الفصل 19 | من 19 فصل

رواية ديزني في حارتي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم يارا محمود

المشاهدات
20
كلمة
7,064
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

انهمر الطرق على الباب بشدة، وكأنه عاصفة لن تهدأ، ووقف خلفه شاب يتأجج غضبًا، عينيه تشتعلان نارًا، حتى فتحت له سيدة في أواخر العقد الرابع من عمرها، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الدهشة والقلق ثم هتفت له: -في إيه يا واد يا عاصم هي مصر بتولع؟ رد عليها وفمه يكاد يخرج منه نارًا ثم قال: -لا مش بتولع يا خالتي، أنا إللي هولع فيكِ وبنتك وفيا دلوقتي لو إللي قولتيه لأمي دلوقتي حصل. أبتسمت خديجة وهي تنظر له بسخرية وتهز قدمه:

-هيحصل يا عاصم وأنا وإنتَ أهو. -طب عديني بقى بدل ما أرتكب جريمة دلوقتي. أبعدها عن طريقه برفق ثم فتح باب تلك الغرفة. منة وهي تجلب أحد الطرح الملقى على الفراش لتضعها على خصلاتها بعدما رأت ابن خالتها يدلف إلى الغرفة ثم صاحت به: -في إيه؟ حد يدخل كده على حد؟ راقب وجهها الذي زُين بمساحيق التجميل، ولم يتبقَّ سوى القليل من اللمسات الأخيرة لتكون جاهزة، لا ينكر أنها جميلة لكنه الآن يحدث حرب بداخله فقال: -في إيه يا منة؟

بقى قاعدة تحطي على وشك الهباب دا علشان المعفن إللي اسمه مازن؟ طب والله علبة الـ Foundation بتاعتك أغلى منه. رفعت منة أحد حاجبيها وهي تنظر له فماذا يريد هذا منها الآن؟ -والله! وإنتَ جاي تقولي كده ليه؟ ها فهمني وسايب خطبتك ليه وواقف معايا على فكرة هي بتغير عليك. لم يتحمل بأن يظل يراها هكذا تذهب إلى الهلاك بقدمها فهتف ليريح قلبها: -أنا سيبتها يا منة، ومش عايزك تضيعي نفسك مع واحد ميستهلش ضفرك علشاني.

انهمرت الدموع من عينيها بريقًا، وبدأت تضربه بعنف على صدره، صارخةً وسط بكائها: -ليه بتعمل فيا كده ممكن أفهم؟ لما إنتَ عارف إني بحبك روحت خطبت أكتر إنسانة أنا مش بحبها ولما الحالة تتقلب تزعل ليه ها؟ اتهمتني إني أنا السبب في اختفاء أختك مع إني أكتر حد زعلان عليها زمرد مش بنت خالتي زمرد أختي يا عاصم وانتَ جرحتني، أتفضل أطلع بره. كان يقصد أن يظل صامتًا حتى تخرج ما بداخلها من كلام وطاقة سلبية حتى تحدث لها:

-أنا آسف يا منة، آسف بجد على كل كلمة قلتهالك ساعتها. -آسف! أعمل بيها إيه آسف ها؟ بقالي سنة بعيط على فراقها وعلى طريقة الكلام اللي اتكلمت معايا بيها وجاي تقولي آسف شوفت دموعي؟ شوفت زعلي وقهري، أطلع بره أنا فعلًا تعبت ومش عايزاه أشوفك. قالتها منة وهي تشير له على باب غرفتها ليذهب ويخرج إلى الخارج ويتركها تعيد ذكرياتها المحزنة لكنه لم يفعل كما قالت بل وقف شامخًا أمامها يتحدث يحاول تبرير موقفه:

-ممكن تعذريني انتِ متعرفيش أنا بخاف قد إيه على زمرد وفجأة ملقهاش معايا وأهلي والناس قالوا إنها أكيد ماتت تخيلي موقفي كان عامل إزاي وأنا باخد عزا أختي من غير جثتها!! تخيلي موقفي وأنا واقف مش عارف أعمل حاجة زي العاجز حاسس إنها عايشة بس سنة بحالها بعيدة عننا أنا آسف يا منة بس عايز أقولك متوافقيش على مازن هو ميستهلكيش إنتِ تستهلي حد أحسن منه. كانت تستند بظهرها على باب الغرفة تسمع ما يقولون ثم قالت وهي لا

يعجبها هذا الحديث بالمرة: -ابن المـ،وكوسة دا طالع لأمه البت بتحبه. لف هو بظهره ثم فتح الباب فوقعت خالته أرضًا. -قومي يا خالتي قومي بقى أنا أمي مـ،وكوسة؟ أمسك بيد خالته حتى قامت وقفت أمامه: -يعني إنتَ يا بن المـ،وكوسة سمعت ديه ومسمعتش إللي بعدها، أمشي روح لأمك يا عاصم وأبقى خلي أبوك يجي علشان هيقعد مع أهل مازن. عاصم بعصبية: -لا يا خالتي. وضعت يدها بخصرها وهي تفعل حركات شعبية:

-لا ليه يا روح خالتك هحطها أنا في برطمان وأقفل عليها بقت شبه الخيارة المخللة أنا عايزة أفرح ببنتي يا حبيبي. -تفرحي بيها مع مازن؟ طب شوفي حد عليه القيمة طيب. -وما له مازن يا روح خالتك. استمروا في الجدال بصوت مرتفع، ولم يتوقفوا إلا عند سماع صوت ارتطام جسد بالأرض. انقض عاصم على الفور، حاملاً منة بين ذراعيه، ووضعها برفق على الفراش. -ربنا يسمحك يا عاصم أنتَ السبب البت هتروح مني. لم يهتم هو بما تقول فقط أخذ يضرب

على وجنتها بخفها وهو يقول: -فوقي يا منة وهعملك كل إللي إنتِ عايزاه فوقي. نهض ببطء وأمسك بإحدى الزجاجات الصغيرة الموضوعة بعناية أمام مرآتها. فتح الغطاء وسكب منها كمية قليلة على راحة يده. برفقٍ، قرب يده من شفتيها المرتعشتين، محاولاً إيصال الرائحة العطرة إليها. -طب مش هتقومي لما تعرفي إني بحبك بجد، والله العظيم بحبك. قامت هي مسرعة: -وحيات أمك! هل هذه هي من كانت فاقدة للوعي الآن؟ نهضت كالحصان:

-وحيات أمك إنتِ بتضحكي عليا أنا يا منة؟ نفت هذا فهي فاقت حقًا على أثر تلك الرائحة وسمعت حديثه: -مش بضحك عليك أنا فعلًا كنت تعبانة، بتحبني فعلًا؟ -والله بحبك يا منة. كانت تجلس خديجة تنظر تارة إلى عاصم وتارة إلى ابنتها تارة إلى هذا وتارة إلى هذه ثم قامت وأحضرت شيئًا ووضعته في المنتصف بينهم. فُزع عاصم فصاح بها: -في إيه يا خالتي براحة.

نظرت منة إلى ما جلبته والدتها ووضعته بينهم فكانت زرعة صغيرة بدأت تكبر للتو تصل إلى طول فتاة في الخامسة من عمرها. -إيه دا يا ماما؟ -شجرة يا حبيبة أمك عقبال لما أعملكم إتنين لمون ومسكن علشان الحموضة إللي شفتها من شوية. -سيبك منها خليك معايا ليه قولتلي إني أجدع من صحابك؟ دا أنا كنت بحسك فاكرني واحد صحبي يا عاصم. -أحلى وأجدع واحد صحبي والله. -يعين أمك وإيه كمان ها؟ ثم خلعت خفيها من قدمها وأمسكته بين يدها:

-امشي ياض على بيتكم وإنتِ يا حبيبتي في مواعين جوه قومي أغسليها بدل ما أرميكي مش الشباك. أسرعا اثنيهما خارج الغرفة فتحت منة الباب لعاصم ليغادر. فوقف عاصم متذكرًا تلك الرائحة التي سكب منها لها: -صحيح يا منة علشان نسيت أقولك الريحة ديه رجالي. هزت رأسها له ببلهاء: -آه ما أنا عارفة. قبض عاصم ما بين حاجبيه باندهاش: -عارفة! ? أزاي؟ -دا أكتر نوع إنتَ بتحبه فأنا كنت بشتريه مع حاجاتي وبحط منه لما أجي أقابلك. عاصم بأستغراب:

-والله؟ صاحت بهم خديجة وهي تقول: -إنتَ لسا عندك يالا. نزل الدرج مسرعًا حتى وقع يتدحرج على الدرج كالأمبوبة فنظرت له خالته وهي تشمت به: -تستاهل. عاصم وهو متسطح أرضًا على درجة كبيرة في ذلك السلم: -كويس والله إني وقعت علشان أفتكرت، يا خالتي بقولك نيجي نتقدم أمتى؟ نظرت له من أعلى ثم إلى أسفل وكتمت غيظها من هذا المعتوه ثم قالت: -معنديش بنات للجواز. تذكر حديثها بأن ابنتها ستخلل بجانبها ثم قال:

-هتسيبيها في برطمان المخلل ولا إيه؟ -آه. ضحكت منة بصوت مرتفع وصل إلى مسامع عاصم الذي هتف بتصفيق: -حلوتك، روحي يا شيخة ربنا يجمعنا في برطمان واحد. بعد مرور أيام أو شهور أو سنين ليس مهم بالنسبة لهم فقد اعتادوا على التعايش اعتادوا على تقاليد وحياة هذا المكان فكان هو أعطاها وعد أنه لن يتركها في أي زمان أو مكان أو حتى كوكبًا آخر فهو لها وهي له.

كانت ممسكة بسيف بين يدها فهي أتقنت المبارزة في هذا المكان بمساعدة أوليفيا وياقوت وقد تعلم أكرم أيضًا لكنها اليوم قررت أن تفعل بمفردها حيث تخرج جميع طاقتها بها كانت تتبارز في الهواء حيث توجد شجرة تفاح أمامها تنافس ذاتها بأنها لن تسقط تلك التفاحة أرضًا، أخذت تلوح بسيفها يمينًا ويسارًا ثم تدور نصف دائرة وترجع تفعل هذا مجددًا وقطرات العرق تسقط من جبهتها لكنها لم تتوقف إلا حين شعرت أنها بحاجة إلى الماء، فذهبت تجلس أمام

بحيرة الحوريات تشرب من وعاء كانت تضعه من قبل، ثم شردت وهي تنظر إلى تلك الحورية التي طالما تنظر لها بحقد لأنها حبيبة أكرم الفتى ذات الخصلات السوداء ابتسمت زمرد ثم نظرت إلى السماء وقد تحول ابتسامتها إلى أخرى حزينة ظلت هكذا حتى اقترب منها أكرم وقال وهو يمزح

معها بعدما شعر بحزنها: -يا صباح الأندومي هتبوسيني ولا أشق هدومي. قلبت عينيها بملل فكل يوم يقول لها مزحة غير الأخرى حتى أنها شكت بأنه لا يفكر سوى بتلك الكلمات المسروقة من شباب الشوارع فقالت: -لا شق هدومك يا خويا، واخدها من على ضهر توكتوك أكيد بس إللي حيرني فعلًا إن مفيش تكاتك هنا.

صمت أمام صمتها هذا لكنه لاحظ نظرات تلك الحورية التي كانت قد ضمت ذراعيها إلى صدرها وشعرها البنفسجي المبتل ينزل على عينيها ووجهها وضربت بذيلها على الماء لتلف نظره بأنها منزعجة لكنه قد اعتاد على هذا فلم يهتم بها بل نظر إلى ملابسه اللي ابتلت وكذلك ملابس زمرد التي ضغطت على كفها من تلك المعتوه في المرة السابقة كانت ستنزل لها تلقنها درسًا لكنها تذكرت أنها لا تستطيع العوم مثلها ومن يدري ربما تسلط عليها بربور البحر أو أحد الكائنات الغريبة لتغرقها، لكن أكرم هدأ من روعها حينما لم ينظر إلى تلك البحرية وغض بصره عنها ونظر لها هي فتعلقت

جميع حواسها به حينما قال: -ما تيجي نتجوز يا زمرد. شهقت بفزع على جملته ثم قالت بدهشة: -إنتَ مجنون صح؟ -مجنون ليه ما تميم وريما اتجوزوا وقربوا يخلفوا كمان. -بس إحنا غيرهم وتقلدنا غيرهم. -عارف بس، أحنا ممكن منرجعش ونفضل هنا أنا بفكر معاكِ بصوت عالي يا زمرد كأني بكلم نفسي لإنك نفسي فعلًا عارف إن أهلك وحشوني وأنا كمان أمي وحشتني والواد هارون الصغير وحشني أوي. لا تنكر أن حديثه صحيح لكنها لن تفعل هذا مهما حدث:

-بس أنا مش موافقة يا أكرم إننا نتجوز هنا إن شاء الله نرجع أنا حاسة. -إن شاء الله. جائتهم أوليفيا راكضة وصدرها يعلو ويهبط من عدم قدرتها على التنفس فقالت لها زمرد تحذرها فهي ليس المرة الأولى التي تفعل تلك الحركات المجنونة: -أوليفيا لما تجري إنتِ حامل طفل بداخل أحشائك يا فتاة الآن هو يترجرج ماذا يقول عنك؟ مجنونة أم معتوهة؟ نفخت أوليفيا من كثرة هذا الضجيج ثم هتفت لها:

-أصمتي دعيني أتحدث وكفاكِ ثرثرة هو يعلم أن أمه مجنونة ما شأنك أنتِ؟!! الآن هي أسرعوا سوف ترجعون إلى الأرض. ماذا ماذا لحظة واحدة أرض من؟!! ذلك الكوكب المستدير الذي به ماء ويابس؟!! الذي جميع سكانه يعتقدون أنه لا يوجد كواكب أخرى عليها حياة؟!! قبضت زمرد حاجبيها بكت وفرحت في ذات اللحظة نظرت إلى أكرم وهي غير مصدقة لما سمعت الآن: -بجد دا بجد؟؟! خلاص هنرجع؟ مبسوطة وفرحانة أوي يا أكرم. أفاقا الأثنين على صوت التي تصرخ

بهما وما كانت إلا أوليفيا: -أسرعوا هيا.

ظلوا يركضون جميعًا حتى وصلوا إلى الحصانين الخاصين بهم ركبت زمرد خلف أكرم، الذي أمسك مرفقها بلطف، مما منحها قوة للصعود إلى السرج. عندما استقرت، تمسكت بثيابه بشدة، وشعرت بحرارة جسده وهو يبعث الطمأنينة في قلبها، كانت تنظر إلى كل شيء بذلك المكان كأنها تودعهم بعينيها إلى الحوريات إلى الأشجار إلى السيف التي كانت تمسكه بيدها الأخرى فكان محفورًا عليه اسمها بالذهب، كأنه حفر عليها من نور الشمس، والآن توقف حصانهم كما فعل حصان أوليفيا الذي توقف أمام الكهف حتى بدأوا يخطون الخطوات إلى الداخل وكان ياقوت ينتظرهم

منذ مدة فقال لهم وهو يسير: -اتبعوني. ساروا جميعهم خلف ياقوت ينظرون له وإلى ما يفعله فتحرك هو حتى وقف أمام صخرة كبيرة يبعدها عن مكانها الذي كان جوار العديد من الصخور المشابهة لها فظهر سلماً كبيراً يخرج من درجاته ضوء شديد السطوع وكذلك هواء شديد البرودة لاحظ ياقوت صمتهم جميعًا ودهشتهم فقال: -هذا هو المكان هي سترجعون إلى عالمكم.

بكت زمرد وهي تنظر لهم جميعًا ستشتاق لهم كثيرًا وقفت أمام أوليفيا ثم ارتمت بين أحضانها تبكي ربتت أوليفيا على ظهرها بحنان ثم قالت: -سنشتاق لكم كثيرًا حقًا لا تبكي زمرد أرجوكِ أتعلمين سأشتاق إلى كل شيء حتى ثرثرتك. بكت زمرد ثم قالت لها: -وأنا أيضًا يا أولي سأشتاق إليكِ كثيرًا. اقتربت من ريما واحتضنتها أيضًا فقالت لها ريما شيئًا عن المولود: -أن أنجبت فتاة سأسميها زمرد وأن كان فتى... قاطعتها زمرد باقي حديثها وهي تذكرها:

-إن كان فتى اسمه ظافر يا ريما. -حسنًا صديقتي. صافحت تميم فهو أكثر شخص ستفتقده، سأفتقد شعور أن لها شقيق آخر غير عاصم شقيق لم تنجبه أمها فقال في حزن: -تميم أنتَ حقًا أفضل شخص على الإطلاق لو تأتوا معنا إلى الأرض. نظر له ياقوت الذي أصبح أكثر تعاطفًا معها عن ذي قبل يحاول تخفيف الموقف لعدم تأخرهم: -بالطبع سنأتي في يومٍ ما، وسنراكم عن طريق البلورا. تذكر أكرم سؤالًا كان دائمًا يدور في ذهنه طوال تلك المدة التي جلسها

معهم بمرها قبل فرحتها: -لم تقول لي اسم ذلك الكوكب، ياقوت. نظر له ياقوت وهو يبتسم فهو علم كم أن هذا الأكرم فضولي لكنه قال لهم جميعًا: -إنه سر لن يخرج بيننا اسمه *كيبلار* هو أشبه كثيرًا للأرض. عانقه أكرم وهو يودعه بسلام دام لكثير من الوقت استنشق أكرم تلك الرائحة التي كانت في ملابس الآخر كالعطور الطبيعية فتذكر حينما قال له في يوم من الأيام أن تلك الرائحة رائعة وأنه يريد منها فقال أكرم:

-سأشتاق لكَ يا رجل وإلى تلك العطور. ارتفعت ضحكات ياقوت وهو يعطيه بعض العطور ليضعها في الحقيبة الخاصة به ثم قال له: -ها هي بعضها لك وإن أردت المزيد ستجدني جوارك يا صديقي أتعلم أنا أيضًا سأشتاق إليك. نظر أكرم إلى ثم ترك ياقوت ووقف جوار شبيهه وقال: -تميم عارف إنك بتفهم لغتي لولا إني عارف إن إنتَ مش من الأرض وإن أنا مش من المكان دا كنت قولت إنك توأمي، إنتَ فعلًا بقيت توأمي يا تميم من ساعة ما جيت هنا. ثم اقترب من أذنه:

-ورجل كمان علشان لما عينك جت عليها وعرفت إنها مخطوبة كلمتني وبعدت عنها. احتضنته أكرم ثم أكمل حديثه: -شكرًا يا أخويا. أمسك السيف من يد زمرد ثم وضعه بحقيبته ثم أمسك مرفقها وشبك أصابعه بين أصابعها حينما شعر ببرودة يدها التي أصبحت كقطعة من الثلج فحمسها حينما بدأ يحرك قدمه باتجاه أول درجة من سلم ذلك، حتى صاحت زمرد: -تميم سلم لي على مهرة وعبد العال وعلى النونو الصغير. ابتسم الآخر وهو يحتضن زوجته ويضع يده على بطنها يتحسس

تحركات طفلهما ثم قال: -حاضر يا زمرد.

أمسك أكرم بمعصم زمرد بقوة، وكأنما يخشى أن تفلت من بين يديه، ثم بدأ يصعدان ذلك السلم الملتف. كلما صعدا درجة، شعرا أن المسافة بينهما تتسع بشكل غريب، وكأن السلم يطول ويتحول إلى شيء أشبه بمتاهة أو دوامة لا نهاية لها. زمرد كانت تصرخ بأعلى صوتها، لكن صرخاتها كانت تختفي في الفراغ، فلا يصل منها شيء إلى أكرم. كان يشعر بحركتها لكنه لم يستطع سماعها، وكأن هناك حاجزًا خفيًا بينهما يزداد سمكًا مع كل خطوة.

بينما في ذلك التوقيت على كوكب الأرض بالأخص في بيت عاصم ومنة. صاحت منه في ابنتها وهي تمسكها من أذنها: -أنا قولت مية مرة الواد إللي اسمه هارون دا مشوفكيش واقفة معاه تاني صح؟ -خلاص يا ماما بتوجع مش هعمل كده تاني سيبيني بقى. -قولت ولا ما قولتش؟؟ تنفست زمرد الصغيرة وهي تشعر بألم قد يختلع أذنها من مكانها ثم قالت: -قولتي قولتي سيبيني بقى. -الحقي يا منة.

كان يصيح عاصم هكذا وهو يجلس أمام التلفاز فجرت منة عليه بزعر لترى ماذا يوجد في التلفاز يلفت انتباه زوجها لهذه الدرجة: -في إيه؟ -اقرأ كده. نظرت منة إلى التلفاز ثم قرأت ما يدون: عاجل: *عودة الثقب الأسود إلى سطح الأرض وهذه المرة الثالثة لذات الثقب منذ عام 2014 ونحن اليوم نقترب على 2024 ماذا يحمل هذا الثقب أو ماذا سيحمل.* تحدث وكأنه يرى شعاع شمس في غرفة مظلمة كالسجين الذي يبحث عن أي أمل أو حتى ضوء بسيط ليرشده:

-إنتِ عارفة دا يعني إيه؟ -إيه؟ -أكرم يا منة أكرم، إنتِ قولتيلي إنك شوفتيه. وضعت منة وجهها بين كفيها تشعر باليأس من عودة هذا الثقب مجددًا فقالت: -الكلام دا عدى عليه حداشر سنة ودوسا هي إللي شافته مش أنا. وضع عاصم يده على ظهرها يبث فيها أملًا كما دخل الأمل قلبه: -بس في أمل يا منة في أمل. رفعت رأسها تنظر إلى عينه التي كانت معلقة بها ثم هتفت: -وليه متقولش أن دا خطر مش يمكن حد منا يروح هناك؟

-في حاجة اسمها التفاؤل يا منة الملافظ سعد. -إن شاء الله خير. قام عاصم يقف أمامها يمد لها يده ليمسك مرفقها وهو يقول: -يلا نصلي العشا جماعة. استجابت له وهي تنهض عن الأريكة تقف أمامه مباشرةً ثم أردفت عليه: -يلا يا حبيبي.

أحاطت بهما دوامة من الصداع، لا يسمعان شيئًا سوى أصداء صرخاتهما المترددة في الفراغ. لم يستطع أكرم أن يبقي قبضته على يد زمرد، وشيئًا فشيئًا انزلقا عن بعضهما حتى انفصلت أيديهما بالكامل. في تلك اللحظة، شعر كل منهما وكأنه يسقط في عالم آخر.

أخذت الدوامة زمرد وألقتها في مكانٍ مجهول، بينما أكرم انتهى في مكان آخر تمامًا. سقطت زمرد مغشيًا عليها من شدة الإرهاق والدوار، حتى عثر عليها مجموعة من الشبان بالصدفة، وحملوها بسرعة إلى أقرب مشفى. أثناء ذلك، وجد أحدهم هاتفها بين أشيائها الشخصية، وبدافع المساعدة قام بفتحه للبحث عن أي رقم يمكن الاتصال به لإبلاغ أحد أقاربها بما حدث.

في الجانب الآخر من المدينة، كان هاتف عاصم يرن فجأة. نظر إلى الشاشة وظهرت أمامه اسمًا لم يتوقع أن يراه بعد كل هذه السنين. خفق قلبه بشدة وامتلأت عيناه بالدموع. أسرع بالإجابة، وصوته متردد ما بين الأمل والخوف، منتظرًا أن يسمع ما يخبئه هذا الاتصال المفاجئ: -زمرد إنتِ بجد؟ يعني أنا مش بحلم وحشاني أوي. لكن خاب ظنه حينما لم يسمع صوت شقيقته لكنه سمع ما أفرحه قليلًا من هذا الشاب:

-حضرتك أنا لقيت الآنسة في الشارع وحطيت تلفونها على الشاحن ودا آخر رقم اتصل بيها إنتَ تعرفها؟ -أنا أخوها قولي العنوان بسرعة. -مستشفى ****. -أنا جاي فورًا. أمسك عاصم بمفاتيحه بسرعة، وهو يصيح مناديًا على زوجته: "منة! منة! ". لكنه لم يتلق أي رد. تسلل القلق إلى قلبه، وصار صوته يزداد ارتفاعًا مع كل نداء، حتى جاءت ابنته زمرد الصغيرة مسرعة، وعلامات الخوف بادية على وجهها. زمرد ابنته وهي تكاد تلتقط أنفاسها: -بابا، الحق!

ماما أغمى عليها! تسارعت دقات قلب عاصم، وانطلق نحو الغرفة بخطوات مضطربة. وصل إليها ليجد زوجته ممددة بلا حراك. ركع بجانبها وأخذ يهزها برفق محاولًا إفاقتها. عاصم، بصوت مليء بالقلق: -منة! منة، بقيتي كويسة؟ ردي عليا، منة! كان قلبه يعتصر خوفًا وهو يناديها، منتظرًا أي إشارة تدل على أنها بخير، في حين كانت ابنته تقف بجانبه، تجلب له زجاجة عطر ليفيقها، والدموع تتجمع في عينيها، حتى فاقت منة ثم نظرت له وبالأخص إلى وجه زوجها:

-أنا كويسة يا عاصم بس أكرم في بنت كلمتني من رقمه وقالتلي أنها لقته في الهرم وهو دلوقتي عندهم في البيت يلا نروح عنوانهم *****. -هرم!! من يومه غاوي شحططة. ثم ابتسم وها هو قد تلقى الخبر الذي كان ينتظره منذ سنوات قد مضت كان قلبه يتراقص الآن سيجد شقيقته وأيضًا صديقه ياله من يوم سيصبح عيدًا بالنسبة لتلك العائلة: -زمرد بردو في المستشفى نشوفها وبعدين نروح لأكرم بسرعة يا منة.

استجابت له وهي تحاول الوقوف على قدميها مع مساعدتهم لها ثم أسرعت بارتداء ملابسها وذهبت مع زوجها. أما في المنزل كانت تتحدث في الهاتف، بعدما رحلت أمها وأبيها: -معرفش يا هارون قولتلك معرفش. أجابها ويكاد يخرج برجًا من رأسه على هذا الحديث الذي هو أشبه بالقصص جميعه خيالًا بخيال ثم صاح بها: -متعرفيش إزاي يعني هو الميت بيصحى؟ -بيصحى إيه بس بقولك عمك في الجيزة في العنوان دا ****. -أنا مش مصدق عمي!! طب إزاي؟

هو لسا في أمل يكون عايش؟ أنا هلبس بسرعة وأروح أنا وبابا ويارب فعلًا يكون هناك. -طيب هاجي معاك. كان يرتدي هارون ملابسه مسرعًا لكنه سمعها تقول أنها ستأتي معه فقال: -اقعدي يا بت في البيت ذاكري يا ختي ها أنا مش هتجوز واحدة فاشلة ها. رفعت حاجبيها ثم ردت على حدثه فهي لن تسمح لأحد يهينها سوى والدتها! أحد آخر فلن تصمت: -أنا مش فاشلة يا هارون ومين قالك إني هرضى بِك أصلًا أنتَ أكبر مني وأنا مش هتجوزك.

ثم أغلقت الهاتف في وجهه، حيث نظر هو إلى الهاتف باستغراب هل أغلقت في وجهك للتو يا صديقي لكنه قال: -عنيفة أوي زي أمها، صغيرة بس بحبك بردو القلب وما يريد بقى. لم يشرح لوالده الأمر أن هناك عصفورة بين البيتين لكنه أمسك مرفقه وهو يأخذ المفاتيح: -بابا ممكن تيجي معايا مشوار بعد إذنك. هل هذا معتوه؟! فهو بالكاد أخرجه من باب المنزل هل يستأذنه بكل أدب واحترام قبل نزوله للسلم؟

-حبيبي هو إنتَ أهبل إنتِ ساحبة إيدي ولا كأني جاموسة هتربطني في ساقية عايز إيه مني يا هارون. -طيب أنا فعلًا آسف بس لازم نروح الموضوع مش هينفع يتأخر أكتر من كده. تحدث أمجد وهو يسير خلف هذا المعتوه: -فين؟ -هشرحلك في السكة بس يلا قبل ما تيتا تسمع ممكن تتعب. تنفس الآخر بملل ثم وصل أمام السيارة يقول لابنه: -ماشي يا هارون هتفضل شبه عمك يا هارون.

وبعد ركبهما السيارة مع تحرك هارون على ذلك العنوان بدأ يقص على مسامع أبيها كل ما سمعه من زمرد ابنة عاصم لم يستطع أمجد تمالك أعصابه فوضع وجهه يستند به على زجاج النافذة وقال في يأس: -يارب يبقى هو يا هارون يارب. كان يسير بين طرقات المشفى لا يفهم أو يعلم أين هي في أي غرفة لكنه أمسك هاتفه ورن على رقمها فأجاب عليه أحد الشباب الذي مازال هنا لم يرحل على رقم غرفتها وقف عاصم أمام ذلك الشاب يشكره:

-أنا فعلًا مش عارف أقولك إيه شكرًا. -دا واجبي وأي حد مكاني كان هيعمل كده. أعطاه هاتف زمرد وقال له أن باقي أشياءها معها في الغرفة ثم تركهم ورحل، كان يد عاصم ترتعش وهو يضعها على مقبض باب الغرفة. فشجعته منة: -أنا متأكدة إنها هي وكمان سليمة يلا متقلقش.

استجاب هو كلماتها فكانت كالدفعة القوية له ففتح الباب ينظر إلى الجالسة على الفراش فقد رجعت روحه مجددًا إلى جسده لم يقدر على منع أعينهم من البكاء قامت زمرد من ذلك الفراش لتلمس الأرض قدمها ثم ركضت على شقيقها تحتضنه، كانت تفتقده بشدة لكنها الآن أصبحت معه أصبحت بين أحضان أخيها الذي يعبث في خصلاتها كما كان يفعل الذي كان كلما يراها في المنزل يصفعها على مؤخرة رأسها لقد اشتاقت لكل هذا اشتاقت إلى رائحته ورائحة منزلهم الدافئ وأخيرًا قد ابتعدت عن برفق تنظر إلى

وجهه ثم قالت بصوت مهزوم: -وحشني أوي. ظل عاصم يقبل رأسها ليشعرها بالأمان وأنه معها ولا تخف، خطفت النظر إلى الواقفة جوارهم التي كانت صوت شهقاتها من البكاء تصل لهم فأقتربت زمرد منها تحتضنها كما اعتادوا، كانت تلجأ لها في جميع مطبات حياتها والآن أصبحت جوارها مجددًا، سألها شقيقها: -إيه إللي حصل ليكِ؟ وكنتِ فين؟ -مش وقته خالص، فين أكرم أنا مش عارفة كان معايا. -أنتم كنتم مع بعض؟ قالتها منة مستفسرة عن حديثها:

-آه هو فين أنا لازم أشوفه. -طب أهدي خلاص هو في الجيزة. -طيب يلا بسرعة نروح علشان خاطري. شعر شقيقها أنها ليست بخير في تلك اللحظة فقال لها: -طب ارتاحي ونشوف بابا وماما هيفرحوا أوي. -هشوفهم بس أطمن عليه علشان خاطري يا عاصم. -طيب يلا.

قالها وهو يأخذ يدها وكذلك أخذت منة أشياء زمرد ثم ساروا إلى خارج المشفى، فقاد عاصم السيارة إلى ذلك العنوان، نظرت زمرد لهم فهي كانت تجلس في الأريكة الخلفية للسيارة وهم جوار بعضهم على الكراسي الأمامية وبدا على ملامح وجهها الاستغراب من ما ترى لكنها لم تستطع أن تصمت فقالت متسائلة: -هو أنتم كبرتوا كده إزاي؟ كبرتم!! أيضعون طقم أسنان في فمهم أمامك؟ أنتِ لن تسلمي من حديث منة حيث ردت عليها:

-إيه كبرتوا ديه ما تخلي بالك من كلامك يا بنت خالتي. -مش قصدي. -إللي أنا مستغربه فعلًا أزاي إنتَ مكبرتيش دا عدى حداشر سنة. زمرد وهي تضع يدها على صدرها بحركة شعبية: -حداشر سنة إزاي يعني إحنا في سنة كام؟ -فاضل كام شهر ونبقى في ألفين أربعة وعشرين. -يا نهار أبيض أربعة وعشرين، علشان كده الطرق اتغيرت كلها كباري وتلفون تفاحة وحاجات غريبة. عاصم: -هو أنتم كنتم فين؟ هل سيصدقونها؟ بالطبع لا لكنها لا يهمها فهذا هو ما حدث فقالت:

-إحنا اتشفطنا من الثقب وروحنا كوكب تاني. منة بضحك: -أكيد كوكب زمردة. نظرت لها زمرد من أعلى ثم إلى أسفل وصاحت بها: -إنتِ باردة أنا بتكلم بجد. رد عليها شقيقها وهو يعلم أنها لا تكذب: -مصدقك. ضغط هارون بقدمه على مكابح السيارة حتى توقفت أمام شارعًا به العديد من المنازل فنزلا من السيارة يستندان بظهرهم عليها فقال أمجد وهو ينظر إلى كافة المنازل التي حوله ثم إلى ابنه الذي كان يرفع نظارته أعلى رأسه فقال الآخر بسخرية:

-وصلنا الشارع يا بن العبقرية هنعرف البيت إزاي دلوقتي؟ رد الآخر بجهل: -مش عارف. أمسكه أمجد من قميصه يصرخ به: -وحيات أمك هنعمل إيه دلوقتي؟ -نقطني بسكوتك. -حاضر، إيه دا مش ديه عربية عاصم. قالها هارون وهو يرى أن هناك سيارة قد أتت للتو وهي سيارة عاصم فترك أمجد ملابسه لينظر بالاتجاه الذي يشير عليه هارون: -آه هي العربية. تقدموا الأثنين من السيارة فنزل عاصم يقف أمامهم بعدما صف سيارته بجوار الرصيف ثم قال إلى أمجد:

-إيه دا عرفت من مين؟ -زمرد يا عمي. قالها هارون وهو يرفع حاجبيه الأثنين العديد من المرات لإثارة غضبهم، ضغطت منة على يدها ثم قالت: -آه يا بنت المفـ،كوكة لما أرجعلك صبرًا. -براحة على نفسك يا حماتي. أجابه عاصم الذي قد طفح كيله شعر بأنه سيمسكه يلقي به أسفل السيارات العابرة: -وربنا همسكك أضربك قدام أبوك وقدام الشارع كله. نظر أمجد له وهو يرفع يديه الأثنين أمامه ثم قال: -كدا عداك العيب. خرجت زمرد عن صمتها وهي تقول:

-يلا نطلع بقى. كادت عين أمجد تخرج من مكانها: -زمرد!! -فين ديه نزلت من البيت من غير ما تقولي والله لهوريها. قالها هارون وهو يلتفت حول نفسه يمينًا ويسارًا حتى نكزه والده ليصمت: -يا متخلف زمرد الكبيرة مش الصغيرة. -مش وقته يا بني أدم. قالها عاصم وهو يتركهم ويذهب باتجاه العمارة التي بها شقة تلك الدكتورة.

في ذلك المنزل، الذي لا يعلمه هو حينما فاق وجد نفسه في تلك الغرفة بين أربع جدران وفي وجهه تلك الفتاة التي تدعى سلمى تحاول أن تشرح له ما يحدث وفي أي عام هم الآن. -فهمت كده يا أستاذ أحنا في 2024. رد عليها وهو مازال يمسك بمؤخرة رأسه من كثرة الصداع: -فهمت، يا دكتورة. جلست جوار الفراش على الأريكة المجاورة له ثم مدت يدها له بأحد شرائط البرشام ثم قالت مع ابتسامة خفيفة: -اتفضل المسكن دا علشان الصداع.

أخذه من يدها ثم أخذ كوب الماء وابتلع ذلك الدواء، كان الطرق على الباب هو من جذب انتباهه فقالت هي بعدما شعرت بقلقه: -أكيد أهلك. فتحت هي الباب فأخبروها أنهم أهله فأشارت بيدها لهم على باب الغرفة التي يقبع هو بها فركضت زمرد مسرعة تجلس جواره على الفراش تتحسس جبينه ثم اردفت بخوف: -مالك إنتَ كويس؟ -كويس. -مالك طيب؟ وشك أصفر. أجابتها سلمى وهي تستند بظهرها على الحائط: -أخد ضربة شمس محترمة كان واقع جمب أبو الهول.

أمجد وهو يحتضن شقيقه الذي كان يشتاق له كثيرًا لكن كلماتها الغريبة أوقفته لينظر لها ويترك شقيقه يسألها وعينه كادت تخرج من مكانها: -أبو الهول! إزاي يعني؟ -زي ما قولت لحضرتك انا لقيته أغمى عليه جمب تمثال أبو الهول أخدته على هنا. أجابها أمجد وهناك علامات استفهام وتعجب تتطاير أمام عينه قد ملأت الغرفة بأكملها وأيضًا رأسه ثم رجع ببصره إلى شقيقه يمسكه من ياقة قميصه يهتز جسده بين يد الآخر: -بقالك ١١ سنة جمب أبو الهول؟

وأنا إللي قلبت عليك مصر كلها، بتحب الفراعنة أوي. رفع أكرم إصبعه السبابة وهو ينظر إلى أعلى كأنه يناجي ربه بمعجزة لينقذه من تلك المجموعة التي ستجعله يصاب بنوبة قلبية قريبًا: -يارب صبرني صبرني عليهم. جاء هارون يركض باتجاه عمه ثم ارتمى بين أحضانه وهو يقول كالأطفال: -عمو حبيبي حمدلله على سلامتك يا مرحوم. نظر له أكرم وهو مرتمي بين أحضانه فهو الآن ينفذ ذلك المثل الذي يقول الدبة قتلت صديقها فأزاحه، فنظر

أكرم إلى شقيقه ثم قال له: -مين الأخ الأهبل إللي اترمى في حضني دا؟ خرج هارون من أحضانه ثم قال له وملامحه قد عبثت: -هارون ابن أخوك. قبض أكرم ما بين حاجبيه ثم أرجع رأسه إلى الخلف وهو ينظر إلى ذلك الذي هو أكثر وسامة عن أبيه ربما قد ورث الوسامة عن عمه: -هارون! لا دا إنتَ إللي عمي يا راجل، دا أنا سيبك عندك ٨ سنين لسا بتعمل حمام على نفسك زمن غدار يا راجل. -حمام إيه بس يا عمي بطلنا من زمان.

نظر أكرم إلى عاصم ثم قام يتقدم منه وهو يشعر بالإرهاق فتقدم الآخر أيضًا واحتضنه: -وحشتني أوي يا صحبي. عاصم: -متعرفش حصلي إيه من غيرك. -حصلك إيه!! دا إحنا شوفنا بلاوي، أكبر من أفلام الأكشن، دلوقتي، أنا مش عارف إذا حمايا وحماتي لسه عايشين ولا ميتين ولا دخلوا في مسابقة لبقاء الكائنات الفضائية! أنا رجعت ليكم من الزمكان وكوكب تاني فهطلب إيد زمرد منك إنتَ. نكزه الآخر في ذراعه ثم قال:

-طب قول كلام عدل عايشين ربنا يطول في عمرهم ويطول في عمر ولدتك. -يبقى الحمدلله هتجوز أنا وزمرد الجمعة اللي جاية أنا مش هستنى أكتر من كده. عاصم: -نمشي طيب ونتكلم في البيت. بعد مرور أيام، وتحديدًا يوم الجمعة صباحًا بعد الاتفاق على الزفاف، كان أكرم وزمرد يجلسان في ذات المطعم الذي اعتادا عليه. فقالت زمرد: -انتَ مجنون يعني؟ الفرح بالليل وإحنا قاعدين هنا في الصبح؟

-إللي شوفناه مع بعض يخلي أي حد يجن، بحبك يا أحلى كوكب في حياتي. والله، روحنا لزمكان، روحنا كوكب تاني، وهفضل معاكِ حتى لو اضطررت أعيش على كوكب غير قابل للحياة! صمت لحظة ثم أضاف بابتسامة: -مستعدة تعيشي معايا في وكالة ناسا بتاعتي؟ نكون أول زوجين يفتحوا فرن يبيعوا العيش في الفضاء! ضحكت زمرد على كلماته، ثم هزت رأسها قائلة: -موافقة، حتى لو هنعيش في المجموعة الشمسية كلها، أو نبيع كواكب في المزاد!

قام أكرم بحملها بين ذراعيه ودار بها عدة مرات، وكأنهما في رقصة فضائية، مع تعليقه يمازحه: -إنتِ ملكة الفضاء، وأنا رائد الفضاء بهرب من جاذبية الأرض عشانك.

في المساء حيث كانا يرتديان ملابسهما فكان أمجد يرتدي بنطال أسود وقميص أبيض وعليه سترة سوداء اللون، أما هارون فارتدى بدلة رمادية داكنة. السترة كانت تليق به كثيرًا مع ياقة مخملية تضيف لمسة من الفخامة. أما القميص فكان أبيضًا ومنسقًا بعناية تحت السترة، بينما الكرافات المخططة بألوان ناعمة تبرز ذوقه، مع هندمته لخصلاته مما جعله أكثر وسامة. تنفس هارون بعنف وهو يلقي بتلك الفرشاة أمامه ثم جلس على الأريكة بملل فقال له

والده ليفهم سبب ذلك الضيق: -إيه يا بني مالك؟ -بص يا أمجد والله بقى هتجوزها يعني هتجوزها. نظر له والده ببعض الغضب الطفيف: -أمجد!!! طيب هعديها دي، بس بص بقا إنتَ مش صغير داخل على العشرين تقريبًا ستك صح؟ يعني فاهم وعاقل، البت عندها 16 سنة يبقى تبعد عنها عشان دراستها إللي بيحب حد بيحافظ عليه وبيخاف عليه كمان يبقى خاف عليها. ابتسم هارون بعقلانية ثم قال لوالده:

-حاضر يا بابا هخاف عليها وهستنى تكبر شوية، ولو أبوها مرضيش، هاخدها ونروح كوكب كيبلار، على الأقل هناك ما فيش قيود عمرية، وسننا مش هيظهر بسبب قلة الجاذبية! ابتسم أمجد على ذلك الولد ثم قال يمازحه: -لما البنت تكبر شوية، نبقى نشوف، يا هارون. بلاش تجيب لي وجع دماغ، فكوكب كيبلار ده محتاج تصريح سفر وبدلة فضاء، يعني ممكن نحتاج نعمل بحث عن "كيفية الزواج في الفضاء!

ارتفعت ضحكات الأثنين وهما يضربان كفهما ببعض من فرط الضحك حتى تذكرا أن الوقت قد تأخر ويجب أن يذهبوا الآن. في قاعة واسعة تعج بالحياة والحب، حيث يرقص الناس فرحًا ويستمتعون بالموسيقى، يُسمع صوت زمرد يرتفع فوق ضجيج الاحتفال. تتوجه نحو أكرم بابتسامة مليئة بالمزاح، وتقول: -مش ناوي تيجي معايا؟ فرد الآخر عليها وهو يتراقص معها ثم سألها بدهشة: -فين؟ زمرد، مازحة إياه: -ندور على المقبرة. وفي تلك اللحظة، يرتفع صوت أكرم مندهشًا:

أكرم بصوت عالٍ: -زمرد! فضحكت هي على تقلب وجهه ثم قالت: -بهزر الله. في مكان آخر، على كوكبهم المضيء، تسود أجواء من الحنين والانتظار. أوليفيا، وهي تنظر إلى الأفق من تلك البلورا السحرية، تتحدث بفضول: -أوليفيا ظننتهم سيتشاجرون. ريما، التي يبدو عليها الحزن والحنين، تردد: -كما اشتقت لهم. تميم، الذي يظهر تأثره، يشاركهم مشاعره: -وأنا أيضًا. ثم ياقوت، الذي أضاف بحماس وتفاؤل، يطرح فكرة مثيرة: -ما رأيكم في رحلة إلى الأرض؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...