ممكن أفهم إيه اللي خلاكي تظهري تاني وحمل إيه اللي بتتكلمي فيه؟ جاءت شمس من الداخل وسمعت تلك الكلمات فعقبت بنبرة مرتجفة ومتوترة تحت أنظار منير المذهولة: –بتتكلم عني أنا. بعد كلماتها تلك، كان منير ينظر إليها وهو لا يفهم من تلك الفتاة. فتاة تشبه سوسن في صباها إلى حد كبير. فاتنة مثلها رُبما. لكن ما الذي تقوله؟ هل جن الناس؟ تحدث منير بغضب جامح وهو ينظر إلى سوسن: –مين دي يا سوسن؟
ويا ريت تلخصي وتقولي إيه اللي خلاكي تظهري بعد السنين دي كلها وإيه الكلام الفارغ اللي قولتيه ده؟ كأنه انعقد لسان سوسن التي كانت تنظر لها شمس بانزعاج جلي من صمتها، لكنها لا تدرك بأنها تواجه عواقب أفعالها، تواجه سرقتها، تواجه إخفاءها أمرًا كهذا، تواجه كل شيء اقترفته.
تولت شمس المهمة وهي تهتف بنبرة واضحة ووقحة بعض الشيء كما يمكن تصنيفها، لكن الأكيد أنها لم تكن تخشى شيئًا. رُبما لأنها لم ترتكب في حقه أي ذنب كما فعلت والدتها، حتى لو لديها آلاف الأخطاء: –يعني بتسأل حمل إيه اللي كانت بتتكلم عنه وأنا بقولك بتتكلم عني، تفتكر الموضوع محتاج توضيح أكتر من كده؟ ختمت حديثها ببساطة شديدة حتى ينتهي هذا الأمر: –أنا بنتك. كادت أن تخرج عينه من مكانها أثر كلماتها والبساطة التي تتحدث بها.
–لا واضح إنكم اتجننتوا خالص. صاح منير بانفعال شديد لا يصدق بل لا يستوعب من الأساس: –هبت منكم اتكلمي يا سوسن علشان والله ما حد هينقذك من تحت إيدي واللي هعمله فيكي، واضح إنك جاية ترمي بلاكي عليا بعد السنين دي كلها وفاكراني مغفل هصدق الكلام ده. تحدثت سوسن بنبرة مرتجفة ومتوترة: –شمس بنتك يا منير، أنا كنت حامل وقت طلاقنا. صاح منير بنبرة مرعبة وجنونية إلى حد كبير:
–سوسن لأخر مرة بقولك بطلي الشغل بتاعك ده لو حابة تقلبيني في فلوس أو غيره وجاية تلعبي عليا بعد السنين دي كلها وفاكرة إني هصدق الحوار ده تبقى اتجننتي وشكلك متعرفنيش كويس، شوفي مين اللي عمل فيكي كده وجاية تشتغليني، شوفي جبتيها منين لو دي بنتك أصلاً. صاحت شمس هي الأخرى باستنكار شديد: –حيلك حيلك وبراحة علينا شوية، إيه جابها منين دي؟ وإيه الطريقة دي؟!!! يعني أنتَ مكنتش واثق في الست اللي اتجوزتها. قاطعها منير باستخفاف ونظرة
مهينة ألقاها على سوسن: –أسف والله مش هثق في واحدة سرقتني. كان محقًا بعض الشيء، وذلك جعل شمس تحاول التفكير في أي تدافع به عن والدتها فقالت بنبرة حمقاء: –دي مش زي دي، أنا بنتك. خرجت سبة من فمه ثم صاح بعدها مستنكرًا وهو متوجهًا صوب الباب: –أنا هعتبر نفسي مسمعتش أي حاجة من الكلام الفارغ ده، شوفوا غيري تلعبوا عليه، أنا مش عيل صغير هصدق التخاريف دي. ذهبت سوسن خلفه مستوقفة إياه قائلة بصدق وإلحاح:
–استنى نتكلم يا منير، اقسم بالله العظيم شمس بنتك وأنا مش هكدب في حاجة زي دي. استدار مواجهًا إياها بانفعال شديد: –بنت مين؟ أنتِ مجنونة صح؟ جاية بعد السنين دي كلها تقوليلي أنا كنت حامل وجايبالي واحدة الله أعلم جبتيها منين تقوليلي دي بنتي وفاكراني هصدقك؟ الحق مش عليكي الحق عليا إني سبت كل اللي ورايا وجيت علشان أسمع الكلام ده. قالت سوسن باختناق: –والله العظيم بنتك. صاح منير بصوت جهوري:
–اخرسي أحسنلك مش عايز أسمع صوتك انتِ ****** وأنا غلطان إني في يوم خليتك على ذمتي. كان يشعر بالجنون، خبر كهذا لن يمر عليه بصورة طبيعية أو هادئة أبدًا، هو على وشك أن يُصاب بأزمة قلبية جديدة جراء ما يسمعه. جاءت شمس ووقفت أمامه قائلة بانفعال وغضب كبير، فهي لا تشعر بشيء تجاهه، فراغ فقط:
–متغلطش فيها، والفيصل بينا وبينك التحليل، نعمل تحليل أنا وأنتَ علشان تتأكد، أنا مش عايزة منك غير اسمك، مش عايزة منك أي حاجة لأن عمر ما هيكون بينا حاجة والغلط كان عليها بس خلاص أحنا دلوقتي في مشكلة ولازم نحلها. صرخ في وجهها بجنون: –أنتِ مش بنتي، سامعة، أنتِ مش بنتي. ابتعد عنهما وتوجه صوب الباب وفتحه ليجد شمس تتحدث بتهديد:
–أنا عارفة إن الموضوع صعب عليك زي ما كان صعب عليا أعرفه، وهسيبك تهدى وتفكر، ولو فضلت مصمم على إنك تنكر هنرفع عليك قضية لو مرضتش تخليها دي. نظر لها منير بانفعال شديد ثم صفع الباب خلفه مغادرًا المكان بأكمله، وسوسن جلست على المقعد في صمت وندم كبير على كل شيء اقترفته، أما شمس غادرت ثم ذهبت إلى غرفتها لعلها تبكي كما تشاء. مدام لن يراها أحد. *** في معرض ظافر الحوت.
كان شريف يقف أمامه بنظارته الشمسية يراقب الرائح والغادي بعدما أخبره حارس البناية الذي أخذ هاتفه وطلب منه أن يخبره عند إتيان أي زائر لهما، وحينما أخبره الزائر في الصباح عن إتيان ذلك الرجل لم يخمن شريف كثيرًا، بل كان يعلم أنه بالتأكيد هو بعد اتصال من سوسن أخبرته فيه بأنها أرسلت العنوان إليه.
ولسوء الحظ قابله ظافر وعرض عليه الجلوس معه، لم يكن يرغب أن يكون في موضع الرجل المتلهف ليبقى بقرب امرأة وكأنه ليس لديه أي شيء في حياته غيرها، امرأة لا يربطه بها شيء أمام هذا الرجل. لكنه في كل الأحوال قام بقبول دعوته وتناول القهوة معه، ولكنه استأذن من أجل الاطمئنان على شقيقته التي أخبرته بأنها وصلت إلى البلدة، ووقتها رأى منير يغادر البناية يتوجه صوب سيارته.
فقام بالاتصال بشمس، لم تجب عليه كعادتها في الآونة الأخيرة، هي تغضبه بشكل كبير. ولج إلى المعرض مرة أخرى ليجد ريان ابن ظافر الذي لم يتجاوز الثلاث أعوام يغادر مع حسام أحد العاملين في المتجر ولوح بيده إلى شريف مغادرًا، فأرسله ظافر مع حسام، ورغب ريان في الذهاب مع حسام الذي يحبه بشكل كبير. لوح له شريف أيضًا وكان قد رحل ريان ليتحدث شريف بنبرة عفوية: –إيه الباشا رايح فين؟ تمتم ظافر بنبرة هادئة:
–شبط في حسام وهو رايح مشوار فحسام هياخده معاه، الفترة دي من ساعة ما أمه ولدت وهو غيران شوية لأنه كان أصغر حد في البيت ومرة واحدة بدأ يغير ويشبط فيا وأنا نازل ودي مكنتش عادته أصلاً. هتف شريف بنبرة جادة: –ربنا يخليهملك. عقب ظافر على حديثه بود: –أمين يارب وعقبال ما نشوف ولادك. تلك الأمنية بعيدة جدًا وبات لا يشعر بها، رُبما عليه أن يمارس الأبوة لمن هم لا يحملون دمه. ابتسم شريف بفتور ليتحدث ظافر بنبرة هادئة:
–صحيح، أنتَ كنت جاي وطالع فوق وأنا عطلتك؟ أجاب شريف بنبرة جادة: –لا ابدًا، هو بس كان جاي ليهم حد من قرايبهم وزي ما قولتلك في مشاكل ما بينهم علشان في مكان حبيت أكون قريب. صمت ظافر دقيقة تقريبًا ثم غمغم بهدوء ورزانة مسببًا الإحراج إلى شريف:
–أعتقد متحاولش تكدب علشان مش بيليق عليك يا ثائر، وعلى العموم أنا عارف إن في جزء من كلامك مش حقيقي، بس أنا وافقت علشان متعودتش إن حد يطلب مني مساعدة وأنفضه، وخصوصًا لو حد جدع زيك وبثق فيه. *** ” دبي ”
الأيام كانت جميلة، رائعة وهادئة، بشكل مخيف في بعض اللحظات القليلة، حتى في اللحظات السعيدة والهادئة يبقى هناك خوف حتى لو في جزء من الثانية في اليوم، رُبما لأن قلوبنا بعد سنوات من الضياع والحزن تستوعب السعادة ببطء وترقب وخوف من فقدانها مرة أخرى. أو رُبما لأن التجاهل مؤلم، تجاهل الأشخاص وتجاهل الشخصيات. لا تشعر بالراحة التامة عند التجاهل رغم أنه قد يحمي المرء من الكثير من الكلمات الجارحة، إلا أنه يبقى غصة في القلب.
تجلس على الأريكة بين أحضانه، تستمد من أحضانه قوتها ويعطيها هو العاطفة التي تحتاجها طوال اليوم منذ استيقاظها وحتى مغادرتهما من الغرفة وعودتهما إليها، النوم واليقظة، حتى لحظات الصمت تتخذ من أحضانه مأوى. تمتمت فردوس بنبرة هادئة وخافتة جدًا وهي تستند على صدره وتعبث في ذقنه بأصابعها طوال مشاهدتهم للفيلم بعد تناولهم الفطور: –هنعمل إيه النهاردة؟ قال كمال بنبرة تشبهها في خفوتها:
–مش عارف، بس مليش مزاج النهاردة ننزل بدري، ممكن ننزل متأخر شوية، أنتِ عايزة تعملي حاجة معينة بغض النظر عن الأفكار الغريبة اللي بتجيلك مرة واحدة دي ابعدي عنها، خليكي في الحاجات المعقولة والمنطقية. خرجت منها ضحكة رغمًا عنها وهي تتذكر استمراره في التعليق على الأمر منذ أن اقترحته. تأملها وعقب تعقيب عفوي وراقي مثله: –ربنا ما يبعد الضحكة عن وشك أبدًا يا فردوس.
كل كلمة ولمسة منه، تعقيب عفوي، إطراء لذيذ، كل شيء به يصيبها أحيانًا بالارتباك الذي لن يصدقه أحد من شخص هو زوجها من أكثر من سبع سنوات. تركت قُبلة هادئة على وجهه وقلبها تمنى أن يستجب الله له، فقد أُرهق قلبها للغاية. حاول أن يستعيد تركيزها وهو يتمتم بنبرة هادئة بعظما لاحظ صمتها: –مفيش أي حاجة في بالك؟ عقبت فردوس بنبرة هادئة: –يعني مش عارفة بس محتارة جدًا. صمتت وكانت على وشك التكملة لكن تحدث كمال قبلها بعناية:
–محتارة في إيه؟ أردفت فردوس موضحة الأمر: –عايزة أجيب هدية لدعاء ومحتارة أجيب لها إيه. غمغم كمال ببساطة الرجال: –اسأليها هي محتاجة إيه من هنا أفضل. تمتمت فردوس بتفسير: –يعني هي بتقولي إنها مش محتاجة حاجة معينة، بتقولي اجيب حاجة على ذوقي. قال كمال بنبرة هادئة: –عادي فكري، لسه معانا وقت. ثم صمت لعدة ثواني وتحدث بجدية واندهاش لن يخفيه في الوقت نفسه: –أنا مستغرب من صحوبيتكم جدًا خصوصًا إنكم مش شبه بعض. ابتسمت
فردوس ثم عقبت تعقيب منطقي: –يمكن السبب الوحيد هو إن دعاء مش منتظرة مني حاجة، وفي نفس الوقت مش بتضغط على اللي قدامها حتى لو طبعها غيري، ويمكن فضولية شوية أو فضولية كتير، إلا أنها ممكن تكون بتسمع الواحد الكلام اللي عايز يسمعه، مش بس اللي هي عايزة تقوله، هي بتريح. طبع قُبلة على جبهتها بعدما فسرت رُبما تعليقها عن علاقتها بدعاء ليغمغم كمال بنبرة شبه مرحة:
–بس هي ليها فضل كبير في اللي إحنا فيه، أنا نفسي هفكر معاكي، عايزين نجيب هدايا عمومًا ليهم كلهم، الكام يوم دول كانوا كفايا يشيلوا زعل السنين اللي فاتت كلها من قلبي وكانوا يستحقوا الانتظار. أسترسل حديثه وهو لا يمنع نفسه أبدًا من أن يغمرها بالكلمات: –أنتِ تستحقي الواحد يستناكِ العمر كله يا فردوس. استدارت وحاوطت عنقه بحب كبير وبعاطفة تخفي أسفلها الكثير من الكلمات التي لا تستطيع نطقها أو رُبما هي لا تحسن التعبير مثله.
ابتعدت عن أحضانه بعد مدة ولكنها ظلت تغلق قبضتها حاول عنقه متمتمة بجدية وتساؤل حقيقي: –كمال بحسك شاعر، كاتب أو مغني أو ملحن عمومًا عندك مشاعر أو كلنا عندنا مشاعر بس أنتَ ببساطة كبيرة بتعرف توصف اللي عايز تقوله، أنا ساعات بحس إني فاشلة قصادك أو يمكن مؤخرًا أكتر. ضحك رغمًا عنه بتشبيها له ولمشاعره وكان رده عليها خفيف وبسيط وهو ينظر إلى عيناها: –علشان أنا بحبك لا أكتر ولا أقل.
كانت عفوية وهي تتحدث حتى قبل زفافهم وقبل تلك الليلة، بالرغم من دعابتها له طوال الوقت أحاديثهم الطويلة جدًا وحبهم الواضح إلا أنها لم تكن إنسانة جيدة نوعًا في التعبير عن مشاعرها تحديدًا حينما تقارن نفسها به، لا تعلم هل هو المختلف عن الجميع أم أنها هي رُبما التي تكون من الأشخاص التي تخجل من نطق كلمات الحب بصراحة. –أيوة ما أنا بحبك بس مش بعرف أقول زيك. حاوط خصرها وشدد من ضمها إلى متمتمًا بعدما تصنع التفكير:
–هحاول أنا أخليكي تعرفي تقولي. “لا تضيّعي وقتك مع محمود درويش وبابلو نيرودا فهما يصلحان لكلّ شيء ..اعطفي عليّ واقرئيني أنا أنا الذي لا أَصلحُ لأيّ شيء من دونِك” #مقتبسة أنتِ قصيدتي الأولى النور الذي لن ينطفئ والمشاعر التي لن تتلاشى أنتِ الوحيدة التي ستنبض في قلبي إلى الأبد. #مقتبسة *** ” الشرقية ”
وداع شقيقها كان غريبًا بالنسبة لها تلك المرة ولا تعرف السبب. هل لأن تلك المرة هي تعلم بأنه متورط في أمور تخص راقصة، أم لأنها تسافر مع داغر كزوجة له أو زوجة قررت الاستمرار مع زوجها. ورُبما لأنها لم تكن على وفاق مع داغر ولا تعلم لما حديثه قلقها وقتها.
بعد رحلة استغرقت وقت كانت وصلت إلى الشرقية وبعدها إلى منزل العائلة، رأت جدها وألقت التحية عليه ثم صعدت إلى حجرة والدتها دقت الباب وأذنت لها والدتها بالدخول، لتلقي نفسها في أحضان والدتها في صمت كبير، هي ترغب في الشعور بالأمان فقط الآن. ظلت لمدة نصف ساعة تقريبًا على هذا الوضع، تداعب والدتها خصلاتها برفق وكأن ابنتها عادت طفلة صغيرة أو بمعنى أصح هي ستظل طفلة في عينيها للأبد. ابتعدت أفنان عن أحضان والدتها بهدوء
ثم غمغمت بنبرة خافتة: –ماما أنتِ كويسة؟ قالت منى بنبرة هادئة: –كويسة يا بنتي هيكون مالي؟ أردفت أفنان بتلقائية بعد أن ألقت نظرة على ملامحها المجهدة تمامًا ورُبما القلقة بعد معرفة فردوس بالأمر حتى بالرغم من سفرها: –يعني شكلك تعبان شوية. عقبت منى بنبرة حاولت جعلها عادية: –مفيش حاجة يا حبيبتي انا زي الفل، الحمدلله إن الموضوع عدى على خير. سألتها أفنان بعدم فهم: –موضوع إيه؟ تمتمت منى بتلقائية:
–موضوع فردوس إنها عرفت الحقيقة وسكتت. قالت أفنان بعدم استيعاب: –هي فردوس عرفت امتى؟ –من قبل ما تسافروا علطول. “غــرفــة الـضـيـوف” حيث المكان الذي جمع أفنان وداغر سويًا منذ عودة داغر من خارج البلاد. كان يضع متعلقاته المتبقية في الغرفة في حقيبة السفر حتى يذهب إلى منزل عائلته الذي تم تجهيزه وأصبح صالحًا للعيش فيه.
ولجت أفنان إلى الغرفة لتجد هذا المشهد، وعلى الرغم من أنه لم يستدر إلا أنه شعر بها ويستطيع أن يشعر بها من صوت أنفاسها المضطرب في أغلب الأوقات عند الغضب والتوتر، وأحيانًا يعرف هويتها من دون أن يلتفت من عطرها المميز. هتفت أفنان بنبرة مختنقة: –أنتَ ليه مقولتش ليا؟ أستدار داغر إليها سائلاً إياها بعدم فهم: –مقولتش ليكي إيه؟ غمغمت أفنان بضيقٍ شديد: –إن فردوس عرفت كل حاجة.
عقب داغر تعقيب داغر ولكنه حقيقي، هو لم يرغب في إيذاء شعورها أو إصابتها بالقلق والحرج من جديد: –علشان حسيت إنه ملهوش لازمة إنك تعرفي، ومش لازم تقلقي على حاجة جديدة. رددت أفنان كلماته باستنكار: –يعني أنتَ شايف إنه مش من حقي أعرف؟ هز رأسه وهو يقول بقنوط:
–مقولتش مش من حقك، أنا خوفت عليكي زي ما أخواتك عملوا، شريف عرف وكمال عرف والكل كان شايف إن أفضل حاجة متعرفيش خصوصًا إن فردوس من الواضح إنها مش ناوية تعمل حاجة، وسافرت لكمال. صمتت أفنان وعقدت ساعديها ليتحدث داغر مغيرًا هذا الموضوع الذي يزعجه بشكل كبير جدًا: –شوفي لو لسه في حاجة عايزة تاخديها حطيها معايا في الشنطة دي نصها فاضي علشان نمشي. غمغمت أفنان بانزعاج: –وأنتَ ليه مستعجل كده؟
إحنا لسه راجعين من السفر ما تخليها بكرا. هي منزعجة منذ حديثه معها قبل السفر ومغادرة منزل شقيقها، لم يهتم لرأيها من الأساس بل أخبرها بأنه زوجها وعليه أن يقرر مكانها. تمتم داغر بنبرة واضحة وجادة إلى أقصى حد: –أفنان أنا همشي، ولو بتتحججي ومش عايزة تسيبي البيت ياريت تعرفيني علشان أنا مبحبش الطريقة. عقبت أفنان بارتباك طفيف: –أنا مش بتحجج يا داغر أنا بس بقول يعني تغيير الأماكن الكتير بالنسبة لفهد يعني. قاطعها داغر بنبرة
صارمة وواضحة إلى أقصى حد: –أفنان أنتِ بقيتي كبيرة كفايا إنك تتحججي بإبنك، وإبنك ما شاء الله أعقل منك لو في حاجة رافضها أو حاجة مش مريحاه بيقول عليها علطول مش مستني حد يتكلم بلسانه ياريت تفهمي كده. تنهدت ثم غمغمت باستسلام: –ماشي أنا هكمل باقي الشنطة في حاجات هعوز أحطها، هو فهد فين مش كان معاك؟ عقب داغر بجفاء: –مع جدك تحت. *** ” بني سويف ” كانت نرمين تصيح بشكل غاضب وهي تضع الهاتف على أذنيها وتتحدث مع زوجها:
–يعني إيه مش جاي؟ أنتَ بتهزر يا منير؟ جاءها صوته الغاضب والمنفعل منذ الصباح: –مش هاجي دلوقتي يا نرمين حقك عليا، روحي أنتِ وأمي مع بشرى وبعدين شراء الشبكة ده شغل ستات ملهوش لازمة وجودي. هكذا كان يحاول التبرير، يحاول تلافي عدم إتيانه ولكنه ليس لديه الجرأة ليذهب وكأن كل شيء طبيعي، هو على وشك أن يفقد عقله منذ الصباح. تمتمت نرمين بغضب شديد: –عادتك يعني ولا هتشتريها يا منير، يعني في يوم زي ده تسيب بنتك؟
والناس اللي اديناهم كلمة. غمغم منير بنبرة متأففة: –قولتلك هتروحي أنتِ وأمي وأنا كلمت هلال وفهمته إني عندي مشاكل في اسكندرية وهما كمان هيعزموكي عندهم في البيت بعد ما تشتروا الشبكة ولو حابة هخلي عبد الرحمن ومراته يروحوا معاكوا. صاحت نرمين مستنكرة: –مش عايزين حد يا منير ولا عايزينك أنتَ أصلاً، شوف نفسك مشغول في إيه أهم من فرحة بنتك، سلام. ولم تنتظر حتى رده كانت قد أغلقت الهاتف في وجهه.
جاءت بشرى من الداخل على صوت والدتها العالي، فهي منذ ذهاب والدها تجد والدتها في حالتها الغاضبة التي اعتادت عليها منذ سنوات، ولكنها في الفترة ظنت بأن الأمر انتهى رُبما لا تعرف بأنه يبدأ للتو. جدتها زينب ذهبت لزيارة أحد الأقارب فلم تكن في المنزل. تمتمت بشرى بعدما ذهبت إلى غرفة المعيشة التي تجلس بها والدتها: –في إيه يا ماما صوتك عالي كده ليه؟
على الرغم من الوفاق الظاهر مؤخرًا بين والدتها وجدتها إلا أنها لولا غياب جدتها منذ الصباح لظنت بأن سبب صوت والدتها هو شجار نشب بينهما. قالت نرمين بانفعال وهي تلقي بالهاتف على المقعد: –أبوكي مش هيجي معانا واحنا بنجيب الشبكة، كالعادة يعني راجل غير مسؤول. هتفت بشرى بنبرة عادية رغم ضيقها من الأمر: –خلاص يا ماما مش مشكلة مضايقيش نفسك، بس هو مش هيجي ليه؟ غمغمت نرمين باختناق:
–قال إيه وراه مشكلة كبيرة في مطعم من المطاعم ولازم يحلها. عقبت بشرى بعفوية شديدة: –يمكن فعلاً يا ماما عنده مشكلة ومش هينفع يجي، خلاص مضايقيش نفسك ولا تعصبي نفسك، حصل خير. من أين سيأتي الخير مدام هذا الرجل في حياتها؟ كبحت نرمين هذا التعقيب وحاولت أن تهدأ بالفعل من أجل ابنتها، فهي تحاول السيطرة على نفسها منذ مدة طويلة.
–ماشي يا بنتي اعملي حسابك إننا هنسافر القاهرة بعد بكرة وهتجيبوا الشبكة من هناك، أبوكي اتفق معاهم على كده. بعد وقت من محاولتها أن تواسي والدتها رغم ضيقها الشديد هي، ولجت إلى حجرتها وما أن ولجت إليها وجدت صوت هاتفها مقتحمًا الغرفة وبقوة ويبدو أنه يصدع منذ زمن. ألتقطت الهاتف لتجده هو. أجابت عليه بصوت خالي من الحيوية: –ألو. جاءها صوته الهادئ الذي يشعرك بوقار رهيب ودعابة لطيفة في الوقت نفسه، هو مزيج غريب بالنسبة لها:
–دي تالت مرة أرن وده شيء مش بعمله في العادة. صدقًا هو يشعر معها بأنه شخص متطفل أو غير مرغوب فيه أحيانًا. تمتمت بشرى معتذرة بهدوء: –معلش الموبايل كان هنا في الأوضة وأنا قاعدة مع ماما برا، عامل إيه؟ هي تسأله عن حاله، ياله من تطور ملحوظ يستحق السعادة. ولم يرغب في أن يكن فظًا ويعلق على هذا الأمر أكثر فتمتم هلال بنبرة هادئة: –الحمدلله بخير، أنتِ إيه أخبارك؟ اكتفت بتعبير مبهم خالي من الصحة: –تمام. تمتم هلال بنبرة عادية:
–اتكلمت مع والدك وقالي إنكم هتيجوا عندنا أو بصراحة أنا اللي أقنعته إننا نجيب الشبكة من هنا أفضل وعلشان ماما عايزة تعزمكم. قالت بشرى بنبرة خافتة: –ملهوش لازمة تتعب نفسها. غمغم هلال بنبرة تلقائية وعفوية من الدرجة الأولى: –لا بالعكس مفيش تعب ولا حاجة، هي متحمسة جدًا إنها تستقبلكم ولما تعرفي ماما أكتر هتعرفي إنها أكتر حاجة بتحبها في حياتها هي العزومات والتجمعات، ولغة الحب والتقدير عندها للي قدامها إنها تعمله أكل.
عقبت بشرى على حديثه بنبرة ذات معنى: –دي حقيقة فعلًا وكان باين لما جت المكتب، ربنا يخليهالك. –يارب. ثم سألها باهتمام بعد أن حاول نفض شعور بأن صوتها ليس طبيعيًا ولكنه يشعر بأن هناك شيء بالفعل بها: –في حاجة؟ صوتك مش طبيعي أو مش زي العادة. الفتور ليس من طبعها بل الحماس. أو انفعالها الزائد عند الإجابة على أي سؤال حتى لو كلماتها لم تكن منمقة، لذلك شعر بأن بها شيئًا ما. هتفت بشرى بعفوية:
–يعني مضايقة بسبب بابا إنه مش هيجي بس يعني بعدين فكرت إنه فعلاً مش لازم يجي يمكن مشغول. رغم أنه يعرف السبب الحقيقي إلا أنه غمغم بنبرة جادة: –عادي ساعات أصلًا العريس والعروسة بيروحوا لوحدهم ومش شرط الأهالي خصوصًا الرجالة، حتى بابا مش هيجي ماما بس اللي هتيجي وهنروح على البيت وهو أكيد عنده مشكلة وإلا مكنش اتأخر. تنهدت بشرى ثم غمغمت باستسلام: –يمكن معاك حق. *** أقول كما قال أحدهم يومًا:
أحبك في هذهِ اللحظة، وغدًا، وبعد ثلاثين عامًا من الآن، ولا يهمني مقدار المشقة والطرق الطويلة بيننا، بل كان يكفيني أنك هنا في ذاكرتي، وفي كل مكانٍ أذهب إليه. #مقتبسة *** مكالمة من جهاد جعلتها تترك المنزل بعد أن أخذت طفل شقيقها الأصغر (أسر) في أحضانها وهبطت؛ كان والدها في العمل وشقيقها كذلك فذهبت جهاد مع ابنها الكبير إلى الطبيب من أجل بعض الأعراض التي طرأت عليه.
كانت تقف أسفل البناية الخاصة بالطبيب وكانت على وشك الدخول إليها ليصدع صوت هاتفها من حقيبتها الجلدية فوضعت إحدى ذراعيها حول خصر أسر الذي يحاوط عنقها ونائم بعمق كبير. يدها الأخرى وضعتها في الحقيبة وأخرجت الهاتف لتجد المتصل جهاد فأجابت عليها وقبل أن تسمع صوت جهاد قالت بعفوية: –خلاص أنا تحت العمارة وطالعة.
“أنا مشيت من عند الدكتور ودلوقتي في المعمل بيسحبوا ليه عينة قولت اختصر الوقت مدام لسه هنروح نتغدى والبمرة ممكن أرجع أوري الدكتور النتيجة”. تمتمت داليا بتهكم طفيف: –معمل إيه اللي هيخلص لك التحليل في ساعتها ده؟!!! جاءها صوتها الهادئ: –أنا عند نورا في المعمل، تعالي. تمتمت داليا بنبرة متشنجة: –يعني أنتِ ملقتيش معمل تروحيه غير ده؟ تحدثت جهاد بنبرة جادة:
–والله العظيم صدفة ده أقرب معمل للدكتور وهو اللي قالي أروح هناك، وقولت اختصر المسافة خصوصًا إني كلمت نورا علشان تسحب له هي العينة وقالت لي أجي وهيخلصوا التحليل في وقتها. هتفت داليا بانزعاج: –ماشي يا جهاد أنا هاجي بس هستناكي تحت ومش هطلع. بعد وقت كانت تقف داليا في الشارع الجانبي عوضًا عن الوقوف في الشارع الرئيسي أو تحت البناية التي يتواجد بها معمل التحاليل.
قضت سنوات هنا طويلة تحفظ كل الأماكن عن ظهر قلب، تتمنى أن تعود داليا التي كانت منذ سنوات تعمل هنا على الأقل وتتصل بها والدتها تخبرها بأنها انتهت لتوها من صنع وجبتها المفضلة وأنها تنتظرها أن تنتهي من عملها؛ بل أنها تنتظرها من أجل تناول الطعام معها على الرغم من أن زوجها وابنها وزوجته يتناولون الطعام قبلها ولكنها لم تكن تقبل بأن تتناول صغيرتها الطعام وحيدة.
تنهدت تنهيدة طويلة وهي تضم الصغير إلى أحضانها بعمق أقرب تشعر ببراءته وهدوئه أثناء نومه الذي لا يدل أبدًا عن فرط الحركة الذي ينتابه عند استيقاظه. بينما على الجانب الآخر كان خالد يهبط من سيارته فقد أتى حديثًا من منزله، لم يأتِ من الصباح بسبب وعكة صحية بسيطة مرت على والده فلم يتركه إلا وهو في حالة صحية جيدة.
كان يضع يده على المقود وهو واقفًا يتأكد من أن وقفته تلك بالسيارة كانت سليمة وكان ينظر في المرآة ليجدها، هي، هي بالفعل. تغيرت رُبما وتطغى عليها ملامح الحزن ولكنها هي لن يخطأ به ولن يتخيلها، لم يصل إلى هذا الحد بعد. لكن من تحتضن؟ وماذا تفعل هنا؟
لم يكن هناك وقت للتفكير طويلًا فهو هبط من السيارة ولا يعلم من لهفته وسرعته هل أغلقها جيدًا وتأكد من أحكام النوافذ أم لا. كل ما يعرفه على الأقل أنه أخذ المفتاح. ثم سار بضعة خطوات متوجهًا صوبها وحاول أن يتصنع الجدية ولكن لهفته كانت واضحة للأعمى من عيناه: –دكتورة داليا.
ألتفتت برأسها ناحية الصوت الذي لم يكن مميزًا إلى الحد الذي يجعلها تخمن هويته، مرت سنوات طويلة ولكن الهيئة تعرفها جيدًا، فقدت إحساسها بهذا اللقب منذ زمن بعيد. أما ندائه كان خاص بشكل رهيب وكأنه يؤكد لنفسه بأنها هي ومشكورة أنها أكدت الأمر.
نظراتها إليه جعلته يتحدث بنبرة مرنة دون أن يمد يده على الأقل هو تعلم الدرس هي لا تصافح الغرباء، فهي أحرجته في أول لقاء بينهما ومن وقتها لم يحاول إعادة الأمر في تلك النقطة مع أي امرأة هنا إلا لو فعلت وقتها رُبما لا يحرجها ويقوم بمصافحها. –إزيك يا دكتورة؟ تمتمت داليا بملامح ثابتة وهادئة: –الحمدلله، وحضرتك؟ –بخير، بتعملي إيه هنا؟ أقدر أساعدك في حاجة؟ ألا يحق لها الوقوف في الشارع؟ هل الشارع يخصه؟
كان هناك أسئلة كثيرة ستجعلها فظة في عينه ولكنها هتفت بنبرة هادئة: –مرات أخويا بتعمل تحليل فوق مع نورا، وأنا مستنياها. تمتم خالد بانزعاج وهو يرفع يده يلوح بها أثناء حديثه بطريقة تلقائية: –طب ليه مطلعتيش؟ –أبدًا هي خلاص منتظرة النتيجة ملهوش لزوم.
لولا معرفته بأنها لم تتزوج إلا منذ ثلاثة أشهر تقريبًا أو أقل لظن بأن هذا الطفل طفلها، هذا الشيء جعله يشعر بالاطمئنان قليلًا. أثناء حركة يده العفوية والغير مقصودة لاحظت بعض الندوب على كف يده الظاهرة من السترة الجلدية أما ذراعه مخفي أسفلها، على حسب ما تتذكر أول مرة رأت بها خالد في المعمل كان في فصل الصيف كان وقتها يرتدي قميص (نصف كم) وقتها رأت وشم أو (تاتوه)
كما يطلق عليه البعض تلك الأيام، كان الوشم يمتد من أصابعه وحتى أسفل قميصه ليتضح بعدها بأنه يتخذ طول ذراعه من بداية كتفه. كان يمتلك ثقافة وعقل غريب لم تتقبلها أبدًا ولم تكن ترى به الرجل الذي يجب أن يكون زوجًا لها. ورغم جفائها وانزعاجها الواضح إلا أنه لاحظ نظراتها على كف يده فقال موضحًا رغمًا عنه: –أنا حاولت أشيله بس حصلت مشاكل أكتر وساعتها الدكتور قال أسيبه ومكملش الجلسات أفضل لأنه هيأثر وهيعمل تشوه أكتر لو كملنا.
لا يدري ما الحماقة الذي تنتابه معها. هو يتحدث من تلقاء نفسه حتى دون أن يتم سؤاله من قِبلها. كان ردها عليه رزين وهادئ إلى حد كبير: –في شيوخ قالت لو هيسبب ضرر تسيبه وتستغفر عليه. غمغم وهو يشير على أصابعه وما يظهر في يده: –آه فعلاً حد قالي كده وزي ما أنتِ شايفة التجربة مكنتش أحسن حاجة، أنا عملتهم وأنا صغير مكنتش بركز ولا فاهم. صدع صوت هاتفها وهو يعلن عن اتصال من جهاد فأجابت عليها متمتمة بعد أن سألتها جهاد عن مكانها:
–أنا في الشارع الجانبي يا جهاد اللي بيودي على ********. ثم انتهت المكالمة ببساطة بينهما لتسمع صوته وهو يتحدث: –ارجعي الشغل تاني، دي خطوة هتكون كويسة. نظرت له نظرات لم يفهمها ولكنه عقب بنبرة جادة: –البقاء لله متأخرة شوية. –ولا يهمك. عاد يكرر عرضه مرة أخرى:
–ارجعي يا داليا وسطنا ووسط صحابك وزمايلك وعموما أنا مش بكون موجود هنا كتير الفترة دي بكون مع بابا وبكون في الفرع التاني، لو وجودي هو اللي مانعك، ارجعي لأن ده هيفرق في نفسيتك الشغل بينسي. قالت داليا بنبرة عادية حتى لا تكن فظة معه لكنها بن تعود: –إن شاء الله هفكر ربنا يعمل اللي فيه الخير. كانت جهاد تسير نحوها وبجانبها يسير طفلها وطفلتها وأثناء مراقبته لنظراتها علم خالد أنه للأسف يبدو أن اللقاء انتهى. ***
في اليوم التالي. انتقالها إلى منزل عائلة داغر جعلها تمتلك شعورًا غريبًا. هي لأول مرة بطريقة جادة وواضحة تقطن مع رجل في منزل بمفردهما، هي لم تعتد هذا الشيء. وجوده معها في منزل العائلة لم يكن شعورًا غريبًا حتى ولو كان معها بنفس الغرفة، وجوده معها في منزل شقيقها بالقاهرة حتى ولو في شقة بمفردهما تعلم بأن شقيقها في المنزل نفسه. هي الآن في منزل يخصه هو لأنها اختارت العيش معه وهذا أمر مختلف جدًا عن كل ما سبق.
ليلة أمس كانت صعبة بالنسبة لها ومتوترة لكنها أبدًا لم تكن مخيفة لأنها اعتادت التواجد مع داغر على الأقل الفترة الماضية، قضت الليلة كلها تقوم بترتيب الملابس في الخزانة، وتقوم بتفريغ الحقائب كلها تحت أعين داغر كان مجهودًا يعلم بأنه صعب عليه تحديدًا بعد هذا اليوم الطويل إلا أنه تركها رُبما هي تحاول إشغال نفسها، وبعد أن انتهت قضت الليلة برفقة فهد في حجرته متعللة بأن المنزل جديد عليه لذلك هي ترغب في النوم بجواره تحديدًا في الليلة الأولى. ولم يمنعها بل تركها تفعل ما تريده إلى النهاية.
أستيقظ الثلاثة في الصباح وقامت أفنان بتحضير الفطور ولعل هذا أكثر شيء تجيد فعله هو تفريغ المعلبات في الأطباق وتسخين اللبن ورُبما تنازلت وقامت بعمل بيض أومليت وقامت بقلي البطاطس من أجل فهد، وكان هذا يُعد تقدمًا كبيرًا بالنسبة لها، أو لتكن صادقة مع نفسها هي رائعة في تلك الأمور البسيطة فقط.
جلس فهد برفقة داغر كلاهما على الأريكة يشاهد التلفاز على الكرتون المفضل لدى فهد ويشاركه داغر اهتمامه، لتعترف أفنان اعترافًا بسيطًا بأن هذا الرجل خُلق ليكون أبًا بفطرته، لا تعلم لو كان أنجب بالفعل كيف سيحب طفله. إذا هو يعطي طفلًا آخر هذا الاهتمام كله، حتى لو قُبِل به عوضًا له، وأنه ليس لديه ذنب إلا أنه يتبقى ليس طفله بل عرف أمره حتى منذ أشهر بسيطة لكن فهد كان يحبه ويجهز نفسه إلى اللقاء. هي بالفعل ممتنة إلى شريف فهو من بدأ أمر معرفة فهد بوالده وتعلقه به أما هي كانت بكل حماقة ترغي بألا يعرفه أبدًا.
من بين الأشياء الكثيرة الذي قام داغر بشرائها في الصباح الباكر اختارت صدور الدجاج، وكيس من المكرونة الإسباجتي وبضعة مكونات تساعدها لصنع (المكرونة والبانية) . هي صنعتهما من قبل ولكنها مهما فعلت لا يكن مذاقهما رائع كما يفعل شريف أو والدتها أو حتى النساء التي تعمل في منزلهم لا تعلم ما الذي ينقصها؟
لم تكن ترغب في أن تصنع طعامًا إلى داغر للمرة الأولى لا ينال استحسانه ليست هي تلك البداية التي تريدها على الأقل لتكن بدايتها في الطعام معه جيدة. قررت أن تستغل انشغالهما بمشاهدة التلفاز وكانت تقف في المطبخ بعدما قامت بسلق المكرونة وقفت وهي تشاهد هاتفها الموضوع على الرخامة التي تتواجد أمامها بعدما أتت بامرأة تقوم بعمل (بانية ومكرونة) بدأ الفيديو وكان صوت المرأة يصدع بقوة. كانت امرأة بشوشة وهي تقول:
“أهلاً وسهلاً بيكم في قناة مشمشة لأكلة حلوة ومقرمشة”. “لو أول مرة تشوفوا الفيديو متنسوش تفعلوا زر الجرس ومتابعة ليا، أما لو كنتم عاملين ليا متابعة فأنا بجد زعلانة ومقهورة من تفاعلكم على الفيديوهات وأنا بشاركم كل جديد وبعملكم وصفات ملهاش زي”.
“المهم موضوع حلقتنا النهاردة هو أكلة سنة أولى جواز لو حابين تسموها كده أو أكلة المستعجلين، أكلة الكسلانين زي ما تحبوا دلوقتي أنا هوريكي أحلى طريقة تعملي بيهم مكرونة وبانية يأكلوا صوابعهم وراهم دلوقتي هوريكم كل المكونات اللي هنحتاجها وهكتبها ليكم على الشاشة”.
أثناء حديثها نظرت أفنان على المكان أمامها فهي قامت بسلق المكرونة وبعدها قامت بتشغيل الخلاط الكهربائي من أجل صنع عصير الطماطم ومازالت هناك الكثير من الخطوات لم تفعلها، كيف يمكن تصنيف تلك الأكلة (أكلة الكسلانين؟! –خليها أكلة سنة أولى جواز ماشية أكتر في الحالة اللي إحنا فيها. لم تستدر أفنان بل أغلقت الفيديو على الفور متأكدة من أنه ليس وقته، ليس وقته أبدًا أن يوترها ما الذي يفعله هنا؟
أسترسل داغر حديثه وهو يقترب من وقفتها بمسافة ليست بالقريبة ولا البعيدة. –أنا حاسس يا أفنان إن سبب علتك الحقيقية هيكون اعتمادك الكلي على أي حاجة متعرفيهاش تفتحي اليوتيوب. أستدارت افنان واضعة يدها في جانبيها قائلة باعتراض واضح: –شوفوا مين اللي بيتكلم ده أنتَ بالذات اللي فتحت عيني على الموضوع ده. –عقبال ما عينك تفتح في حاجات تانية أفيد. أستدارت مرة أخرى متمتمة بنبرة خجولة وغاضبة:
–لو سمحت اخرج من المطبخ أنا مبحبش حد يقعد معايا وأنا بعمل حاجة بتوتر. تمتم داغر بنبرة جادة: –أفنان أنا عارف إن واضح في مشكلة عندك في الأكل، مفيش مانع لو نساعد بعض كل واحد يعمل اللي يعرفه ولو اتزنقنا نتصل بأخوكي أرحم من الفيديوهات اللي بيقعدوا يفقعوا مرارة الواحد علشان يقولوا معلومة يا أما نشوف فيديوهات لا تتعدى الثلاث دقايق علشان خلقي ضيق.
كان يوم دافئ، بسيط، ولكنه جميل جدًا، تلك الكلمات هي التي تستطيع أن تصف بها اليوم حتى إن فهد نفسه أتى لتحضير الطعام، صنعوا الثلاثة سويًا الطعام بحُبٍ، كان أفضل طعام تناولته أفنان لا تدري هل لأن مذاقه جيد بالفعل أم أن شعورها بالسعادة طغى تمامًا على باقي حواسها.
قامت بترتيب المنزل بعد أن ساعدها داغر في غسل الصحون وكانت تلك مهمة كبيرة عليه فهو لن يكن يفعلها حتى في السكن مع أصدقائه وقبل زواجه يستطيع ترتيب المنزل وتنظيفه ولكنه لا يتدخل في شؤون المطبخ أبدًا وحتى بعد زواجه استمر على عادته تلك لكن عند أفنان الأمر كله يختلف، يختلف جدًا.
أخذت حمامها الدافئ وذهبت لتقوم بتمشيط خصلاتها وبعدها توجهت ناحية غرفة فهد لتتخذ منه ملجأ لكنها ما أن فتحت باب الغرفة وجدت فهد نائم على الفراش وداغر يجلس بجانبه صوتهما كان منخفض وعلى الرغم من أن داغر رآها لكنه أشار لها بأصابعه بأن ترحل، صوتهما لم يكن مسموع كان أشبه بالهمس لكنها استطاعت تمييز أن ابنها على وشك النوم. صوته كان يظهر النعاس الشديد الذي بات به.
غادرت الغرفة وتوجهت صوب غرفة النوم الكبيرة الخاصة بهما وجلست على الفراش، كانت تحاول الاعتياد على المكان والاعتياد على الحياة الطبيعية التي وافقت عليها. مر وقت جعلها تنهض من الفراش وسارت بضعة خطوات وعلى وشك أن تغادر الغرفة مرة أخرى ولكنها وجدته يدخل من الباب ثم أغلقه خلفه. سألته أفنان هي بعناية: –فهد نام؟ هز رأسه بإيجاب ثم تحدث بنبرة واضحة وصارمة بعض الشيء وهذا ما يزعجها منه في أغلب الأوقات:
–آه نام، وكذا مرة نبهت عليكي يا أفنان إن ابنك كبر ومينفعش تنامي جنبه خصوصًا إنه مبقاش طفل كلها سنتين تلاتة وهيدخل مرحلة المراهقة مينفعش اللي بتعمليه يعني أنا كنت جنبه ونام عادي جدًا ومكنش عنده مشكلة إني أسيبه وأخرج، إحنا كل يوم بنتكلم في نفس الموضوع تقريبًا. تنظر له مدهوشة هو بالفعل يعطيها نصائح كيف تتعامل مع طفلها. وتحت دهشتها أسترسل داغر حديثه بتعليق صريح: –إلا لو كنتِ واخداه حجة ومن غير ما تحاوبي أنتِ واخداه حجة.
لم يعطيها مهلة للإجابة بل كان يتحدث من تلقاء نفسه. شيء جعلها تشعر بأنها ليست قادرة على الحديث أمامه. فجأة تبدلت نبرته الصارمة والتي تظهر غضبًا خفي إلى أخرى أكثر هدوءًا: –أفنان خلي التعامل ما بينا أهدى شوية، وخليكي صريحة، مهما كان اللي حاسة بيه عرفيني ونتكلم فيه مهما كان هو إيه أحسن من إنك تبعدي عني، أو تحاولي تتهربي مني وكأن في حد أجبرك إنك تكملي معايا. قالت أفنان بنبرة خافتة وهي تعقد ساعديها وكأن تلك الحركة
تهدأ بها من ارتباكها: –مفيش حد جابرني يا داغر أكيد، وأنا مش ببعد عنك أنا معاك طول الوقت. تمتم داغر بنبرة واضحة بعدما تقدم خطوة منها: –أنتِ فاهمة قصدي يا أفنان يعني إيه، وفاهمة قصدي إيه بأنك تبعدي عني، لازم تفهمي يا أفنان أو المفروض تكوني فهمتي خلال الفترة اللي فاتت دي إن استحالة أغصبك على حاجة أو بمعنى أصح حتى أضغط عليكي بالعكس أنا سايبك براحتك في كل حاجة. قالت أفنان بتوتر واضح بعدما فكت عقدة ذراعيها، معتذرة:
–داغر أنا أكيد فاهمة ده. هز رأسه نافيًا وهو يغمغم ببطء: –مش باين يا أفنان تصرفاتك عكس كلامك، وده شيء بيضايقني وكمان إنك بتستخدمي فهد في الموضوع ده شيء مش مريحني وأنا عكسك مبحبش أقعد ألف وأدور أنا بفضل إننا نكون صرحاء مع بعض ده لو عايزة نكمل حياتنا سوا. غمغمت أفنان باستسلام: –معاك حق يا داغر، أنا أسفة لو كنت ضايقتك. –مش كل حاجة بتتحل لما تقولي أنا أسفة. تمتمت أفنان وهي تضيق عينيها بحرج:
–والمفروض أقول إيه أو أعمل إيه علشان متزعلش مني ومتفهمنيش غلط يمكن دي مشاكل طبيعية أو إحنا لسه بنفهم بعض. ردد الجملة الذي سمعها في الصباح بنبرة ما بين المرح والسخرية: –يمكن دي مشاكل سنة أولى جواز. –خلاص يا داغر متضايقش مني لو كنت عملت حاجة تزعلك. تنهد ثم غمغم بنبرة حاول جعلها هادئة: –محصلش حاجة يا أفنان خلاص مفيش أنا برضو ممكن أكون عصبي شوية. نظرت له بطرف عين لا تصدق من أنه ليس متأكدًا من أنه كذلك فعلًا. على
الرغم من ذلك رددت بخفوت: –حصل خير. أقترب منها ووضع قُبلة على رأسها لحقها بقُبلة دافئة على وجنتيها فهو متأكد من أنه أغلب الأوقات طباعه صعبة جدًا ولكنه يحاهد نفسه حتى لا تشعر بغضبه ويكتم الكثير من الأشياء بداخله.
ابتسمت برقة أثناء فعلته فشدد من احتضانه لها ولم يكتفي بقُبلة فقط وهي بادلته، لا شك أن أحضانه بالنسبة لها ترياق من الكثير من الأوجاع السامة التي مرت بها، هي تدرك بأنه متمهل بل أنه يتحمل ابتعادها في كل مرة دون أن يتفوه بحرف تحديدًا في هذا الأمر لا يبدو متذمرًا رغم أنها تشعر بأشواقه ورغبته الشديدة بها بأن يكون بينهما عناق ولمسات حقيقية وحياة طبيعية من كافة الجوانب.
حاوطت عنقه وشيء بداخلها يتغير، الانتظار والترقب يقتلان ومخيفان أكثر من الأمر نفسه رُبما. كادت أن يبتعد ولكنها رفعت رأسها من فوق كتفه ناظرة إليه قائلة بنبرة لا تعلم مدى صحتها: –متبعدش عني يا داغر المرة دي. متى ابتعد عنها؟ متى فعل هذا؟ بل ترددها أو قلقها في وقت ما يجعله يبتعد مُجبرًا حتى لا يرى في عينيها أي نظرة أو تفصيلة صغيرة تجعله يتذكر ما حدث. سمعها تهمس وكأنها لا هو:
–مش عايزة أستنى، الانتظار صعب ومهما عدى هيكون نفس الإحساس. رفع وجهها بيديه من ذقنها متمتمًا بنبرة راقية لا تشبه أبدًا أي حديث لها قاله من قبل وهو يحاوط وجهها بكفيه الدافئتين رغم برودة الطقس. –أفنان دي حاجة مفيهاش ضغط ولا في انتظار، الموضوع ده بالذات بيحصل لما تكوني مستعدة ليه نفسيًا وعايزاه مش علشان تقضي واجب أو علشان تخلصي من انتظارك.
رُبما كلماته لم تكن تصيبها بالخجل بقدر نظراته المخترقة إياها، وهو ينظر إلى عينيها بعمق يزهقها. ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن تقتحمه هي لا تعلم بتهور أم جرأة، أم رغبة في التخلص من كل شيء. –أنا عايزاك. كانت قد خطت النهاية بتلك الكلمات التي جعلته يضمها إلى أحضانه بحب ودفء كبيران ورغبة شديدة في أن يذيقها من حبه كيفما يشاء، وحرق كل الصفحات القديمة وترغب في البدء في كتاب جديد ونظيف معه، وكان لها ما رغبته. ***
في اليوم التالي. ” دبي ” في السابعة صباحًا. صدع صوت هاتف كمال جعله يتقلب في نومته ولم يكن حال فردوس مختلف عنه تقلبت في نومتها هي الأخرى وفتحت عينيها لتجده نهض وتوجه صوب الطاولة الذي كان يضع عليها هاتفه ليجد اتصال من بكر. كان هذا شيئًا غريبًا أن يتصل بكر في وقت كهذا. أجاب كمال عليه بصوت ناعس وقلق جدًا: –ألو. جاءه صوت بكر بنبرة خافتة: –إزيك يا كمال عامل إيه؟ تمتم كمال باندهاش هل اتصل بكر في هذا الوقت ليسأله عن حاله.
–الحمدلله، هو في حاجة ولا إيه؟ قال بكر بنبرة متوترة: –أنا مش عايزك تقلق بس يعني لازم تعرف إن أمك في المستشفى. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!