الفصل 15 | من 23 فصل

رواية فات اوان الندم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اماني سيد

المشاهدات
27
كلمة
2,959
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

خرجت سميحة من الباب، قلبها كان يدق بسرعة وهي تحاول تلم نفسها. لكن أول ما رفعت عينيها… اتجمدت في مكانها. حسين واقف قصادها، ملامحه مشدودة ونظراته كلها غيرة مكتومة كأنها نار تحت الرماد. وراه، عبد الظاهر متصلب مكانه، بيبص لنفس الاتجاه، عينه هي كمان فيها نفس اللهيب المكبوت. اتلخبطت سميحة، مش عارفة تبص لمين فيهم ولا تقول إيه. مدت إيدها تمسك مقبض الباب كأنها بتدور على مهرب. بس حسين بدأ بالكلام: "عايز أتكلم معاكي يا سميحة."

"مش هينفع دلوقتي يا حسين." "لأ لازم دلوقتي يا سميحة." "قولتلك مش هينفع، هو بالعافية يا أخي." استغل عبد الظاهر رفض سميحة أنها تكلم حسين واتدخل بينهم: "في حاجة يا ست سميحة؟ "لأ، كتر خيرك يا معلم." حسين بعصبية لعبد الظاهر: "وأنت مالك بتتحشر ليه أصلاً؟ وايه اللي جابك هنا؟ "وأنت مالك؟ أروح مكان ما أروح، ده فرح بنتي يعني أقف مكان ما يعجبني." "وأنا أبو العريس يعني أعمل اللي أنا عايزه."

"أنت مالكش تتكلم ولا ليك صفة، أنا كلامي واتفاقي مع منصور مش معاك أنت. وأنت جاي هنا ضيف زيك زي الغريب، ولو قربت تاني من ست سميحة ولا ضايقتها أنا هتصرف معاك." "بصفتك إيه بقى إن شاء الله؟ لسه عبد الظاهر هيتكلم قاطعه صوت صالح: "إيه اللي بيحصل هنا؟ اتسمرت سميحة في النص بين الاتنين، مكنتش عارفة تعمل إيه. وحمدت ربنا إن أخوها وصل في الوقت المناسب. اتكلمت سميحة عشان تنهي الموقف: "مافيش حاجة يا صالح، يلا بينا، يلا يلا."

"حد ضايقك هنا؟ "لأ، مافيش، يلا ونتكلم بعدين." شدته سميحة ودخلت على القاعة. وقف عبد الظاهر قصاد حسين ونظرات الحقد والكره متبادلة بينهم. "ابعد عن سميحة يا عبد الظاهر." "اللي بعمله ما يخصكش يا حسين، كانت في إيدك… وإنت اللي رميتها." قالها عبد الظاهر، وبعدين سابه ومشي ودخل القاعة. قعد جنب صالح، بيتكلم معاه كأن ما حصلش حاجة. وسميحة كانت بتتحرك في القاعة بحذر، بتلف على المعازيم، تتابع البوفيه، توزع ابتسامات مصطنعة.

بس الحقيقة إنها كانت بتحاول تهرب… تهرب من نظرات حسين، ومن حضور عبد الظاهر، ومن أسئلة صالح اللي بدأت تلمح قلق في عينيه. الفرح خلص أخيرًا. منصور خد نسرين وراحوا على الفندق اللي حاجزين فيه. عبد الظاهر رجع شقته وهو لسه مش قادر يهدى من اللي حصل. فارس أخد أمه ومشي. وصالح أخد بنته ومراته وخرجوا سوا. في غرفة الفندق. دخل منصور غرفه الفندق وهو ماسك بإيد نسرين، لم يتركها. وبعدها قفل الباب وراه.

ومرة واحدة شالها وفضل يدور بيها داخل الغرفة. ويميل لقدام كأنه هيوقعها وتمسك فيه نسرين أكتر. "نزلني يا منصور هقع." "احضنيني أوي وانتي مش هتقعي." "طيب براحة، أنا خايفة." "تصدقي عيب في حقي." وراح لافف بيها أسرع وهو شايلها. وبعد كده قعد مرة واحدة على كرسي في الأوضة وهي قعدت على رجله. حست نسرين إنها مكسوفة وجت تقوم. شدها منصور أكتر عليه وقال بصوت واطي وهو بيبص في عينيها: "ليه مستعجلة؟ ده أنا لسه ما شبعتش من ضحكتك."

نسرين حاولت تبص في اتجاه تاني وقالت بخجل: "كفاية هزار بقى يا منصور." "هزار؟ ده أنا لو أقدر أعيش اللحظة دي على طول كنت عملت كده." سكت لحظة، وبعدها رفع إيده ولمس خدها بلطف، وقال وهو بيبتسم: "عارف يا نسرين... كنت دايماً بحلم أشوفك كده وعايز دلوقتي أحقق كل حاجة اتخيلتها وحلمت بيها." مسك منصور إيديها وباسها بحب. "بحبك أوي يا نسرين، عايزك تقولي إنك إنتي كمان بتحبيني." ميلت نسرين راسها على صدره وقالت بصوت واطي:

"أنا بحبك أوي يا منصور ومش بكون متطمنة غير وأنت جنبي." سكتوا هما الاتنين، وصوت أنفاسهم اختلط بدق قلبهم، والمكان بقى ساكن إلا من دفا اللحظة اللي جمعتهم سوا. تاني يوم اتصل صالح بعبد الظاهر وطلب يقابله. وعبد الظاهر وافق من غير يتردد، رغم إنه كان حاسس في قرارة نفسه بموضوع المكالمة. وقت العصر وصل عبد الظاهر لبيت صالح، استقبله صالح بترحاب: "والله زمان يا عبد الظاهر." ابتسم عبد الظاهر وقال بهدوء:

"الدنيا مشاغل يا صالح، بس اللي في القلب لسه في القلب." قعدوا سوا شوية، وبعدها صالح قال: "أنت عارف يا عبد الظاهر، أنا بعتبرك أخ، واللي بينا مش قليل... عشان كده عايز أسألك سؤال وترد عليا بصراحة." ابتسم عبد الظاهر وقال قبل ما يكمل صالح كلامه: "من غير ما تسأل، أنا عارف هتسألني في إيه... بس خليني أجاوبك من دلوقتي." تنهد وقال وهو بيبص في الأرض: "آه يا صالح...

قلبي ميّال للست سميحة. جوايا مشاعر ليها حاولت أدفنها من زمان، بس أول ما سمعت إنها اتطلقت... المشاعر دي رجعت تاني، رجعت زي زمان ويمكن أكتر." رفع عينه وبص لصالح وقال بصدق: "والله يا صالح، عمري ما كانت في نيتي حاجة وحشة، ولا عمري بصيت لها بنظرة عيب، بس المشاعر اللي جوايا مش بإيدي... غصب عني." سكت صالح لحظة، وفضل يفكر. هو من زمان حاسس بده، ودايماً كان بيتمنى إن يكون عبد الظاهر نصيب أخته، بس النصيب كان ليه رأي تاني.

"ولأمتى يا عبد الظاهر هتفضل كده؟ "مش عارف يا صالح، صدقني مش عارف. جوايا حاجة بتحركني من غير ما أشعر... وأنا لسه عند كلمتي، عايز أتوز أختك يا صالح." صالح قال بابتسامة خفيفة فيها شجن: "والله يا عبد الظاهر، أنا أتمنى اليوم ده. بس ولادها... دول رجالة دلوقتي." "كل واحد منهم هيتجوز ويتلهي في حياته، ليه مايسبوهاش تعيش اللي ما عاشتوش زمان؟ سكت لحظة وبص له بثبات: "قولي يا صالح... إنت عجبك وضع أختك كده؟

صالح ما عرفش يرد، الكلام فعلاً وجعه. هو عارف إن سميحة عاشت عمرها بين وجع وإهمال، ومن حقها تكون مبسوطة. "مش عارف أقولك إيه، يا عبد الظاهر... وفي نفس الوقت خايف أكلمهم ياخدوا منك موقف." "كلمهم يا صالح، يمكن ربنا يسهلها وأنا هكون راضي بأي حاجة." صالح قال بعد تفكير: "طيب، الأول ناخد رأي سميحة. يمكن اللي حصلها مع حسين مخليها مش عايزة تتجوز تاني." "طيب، خليني أنا اللي أكلمها الأول يا صالح، ممكن؟

"ماشي يا عبد الظاهر، هكلمها تيجي هنا، وإنت تتكلم معاها. ولو وافقت، ساعتها نكلم منصور وفارس." خرج عبد الظاهر من عنده، وقلبه مليان أمل وقلق في نفس الوقت، مستني مكالمة صالح تحدد له معاد يقابل سميحة. يمكن المرة دي النصيب ينصفه بعد سنين. في بيت سميحة، كانت قاعدة لوحدها في الصالة، التليفزيون شغال على صوت واطي وهي سارحة، بتقلب في ذكرياتها. رنّ التليفون قدامها، شافت اسم "صالح" على الشاشة وابتسمت بخفة. ردّت وهي

بتحاول تبين صوتها عادي: "أيوه يا صالح، إزيك يا خويا؟ "الحمد لله يا سميحة، عاملة إيه؟ صوتك فيه حاجة؟ "لأ يا صالح، مافيش... يمكن بس تعبانة شوية." ضحك بخفة وقال: "تعبانة ولا زهقانة؟ "الاتنين." "طب ما هو دا اللي خلاني أكلمك، قلت أطمن عليكي، وبالمرة نفسي أشوفك." "تشوفني؟ خير يا صالح، في حاجة؟ "خير إن شاء الله، بس وحشتيني بجد يا سميحة، ماعادش بنقعد زي زمان، كلنا بقينا في دوامة." سكتت لحظة وقالت بهدوء:

"والله يا صالح وأنت كمان وحشني." "خلاص، يبقى تيجي بكرة بعد الضهر، أنا عايزك ضروري." حست سميحة إن فيه حاجة وراه، نبرته كانت فيها حاجة مش طبيعية. "في إيه يا صالح؟ حصل حاجة؟ "لأ يا ستي، مافيش غير كل خير... بس عايز أقعد معاك كلمتين كده." "كلمتين؟ عن مين بقى؟ "مافيش عن مين ولا عن إيه... هتعرفي لما تيجي." ضحكت بخفة وقالت: "يعني لازم تقلقني الأول؟ "لأ أبداً، هو بالعكس، الكلام هيعجبك إن شاء الله."

"طيب خلاص، أبقى أعدي عليك بكرة بعد العصر كده." "تمام، هستناكي يا سميحة... وربنا يجعلها ساعة خير." قفلت سميحة الموبايل وبصّت قدامها بشرود. حسّت إن قلبها بدأ يدق أسرع من الطبيعي. ممكن يكون هيكلمني بخصوص حسين أو عبد الظاهر؟ مش عارفة ليه حست إن صالح وراه موضوع كبير. وقالت بين نفسها: "يا ترى عايزني في إيه يا صالح؟ تاني يوم وصلت سميحة عند صالح، طرقت الباب، وفتح لها صالح بنفسه بابتسامة. "نورتِ يا أختي."

"الله يخليك يا صالح... كنت فاكراك لوحدك." "لأ، فيه حد كنت عايزك تشوفيه." دخلت سميحة بخطوات مترددة، ولما عينيها وقعت على عبد الظاهر وهو واقف، اتجمدت مكانها. "عبد الظاهر! "إزيك يا ست سميحة... "الحمد لله... (ببحة خفيفة) "أنا... ماكنتش أعرف إنك هنا." "عارف... وكنت متأكد إنك اتفاجئتي." سكتوا لحظة، وصالح قال بابتسامة وهو بيحاول يخفف الجو: "أنا هسيبكم شوية تتكلموا، عندي مكالمة ضروري." وسابهم ومشي، والجو سكت تمام.

حتى صوت عقارب الساعة بقى مسموع. بصّ عبد الظاهر على سميحة وهو بيحاول يجمع شجاعته. "سامحيني يا سميحة لو وجودي فاجئك... بس فيه كلام لازم يتقال، وإنتي لازم تسمعيه." "كلام إيه يا عبد الظاهر؟ "كلام متأخر... بس جوه قلبي من زمان." قعد على الكرسي المقابل ليها، وصوته بدأ يهدى أكتر: "يمكن متعرفيش إنك كنتي دايماً حاجة غالية في حياتي... من زمان وأنا شايفك الست اللي كان نفسي تشاركني عمري." بصت له باستغراب وقالت بخجل:

"بعد كل السنين دي يا عبد الظاهر؟ "أيوه... بعد كل السنين. يمكن كنت بكابر، يمكن خفت أقول، بس لما سمعت إنك اتطلقت، كل حاجة جوايا قامت من تاني." "بس أنا اتأذيت كفاية، ومش ناقصة وجع تاني." "وأنا مش جاي أوجعك، بالعكس... أنا جاي أكونلك السند والأمان." قرب منها شوية، صوته بقى أهدى كأنه بيحكي سر: "سميحة... أنا بحبك من زمان، حب راجل عمره ما عرف يبوح بيه، بس فضل ساكنه جواه سنين." اتنفس بعمق وقال:

"وصدقيني، مشاعري ليكي مش لحظة حنين، دي حياة كاملة أنا مستني أعيشها معاكي لو رضيتي." سكتت سميحة ودموعها بدأت تلمع في عينيها، مش قادرة ترد، مش مصدقة الكلام اللي بتسمعه. "عبد الظاهر... أنت بتتكلم جد؟ "أكتر جد من أي مرة في حياتي." "طب وولادي؟ "ولادك رجالة محترمين، وأنا ناوي أقف جنبهم زي أبوهم، بس قبلهم... أنا عايز أقف جنبك إنتي." قعدت سميحة بهدوء، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم. عبد الظاهر مد إيده على الطاولة

وقال بصوت فيه رجاء: "عشان خاطري يا سميحة ماترفضيش." سكتت سميحة شوية، مسحت دموعها بطرف الإيشارب، وقالت بصوت خافت: "يا عبد الظاهر… أنا خلاص كبرت. اللي راح من العمر أكتر من اللي فاضل، وهقولك إيه… مش فاضل فيّ حيل لحكايات ولا وجع جديد." قاطعها بهدوء وهو بيبصلها بحنية: "وأنا مش جاي أوجعك يا سميحة… أنا جاي أريحك." "ترتاح إزاي؟ واللّي حواليَّ هيقولوا إيه؟ وولادي هيسكتوا؟

"محدش ليه عندنا حاجة، ولادك هيهمهم إنك تكوني مبسوطة، والناس مالهاش دعوة، محدش هينفعك لو عيشتي وحيدة." سكت لحظة، قرب منها شوية وقال بصوت هادي يشبه الهمس: "أنا مش جاي أطلب حب، أنا جاي أطلب عمر نعيشه في راحة، من غير خوف." "بس أنا خايفة... "خايفة من إيه؟ "من ولادي، من الناس." "متخافيش يا سميحة أنا مش هسيبك لوحدك." ابتسمت سميحة بخجل وقالت: "يعني لو قلتلك لأ؟ "هقول ربنا يسامحني إني ما عرفتش أطمنك كفاية." "ولو قلتلك آه؟

ابتسم وهو بيهمس: "هقول الحمد لله اللي رجّع لقلبي الحياة بعد سنين موت." نزلت دمعة من عينيها، ومسحتها بسرعة وقالت: "سيبني أفكر يا عبد الظاهر، قلبي بيقول حاجة، وعقلي بيقول حاجة تانية." "وأنا هسيبك تفكري براحتك، بس أوعي تسيبى الخوف يغلب اللي جواكي." وقف، وبصّ لها آخر بصّة كلها شوق وقال: "لو اتأخرتي في الرد، هأفضل مستنياك... زي ما استنيتك طول السنين." دخل صالح وقت انتهاء عبد الظاهر لكلامه: "ها خلصتوا كلام؟

اتكلم عبد الظاهر بأمل: "قولتلها اللي عندي يا صالح وهستنى ردك قريب. أستأذن دلوقتي وهكلمك أعرف الرد بعدين." خرج عبد الظاهر وساب سميحة وصالح لوحدهم. بصّ صالح لأخته وشاف وشها متغير، ملامحها فيها ارتباك ودمعة معلقة في عينها. "باين عليكي محتارة يا سميحة." "أيوه يا صالح، محتارة ومش عارفة أعمل إيه." "قالك إيه؟ "قال كلام... وجع قلبي قبل ما يفرحه." "هو الراجل ده من زمان بيحبني يا صالح؟

"من زمان أوي، بس عمره ما اتكلم، ولا حاول يضايقك بكلمة. دايماً كان بيحترمك من بعيد، وكنت أنا شايف بعيني كل مرة كان بيحاول يخفي مشاعره." سكتت لحظة وهي تمسح دمعة نزلت على خدها: "وأنا... مش عارفه، يمكن قلبي وجعني عشانه النهارده، كلامه صدقني حسّيته طالع من جواه." "وده لأن عبد الظاهر راجل يا سميحة، راجل يعرف يحب صح." "بس يا صالح... أنا عندي ولاد كبار، والناس ما بترحم."

"يا سميحة، الناس ما بترحم أصلاً، سواء اتجوزتي أو قعدتي لوحدك." قرب منها وحط إيده على كتفها وقال بلطف: "سميحة، إنتي عشت عمرك كله تفكري في الناس، فكري المرة دي في نفسك؟ "نفسي... نفسي أصدق إني لسه أستحق أعيش، بس الخوف ماسكني." "عبد الظاهر يستاهلك يا سميحة، وأنا عارفه كويس. راجل شريف، وبيحبك وهيعيشك مبسوطة، ولادك كبروا والحياة هتلهيهم." سكتت سميحة وهي بتبص في الأرض، كأنها بتحاول تلاقي إجابة بين خيوط السجادة.

"طيب يا صالح... اديني يومين أفكر، لو القلب غلبني، هردّ." "خدي وقتك يا أختي، بس افتكري كلامي: مفيش سن للفرحة، واللي يحبك بجد، ما يتعوضش." سكتت سميحة، وبصت على الباب اللي خرج منه عبد الظاهر، كأنها بتكلم نفسها بهمس: "يا ترى القدر هيديني فرصة تانية... ولا فات الأوان فعلاً؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...