الفصل 1 | من 6 فصل

رواية ديسليكسيا الفصل الأول 1 - بقلم أسماء عبد الهادي

المشاهدات
24
كلمة
2,192
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

تجلس القرفصاء بأريحية على المقعد المبطن بقماش مزخرف ومسنده من الخشب الزان الأصلي، في الفناء الذي يطل على الشارع أمام منزلها الصغير المتواضع، ويظلله شجيرات الليمون الصغيرة. وفي يدها عصاة طويلة من الخرزان.. تلك التي يهابها الجميع ليس لبطشها ولا لقوتها، فهي ضعيفة للغاية، وإنما لأنها على حق وما تريد سوى تعليم أبناء قريتها الصغيرة.

رفعت عصاتها تضرب بها تلك السيدة التي تجلس جوارها، والتي صرخت من ألم ضربة تلك العصاة التي تلقتها على ظهرها. "اااه.. هو أني عملت ايه بس يا أبلة؟ لفحتها مرة أخرى على ظهرها وهي تكشر عن أنيابها بغيظ من فعلتها. "جومي من جدامي بدل ما أكسر العصاية دي علي جتتك.. كل دي وبتسألي عملتي إيه؟ .. جومي فزي جومي." ركضت السيدة عدوا من شدة تلك العصاة التي معها.

فلا أحد يستطيع أن يعارض كلامها ولا الجلوس في حضرة عصاتها التي تترجم كلماتها بضربات على أنحاء جسدهن. زفرت بضيق وهي مغتاظة من تلك المرأة التي لا تنفذ ما تقوله ولا تتبع تعليماتها ولا نصائحها. "وأني يا أبلة أعمل إيه في مشكلتي دي... المشكلة عويصة جوي ومنيش عارفالها حل." قامت من مقعدها لنلاحظ أنها ذات قامة قصيرة وجسد نحيل يظهر على وجهها مسحة حزن أطفأت بريق عينيها رغم كونها في سن النضج والشباب...

ذلك السن الذي يضج بالحيوية والأمل. رغم عنفوانها ونشاطها لكن من ينظر لها عن كثب يعرف كم أن بداخلها حزن لا تكفي سنوات لبُرءه. لتجلس جوار تلك الفتاة اليافعة التي في عمر الزهور، فانتفضت الفتاة في مكانها خوفا من تلك العصاة التي في يدها. فابتسمت لها وتركت عصاتها بعيدا وقالت بجدية يتخللها الثقة بالنفس: "مفيش مشكلة عويصة على الأبلة شوق يا بت.. انتي مش عارفاني ولا إيه؟ "لاه لاه عارفاكي يا أبلة.. علشان كده جيتلك تساعديني."

مدت شوق يدها ووضعتها على أرجل الفتاة. "قوليلي يابت يا آيات انتي جد يا بت عايزة تكملي تعليم وهتذاكري وهتلتزمي ولا هو لعب عيال وخلاص؟ "لاه لاه والله يا أبلة مهواش لعب عيال... أني عايزة اتعلم وأتنور وأكون أبلة زيك كده.. أنا معيزاش أكون جاهلة وأتجوز وأقعد في البيت... عايزة ألف العالم كله وأتعلم من هنا وهناك." ربتت شوق على أرجلها وابتسمت لها بإعجاب فهي تذكرها بنفسها مذ أن كانت صغيرة. "برواة عليكي يا بت تعجبيني...

أني بحب الناس اللي طموحهم عالي في السما كده." أخفضت آيات رأسها تنظر للأرض بأسف. "بس أهلي يا أبلة شوق.. أهلي ممانعين وأبوي حالف عليا وعلى أمي يمين طلاق... علشان يخليني أتجوز ولد عمي وأنا مريداهوش... أني رايدة التعليم ومبفكرش في جواز دلوقتي من أصله." جاءت نسرين وتحمل في يدها صينية دائرية الشكل وعليها كوبا من الشاي السادة الثقيل. "الشاي يا أبلة شوق." مدت شوق يدها وحملت منها كوب الشاي. "من يد ما نعدمها...

تسلم إيدك يا نسرين.. هبقى أعطيكي درس بحق الشاي يابت." وضعت نسرين يدها والتي تمسك بطرف شالها على فمها بحرج. "يووه... بعد ما شاب ودوه الكتاب يا أبلة شوق.. أني هجيبلك عيال عيالي تعلميهم وتنوريهم... حاكم أني أسمعك على طول تجولي إن العلم زينة." لتهتف شوق وتقول الأبيات والتي تحبها كثيرا ودائما ما ترددها على مسامع من تجلس معهم حتى باتوا يحفظونها عن ظهر قلب دون حتى أن يدروا معانيها، فأصبح يتغنى بها الصغير والكبير بالبلدة.

"إن المعارف للمعالي سُلَّمٌ ***** وأولو المعارف يجهدون لينعموا" "والعلم زينة أهله بين الورى ***** سيان فيه أخو الغنى والمعدم" "فالشمس تطلع في نهار مشرق ***** والبدر لا يخفيه ليل مظلم" "وأخو العلا يسعى فيدرك ما ابتغى ***** وسواه في أيامه يتظلم" "والخاملون إذا غدوت تلومهم ***** حسبوك في أسماعهم تترنم" "في الناس أحياء كأموات الوغى ***** وخز الأسنة فيهم لا يؤلم"

"فاصدم جهالتهم بعلمك إنما صدم ***** الجهالة بالمعارف أحزموا" "خدم بلاداً أنت من أبنائها ***** إن البلاد بأهلها تتقدم" كانت تقول الأبيات وترددها معها آيات، والتي كانت تعتبر شوق قدوة ومثل أعلى لها، فابتسمت لها شوق بمحبة وتعهدت أن تقف جوارها... وألا تتركها إلا وقد حققت حلمها التي تهفو إليه. ضيقت نسرين عينيها بعدما تأكدت أن من تجلس جوار شوق هي آيات، لتهتف بقلق...

فهي تعرف أن والدها لم يعد يسمح لها بالخروج من المنزل لأنه يرفض أن تكمل تعليمها ويبغي تزويجها من ابن أخيه. لكنها تتسلل خفية من أجل أن تقضي بعض الوقت بصحبة معلمتها شوق لتستفيد من علمها ونصائحها. "يا نهار مش فايت يابت يا آيات أبوكي زمانه هيعود من شغله يا بت ولو عرف إنك سايبة الدار وخرجتي من غير إذنه هيطين عيشتك ومش بعيد يربطك في الدار كيف البهيمة." وقفت آيات كالصريعة يرتجف بدنها برعب من والدها. لتهتف شوق بغضب:

"كلام إيه اللي بتجوليه ده يا نسرين... يا شيخة حرام عليكي فزعتي البت." مدت يدها وأمسكت بيد آيات التي كانت ترتجف. "اقعدي يا بت ويبقى ياجي أبوكي بس يتحدت وأني اللي هقف قصاده ويبجي يوريني هيقدر يعمل إيه." اهتزت يد آيات بين يدي شوق وهتفت برعب من تصور ما قد يحدث لها من بطش والدها. "أني.. أني خايفة يا أبلة." شدت شوق على يدها وطالعتها بحزم.

"أني جلت لك متخافيش.. أني في ضهرك وإن مكانش حد هنا قادر يوقف أبوكي عند حده يبقى أني اللي هقفله." تركت يدها ودفشتها برفق حازم. "يلا روحي انتي على الدار وأني هخلص الحصة اللي وراي وجايلكم.. اوعي تعتلي هم." ابتسمت لها آيات ورمقتها بارتياح قبل أن تعود فارة إلى بيتها تطوي الطريق بسرعة لتصل للبيت قبل أن يعلم والدها بذلك. عادت شوق إلى مكانها وهتفت باهتمام وهي تنظر لساعة يدها. "ده وقت حبايبي الصغيرين مش كده يا بت يا نسرين؟

"ايوة يا أبلة... زمان العيال على وصول." "طب روحي شيّعيلي العيال اللي جلتلك عليهم." "متجلجيش يا أبلة أنا لسه من شوية جلت لأهلهم وكل عيل أمه هتجيبه وتاجي دلوقتي." رمقتها شوق بابتسامة رضا.. وحركت رأسها بحركة جانبية. "عفارم عليكي يا بت يا نسرين.. عفارم." بعد عدة دقائق استمتعت فيهم شوق بشرب كوب الشاي الذي أعدته نسرين تماما كما تحب شوق أن تشربه. بدأت الأطفال بالقدوم والجلوس في أماكنهم كما اعتادوا.

رحبت بهم شوق بفرحة ونهضت من مكانها وانحنت برأسها تجاه الأطفال تقبل كل واحد منهم من رأسه حبا لهم وفرحة وتعلق بهم. لاحظت قدوم إحدى الأمهات ومعها طفلا واحدا من أطفالها، فأخذت تنظر خلفها باحثة عن طفلة بعينها لكنها لم تجدها معها. فهتفت باهتمام: "فين البت يا أم السعد؟ مدت أم السعد يدها على ظهر ابنها لتدفشه ليجلس جوار زملاءه واقتربت من شوق لترد على سؤالها. "هجيب البت تعملايه يا أبلة شوق...

دي بت عبيطة ولا تعرف الألف من كوز الدرا وغلبت معاها ومفيش فايدة دماغها زي البَلغة ما بتفهمش." أغتاظت شوق من حديثها ذاك عن ابنتها فرفعت عصاتها وضربت بها أم السعد وهي تهتف بغضب. "والله ما حد بلغة غيرك يا ولية يا خرفانة انتي.. والله ما أنا راجعة عنك النهاردة." تأوهت أم السعد من قوة الضربات ووقفت بعيدا لتتفادى ضرباتها. شاهدت هذا الحال سيدة ما قادمة بابنها مع نسرين بأمر من شوق...

لكن تلك السيدة لم تكن تعرف شوق، فهي كانت من بلدة أخرى مجاورة. لذا هتفت بتساؤل وضيق مع مط شفتيها باستنكار. "إيه دي أبلة شوق!!! ... ودي مالها جاعدة ناطحة في الكل كده... لا والولية ساكتة ولا بتهش ولا بتنش." ضحكت نسرين وهتفت بإعجاب بشوق. "دي أبلة شوق محدش يجدر يكلمها.. لأن أهل البلد كلها بيحبوها... وهيه بتعمل كده لمصلحة العيال.. وهتضرب الأهل اللي مهيعملوش اللي بتجولهم عليه في تعليم وتربية أولادهم...

الأبلة شوق مكرسة حياتها علشان تعلم عيال الجزيرة وتنورهم وكمان بتعمل البتاع الأبصر إيده ده... كان اسمه إيه يا بت يا نسرين؟ ضربت على مقدمة رأسها. "ايوة ايوة.. افتكرت.. تدورات تثقيفية مجانية لأولياء الأمور.. بتوعيهم وتعلمهم الطرق الجديدة والإيجابية في تربية أولادهم." رفعت السيدة أحد حاجبيها بإعجاب ثم تساءلت. "طيب فين أهلها أنا شايفة إنها لحالها.. هي ملهاش حد ولا مقطوعة من شجرة؟ ردت نسرين بنبرة مشفقة.

"هي ياحبة عيني جاعدة لوحدها بعد ما أمها فاتتها وماتت وأبوها اندلى على مصر ومحدش يعرفله طريق جرة ولا اتجوز ولا ليها قريب ولا نسيب.. ورغم الحاجة اللي فيها... بتعطي الدروس كلها لأهل البلد بالمجان مبتاخدش مليم أحمر واحد وزي ما انتي شايفة عايشة في العشة دي لحالها.. وممكن تقع عليها في أي لحظة... في ناس بتجول إن أبوها ساعات بيبعتلها فلوس بس هي بترفض ومبترضاش تاخدها." "واه.. أومال بتعيش منين وكيف بتاكل وبتشرب؟

"أهل البلد بجولك بيحبوها وكل يوم واحدة من الستات تجيبلها غداها.. كانت الأول بترفض وبتتعفف لكن الحاجة وحشة أضطرت يانظري تقبل هبات الناس هتعمل إيه." "طيب ليه مبتتجوزش لحد دلوقتي... شكلها مش صغيرة." حركت نسرين يدها دليل على استيائها من شوق. "يوووه.. غلبنا فيها كتير واتقدملها عرسان ياما... بس هي رافضة وبتجول إنها مسخرة حياتها للعلم وبس...

دي مش بس بتعلم عيال البلد هنا لا دي كمان بتتعلم وبتأخد كورسات زيادة علشان تزيد في العلم أكتر وأكتر." طالعتها السيدة برضا تام لأنها سترسل ابنها عند تلك المعلمة المثابرة والتي تحاول أن تكرس حياتها ووقتها لخدمة وتعليم أولئك الصغار. حاولت أم السعد أن تختبأ من بطش تلك العصا في أحد الأعمدة التي تسند المظلة التي تظلل الفناء التي تجلس به شوق.

"واه يا أبلة.. في إيه.. أني بشرحلك حالة البت وإنها مفيش منها رجا خالص.. البت عقلها خفيف ومينفع لهاش تعليم." لتهب شوق من مكانها وتنقض على أم السعد بغضب. "وانتي مين يا ولية يا مخبولة انتي اللي تحكمي على بنتك كده." "اسمعيني بس يا أبلة... الناس كلها بتجول عليها كده.. يعني الكل عارف مش أنا بس." تهتف شوق بحسرة من أجل الصغيرة. "وتلاقوكم بتجولوها لها في وشها يا حبة عيني وكأنها حيطة مبتحسش وكأنها معندهاش مشاعر...

متعرفوش إنكم بتقتلوا البت بكلامكم اللي عامل زي السم ده في اليوم مليون مرة... متعرفوش إنكم ممكن تسببوا للبت حالة نفسية بعملكم دي.. هتخلوا البت تتعقد لبقية عمرها... منكم لله." تراجعت أم السعد قليلا وهتفت بارتباك. "طب أعمل إيه بس يا أبلة.. ربنا خلقها كده.. ادي الله وادي حكمته." أخفضت شوق يدها وعادت إلى مكانها وهتفت بنبرة حزينة. "متعمليش حاجة أني اللي هعمل... هاتيها وتعالي بسرعة... أني جاعدة مستنياها." "ماشي يا أبلة."

راقبت طيف أم السعد يختفي من المكان وعلقت أعينها في نقطة ما في الفراغ وشردت فيما حدث قبل ٢٥ عاماً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...