -الله يسلمك يا عمي. يود بكر ولو يسأله عن هاوية الولد، ولكن في الوقت نفسه كانت أفنان تهبط على الدرج أمام أعينهم بجسد شاحب تمامًا وكأنها على وشك الموت.

نظر لها داغر يتأملها ويتأمل هيئتها، يحاول استيعاب كل شيء الآن، يتذكر تشبث الصغير بها طوال الطريق حتى نوم الاثنان معًا وكأن كلاهما يتهربان من شيء. كان يتأملهما من المرأة المتواجدة أمامه، غاضب جدًا ولكنه متوتر، لن ينكر يشعر بالتوتر مثلها ربما من أجلها. في الوقت نفسه كان كمال يفتح بوابة المنزل. نظر له الجميع بدهشة. ما الذي أتى به في هذا الوقت! بينما توفيق علم الإجابة وهو يرى فردوس تهبط من على الدرج خلف أفنان.

سأل بكر باستغراب موجهًا حديثه إلى كمال: -كمال إيه اللي جابك دلوقتي! تمتم كمال بنبرة مقتضبة وهو ينظر إلى فردوس التي تعقد ساعديها وتقف في الخلفية: -عصفور قالي أجى علشان أسلم على أفنان. ثم أقترب من أفنان وعانقها وعانقته أفنان بجسد ميت. وبعدها أقترب من داغر وصافحه لينهض داغر على الفور محتضنًا إياه. كمال صديقه الأول وكان لوقت طويل صديقه الوحيد ومازال صديقه المفضل لم يأخذ أحد مكانته. هنا تحدث بكر مقتحمًا الأجواء:

-ممكن نفهم مين الولد اللي دخلتم بيه ده! -ابني، الموضوع محتاج توضيح أكتر من كده! لوهلة ظنت أفنان بأن تلك الكلمات خرجت من فمها هي ولكنها خرجت من فم داغر بصوت ذكوري بحت مقتضب. مضيفًا شرعية للطفل أمام عمها ووالدتها التي تجلس على مقعدها بالأعلى يلمح طيفها وفردوس التي تقف خلف أفنان. قطع ألسنة الجميع التي ترغب في توضيح. بينما لم تنطلي تلك الكذبة على توفيق وكمال لأن وحدهما يعرفا الحقيقة.

لثواني كان الجميع ينظر ببلاهة وغباء يحاولون ترجمة ما سمعوه. كيف ألا يفعلوا ذلك وجاء طفل يبدو أنه في السادسة من عمره أو ما شابه ولكن لا يعرفون عنه أي شيء! أما أفنان كادت أن تبكي. لم تصدق أنها خرجت منه. ينقذها. ينقذها مثلما يفعل كل مرة. حتى لو قتلها بعد ذلك لا يهم يكفي ما قاله ليسكت الجميع. غمغم بكر في استغراب لم يستطيع أن يصمت أكثر من ذلك فخرج من صدمته قبل الجميع: -إزاي خلفتم ومن غير ما تقولوا السنين دي كلها!

ثم وجه حديثه إلى أفنان بلوم وهو يحاول التصديق: -ده أنتِ نزلتِ أكتر من مرة ولا مرة عرفتينا، ولا مرة قولتي. هنا تحدثت فردوس بسخرية وعدم تصديق: -يعني إزاي محدش فيكم يقول! هو سر ولا إيه! قال داغر بسخرية ولكنهم أخذوها من منطلق الدعابة ليبتسم بعدها الجميع رغمًا عنهم: -محدش سأل. ثم أسترسل داغر حديثه بكوميديا سوداء: -محدش سأل خلفنا ولا لا علشان كده مقولناش. بالرغم من ابتسامة البعض إلا أن فردوس قالت في تهكم: -أنت بتهرج!

هي دي حاجة محتاجين نسأل فيها! دي حاجة بتتقال في ساعتها، هي دي حاجة تخبوها! نظر داغر إلى أفنان نظرة ذات معنى أن الأمر أصبح لها بأن تخبرهم بعض الاكاذيب التي لن يصدقها أحد ولكن لابد منها عليهم تقبل الأمر. فأبتلعت أفنان ريقها وتحدثت بتوضيح مكتسبة بعد الشجاعة على الأقل هو لم يترك لها الأمر لاختلاق كذبة بمفردها بل أضاف شرعية، معترفًا به وهذا لم يكن في أحلامها أن يبدأ هو الحديث فهي ممتنة:

-مرضناش نقول ليكم خلال فترة حملي علشان منشيلش حد فيكم الهم لأني كنت تعبانة جدًا، كنت بموت حرفيًا والحمل ضعيف مردتش أشغل بالكم وأحنا في بلد تانية بينا خصوصًا ساعتها كانت ماما بدأت تتعب. ثم أسترسلت حديثها بنبرة هادئة:

-حتى أنا منزلتش أول سنتين ونص ولا جيت، ومقولتش ليكم بعد الولادة لأننا اكتشفنا أن فهد عنده ثقب في القلب وكان عنده مشاكل في المناعة وصحته كانت في النازل فانشغلنا أننا نعرفكم وعمل العملية من ثلاث سنين ومينفعش أنزل بيه ولا غيره وكنا خايفين طول الوقت ومش عارفين نتصرف. نظر بكر لهما بأسى.

أما كمال كان صامتًا يلتزم الصمت لا يصدق كلمة واحدة مما يسمع كحال زوجته التي لا تفهم أي شيء ولا تصدق أي شيء. بينما قال الجد بنبرة رسمية مرحبًا بهما: -يتربى في عزكم، أهم حاجة صحته أحسن دلوقتي! كان رد أفنان عليه بسيط: -الحمدلله أحسن كتير. كان داغر يظن بأنها اختلقت قصة لكسب تعاطف الجميع ولم يصدقها على أي حال ولكنها قصة جيدة فالجميع بدأ في التعاطف على ما يبدو.

قاطع الجميع هرولة فهد على الدرج الذي استيقظ برعب من نومه، ولم يستمع إلى حديث الخادمة بل ظل يخبرها بأن تأخذه إلى حيث تتواجد والدته وما أن أشارت له حتى ركض بجنون واخذت هي تلحق به. فنهضت أفنان من مقعدها وأقتربت منه وانخفضت إلى مستواه ليتحدث الصغير: -خوفت لما صحيت ملقتكيش جنبي، متسبنيش لوحدي. قال توفيق مقاطعًا نظرات الجميع نحو أفنان: -تعالى سلم على جدك يا حبيبي، تعالى علشان جدك ياخده في حضنك.

لم يتحرك الصغير المتشبث بذراع والدته التي قالت برفق: -روح لجدو توفيق يا فهد اللي ياما كلمتك عنه. على الرغم من شعور فهد بالخوف إلا أنه أعتاد أن يسمع حديث والدته مهما حدث فسار بخطوات متوترة ناحية توفيق الذي ما أن اقترب منه الصغير أخذه في أحضانه أثناء جلوسه على المقعد وترك قبلة على رأسه ليبدأ الصغير أن يشعر بالود تجاهه هو ليس مخيفًا كما أعتقد من هيئته ربما لأنها المرة الأولى.

بينما فردوس تنظر لهما غير مقتنعة وتنظر إلى كمال بنظرات أخرى ويبدو أنه في عالم أخر. فهو حاول الاتصال بشريف طوال الطريق ليخبره أي شيء ولكن هاتفه خارج نطاق الخدمة. يعرف كمال تلك الحالة حينما يرغب شريف الهروب من أمر ما. وقبل أن يسمع داغر أي سؤال أخر قال بنبرة هادئة: -عن اذنكم أحنا جايين من السفر وهنطلع نرتاح شوية. تمتم توفيق بهدوء: -ماشي يا حبيبي أحنا جهزنا ليكم أوضة الضيوف اللي في اخر الطرقة.

هز داغر رأسه هي مكترثًا بل أمسك كف أفنان بحركة أربكتها ليجعلها تصعد معه، وباليد الأخرى كانت تمسك بها صغيرها ليصعد معهما. أنقذها داغر من أي سؤال أخر. بينما والدتها كانت قد غادرت بعد أن استمعت الحديث سمعت ما يكفيها. ولم تصدق بل أخذت تفكر في كل شيء حدث منذ سنوات وتحاول ترجمته لأول مرة. بعد مرور نصف ساعة. كان كمال جالسًا في غرفة المكتب يشعر بالجنون. كيف! من هذا الطفل!

يجب أن يفعل شيئًا قبل أن يرتكب جناية بالجميع. تم طرق الباب وقبل أن يأذن لها كانت تدخل إلى الداخل وتغلق الباب خلفها. مما جعل كمال يعقب في سخرية شديدة: -فردوس مش ملاحظة أنك أنتِ اللي بقيتي بتيجي بنفسك علشان تتكلمي معايا وبصراحة مش متحمل تنازلاتك الفترة دي. تجاهلته فردوس وهي تعقب في تهكم: -أنا جاية علشان أعرف إيه المهزلة اللي حصلت من شوية دي! تصنع كمال عدم الفهم وهو يقول: -مهزلة إيه مش فاهم! تتحدث فردوس بانفعال شديد

وهي تضع يديها في جانبيها: -كل اللي أختك قالته مدخلش دماغي ببصلة، إزاي تكون مخلفة ومش معرفة حد وازاي كانت بتسيب ابنها وبتيجي لو هو مريض اوي كده! نهض كمال من المقعد ووقف أمامها قائلا في تهكم: -ما تروحي تقولي لها أنك تعبانة في دماغك، وإنك مش مصدقة اللي بتقوله، علشان أنتِ شاغلة بحال الناس وناسية نفسك. روحي قولي ليها كده بدل ما تيجي توجعي دماغ أمي أنا. ثم وضع يده على كتفها متمتمًا بنبرة ساخرة كحالهما:

-بقولك إيه يا فردوس بدل ما أنتِ شاغلة بالك باللي حواليكي، فكري في حياتك بدل ما تفكري في أختي وابنها ما تفكري أنتِ في سنين عمرك اللي بضيع وشيلي الناس من دماغك. نظرت له في غضب ثم غمغمت باستنكار شديد: -أنتِ هتفضل طول عمرك شاطر في قلب الترابيزة يا كمال. صاح كمال بجنون:

-اللي مش على هواكِ بيكون قلب ترابيزة يا فردوس لا أنا بتكلم بجد ركزي مع نفسك ومش تركزي مع نفسك أنك تقعدي كل شوية تغيري لون شعرك ولا المناكير ولا تثبتي لينا فد إيه أنتِ ست مفيش منها اتنين، لا ركزي مع نفسك من جوا، ركزي فينا وفي حياتنا اللي خربانة. أهتزت بالفعل أستطاع جعلها تشعر بالضيق لم تستطيع أن تظهر قوتها في هذا الموقف. أردفت فردوس بانفعال: -متتكلمش معايا بالطريقة دي ولا تزعق ليا يا كمال. صرخ بها بحدة:

-أنتِ بتزعقي ومش عايزاني أزعق! إيه أنتِ فاكرة اني هفضل ساكتلك كتير! وبعدين أنا أزعق زي ما أنا عايز هو أنتِ كسراني وأنا معرفش! متفتكريش أن ضعفي في حبك هيخليني أسمح بقلة أدب وتطاول منك طول الوقت. خليكي في نفسك وملكيش دعوة بحياة اللي حواليكي ومن امته أصلاً اللي في البيت ده بيهموكي!! تمتمت فردوس بجدية وهي تحاول كبح دموعها ولكنها هبطت على وجنتيها:

-أنا مبقلش أدبي يا كمال. واتكلم معايا عدل. وبعدين لسه عند كلامي محدش هنا يهمني في حاجة. قهقه ساخرًا ثم قال بنبرة ثائرة: -أنا مبقتش عارف إيه العدل اللي يعجبك. مبقتش عارف إيه اللي بيعجبك. وإيه اللي ريحك. فاعذريني أنا هتعامل بعد كده بالطريقة اللي تعجبني أنا. أبتلعت فردوس ريقها ومسحت دموعها بأناملها، قائلة وكأن شيئًا لم يكن: -تصبح على خير. ضحك ساخرًا وتحدث بنبرة هادئة مقارنة بنبرته السابقة من الضغط الذي يشعر به:

-أحلى حاجة فيكي بتعرفي تنهي الحوار في الوقت اللي أنتِ شايفاه مناسب. اعرفي إن بعد كده يا فردوس مفيش حاجة هتمشي على مزاجك زي الأول. اتفضلي امشي اهربي من الكلام كعادتك يعني. بتعرفي تبدأي بس بتخافي تكملي. بنفس نبرته أجابت عليه: -آه بخاف وبخاف أوي. عمومًا مبقاش في أي حاجة هتمشي زي الأول متقلقش دي الحاجة الوحيدة اللي أنا متأكدة منها. مفيش حاجة هتمشي زي الأول أبدًا… أنهت حديثها وخرجت من المكتب ليتبعها قائلاً بتهكم:

-وأنتِ من أهله يا فردوس. خرج خلفها بعد عدة دقائق مقررًا أن يغادر المنزل. واتصل بداليا التي أجابته بلهفة وبنبرة قلقة: -اتأخرت عليا يا كمال أنا قلقت عليك. -مفيش حاجة متقلقيش أنا بس هلف بالعربية شوية وجاي لو عايزة تنامي نامي. لاحظت نبرته المكتومة لذلك قالت برقة: -في حاجة ولا إيه يا كمال؟ أجابها كمال كاذبًا:

-مفيش حاجة أنا سلمت على أفنان وواحد صاحبي هقابله اتصل بيا هديله حاجة كانت معايا في العربية وهلف بالعربية بعدها علشان حاسس إني مخنوق شوية وهاجي متقلقيش عليا…. تحدثت داليا بتفهم وهي تشعر بشيء ما به ولا تستطيع النوم قبل أن تراه: -أنا هستناك عمومًا خلص براحتك وتعالي وهكون مستنياك. سلام. قال كمال باستسلام: -وأنا مش هطول. سلام. ***

يجلس داغر على الأريكة ينظر لهما بضيق رهيب يحاول تهدئه نفسه وهو يراها تحتضن صغيرها الذي ذهب في سبات عميق في أحضان والدته فهو لا يستطيع النوم بدونها. وربما يتهرب من الواقع الجديد بنومه هذا. فبسبب خوفه نام بسرعة رهيبة. أشعل داغر سيجارته وأخذ ينفث بها يحاول كبت الجنون الذي وضعه به ثائر. ولا يصدق بأنه بالفعل هو من بدأ في التحدث. وهي أضافت حجج سخيفة فقط. لكنه للمرة التي لا يعرف عددها يحاول إخراجها من الوضع… إلى متى؟!!

حينما بدأ الدخان يتصاعد تمتمت أفنان في نبرة خافتة وبأدب مدركة بأنه يود قتلها ولكن الظروف لا تساعده ولذلك تحاول ألا تضغط عليه بقدر الإمكان: -ممكن بعد إذنك تطفي السيجارة علشان فهد. وضع السيجارة في "الطفاية" المتواجدة على الطاولة بغضب حتى أنطفأت. ثم غمغم في غيظ شديد: -هسيب ليكي الأوضة كلها ولا تضايقي نفسك.

ونهض حتى يرحل بالفعل ووصل إلى الباب ووضع يده على المقبض ثم استوقفه شيء ليعود تحت قلقها ويقترب من جلستها وهو يميل بجسده حتى يصل إلى مستواها قائلاً بنبرة منحفضة جدًا: -أنتِ اللي قولتي ده بجد ولا دي تأليفة علشان يتلخموا في الحوار ومحدش يسأل عن حاجة؟ تمتمت أفنان بثبات وجدية: -أنا عمري ما هكدب في حاجة تخص ابني أو أفول عليه بالمرض اللي قولته تحت كله حقيقي. الحمدلله إن المرحلة دي عدت. بكل سخرية كان يعقب على حديثها:

-الحمدلله إن ابننا بخير. رمقها بنظرة ساخطة قبل أن يقرر مغادرة الغرفة تمامًا… لم يسمح لها بشكره…

لتتذكر ذلك اليوم التي كانت فيه عروس. عروس أمام الناس فقط لكنها لم تكن كذلك حقًا بل كانت تموت. كل ما تتذكره أنها كانت تجلس على الفراش بفستانها الأبيض. الذي يكن حلم كل فتاة ولكنها كانت في كارثة. بمجرد دخوله الغرفة نهضت وقتها من الفراش وهي تشعر بالقلق الشديد على أي حال منذ تلك الليلة لم يتحدث معها في الأمر بمفردهما كانت تراه فقط في التجمعات العائلية التي تخص زفافهم ووقتها كانت تحاول أن تظهر نفسها عروس طبيعية لا أكثر. أقترب منها وقتها لتتلقى صفعة جعلت توازنها يختل وتميل على الفراش لتسقط الدموع من عيناها بألم رهيب يحتلها. وقتها رفعت رأسها طمحت في إجابه وسألته في خزي رهيب

(ليه؟ وقتها كانت إجابته موجعة وهو يسمعها إياها: -مكنش ليا حق أديكي القلم ده وقت تاني. دلوقتي على الأقل حقي. وقتها لم يعطيها حتى الفرصة حتى تخبره بامتنانها وشكرها كما فعل الآن…

انتشلها من ذكرياتها حركة ابنها بين أحضانها وهو يحتضن خصرها بقلق من المكان الجديد. حاولت أن تستلقي وتنام بجانبه لعلها تشعر بالراحة والأمان هو روحها. ليس مجرد طفل. وبم يعطيها المجال لتغير ملابسها فلو تحركت ونهضت سوف يستيقظ. لذلك حاولت فقط خلع حجابها وتلك السترة واستطاعت أن تستلقي بجواره ليحضتنها بقوة أكبر.

هي تريد أن تجعل ابنها يشعر بالأمان التي لا تشعر به في الواقع وجودها في المنزل هنا ألم رهيب لها يبدو أن لم يكن شقيقها وحده الذي أعتاد الهروب والعيش باسم أخر بل حتى هي فعلت. وربما الذي يجعلها خائفة تلك المرة هو وجود طفلها…

جاء داغر قبل أن يراه أحد فهو أخبرهم بأنه يود الراحة هو وعائلته الصغيرة. لذلك لمحته يلج إلى الغرفة ويغلق المصباح حينما رأى وضعيتهما تلك. وتوجه صوب الشرفة وأغلقها على نفسه وظل جالسًا بداخلها بمفرده ينفث سيجارته كما يشاء. النوم يجافيه. كحالها بالضبط التي تقوم بالعبث في خصلات صغيرها فقط ولا تستطيع إغلاق عيناها. وكيف ألا تفعل؟!!

هل أخطأت من البداية حينما قامت بالتواصل مع حسن مستجيبة إلى ألحاحه. كان حسن شاب رائع في نظرها في البداية محب إلى أخته. رجل رائع باهتمامه يجعل أي فتاة خصوصًا لو كانت في مرحلة المراهقة مثلها أن تستجيب له. وتصدق وعوده الكاذبة. لكن بعد مرور وقت بات رجل أخر. لا تعرفه. رجل يقوم بابتزازها على أبسط وأهين الأشياء تحديدًا حينما أقام في منزلهم هنا بعد الحادثة الشهيرة التي أحرقت منزلهما. وقتها عرض عليهما الحاج توفيق الجلوس في منزله إلى حين أن تنتهي إصلاحات منزلهما. وقتها على أي حال كان قد أقترب حفل زفاف فردوس وكمال حتى أنه كان معقود عقد قرأنهم فلا بأس في استقبالهم.

وقتها تغيرت المعاملة بدأ يطلب منها أشياء غريبة مخجلة. ليست كحبه واهتمامه العفيف في البداية. لم تكن تقبل فأخذ يحاول ان يبتزها بأخبار شقيقها والجميع بالتواصل معه ورسائلهما الغرامية. لم تجدي الطريقة نفعًا على ما يبدو معها. لم تقبل أن تتحول مشاعرها العفيفة تجاهه إلى تلك النقطة. وقتها حاول الحديث معها باللين بأنه يرغب بها لأنه يحبها. يحبها كثيرًا كما يدعي. ولم تجدي هذه الطريقة نفعًا أيضًا معها رغم خوفها الشديد من إخبار

الجميع. وقبل حفل الزفاف بأيام بدأ في التعامل معها بطريقة جيدة مرة أخرى مقررًا أن يستعمل معها طريقة جديدة. وما ان استجابت بالحديث معه مرة أخرى وقامت بقبول اعتذاره منها على تصرفاته السابقة سامحته كالمغفلة. أجل سامحته حتى ذلك اليوم الذي أقتحم غرفتها بعد نوم الجميع. ذلك اليوم الذي أوصلها إلى تلك النقطة…

هربت دمعة من عيناها على وجنتيها مسحتها بسرعة محاولة النوم. محاولة النوم بسرعة لا تريد أن تقحم نفسها في تلك الذكريات. هي قضت سنوات من عمرها تعاتب نفسها كل ليلة. كل لحظة… *** ليلة أخرى قضتها في التفكير… لم تنناول المنوم بها. لم تريد أن تفعلها لأنها كانت تشعر بنيران مشتعلة بها تحديدًا بعد شجارهما أمس. باتت تتشاجر معه كثيرًا. حسنًا قبل زواجه لم تكن حياتهما وردية أو مثالية. ولكنها كانت تتجنبه أغلب الأوقات هو وعائلته

-عدا والدته -. كانت تتجنب الشجار معه. تتجنب الحديث معه. تلتزم غرفتها. وحتى لو أضطرت أن تحتك به كانت تنهي النقاش بأسرع ما يمكن وكان هو رقيق متفهم جدًا لها. حتى محاولاته لم تكن تستجيب لها…… لكن شيئًا ما اختلف… ربما الشجارات التي تحدث الآن سببها هو عدم الاحتكاك الصريح السابق بينهما هو السبب… أحيانًا يجهل أحدهم الآخر…

ولأن باتت الرغبات في أشد ذروتها ولكن لا يستطيع أحد التصريح. والغيرة تقتلها ببطئ ولكنها محاربة جيدة لا تقبل بالهزيمة كحل. لم تنم منذ ليلة أمس. لا تظن أنها غفيت سوى ساعة بعد الفجر. وهذه تكون حالتها الصعبة حينما لا تتناول أقراصها التي أعتادت عليها. بينما هذا الوغد اللعين بالتأكيد نائم بأحضان تلك المرأة. تبًا له ولها. ماذا تفعل بنفسها؟!! ماذا عليها أن تفعل؟

أتت بالمشبك الخاص بخصلاتها الذي كان مكانه على الوسادة بجانبها بإهمال يبدو أنه تحرر أثناء نومها من خصلاتها وبذلك قام بتحريرها هي الأخرى. ياليتها تسمح بتحرير مشاعرها. فقامت هي بلم خصلاتها بعشوائية واضعه إياه ليقوم بسجنهم مرة أخرى سويًا. ومن بين أفكارها المزدحمة، انفرج باب الغرفة وقبل حتى أن تتضح لها رؤية من فعل ذلك، علمت بأنه هو.

هو وحده من يدخل غرفتها بدون استئذان تحديدًا في الفترة الأخيرة. وبالفعل ما هي إلا ثواني ودخل إلى الغرفة بهيئة متوترة، حانقة، غاضبة، ولكنها في كل الأحوال أكثر هدوءًا هو الآخر عن ليلة أمس. لكن لم يكن في حال أفضل منها هو أيضًا لم ينم جيدًا بسببها، وبسبب هذا الطفل الصغير الذي لا يعلم عنه شيء بينما شريف اللعين لا يجيب عليه.

عاد إلى منزله في الثالثة صباحًا وكانت داليا في انتظاره رغم تأخره تحاول معرفة ما به. وأخبرها بأمر انجاب شقيقته طفل وظروفه الصحية وتلك الأشياء بشكل سطحي. وأخبرته هي بلا اكتراث بأنه لا يهتم المهم هو عودة شقيقته جيدة هي وطفلها ولا بأس بأي شيء آخر. وحاولت تهدئته وصنعت له كوب من الأعشاب بعد صلاة الفجر حتى يهدأ أعصابه، ربما استفاد قليلاً حتى ينام ولو ساعتين وبعد ذلك استيقظ على ميعاد هبوطه إلى البنك. وذهب بالفعل ولكنه استأذن مبكرًا وها هو هنا أمامها بعد أن جاء وعلم أن الأغلب ملتزم التواجد في غرفته رغم يقينه أن غالبية المنزل قد استيقظ. لكن يبدو أنه يحاول استيعاب ليلة أمس.

كان يرغب في أن يدخل إلى غرفة والدته ولكن تراجع ووجد نفسه هنا. لا يعلم هذا بسبب رغبته في رؤية فردوس معذبته، أم من توتره من مقابلة والدته التي بالتأكيد سيكون لديها الكثير من الشكوك والأسئلة وهو لا يمتلك إجابة مقنعة بعد، وربما السببان معًا. ولج إلى الغرفة قائلاً بنبرة عادية وهو يغلق الباب خلفه: -صباح الخير. أجابته فردوس بنبرة هادئة جدًا وكأن شيئًا لم يكن: -صباح النور يا كمال.

تلك العادة الخاصة بهما مؤخرًا بعد يوم شاحن وغاضب يلقي أحدهما التحية على الآخر برزانة غريبة ويجيب الآخر بهدوء وكأنه لم يكن على وشك كسر رأس من أمامه. ربما لأن أي كلمة تخص الاعتذار غير متواجدة في قاموسهما، وتحديدًا قاموسها هي. قالت فردوس بنبرة ساخرة قليلاً: -إيه اللي جايبك بدري كده؟ وبعدين أنا ملاحظة إنك بقيت تدخل أوضتي أي وقت تحبه ومن غير ما تخبط حتى.

خرجت منه ضحكة عفوية وهو يقترب على الكومودينو المتواجد بجانب فراشها ويجلس بجانبها على الفراش لتتحرك قليلاً مبتعدة عنه مسافة قد تبدو مناسبة لعقلها الأبله. أخذ ساعته التي مازالت متواجدة مكانها وقام بارتدائها وهو يقول: -يعني قولت أحاول أخلصك واحدة واحدة من حاجتي اللي في أوضتك اللي بتضايقك. تمتمت فردوس بنبرة مختنقة: -ماشي. نظر لها وإلى عيناها المتورمة يبدو أنها بكت كثيرًا. فهي لا تزعجه فقط وتكتفي بذلك بل تؤلمه

حينما يشعر بأنها قد بكت: -حلوة ماشي دي، مش بسمعها منك كتير، لذيذة على فكرة. عقبت فردوس هي بعفوية: -يعني أهو تغيير. ثم استرسلت بعفوية والغيرة يراها بعينيها واضحة كوضوح الشمس ولكنها تعافر وتمنع نفسها من الظهور. فردوس محاربة قوية: -روحت امبارح عملت إيه؟

هذه الفترة فقدت عقلها بالكامل هي نفسها لا تعلم أي إجابة تنتظر. ماذا لو أخبرها ذات مرة مستخدمًا وقاحتها بأنه مع زوجته بين أحضانه، ربما في إحدى لحظاتهم الخاصة. هي نفسها لا تفهم لما للمرة الثانية تسأله هذا السؤال اللعين! عقد ساعديه وسألها بنبرة جادة: -عايزة إنهي إجابة؟ -يعني إيه عايزة إنهي إجابة؟ قال كمال بلؤم واضح: -إجابة تريحك وأنتِ عايزاها ولا إجابة تانية. تمنت لو تخبره بأنها ترغب فعلاً في شيء

يريحها ولكنها تمتمت بضيق: -الحقيقة. أجابها بتلقائية: -عادي لفيت بالعربية وروحت قبل الفجر بشوية. وبعدين نمت ساعتين وروحت البنك وجيت. الإجابة دي تنفع؟ هزت رأسها في إيجاب فلا بأس بالإجابة يبدو أنها جيدة نوعًا ما. مما جعله يبتسم. فهو يقسم ألف مرة ومرة بأنه سيكف عن المحاولة معها. ويقسم بأنه سيكف عن تدليلها الذي يجعلها تفعل به ما تريده ولكن بمجرد رؤيتها لا يحدث كل ذلك. تذهب جميع رغباته إلى عالم آخر. بينما هي بفظاظة قالت:

-وبعدين أنت مش أخدت ساعتك؟ قاعد ليه لسه؟ ولكنها تمنت لو بقى الدهر كله بجانبها. قال وهو يجلس بجانبها وليس أمامها مريحًا بظهره على ظهر الفراش بعد أن خلع حذائه ووضعه بجانب الفراش:

-في حاجات كتير في الأوضة بتاعتي وماخدتهاش فمفيش مانع لو تسبيني أقعد هنا شوية، خصوصًا أن الأوضة دي مش بتاعتك لوحدك ولو أنا سايبها ليكي ده كرم أخلاق مني وكنت قاعد في أوضة الضيوف. فقبولي بالوضع مش معناه إني طول الوقت هقبل بيه. لازم يجي من وقت للتاني أعملك تصحيح مسار.

كادت أن تعترض ولكن طرقات خافتة على الباب، جعلت كمال ينهض تحت أنظارها ويفتح الباب ويأخذ صينية موضوع فوقها قهوته، وبضعة شطائر مختلفة للفطور. فشكر المرأة ثم أغلق الباب حينما رحلت وأتى ليضع الصينية على الكومودينو ويعيد يجلس جلسته السابقة. نظر لها كمال بدهشة من نظراتها فهي تنظر له وكأن هناك رجل فضائي احتل غرفتها. تمتم كمال مشيرًا إلى الشطائر:

-أنا خليتهم يعملوا حسابك لأن غالبًا مفيش فطار هيتعمل بما إن كل واحد قاعد في أوضته لغاية دلوقتي. كادت أن تبدي اعتراض ولكنها سبقها قائلاً: -لا. سألته هي بسخرية: -هو إيه اللي لا؟ هو أنا قولت حاجة علشان تقولي لا؟ غمغم كمال بوضوح: -لا لأي فكرة بتفكري فيها أنها تخلينا نتخانق على الصبح، ولا لأي فكرة تانية برضو لأن أفكارك كلها أنا عارف أنها هتشلني. هي ساعة هقعدها وهمشي ياريت تكون من غير خناق لو مش هضايق جنابك.

أجابته بطاعة لا تليق بامرأة جامحة مثلها: -طيب. ثم سألته بضيق، أيشتاق للعودة إلى المنزل بتلك السرعة؟ فتحدثت باهتمام لا يراه كثيرًا: -هتمشي تروح فين؟ أجابها كمال بتلقائية: -هروح الشركة. كانت إجابته منطقية فهو لن يعود مبكرًا إلى المنزل إلى تلك الدرجة ولأن لديه بعض الأشياء عليه أن ينهيها في الشركة. ولأنه على ما يبدو لن يستطيع الحديث مع أفنان وداغر حتى لا يشك أحد بأمرهما. ربما يحاول المرور إلى جده قبل ذهابه.

نهضت فردوس متوجهة صوب المرحاض حتى تغسل وجهها وأسنانها، حتى تعود وتتناول الفطور معه في إحدى المرات التي لا تتكرر كثيرًا. ليس هناك ضرر على ما يبدو لو لمدة ساعة تناولت مع الطعام ثم رحل. تحت عنوان (ساعة من غير خناق) لفترة محدودة جدًا. شروق شمس جديدة. نعم كانت شروق شمس جديدة ومختلفة.

وكيف لا تشرق بعد تلك المكالمة من رجلها المفضل. أكثر شخص وأكثر شيء أحبته في حياتها. أحبته بلا شروط وبلا قيد. ولن تحبه بعده. حتى لو هكذا أنهى علاقتهما. حتى لو أنها انتهت قبل أن يتم وضع مسمى لها. يكفيها بأنه أحبها. كان هذا الشيء الوحيد التي فعلته لأنها تريده وليس لأن الظروف تحتم عليها فعل ذلك. هي أرادت وعشقت هذا هو الأمر ببساطة.

أحبت بلا سبب وبلا مصلحة كان هذا أنقى شيء حدث في حياتها وهي ليست نادمة. حقًا ليست نادمة أبدًا ولو تكرر الأمر مرة أخرى وقام أحدهم بتخييرها بين حبه وبين أي شيء في الحياة ستختاره. فهي أحبته بكل جوارحها.

هبطت إلى صالون التجميل حتى قبل أن تأتي الفتيات التي تعمل معها. وقامت بتشغيل الأغاني الصاخبة تارة تقوم بالتنظيف وتارة أخرى ترقص وتتمايل بغنج ويليق بها الغنج والدلال ولا يليق لأحد سواها هكذا كانت تخبر نفسها حينما تلمح هيئتها في المرأة. أتت والدتها بعد ساعة تقريبًا تزامنًا مع انتهائها من التنظيف والترتيب. أردفت سوسن باستغراب: -إيه النشاط ده كله يعني؟ ده أنا كل يوم بتحايل عليكي علشان تصحي وتنزلي. ثم ألقت نظرة سريعة على

المكان قائلة بعدم تصديق: -أنتِ اللي وضبتي الدنيا كمان؟ ابتسمت شمس كالاطفال وهي تنظر إلى والدتها. ثم قالت وهي تقترب منها وتلتقط أطراف خصلات والدتها الشقراء بسبب الصبغة: -بقولك إيه ما تيجي نغير لون شعرك يا ماما بقالك كتير مصبغتيش. غمغمت سوسن ساخرة: -هي شغلانة يا شمس، ده أنا شعري باظ واتهرى من كتر الصبغة. أردفت شمس بحماس رهيب تكاد عيناها أن تنطق عن فرط السعادة التي تشعر بها من أجل مكالمة بسيطة كان بمثابة وداع ولكنها

لا تهتم سوى باعترافه: -يلا بس نستغل إن مفيش حد جه لسه ولسه بدري. قالت شمس تلك الكلمات وهي تجذب والدتها لتجلس على المقعد وذهبت هي لتحضير الصبغة ووضع المكونات فوق بعضها وأتت وهي تقوم بتقليبها وترتدي القفازات البلاستيكية. ووالدتها تتركها تفعل ما تشاء تحاول أن تفهم سر هذا النشاط. وأتى في عقلها شيء واحد. ثائر.

هو سبب تحويل حالها. هو الذي بات يتلاعب في ابنتها هذا الوغد. مما جعلها تسألها في وسط انهماك شمس في تقسيم خصلات شعر والدتها حتى تقوم بوضع المادة: -اللي اسمه ثائر ده كلمك تاني؟ بجراءة أجابت شمس والدتها: -آه كلمني امبارح ليه؟ نهضت والدتها من فوق المقعد كمن لدغتها عقربة صائحة: -هو الموال ده مش هنخلص منه ولا إيه؟ وبعدين فرحانة أوي كده ليه؟ أنتِ عارفة معناه إيه إنه يكلمك بعد اللي عرفه؟

عارفة هو لو رجعلك ورجع يكلمك ويحتك بيك هيطلب منك تقدمي تنازلات إزاي بعد كده؟ وهيتسلى بيكي ازاي؟ تفهم مقصد والدتها، تفهمه جيدًا. بأنه سيرغب بها امرأة للمتعة، حتى زوجة له لن يرغب. لكنها ما زالت عند رأيها، ثائر مختلف عن أي رجل قابلته. هتفت شمس بنبرة جامدة: -ثائر مكلمنيش علشان يصالحني. خرجت من والدتها ضحكة ساخرة وسبه وهي تقول: -أومال كان بيكلمك علشان إيه يا قمورة؟ أجابتها شمس بثبات وتحولت الحالة التي كانت

بها إلى أخرى حانقة وغاضبة: -بيكلمني علشان يأكد أن اللي ما بينا انتهى. ضيقت سوسن عيناها بعدم تصديق وهي تهتف: -لو كان كده، إيه الفرحة اللي على وشك دي؟ أردفت شمس بألم واضح للأعمى عدا والدتها تقريبًا: -علشان حسسني إني أتحب، علشان داوى جرحي، علشان حسسني إني أنفع حتى لو بالكدب، وإن المشكلة مش فيا، المشكلة في الظروف.

رغم إنه عرف حقيقتي، محسّتش لا في كلامه ولا حتى في نظرة عينيه في الكام مرة اللي شفته فيهم إنه بيعريني بعينه زي أي طمعان فيا. بل على العكس، أنا مشوفتش نفسي كويسة ومستورة إلا في عينه هو. وعندي استعداد أعمل أي حاجة علشان يفضل يشوفني كده. تجاهلت والدتها حديثها كله وسألتها عن معنى جملتها الأخيرة: -قصدك إيه؟ -قصدي إني عايزة أبطل موضوع الرقص، ونطور من موضوع البيوتي سنتر.

إحنا خلاص اتعرفنا، ونعمل فرع جديد في حتة نضيفة، وعندي أفكار جديدة. صرخت سوسن برفض: -إنتي اتجننتي صح؟ تبطلي إيه؟ إنتي اللي بتعمليه في يوم واحد، إحنا بنعمله هنا بالشهر والشهرين وساعات الثلاثة. الواد ده جننك؟ هو اللي أقنعك بكده؟ صاحت شمس قائلة بنبرة مختنقة: -قلتلك مش هو اللي قال، أنا اللي بقولك وبفكر معاكي. ريحي نفسك، ثائر مش هيكون ليا مهما عملت. لم تستقبل سوسن صدمتها الأولى لتخبرها شمس بالثانية:

-وبعدين أنا عايزة عنوان أبويا، أقصد عيلته يعني. مش معقول مفيش بني آدم في عيلته عنده ضمير يعترف بيا بعد موته. مش معقول كل ده علشان اتجوزتوا قبل ما تتمي الـ 18 سنة وساعتها مات ومحدش سجلني. أبتلعت ريقها واسترسلت حديثها بإصرار رهيب لأول مرة تلمحه والدتها في عينيها: -أكيد أهله فيهم بني آدم عنده ضمير. مينفعش واحدة في سني معهاش بطاقة ومعهاش أي حاجة تثبت شخصيتها. وأفضل طول عمري خايفة أمشي في كمين أو أدخل أي مصلحة حكومية.

وضعت سوسن يدها على قلبها وكأنها تمنع عن نفسها الإصابة بنوبة قلبية بسبب ابنتها. تمتمت سوسن بانفعال: -إنسي اللي في دماغك ده، وإنسي كل اللي بتقوليه، خصوصًا موضوع أبوكي ده تقفليه، تقفليه خالص بقا أحسن ليكي. قالت شمس بغضب: -مهو مش معقول شوية وأدخل الثلاثين وهفضل عايشة من غير أي إثبات شخصية وأخاف من أي كمين، وأخاف من أي حاجة. وإزاي أسوق وأتعلم السواقة وأنا مش معايا أي إثبات شخصية؟

هو أنا عايزهم يعترفوا بيا علشان سواد عيونهم ولا سواد عيون أي حد؟ أنا عايزة ورقة مكتوب عليها إني بنت فلان، مينفعش أكون من غير نسب. أنا مبقتش صغيرة، افهمي كلامي شوية. فجأة فقدت سوسن توازنها لتسقط أرضًا فاقدة الوعي تحت صرخات شمس وهي تهبط إلى مستواها تحاول أن تفعل أي شيء ولكنها كانت بالفعل في عالم آخر. مما جعل شمس تحاول إفاقتها ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل، فأخرجت هاتفها على عجالة وذعر غريب يتملكها.

تحاول الاتصال بالمدعو عبدة الذي أجاب عليها بصوت ناعس، وأخذت تصرخ وتخبره بما حدث. ليخبرها بأنه سيأتي في الحال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...