الشوق شعور غريب، يجعل الرجل يجلس بين الناس وقلبه معلقٌ بينَ اصابعِها. -مفيش حاجة بتريح أصلا. احنا في دنيا مفيهاش راحة، بس بلاش جو الصعبنيات ده وخليني أقولك علطول، أنا طلقت مراتي لأسباب كتير جدًا منها… أبتلع ريقه ثم أردف بنبرة متألمة: -اني مبخلفش. كلمتان.. كلمتان فقط.. كانت كفيلة بأن تجعل كمال يفقد وعيه بدون مبالغة.
نعم، هناك الكثير من الدلائل منها اختفاء شريف المُريب وعدم إجابته على مكالمته. وهو لا يفعلها إلا حينما تحدث كارثة كان هو السبب فيها. كانت تلك عادته من الصغر، ولم يكتسبها مؤخرًا على أي حال. يفعل الأمر ويترك الجميع يتحمل عواقبه معه؛ كان على صواب أم على خطأ، لكن دومًا يتركهم لمصير صعب عليهم تحمله أو حتى التأقلم معه.
نعم، هو يشعر بأنه ابن حسن وقد كان شبه متأكدًا، ولكن الخبر الذي قاله الآن لم ينفي ما قاله أمام الجميع فحسب، بل ألم قلبه على صديقه. هو أكثر شخص يعلم القهر الذي يصيب الإنسان حينما يعلم بأن أمر الإنجاب ليس سهلًا وسيواجه به مشاكل. لقد عاصر تلك الحكاية مع عمه بكر منذ أن كان مراهقًا، ولا يتمنى أن يمر أحد بنفس المصير. مشاعر غريبة اجتاحته، وكأن دلو ممتلئ بماء مثلج قد أسكبه داغر فوق رأسه. هو لم يؤكد ظنونه فحسب، بل أوجع قلبه.
مما جعل داغر يعقب ساخرًا من حاله بعد أن أشعل سيجارته وسحب منها نفسًا طويلاً: -ايه اتصدمت؟! كنت فاكر أنه ابني ولا ايه؟
داغر الآن لا يستطيع التفرقة بين كمال شقيق أفنان وكمال صديقه، وهو الآن يحتاج الثاني لا الأول، يريد البوح بما يكتمه. هو لا يستطيع إخفاء شيء على كمال. هو أول شخص يخبره بأي خطوة يخطيها، حتى تفكيره بالزواج من منال كان كمال أول شخص علم بالأمر، وكان على علم بخطواته في عمله وأي تقدم يحرزه. كمال هو صديقه وتوأم روحه؛ الشقيق الذي لم يأتِ من رحم أمه مثله.
عقب كمال بجدية محاولًا أن يتحدث بهدوء رغم أنه لا يستطيع. هو أصبح ثائرًا رغمًا عنه. في النهاية، الأمر يمس شقيقته وهذا صعب جدًا عليه، فهو محرج من داغر. كمال يحاول أن يبث الراحة في قلوب الجميع، يحاول مساعدة شريف في هروبه لأنه يدرك بأنه لو كان مكانه لفعل المثل، رغم أنه أخبره بأنه كان هناك الكثير من الحلول التي قد كانت تفي بالغرض عوضًا عن ضياع مستقبله. تلك الكلمات يخبره بها ولكنه في الواقع لو كان مكانه لفعل المثل.
ويحاول تحمل دلال فردوس، يحاول احتوائها رغم أنها تفقده تحضره دومًا وتبتكر كل يوم عن يوم الذي قبله طريقة جديدة تجعله يفقد عقله بها. هو يحاول مراضاة الجميع وهو أكثرهم ضجرًا وعدم تقبل للوضع. ولكن، ليس بوسعه سوى أن يتحمل الجميع، تلت هي فطرته؛ الاهتمام بمن حوله. -أكيد مكنتش متوقع انه ابنك، واتفاجئت زيي زي الكل. أنا والله ما أعرف أي حاجة. لا أفنان ولا شريف بلغوني بحاجة. مش عارف إزاي يتصرفوا من دماغهم في الكارثة دي.
سأله داغر بنبرة مكتومة: -اومال مالك لما سمعت الحقيقة سهمت أوي كده ليه؟! أجابه كمال بصدقٍ: -اضايقت علشانك، علشان اللي قولته. وبعدين أنتَ عرفت منين؟! أخذ داغر نفسًا من سيجارته ثم غمغم وهو يشرح له الأمر بتلقائية، فهو يرغب في الحديث وبشدة:
-لما عدى سنة وشوية على جوازي من منال، أنا مكنتش بفكر في الخلفة اوي وسايبها زي ما تيجي تيجي. امها فضلت تزن على دماغها أننا لازم نروح نكشف ونشوف العطلة منين. والأول مكنتش مقتنع ان في عطلة وكنت شايفها مدة عادية، ناس بتقعد بالسنين مبتخلفش. ومكنتش حاطط موضوع الخلفة في دماغي اوي بصراحة. أبتلع داغر ريقه وأخذ نفسًا من سيجارته ثم عاد يتحدث مسترسلًا باختناق:
-وبعد زن منال عليا محبتش ازعلها. لما حسيت ان الكل ضاغط عليها فروحنا لدكتور وطلب مننا إشاعات وتحاليل وفحوصات وحاجات قد كده. ولما عملنا كل حاجة قالي بكل صراحة اني مش هخلف، وان منال مفيهاش مشكلة. قاطعه كمال بذهول وخوف، فهو ليس طبيبًا ولكنه على الأقل يعلم أنه لكل داء دواء: -طب مفيش اي طرق تانية؟ حقن مجهري وغيره؟! أبتسم داغر بمرارة مغمغمًا:
-لا مفيش. حتى الحقن المجهري قالي أني هستهلك وقت على الفاضي وفلوس لو عملته، وممكن نعمله أكتر من مرة ومينجحش لاني عندي أكتر من مشكلة، وهتعب اللي معايا على الفاضي. تمتم كمال على الرغم من أنه لا يفهم في الطب، ولكنه يحاول التهوين على صديقه قبل أي مسمى آخر: -مفيش حاجة بعيدة عن ربنا. أردف داغر بجدية:
-عادي. يمكن ده نصيبي وأنا فعلاً كنت بدأت أرضى. والصراحة منال وقفت جنبي كتير رغم عصبيتي ومضايقتي والحالة اللي كنت فيها بعد ما عرفت. وكنا بنتخانق على أتفه الأسباب وهي استحملت كتير لغايه ما فاض بيها الكيل. وبسبب ضغط أهلها برضو عليها وعليا. أبتلع ريقه وقال داغر بنبرة عادية بالنسبة لكمال وكأنه لم يحزن على أمر طلاقه:
-شافت أن أحسن حل لينا أننا ننفصل بهدوء. أصلاً أمها وأبوها مكنوش بالعني بالنسبة ليهم، أنا مش الشخص اللي مستنينه لجوز بنتهم. وجالهم موضوع الخلفة على الطبطاب. أبتلع ريقه للمرة الثانية ثم غمغم بنبرة ساخرة وهو يشرح له مشاعره وكيف أن أشقائه ذبحوه بالفعل:
-طلقت منال وقفلت الصفحة وقولت أرضى بنصيبي، وقسمتي. وأنا طول عمري برضى وأنتَ أكتر واحد عارف. وقولت أخلص دنيتي وأنزل مصر إجازة ارتاح. نزلت فعلاً وبخبط على باب بيت شريف فتحت اختك معاها عيل صغير بيقولي يا بابا. نبرته هنا تزايدت حدة وتألمًا وهو يقول، مما جعل كمال ينظر له بأسف وحرج:
-أنا كنت عندي استعداد أقتل أخوك يا كمال؛ هو مش بس غلط في حقي وخبى عليا، هما فتحوا جرحي. فتحوا جرحي اللي أنا أصلاً جاي أنساه. استحالة تتخيل أنا حسيت بأيه ساعتها، كأني ثور هايج. كاتبين ولد باسمي متخيل الوجع اللي حسيت بيه؟ ساعتها بعدت عنهم واختفيت شوية. كنت عايز أهدى ولغايه دلوقتي مش عارف أهدى. سأله كمال بنبرة غامضة: -طب وليه قولت قدام الكل أن فهد ابنك؟! أبتلع داغر ريقه وأجاب في شفافية ووضوح:
-تصدق مكنتش ناوي أقولها. قولت لاختك تشوف هتبرر قدامكم وتقول ايه. بس ملقتش نفسي غير وأنا بقول كده. متحملتش أن ممكن نرجع خطوة لورا تاني. وعملت نفس اللي عملته زمان. ينهال عليه كمال بالأسئلة بكل جدية: -أنتَ مطلقتش أفنان ليه يا داغر السنين دي كلها؟! توترت ملامحه واحتقن وجهه بالدماء وهو يقول ساخرًا: -صدقني مش عارف. استنكر كمال الإجابة، لذلك كررها وملامح الاستنكار تعلو وجهه: -مش عارف؟!!!! يعني ايه مش عارف؟!
أجابه داغر بعفوية صادقة: -يمكن مش عايز. رفع كمال حاجبيه متمتمًا في تهكم: -مش عايز؟!! كرر داغر رغبته في شراسة ونظرات لم يفهمها كمال: -أيوه مش عايز. ضيق كمال عيناه محاولًا الثبات قدر المستطاع رغم أن أفعال من حوله لا تساعده حقًا: -يعني ايه؟! ما تتكلم بوضوح يا داغر، أنا مبقتش فاهم لحد حاجة؛ وزهقت من الردود اللي بتحمل أكتر من معنى. فصدقني أنا مش ناقص ألغازك أنتَ كمان. أردف داغر محاولًا أن يهرب من اندفاعه:
-يعني أنتَ ماسك في كلامي؟! وسايب اللي اخواتك عملوه؟؟!! قال كمال بجدية: -أنا مش سايبه. أنا مش لاقي كلام أقوله على اللي عملوه، مش لاقي اعتذار ينفع يتقال، ومش لاقي حل. بس برضو ده ميمنعش أني أحب أعرف. رغم أنه بالفعل يشعر بالدماء تجري في عروقه وهو يسأله، ولكنه لم يتحمل. هو أكثر شخص قد سأم من الإجابات المبهمة: -أنتَ كنت بتحب أفنان يا داغر زي ما جدك بيقول؟! ، ولا عملت كده علشان تنقذ الموقف؟! أسترسل كمال حديثه بحنق:
-وعايز إجابة واحدة. تحدث داغر بخشونة: -هتفرق معاك؟! النتيجة واحدة، وهي اللي موصلانا لكده. لمح داغر طيف في عين كمال يقوم بإخباره بأن من أمامه لن يتحمل. مما جعله يجيب في استسلام: -عملت كده زمان علشان كنت بحبها أكتر من أي سبب تاني. حبيتها وعمري ما صارحت حد. عمر ما الحقيقة دي اتقالت غير بيني وبين نفسي.
احتقن وجه كمال، رغم حديث جده الذي كان دومًا يخبره بالأمر. إلا أنه هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يتخيله عقله ولم يصدقه. هو من أكثر من يفهم صديقه، ولكنه لم يشعر بهذا الأمر. رغب كمال في توضيح معنى حديثه وأبعاده. ليس عليه أن يشبهه داغر إلى هذا الحد. ليس عليه أن يعيش مثله في ديجور الهوى. ليس عليه أن يتذوق مرارة ما يتذوقه. -أنتَ اتجوزت ليه وأنتَ بتحبها زي ما بتقول؟! عقب داغر على مضض:
-زي ما أنتَ عملت. الحب مش كفاية. دايماً فيه حاجات مش بتتنسي بتفضل عاملة ندوب جواك. ولم يبخل عليه داغر بأن يسترسل حديثه ببساطة. هو ليس لديه شيء ليخسره. ليخرج مشاعره للمرة الأولى حتى لو أمام شقيقها لا يهم. فليحترق الجميع بالنار التي تحرقه وتأكل قلبه.
جفاها النوم. رغم أن صغيرها نام منذ زمن بعيد. منذ عودتها إلى هنا وهي أصبح النوم يجافيها. فيظن داغر بأنه يأتي بعد نومها ولكنها لا تكون نائمة. هي تدعي ذلك لا أكثر. وبعد حديث جدها معها أصبح النوم يجافيها بشكل أكبر. ها هي تجلس على الفراش، يد تعبث في خصلات صغيرها فهد النائم كالملاك بأنفاس منتظمة، واليد الأخرى كانت تقلب في الهاتف بلا هدف بين الفيديوهات المختلفة.
كانت تقلب بملل شديد حتى أتى فيديو تكرر أكثر من مرة أمامها من أكثر من حساب. هي ليست معتادة على مشاهدة الراقصات أو تلك المقاطع، ولكن لفت نظرها بأن هذا المقطع مررته أكثر من مرة من دون مشاهدته، فجذبها الفضول. فهو متداول بشكل رهيب. في الثواني واللحظات الأولى لم تعطي تركيزًا كبير في الملامح ولم تنتبه، ولكن عند لحظة معينة ظهرت ملامحها بشكل جلي. ظنت أنها تشبهها -يخلق من الشبة أربعين
-ولكن كلمة الراقصة شموسة التي تزين الوصف الصغير المكتوب أسفل المقطع جعلت الهاتف يسقط من يدها. ولحسن الحظ لم يصدع صوته لأنه سقط في حجرها على الفراش. بالتأكيد ليست صدفة الشبه والجسد، والاسم!!! لا تصدق ما رأته. شمس راقصة؟!!!!! رُبما هذا هو السبب التي أفسدت العلاقة بينهما؟ ما هذا العبث حقًا.
وضعت يدها على فمها تمنع شهقة أو صرخة كانت على وشك الخروج منها، ولكنها أخذت تشعر بالضيق من أجل شقيقها. هي تعلم بأنه تزوج ثلاث مرات ولكنه كان يبحث عن المتعة، والراحة ورُبما الاستقرار. يحاول تعويض ذاته الخائفة. تعلم جيدًا بأنه لم يحب أحد بصدق كما أحب شمس. حديثه عنها مختلف، نظراته لها مختلفة، كل تلك الأشياء مختلفة وتشعر به حتى لو ادعى عكس ذلك. هو يهيم عشقًا بتلك المرأة. فشخصية ثائر التي وضعها غلاف فوق شريف لم تستطع أن تمنع قلبه من الوقوع في حب شمس.
تلك المرأة سكنت واستوطنت قلبه، ولو كان يمتلك شخصيتين إلا أنه يمتلك قلب واحد وأصبح مشغولًا بها رغمًا عن أنفه. يا الله بماذا يشعر شقيقها الآن؟!!! المقطع أصبح متداول بشكل مخيف. انتشر بسرعة البرق. يجب عليها أن تتصل به. فهي لم تحادثه اليوم. وحينما قررت أن تتحدث معه في المساء جاءت داليا لتشغلها.
هي حتى الآن لا تصدق بأن كمال قد تزوج امرأة أخرى غير فردوس التي يهيم بها عشقًا. عشقًا جعله ينسى ما اقترفه شقيقها. هي واثقة من أن فردوس تعشقه كالمجنونة وكذلك كمال. فزواجه غريب. رغم الشرار والمشاعر الهائجة والثائرة بينهما التي يستطيع الجميع رؤيتها اليوم حينما هبطت فردوس. والتي شعرت أفنان للحظة بأن فردوس ستقتل داليا. هي لا تفهم الحب!!
يبدو أن العلاقة السخيفة التي مرت بها وأدا بها إلى التهلكة ليست حب. كما لا تفهم الحب. هي لا تفهم الرجال أيضًا. إذا كان شقيقها يحب فردوس بتلك الطريقة لما قد تزوج مرة أخرى؟!!! هل فعل ذلك باحتياجه الفطري كرجل في منتصف الثلاثينات من عمره لأنثى في حياته؟!! لو كان كمال يفكر بتلك الطريقة تظن أنه كان فعلها منذ سنوات وليس الآن. هناك شيء بالتأكيد دفعه لفعل ذلك.
هي حزينة لأنها سبب المتاعب في حياة أشقائها. تتمنى لو تستطيع محو ذلتها ورغباتها المراهقة بعيش قصة حب رائعة ومثالية مع "الشاطر حسن" كما كانت تسميه، قبل أن تطلق عليه لقب "الشيطان حسن". قررت أن تنهي التفكير في هذا الأمر وتتصل برقم شريف الخاص بالعمل. الغرفة أصبحت معبأة بالدخان. أقتربت العلبة على الانتهاء. ينفث الدخان بشراسة وكأنه ينتقم من نفسه. أين ثائر ذلك الرجل الماجن الذي أجاد تقمصه ببراعة واحترافية؟
أين ذلك الرجل حينما تخرج امرأة من حياته، يبحث عن الأخرى في اليوم ذاته. لما سيطرت عليه تلك المرأة؟ هل يعاقبه القدر رُبما بها؟!! لكنها ليست عقاب. المشاعر التي يشعرها ليست عقاب أبدًا، رغم حلاوتها وغرابتها ومصائبها. بعد عودته من الإسكندرية مع هلال ألتزم الجلوس في منزله، في صمت أكل روحه وقلبه وأعتصر صدره، وكشف وحدة شريف وحياته المنتهية. تلك الحقيقة الذي كان يحاول اخفائها.
ولا يتواجد شيء يشغله. هو لا يحب مشاهدة التلفاز وهاتفه لم يشتري غيره رغم إصرار هلال، إلا أنه أخبره بأنه يريد خلوة مع نفسه. يريد العزلة. صدع صوت هاتفه الكلاسيكي والقديم، العتيق أيضًا. ليزين شاشته الصغيرة والضئيلة التي بالكاد يرى منها اسم المتصل. والتي كانت شقيقته التي يفتقدها وبشدة. -ألو يا روح قلبي. جاءه صوتها المتوتر. فهي شعرت بالدهشة من صوته الهادئ: -الو يا حبيبي عامل ايه؟! أبتسم شريف وهو يجيبها:
-يعني تكلميني ومش هكون كويس؟ أنا زي الفل. أنتِ عاملة ايه والواد فهودة عامل ايه؟ وحشتوني اوي. كرر كلماته مرة أخرى باشتياق وصدقٍ: -وحشتوني جدًا. حياتي فاضية من غيركم.
تسمعه أفنان بضيقٍ، فهي باتت معلقة في الهاوية. فحتى لو قام داغر بتطليقها، هذا يعني بأنها ستظل هنا في منزل العائلة. لن تستطيع العودة. لكنها لم تحاول أن تشاركه أفكارها البائسة حتى لا تزيد من كآبة الوضع. فهي مازالت تجهل معرفته بالأمر. فهو يتحدث بعفوية وكأنه ليس هناك شيء. -وأنتَ كمان يا شريف وحشتنا أوي. سألها شريف بلهفة حقيقية: -أمك عاملة ايه يا افنان؟ أنا مش برد على كمال فعلشان كده مش عارف أخبارها.
-الحمدلله ماما بخير متقلقش. وبعدين ليه مش بترد على كمال؟ هيقلق عليك كده؟! أجابها شريف بنبرة جادة: -لا كمال حافظني متقلقيش. هو أكيد فاهم اني بهرب منه. ولما أحس اني رايق هكلمه. أنا أصلاً عارف أن هو وجدك محضرين ليا اسطوانات قد كده وعندهم ألف حق عمومًا. ثم سألها بشكٍ: -المهم قوليلي أنتِ عاملة ايه مع داغر، بيضايقك؟! قالك حاجة؟! قاطعته أفنان بنبرة واضحة:
-مشتغلش بالك بداغر. هو متجاهلني. بيمشي وأنا نايمة. أنا وفهد، وبيرجع لما بكون نايمة برضو. رغم أن الساعة واحدة اهو لسه مجاش. تمتم شريف بوجوم: -أحسن. وياريت يطلقك ونخلص بقا من الحوار ده. مش هيفضل مقعدك تحت رحمته من سنين. أبتلع ريقه ثم غمغم بجدية: -عارف أننا غلطنا في اللي عملناه. بس برضو مش مبرر. لازم يطلقك. لا تنوي الحديث بأمرها هي وداغر معه. سألته أفنان بجدية مغيرة مجرى الحديث تمامًا:
-شريف هو أنتَ فتحت الفيس او التيك توك او الانستا أي حاجة النهاردة؟! لم يفهم علاقة حديثه عن زيجتها بداغر بتلك التطبيقات المزعجة، ولكنه على أية حال أجابها: -لا موبايلي وقع وشاشته اتكسرت. وما صدقت بصراحة. أنا عايز أقعدلي يومين تلاتة في البيت أعتزل الدنيا شوية كده. ومعنديش شغل الفترة دي. يبدو أنه لم يشاهد الفيديو. فحاولت أفنان الحديث بنبرة هادئة: -أنتَ عامل ايه مع شمس؟! كرر شريف اسمها بصعوبة. اسمها الذي
يشعر بقلبه يهتز عند ذكره: -شمس!! أبتلع ريقه وأجاب بحشرجة: -مفيش حاجة ما بينا يا أفنان. الموضوع خلصان من زمان. وياريت تبطلي تجيبي سيرتها بقا. تألمت لأجله ولم تأتها الجرأة حتى لإخباره بما رأته. فغمغمت: -ماشي يا حبيبي هقفل دلوقتي. نام كده وأنا بكرا إن شاء الله هكلمك تاني. تحدث شريف بحزم:
-ماشي يا قلبي سلام. وخلي بالك من نفسك. لو الرقم ده كمان اتصلتي بيه ولقتيته مقفول اعرفي اني كويس. متقلقيش. أنا بس بريح دماغي شوية وعايز أفصل في البيت لوحدي. -حاضر، سلام. (في حجرة أفنان وداغر) أغلقت المكالمة بينها وبين شقيقها. وأثناء وضعها للهاتف على الكوميدينو، ولج داغر إلى الغرفة بخطوات مُرهقة بعد مصارحة شديدة بينه وبين كمال، أدت إلى الشعور بمشاعر غريبة. لا يعلم هل كان صحيحًا بأن يخبره بكل شيء أم لا؟
ولكنه كان يود الحديث قبل أن ينفجر. لا يدري هل هو يشعر بالراحة أم لا؟ أصبح لا يستطيع فهم نفسه. سألها داغر بصوت مختنق غاضب: -ايه اللي مصحيكي لغايه دلوقتي؟! أجابت عليه أفنان بنبرة هادئة وهي تتجنب النظر له: -كنت بكلم شريف. تمتم داغر بصوت ساخر: -وهو عامل ايه كويس؟! رغم إدراكها بسخريته تحدثت أفنان بنبرة مهذبة: -الحمدلله كويس.
تمتم داغر وهو ينظر لها عاقدًا ساعديه وهو مازال واقفًا بعيدًا يراها بالكاد من النور الخافت المتواجد في الغرفة، لا يعلم أنها تفعل ذلك من أجل الصغير الذي لا يرغب النوم في الظلام المعتم: -وأنتِ كويسة؟! أجابت أفنان بعفوية على حديثه: -يعني معنديش خيار غير إني أكون كويسة.
أخذ أنفاسه ثم أردف بنبرة هادئة عكس حديثه معها المتحفز والمستعد للانقضاض عليها في أي لحظة. قال كلماته ثم ذهب إلى الشرفة حتى قبل أن يسمع ردها على حديثه مقررًا بأن يجلس بمفرده: -نامي الجو قالب. متسهريش أكتر من كده. -طيب.
قالتها بيأس قبل رحيله. يجب عليهما الحديث في أقرب وقت. ولا تدري كيف. هو لا يرغب بفتح أي حديث معها. وهو لا يتقبل إقامة أي نقاش بينهما. تعطيه كل الحق. ولكن ما يحدث هذا ليس حلًا. يجب إيجاد حل في القريب العاجل. في الصباح. -مكتب عادل النشرتي كانت بشرى تجلس على المكتب وبجانبها تقف صديقتها ملك يتحدثا في كثير من الأمور والثرثرة التي لا تنتهي بينهما كالعادة. جاء مراد ووقف خلف المكتب قائلا بغيظ حقيقي ومرح لن يكف عنه:
-أنا بحسدكم. أنا بحسد أي بني ادم بجد. خرجت ضحكة من بشرى وهي تغمغم ساخرة: -بتحسدنا على ايه ان شاء الله؟
باتت بشرى تعتاد على مراد. وجدت فيه الأخ الذي لم تجده في شقيقها. العلاقة بينهما جيدة نوعًا ما. ليست عميقة ولكنه زميلها في حدود العمل. ولكن لا شك أن العلاقة تحسنت بينهما نوعًا ما عن السابق. يساعدها ويساعد ملك في كل شيء تقريبًا يخص العمل. يمارس دوره في مساعدتهما مقدرًا خوفهما في بداية حياتهما العملية. هو لا يختلف عنهم سوى أنه يسبقهم في العمل ببضعة أشهر. ولكنه يفسر ذلك ويفسر شعور المسؤولية الذي يشعره تجاههم بأنه رجل وهما إناث. وهو يلاحظ فعلاً عفويتهما وخوفهما وخجلهما، لذلك يحاول مساعدتهما.
أجابها مراد بسخرية على حاله وخوفه كالعادة من دخول أي مرحلة جديدة ومختلفة: -أنا بحسد أي بني ادم مش عنده جيش. أنا خلاص كلها أسبوع وأسمع السلاح ومش هتشوفوني تاني إلا في الإجازات بقا.
خفق قلب ملك التي كانت توليه ظهرها ولا تنظر له عكس بشرى التي تستمع حديثه بإنصات شديد عاقدة ساعديها وتتحدث معه. كانت ملك تشعر بالضيق والخوف عليه بشكل رهيب. هي مرت بتلك التجربة في رجال عائلتها أكثر من مرة؛ لذلك تخاف عليه من تلك المرحلة الصعبة التي يمر بها أي شاب. هتفت بشرى بنبرة هادئة: -ربنا معاك وإن شاء الله يجيلك سلاح كويس ميتعبكش. تمتم مراد بعفوية شديدة:
-بإذن الله المتر هلال مطمني بصراحة. مش هتخلصوا مني بعد فترة مركز التدريب ولما استقر في وحدة أكيد هيكون عندي إجازات وأستاذ هلال قالي مكاني موجود يعني هطب عليكم برضو مش هسيبكم تتوهوا من غيري. ابتسمت بشرى ثم غمغمت بخفوت: -فيك الخير دايما يا متر مراد. أصلاً احنا يداس علينا من غيرك. ابتسم بغرور. ثم غمز مراد إلى بشرى مشيرًا بعينيه ناحية ملك التي تعطيه ظهرها تستمع الحوار فقط وعاقدة ذراعيها:
-ايه جو السينما الصامتة ده، هو احنا زعلناكِ في حاجة يا أستاذة ملك، مدياني قفاكي ليه؟!! منعت بشرى ضحكتها بصعوبة واستدارت ملك وتنظر له: -هو أنا كلمتك يا ابني؟! هو مفيش حد بيقدر يعدي من تريقتك. هز رأسه نافيًا وهو يعقد ساعديه مشاكسًا إياها: -مفيش حد هسيبه في حاله. وبعدين يعني مش تقوليلي ربنا معاك يا أستاذ مراد!! ضيقت ملك عيناها وتحدثت ساخرة: -أستاذ ايه؟!!!! عقب مراد بتسلية: -مراد. متعرفيش اسمي ولا ايه؟!!! ثم استرسل حديثه
تحت مراقبة بشرى لهما: -وبعدين لو مستصعبة أستاذ معنديش مشكلة. ممكن اتنازل وتقوليلي يا عمو أو يا اونكل، أو يا ابيه. أردفت ملك بتوتر وضيقٍ: -بس بقا أنا مش فاضية لكلامك ده. أنا ورايا ملف ولازم أخلصه. ضيق مراد عيناه وسألها باستفسار: -ملف ايه؟!! أنا من ساعة ما جيت وأنتم ماسكين ودن بعض دودو دودودو مش راحمين نفسكم ولا راحمين حد. ده اللي بيكتبوا سيئاتكم زهقوا من نمكم على خلق الله؛ ولما جيت أتكلم تقوليلي قضية؟!!!
يبدو أن مراد وجد تسلية أخرى غير بشرى. سألته ملك بضيقٍ زائف حتى تنتهي من هذا الأمر: -عايز ايه يا استاذ مراد؟ حلو كده؟ قال مراد برضا وغرور: -يعني شغال. كان ممكن يكون في أداء أحسن من كده، بس أنا برضى بقليلي طول عمري. بودعك بس كل يوم. هودعكم لغايه ما أروح الجيش وأرجع إجازة. يارب بس متعملوش مصيبة في غيابي، حاكم أنتم على الله حكايتكم. تمتمت بشرى هنا باعتراض: -وليه الغلط ده بس يا مراد؟! أنتَ ناوي أقلب عليك تاني؟!
-لا خلاص مش هتحمل قلبتكم وبوزكم أنتم الاتنين. قاطع حديثهم خطوات ثابتة ووقورة كصاحبها يسبقه عطره الرجولي الذي ينتشر في الأرجاء. الخطوات تقترب منهم بعد أن ولج هلال إلى المكتب وهو يحمل حقيبة يتواجد بها الحاسوب الخاص به، وعينه حمراء ومُجهدة من سهرة طوال الليل على قضية مهمة. فهو لم ينم جيدًا، وعلى الرغم من ذلك لم يتأخر كالعادة يأتي في موعده. أعتدل مراد في وقفته ثم ابتسم له مغمغمًا باحترام: -صباح الخير يا متر.
أجاب هلال باهتمام وهي ينظر له. فهو أحب مراد وأحب روحه وطموحه في الوقت نفسه وأنه سريع الفهم: -صباح النور يا مراد عامل ايه؟ ايه السلاح؟! -الاسبوع الجاي ان شاء الله. تحدث هلال محاولًا أن يبث الطمأنينة به: -متقلقش. أنا بعت ورقك وإن شاء الله هتاخد سلاح كويس وهتبقى في حتة قريبة إن شاء الله. متقلقش. قال مراد بامتنان حقيقي: -أنا بجد مش عارف أقول لحضرتك ايه، بجد ربنا يخليك. أردف هلال بحب: -متقولش كده. أنتَ زي أخويا الصغير.
ثم وجه أنظاره إلى ملك وبشرى قائلا بنبرة جادة: -عايز شهادات التخرج بتاعتكم أنتم كمان. أشارت بشرى على نفسها بذهول: -شهادة التخرج بتاعتي؟! لم يفهم ما الشيء الغريب الذي قاله، فأردف ساخرًا وهو ينظر لها نظرات تربكها ولا تفهم ماهيتها: -لا شهادة التخرج بتاعتي أنا. متاخديش في بالك. استرسل حديثه بنبرة جامدة: -أكيد شهادة التخرج بتاعتك وبتاعت صاحبتك، علشان عايز أشوفها. تمتمت ملك بنبرة جادة:
-بس يعني أحنا ورينا بيان النجاح للمتر عادل لأن لما جينا نقدم مكنتش الشهادة لسه طلعت. قاطعها هلال بجدية: -اه بس أنا عايز شهادة التخرج لو مش هضايقكم. هزت ملك رأسها باحترام متمتمة: -حاضر يا متر. أردفت بشرى رغمًا عنها: -هو أنا لسه هروح أقِف طوابير وأروح الشئون. سمع هلال كلماتها ولكنه سألها بتهديد بعض الشيء: -هو أنتِ بتقولي حاجة؟!! يا… تحدثت بشرى باختناق: -مبقولش حاجة. هنروح من بكرا نطلعها. واسمي بشرى. عقب هلال قبل
أن يلمح مريم تأتي ناحيته: -كويس. فتركهم وذهب ناحيتها متوجهًا معها صوب المكتب ليتناقشا حول القضية. هنا أردفت بشرى بانفعال: -هو بيتلكك. ما خلاص أبوه شاف بيان النجاح. أردف مراد بنبرة عادية قبل أن يرحل: -ياستي عادي. روحي وطلعيها. متكبريش الموضوع. أنتم اللي كسلتم تطلعوها معايا. وجهت بشرى حديثها لملك قائلة: -الصراحة بقا أبوه أرحم منه بكتير. تمتمت ملك بنبرة مسالمة:
-خلاص نروح نطلعها. نقضي يوم في الجامعة وخلاص يعني مطلبش حاجة صعبة. استيقظت أفنان من نومها لتجد الغرفة فارغة. مما جعلها تشهق بقلق وهي تنهض وترى الشرفة فارغة والغرفة بأكملها حتى المرحاض. إلى أين ذهب طفلها؟ خرجت من الغرفة بملابسها كما هي، فهي المرأة الوحيدة الآن التي تستطيع الخروج أمام من في المنزل دون ارتداء حجابها.
كانت على وشك أن تهبط من فوق الدرج لتجد داغر أمامها يصعد في الوقت نفسه، فتوقفت بقلق ينتابها بمجرد رؤيته. هذا يعني أنه لم يذهب كعادته في الصباح. سألها داغر في نبرة جامدة: -رايحة فين؟ عقبت على حديثه بنبرة قلقه: -أنا مش لاقية فهد في الأوضة!!! أجابها داغر بنبرة ساخرة: -لا متقلقيش. هو مع جدك تحت. كان بيفطر معاه ودلوقتي بيلعب مع عيال شيماء. أبتلعت أفنان ريقها وانتظمت أنفاسها المضطربة قليلًا. وما إن كادت أن تهبط مرة
أخرى سألها بنبرة حاسمة: -رايحة فين بقا ما قولتلك هو فين؟! غمغمت أفنان بسرعة وحاولت الإجابة عليه بطريقة عادية: -رايحة عند فهد عشان ميغلبهمش. لازم أكون جنبه. تفحص هيئتها وخصلاتها المبعثرة، ولكنها محتفظة برونقها. فقد سقط هذا الوشاح التي تربطه فوق رأسها أثناء نومها، مما جعله يعقب في جفاء: -خشي غيري هدومك الأول والبسي حاجة عدلة وبعدين انزلي.
كلماته جعلتها ترى ما يتواجد فوق جسدها. كانت منامة محتشمة جدًا وليس بها شيء. لونها أسود ذات أكمام طويلة وأزرار مغلقة بعناية وبنطال طويل. كان عليها سؤاله قبل رغبته العجيبة تلك. لما لم يذهب اليوم كعادته في الصباح. لا تدري. نظرته في عينيها تربكها. تربكها بشكل مخيف. رُبما لأنها تشعر بأن نظرته تصل إلى مكان عميق. عميق جدًا بها. ولأنها تخجل منه مما حدث في الماضي. -أنا لبسي مفيهوش حاجة. مفيش حد في البيت غير أخويا وجدي وعمي.
قاطعه داغر بنبرة واضحة، حاسمة: -وأنا جوزك. لما أحس أن لبسك مش عاجبني أن تنزلي بيه. أنا شايف أنه مينفعش يبقى مينفعش. ولا هو لازم مقاوحة وخلاص؟! قالها بعد أن جذبها من يدها ويجعلها تصعد معه الدرجات التي هبطتها وهي تسأله باستغراب: -في ايه يا داغر؟! -غيري هدومك يا افنان بعدين انزلي. متختبريش صبري.
جعلها تدخل إلى الغرفة قسرًا. وولج بعدها وهو ينظر لها بنظرات تؤلمها. منذ ليلة زفافها وهي تتجنب النظر له تحديدًا بعد صفعه لها. الغريب أنها أحيانًا تشعر بالخجل تجاهه أكثر مما تشعره ما أشقائها. رُبما لأنه غريبًا لا تعلم حقًا. ولكن اليوم قررت أن تقف بوجهه وألا تسمح له أن يهينها بنظراته ومعاملته أكثر من ذلك. تحدثت بانفعال: -خير يا أستاذ داغر في أيه علشان تسحبني كده؟!! وغريبة يعني أنك منزلتش من الصبح.
رمقه بعدم استيعاب وردد ساخرًا متجاهلًا ما تقوله: -أنتِ بتعلي صوتك عليا؟! لن تنكر نبرته أخافتها حقًا. ولكن ماذا تفعل غير الرد عليه؟ تحدثت أفنان بانفجار لابد منه: -أنا مبعليش صوتي يا داغر، بس أنا عايزة حل للي احنا فيه. وطول الوقت غايب وأنا مبقتش فاهمة أنتَ ناوي على ايه. لا يصدق وقاحتها مما جعله يعقب بجنون وهو ينظر لها نظرات حائرة: -أنتِ بقيتي بجحة يا أفنان، بس اللي عملتيه أنتِ وأخوكي لسه ليكي عين تبجحي وتقاوحي معايا؟!
أردفت أفنان محاولة كبت دموعها قدر المستطاع: -قولتلك هو ملقاش حل تاني غير أنه يعمل كده. واللي حصل حصل. أمسك ذراعها بقسوة وهو يقول مقاطعًا حديثها المستفز بالنسبة له: -صح سجلتوا الواد باسمي. وبعدين تقوليلي اللي حصل حصل؟! فاكرة اللي عملتوه هين؟! ولا حاجة ينفع الواحد يعديها؟!! أنتِ مش مستوعبة شكلك اللي هببتوه. -عارفة أنه مش هين وعارفة أننا غلطنا. بس مكنش في حل تاني. وبعدين أنا عايزة أعرف ليه بتعاملني كده؟
صرخ داغر فيها بجنون: -ليه؟!! يا بجاحتك يا شيخة. تحدثت بصوت مُنفعل: -كنت عيلة. قاطعها داغر بهياج لا يتحمل سماع تلك القصة التي تؤلمه بشكل كبير: -اخرسي يا أفنان، اخرسي. أنتِ مش بتحسي بحد ولا عمرك فهمتي حاجة، ولا عمرك هتفهمي. قاطع حديثهما صوت طرقات على الباب. ليذهب داغر ويفتحه والشياطين تتراقص أمامه. ليجد أمامه فردوس التي تبتسم وهي تقول بهدوء: -في حاجة ولا أيه؟! أصلي سامعة صوت زعق.
غمغم داغر في نبرة جامدة. فهو يكره رؤية فردوس لأنه ببساطة يتذكر حسن: -بتكلم مع مراتي وأتعصبت عليها شوية. فيها حاجة دي علشان تخبطي علينا مفيش خصوصية؟! شعرت فردوس بالاحراج ولكنها أجابت متهكمة: -مفيهاش حاجة. أنا جيت أطمن بس. معملتش جريمة يعني. اعملوا اللي تعملوه. الحق عليا. أنهت حديثها ثم رحلت وسارت بخطوات هادئة نحو غرفتها. بينما داغر أغلق الغرفة وغادر. تاركًا إياها لا يرغب حتى في الحديث معها.
يقف كمال في حديقة المنزل وفي يده بعض الأوراق الخاصة بالعمل يقوم بقرأتها. في الواقع هو شارد. جفاه النوم طوال بعد حديثه مع داغر. عقله لا يستوعب هذا الكم من الحقائق. رُبما بعضها كان يخمنها. ولكن حينما يسمعها من صاحب الأمر تكون مؤلمة. لأن داغر يشترك معه في الألم بشكل آخر ورُبما يفوق عليه.
أخذ نفس طويل يحاول إشغال نفسه بالعمل. رُبما يكف عقله عن التفكير بعائلته وبشريف الذي لا يجيب وبالمراة التي تحتل كيانه كاللعنة. لا يستطيع التوقف عن حبها مهما امتلأ الفراغ اللي في حياته. رُبما النفسي باهتمام داليا والجسدي كونه رجل يحتاج لزوجة. ولكن هناك أشياء بداخله لا يستطيع أحد الوصول لها. وكالعادة على ذكر فردوس تظهر أمامه كالجنية الأنيقة الجميلة، الملفتة في أبسط حالاتها. فجاءت فردوس قائلة بنبرة هادئة: -صباح الخير.
أستدار كمال لها بجسده متمتمًا بهدوء: -صباح النور يا فردوس. خير؟ نظرت له فردوس وهي تغمغم بانزعاج شديد. فهي لا تتقبل تلك المعاملة: -أنا عايزة أفهم. هو كل ما أشوف وشك تقولي خير أو عايزة أيه؟ كأنك مش طايقني؟!!!! بعد زواجه من داليا أصبحت فردوس في حالة جنونية تقريبًا. كل الأشياء التي كانت طبيعية في وضعهما -حسب وصفها -أصبحت تغضبها حينما يفعلها. هو ليس بأحمق يشعر بها. ولكنه لا يستطيع فعل شيء ببساطة. عقب كمال بنبرة عادية
وهو يرمقها بنظرة غريبة: -عادي. أنا بسأل في أيه؟! أصل مش معقول جاية تتكلمي في حاجة. أكيد عايزة حاجة، أو جاية ترمي كلمتين في وشي يعكننوا عليا اليوم كله. سألته فردوس بجدية: -والله يعني أنا بقيت بعكنن عليك؟! رمقها كمال بذهول. هل تسأل حقًا؟ ألا تدرك ذلك بمفردها؟
لا يرغب في أن يخبرها بأنه نعم حتى لا تغضب. يكفي حالتها الجنونية تلك. ولأنه لا يحبها غاضبة. رغم غرابة طاعتها تلك الأيام إلا أنها تروق له ولا يود الشجار معها على أي حال. غمغم كمال بنبرة هادئة محاولًا أن يتمسك بخصاله الحميدة معها للنهاية: -حقك عليا، أنا غلطان في حقك. هاتي راسك أبوسها. أقترب منها ليقبل جبهتها. فأبتعدت خطوتين إلى الخلف مما جعله ينظر لها بتسلية وهو يقول بنظرات ثاقبة:
-خلاص من غير ما أبوس راسك ولا أبوس حاجة تانية مدام البوس بيضايقك. أنا آسف. بكل غرور عقبت فردوس على كلماته: -هحاول أقبل أسفك. المهم أنا من شوية وأنا معدية من جنب أوضة أفنان وداغر. عقد كمال ساعديه وتصنع الاهتمام منتظرًا أن تخبره بما تود قوله. والتي أتت من أجله:
-سمعتهم بيتخانقوا وصوتهم كان عالي أوي. ولما سألت في أيه داغر اتعصب وقعد يقولي بتكلم أنا ومراتي وقل أدبه عليا. أنا بس حبيت أعرف لو في حاجة نقدر نحلها ما بينهم. لكن هو طلع فيا مرة واحدة. تصنع كمال الذهول وسألها بجدية وسخرية في الوقت نفسه: -داغر قل أدبه عليكي؟ هزت رأسها بإيجاب قائلة وكأنه يصدقها: -أيوة يعني أنا هكدب عليك؟! وكان بيزعق لأختك وهي ياعيني مش طالع ليها حس. وشكل كده في حاجة بينهم مقلقاني.
أردف كمال في سخرية رغم انزعاجه من أن شقيقته قد يرفع صوته عليها ولكنه يريد جعل الأمر طبيعي أمام فردوس حتى لا تشك بشيء: -طيب زي ما داغر قالك ده راجل ومراته ملناش دعوة أيه اللي بيحصل ما بينهم. زي ما اللي في البيت كلهم هنا محدش بيجي يقولنا تلت التلاتة كام مهما عملنا وقطعنا بعض قصادهم محدش بيدخل. وضعت فردوس يديها في جانبيها متمتمة بجدية:
-مهوا محدش يقدر يقول لينا تلت التلاتة كام. علشان أصلاً الكل عارف اللي فيها مش محتاجين نقول. نعم هي محقة. ولكنه لم يستطع أن يتمالك ضحكاته. لم يستطع كبحها حقًا. حاول ولم ينجح. ليصيبها بالارتباك الشديد وهي تقول في نبرة مرتفعة محاولة أن تتحدث بنبرة جادة: -ضحكك أوي اللي قولته؟! -لا هي كوميديا سوداء مش أكتر. لو مفيش حاجة تانية عايزة تقوليها اتفضلي أمشي وحلي عن نافوخي. سألته فردوس بألم: -ليه مش طايق مني كلمتين؟
تمتم كمال بنفاذ صبر: -يا صبر أيوب اللي ابتلى. يا بنت الناس أنتِ عايزة تجننيني؟! عقدت فردوس ساعديها وهي تقول بانفعال: -ولا أججنك ولا غيره. أنا عارفة أنك يا حبيبي مستعجل علشان تروح لحبيبة القلب. مهوا النهاردة يومها باين. ولا حتى لو مش يومها براحتك. أصل حبيبة ماما لو مروحتش أكيد هتزعل وتأخد على خاطرها. تمتم كمال باستفزاز: -كويس أنك عارفة أنها هتزعل يعني فارق معاها. وهي بتعملي حساب. حساب أيه؟! لا ألف حساب.
رفعت فردوس حاجبيها مستشعرة بالألم والضيق: -والله؟! -اه والله. قالت فردوس وهي تكز على أسنانها: -ربنا يهني سعيد بسعيدة. أقترب منها كمال خطوة واحدة ولم تبتعد، مما جعله يقول في تهكم: -متقنعنيش أنك غيرانة يا فردوس. وبعدين ما أنا بقعد هنا أربع أيام. ممكن يعدوا ومتشوفيش فيهم وشي. فارق معاكي أيه بقا أنا معاها ولا هنا؟!
تختلف. تود إخباره بأنها تختلف كثيرًا. لا تستطيع النوم جيدًا كلما تتخيل بأنه نائم بجوارها أو في أحضانه. أستطاعت أن تحصل على ما لم تحاول هي الحصول عليه. تخشى. تخشى كثيرًا أن تستحوذ على قلبه. حقًا خائفة أن يتغير فؤاده وينقلب حينما حصل على كل شيء من أخرى تفعل له كل شيء يريده، تعطيه كل شيء رغب فيه منها ولم تلبيه. أستغرب من صمتها. فهو لا يدرك كم المشاحنات التي تتواجد داخلها. -سرحتي في أيه يا فردوس؟!
أبتلع ريقه ولم يمهلها وقت للإجابة. كان هو يجيب: -اتغيرتي يا فردوس. بقيتي أنانية، بقيتي مذبذبة ومش قد كلامك. مش أنتِ البنت اللي عرفتها. البنت اللي حبيتها. رددت كلماته باستنكار: -أنانية؟!! ومذبذبة؟! هز رأسه في إيجاب محاولا ألا يقسو عليها ولكنه لم يستطع:
-مذبذبة ومش عارفة أنتِ عايزة ايه، ولا رضيتي في مرة تفكري وتسلمي حصونك ليا، تسلمي كل حاجة فيكي ليا. ومش عارفة أنتِ عايزة ايه لأنك اللي زغرطتي وقولتي مبروك ووافقتي على الجواز. ودلوقتي زعلانة. صرخت وهي تقاطع حديثه متمتمة: -والله يعني أنا لو كنت رفضت، مكنتش هتتجوز؟! هز رأسه في إيجاب ليدهشها وهو يقول:
-اه مكنتش هتجوز. كنت هحس أنك عايزاني، أنك حباني، أنك لسه باقية عليا أني أفرق معاكِ. بس أنتِ معملتيش كده. علشان كده مش من حقك تعملي حاجة دلوقتي. تألمت وبشدة من حديثه. حانقة على كل شيء يحدث معها. لم تفرح يومًا، لم تمر بحياة هنية. فقدت والديها في عمر صغير جدًا. حتى أنها أحيانًا لا تتذكرهم. تتذكر شقيقها فقط الذي تولى مسؤوليتها. وها هي فقدته.
أحبت كمال، أحبته منذ أن كانت مراهقة. ولم تستطع الحصول عليه والتمتع بحبه وعشقه لها. وكأن الحياة تعاندها. تعاندها دومًا وتختبرها بألا تشعر بالسعادة. تمتمت فردوس باختناق شديد وهي ترمقه بنظرات نارية: -ماشي يا كمال، أتفضل امشي وروح للي مستنياك واللي بتفرق معاها. رفع كمال حاجبيه وهو يقول بجدية ملوحًا بيده في الهواء: -هو أنا قاعد فوق رأسك لما أعوز أمشي همشي. اطلعي أنتِ أوضتك وسبيني لوحدي. -للدرجاتي وجودي تقيل؟!
أجابها كمال بنرة جادة: -لا، بس أنا مخنوق وعايز أقعد لوحدي وعلشان كده قاعد هنا مش في المكتب. عقبت فردوس بسخرية وحماقة: -يعني أنتَ لما تروحلها بقا على كده هتقعد لوحدك. أردف كمال وهو ينظر لها نظرات ذات معنى: -لا مش هقعد لوحدي؛ هتقعد معايا. بس هي بتقدر سكوتي، وبتقدر خنقتي، الغريب أنها بتفهمني كويس. وأكثر إنسانة حبيتها ولسه بحبها عمرها ما فهمتني ولا حست بيا.
أنهى حديثه هو مغادرًا المكان ومعه الأوراق ذاهبًا وهو يبحث عن مكان آخر في الحديقة ليجلس به. لأول مرة هو من يترك النقاش ويرحل. تلك عادتها هي. هي من تفعل ذلك دومًا. لما يفعل ذلك بها الآن؟!!
استيقظ من نومه بكسل بعد الظهر. نهض وأخذ حمام دافئ، ثم قضى فرضه وحاول تحضير أي شطيرة يستطيع تناولها. هو بارع بشكل كبير في الطهي ولكن هذا حينما يكون في مزاج جيد. لكن في حالته تلك الكئيبة والوحيدة ورغبته في الانعزال هو في أسوأ حالة مر عليها. ليس لديه رغبة في ممارسة هوايته. غياب شقيقته جعله يعود إلى نقطة الصفر. كل يوم حينما يستيقظ يسأل نفسه (هل أنت نادم يا شريف؟!
. ولكن تكن الإجابة واحدة. هو أنه ليس نادمًا. هو فعل ما يتوجب عليه، تجاه شخص انتهك حرمة بيته، وحرمه جسد شقيقته فب منزلهم. يشعر بالضيق لأنه لا يستطيع الآن معرفة ما يحدث معها. هو متأكد بأنها لا تمر بحالة نفسية جيدة. وتكذب عليه كما فعلت في المكالمة ليلة أمس. وهو لا يستطيع فعل شيء مادام بعيدًا. حُكم عليه أن يكون غريبًا عن بيته وعائلته. كما حُكم عليه أن يهوى راقصة. وذلك الشيء قلب عقله.
التقط هاتفه العتيق والقديم. وكان على وشك إغلاقه ولكنه تذكر بأنه عليه أن يتصل بشخص بخصوص العمل. وبالفعل قام بإجراء اتصال لرجل ما وأغلق معه. وما أن أشعل سيجارته وكان على وشك أن يغلق هذا الهاتف أضاء شاشة الهاتف الصغيرة برقم محبوبته.
"محبوبته الراقصة". هذا هو رد عقله الرافض لتلك المشاعر التي يجب أن يتخلص منها. هذا لا ينقصه. هو يحفظ رقمها عن ظهر قلب. على أية حال لم يشتهي قلبه امرأة مثلما يشتهيها ويرغب بها. يحبها. يحبها بشكل مخيف هو لم يدركه من قبل. أجاب عليها بدون تفكير خوفًا من أن تكن قد وقعت في مأزق. -الو يا شمس. أتاه صوتها بنبرتها الأنثوية التي تلعب على أوتار مشاعره الثائرة نحوها: -الو يا ثائر عامل ايه؟ أجاب عليها بعفوية: -الحمدلله بخير.
من أجابته تلك تأكدت من أنه لم يرى المقطع. فلو رأه بالتأكيد لم يكن ليجيب عليها. وحتى كان قام بحظرها من هذا الرقم أيضًا. ولكن نبرته الرجولية الهادئة أخبرتها من أنه لا يعرف شيء. وهذا جعل مهمتها أصعب رُبما. ولكنها اليوم قد قررت بأنها ستقوم بمصارحته في كل شيء. لن تترك شيء حقًا. سألها باهتمام لم يستطيع أخفاءه: -أنتِ عاملة ايه؟! -الحمدلله. -بخير. -كويسة. -تمام.
أو حتى تخبره بأنها ليست بخير. من المفترض أن تكون تلك الإجابة التقليدية التي تجيب عليه بها. ولكنها تحدثت زافرة بحرارة وصوت حزين استطاع لمسه: -ثائر. نادته بطريقة لينة وهادئة. يعشق نطقها لاسمه المستعار. ماذا لو أتت يومًا نادته بتلك الطريقة باسمه الحقيقي. -نعم يا شمس!! جاءه صوتها الحاني والجاد: -أنا محتاجة أشوفك. ثم شددت أكثر متمتمة: -وضروري. سألها شريف بتردد: -ليه؟ هتفت شمس بنبرة جادة: -عايزاك في حاجة مهمة.
تمتم شريف بقلق: -طب ما تقولي عايزة ايه؟ أردفت شمس بارتباك: -مش هينفع أتكلم في التليفون. عايزة أشوفك يا ثائر ضروري. لو فاضي النهاردة ممكن نتقابل في المكان اللي كنا دايما بنتقابل فيه. دون وعي منه كان يجيب: -بعد العصر على الساعة أربعة هستناكِ هناك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!