تحميل رواية «فؤادة» PDF
بقلم ميمي عوالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في نهارٍ مليءٍ بالغيوم بأحد أيام الشتاء، والذي ينذر بطقسٍ ممطرٍ شديد البرودة، وفي بلدةٍ ريفيةٍ على أطراف محافظة الغربية، كان هناك منزلٌ يقع بوسط الزروع يوحي مظهره بالجمال والأصالة. كان منزلًا مكونًا من طابقين يحتضنه سياجٌ أنيقٌ من الحديد المشغول، والذي يسمح لمن بداخله بمراقبة كل ما يدور بالخارج والعكس أيضًا، وكان يسكنه ثلاثةٌ من الرجال مع والدتهم بعد وفاة أبيهم منذ عدة سنوات. ليقوم جلال، وهو الشقيق الأكبر والذي يبلغ من العمر ثلاثًا وثلاثين عامًا، على شؤون عائلته من مراعاة مصالحهم، والأخ الأوسط ع...
رواية فؤادة الفصل الأول 1 - بقلم ميمي عوالي
في نهارٍ مليءٍ بالغيوم بأحد أيام الشتاء، والذي ينذر بطقسٍ ممطرٍ شديد البرودة، وفي بلدةٍ ريفيةٍ على أطراف محافظة الغربية، كان هناك منزلٌ يقع بوسط الزروع يوحي مظهره بالجمال والأصالة.
كان منزلًا مكونًا من طابقين يحتضنه سياجٌ أنيقٌ من الحديد المشغول، والذي يسمح لمن بداخله بمراقبة كل ما يدور بالخارج والعكس أيضًا، وكان يسكنه ثلاثةٌ من الرجال مع والدتهم بعد وفاة أبيهم منذ عدة سنوات.
ليقوم جلال، وهو الشقيق الأكبر والذي يبلغ من العمر ثلاثًا وثلاثين عامًا، على شؤون عائلته من مراعاة مصالحهم، والأخ الأوسط عارف وهو يعمل بالتدريس ويبلغ من العمر اثنتين وثلاثين عامًا، بينما الأخ الأصغر حسين والذي يبلغ ثلاثين عامًا فهو يقوم بالعمل في أحد المستشفيات الحكومية بعد أن تخرج من كلية الطب وانتهى من التكليف الحكومي منذ ثلاث سنوات.
تزوج جلال وحسين من بنات عمهما هدى وندا، وعاشا ما يقرب من العامين وهما لا يحسبان للزمن أي حساب حتى كان يوم ميلاد سلوى ابنة جلال لتموت أمها هدى أثناء ولادتها لينقلب حال الجميع.
فعندما فاجأتها آلام الولادة كانت ليلةً ممطرةً من ليالي الشتاء، فأسرع بها جلال إلى سيارته وهو يحاول طمأنتها ورفض أن يصطحب والدته معهم، وأثناء الطريق انحرفت بهم السيارة بسبب الطريق والأمطار لتصطدم السيارة بشدة بسيارةٍ أخرى مسرعة. صدمت سيارة جلال بشدة من الخلف لتنجرف السيارة من جلال وتصطدم مرة أخرى بعنف بشجرةٍ ضخمةٍ على شاطئ ترعة وكادت سيارة جلال أن تتهاوى في الترعة لولا ستر الله، وعند نقلهم إلى المستشفى لم يتمكن الأطباء من إنقاذ هدى والتي أثر الحادث عليها بشدة ولكن الله أراد أن ينقذ مولودتها، وترك الحادث أيضًا أثرًا على قدم جلال الذي قام الأطباء بتركيب بعض الشرائح والمسامير بها لتصاب مشيته بعرجةٍ ملحوظةٍ تؤثر على سرعته في السير.
وقد كانت هدى فتاةً رقيقةً، جميلةً، حلوة المعشر، ومن بعد موتها حزن عليها زوجها حزنًا كبيرًا لم يفارقه حتى الآن رغم مرور أربع سنواتٍ على رحيلها.
أما حسين وندا فقد رزقهم الله بطفلين جميلين، أدهم أربع سنوات وليلى.. والتي لم تكمل العامين.
أما عارف فكان شابًا يعلم كيفية التعامل مع معطيات الحياة، فكان يجيد التعامل مع كل ما حوله وكل من حوله، ولكنه كان يرفض الزواج متعللًا بأنه لم يقابل بعد من يمكنها أن تمتلك قلبه كي يسلمها زمام أموره.
وكان والد جلال وعارف وحسين يمتلك مساحاتٍ كبيرةً من الأراضي الزراعية والتي كان جزءٌ كبيرٌ منها عبارةً عن أشجارٍ للموالح وبقية الأراضي يقومون بزراعتها بالمحاصيل المصرية المتعارف عليها.
وأصر جلال وهو الحاصل على بكالوريوس التجارة على أن يستمر كل شيءٍ على ما هو عليه، وكان يقوم على رعاية الجميع طوال اليوم إلى أن يأتي المساء ليذهب إلى غرفته ويغلق بابها.
ليفتح باب ذكرياته وأحزانه.
أما سلوى فكانت تنعم بحنان جدتها وخالتها رغم افتقادها لحنان أبيها والذي يعتبر نفسه سببًا في موت والدتها فكان قلما يجالسها أو يلهو معها مثلما يفعل أخيه مع أطفاله، وكانت جدتها وخالتها تحاولان بذل كل مجهودهما لتعويضها عن حنان والدها وفقد أمها.
كان الجميع قد انتهى من تناول الإفطار، واتجه حسين إلى عمله بالمستشفى، وكانت سلوى تجلس بأحضان جدتها وهي تراقب والدها وهو يحتسي قهوته بتركيزٍ شديدٍ وهي تقلد حركة يديه واتجاه بصره تحت نظرات جدتها الحنونة وابتسامتها لأفعالها الطفولية.
حسنة بحنان: بتعملي إيه يا سلوى؟
سلوى بخفوت وهي تتصنع صوت ارتشاف بشفاهها: بشرب قهوة زي بابا.
حسنة ضاحكة: وهي فين القهوة دي؟
سلوى: مش لازم، هو كده بس.
وما إن نظر لها جلال بطرف عينيه حتى توقفت على الفور عن تقليده ونكست رأسها أرضًا، لينتهي جلال من قهوته وينهض متجهًا إلى الخارج وهو يحدث حسنة قائلًا: أنا رايح أطل على جنينة الموالح يا أمي، محتاجة حاجة؟
حسنة بحزن على حال ابنها وحفيدتها: عاوزة سلامتك يا ابني، بس ما تعوقش يا جلال، لا بينها شكلها كده هتمطر جامد يا ابني.
جلال وهو متجه إلى الخارج: ما تقلقيش، كله خير إن شاء الله.
لتنادي سلوى على أبيها بوجل قائلة: بابا.
ليلتفت جلال إليها في صمت منتظرًا أن تكمل حديثها لتقول مرة أخرى: عاوزة أركب معاك الكاريتة.
جلال بجمود: لأ.
لتدمع عينا الصغيرة وتعود بعينيها للنظر أرضًا لتقول حسنة بحنان وهي تربت على رأسها: الدنيا هتمطر يا سلوى وما ينفعش حد يخرج النهاردة أبدًا.
لتومئ الصغيرة رأسها في صمت وكأنها اقتنعت بحديث جدتها وظلت على وضعها حتى تركهم جلال متجهًا إلى الخارج.
خرج جلال من المنزل وقام بركوب الكاريتة الخشبية والتي يقودها زوجٌ من الخيول بمساعدة أحد العاملين لديه ويدعى عطوة، وقد كان بمثابة ذراع جلال اليمنى، فكان يرافقه في جميع أعماله وقلما كان يغيب عنه أو عن خدمته.
وقام جلال بالتوجه إلى حديقة الموالح بمساعدة عطوة، وعند وصولهم إلى هناك لمح جلال فتاةً غريبةً لم يرها أبدًا من قبل تجلس أرضًا على جانب الطريق تحت شجرة برتقال وهي تحتمي من سخات الأمطار التي بدأت في الهطول وهي تراقب الطريق وتتلفت ذات اليمين وذات اليسار، ورغم أن مظهرها قد أثار ريبة جلال إلا أنه لم يعر الأمر اهتمامًا، وذهب مع عطوة إلى متابعة جمع محصول الموالح وتعبئته وتجهيزه لتوصيله إلى التجار.
وما إن مرت ساعةٌ واحدةٌ حتى بدأت الأمطار في الهطول بوضوح، وكانت شديدةً نوعًا ما، ولكنها استمرت واستمرت دون انقطاع لأكثر من ساعتين حتى امتلأت الطرقات بالمياه والطين، فقال عطوة: مش كفاية كده النهاردة يا سي جلال، أحسن الناس غرقت وما حدش هيعرف يروح بالساهل.
جلال وهو ينظر للسماء وكأنه يحاول معرفة متى ستتوقف عن تدفق أمطارها: وشكلها كده لسه هتشد يا عطوة، خلاص دخلوا بس اللي اتجهز ده على المخزن وغطوه بالمشمع كويس، ونبقى نشوف هنكمل أمتى.
عطوة بصوتٍ عالٍ: دخلوا اللي جهز ياللا على المخزن يا رجالة، واتجه مع العاملين إلى الداخل حتى يشرف على تخزين ما قد تم جمعه من المحصول وتأمينه بعيدًا عن مياه الأمطار.
وعندما انتهوا كان قد مر عليهم ساعةٌ أخرى وقد اشتدت الأمطار وقامت السماء بإرسال رعدها وبرقها لتزداد هيبة الطقس في نفوس متابعيه.
وما إن انتهى جلال وعطوة حتى قاموا بإغلاق المخزن بعد تأمينه ومحاسبة العمال ثم عادوا إلى الكاريتة مرة أخرى ليعودوا إلى المنزل وما إن عادت الخيول إلى الطريق مرة أخرى حتى قال عطوة بانتباه: ده إيه اللي متكوم تحت الشجرة اللي هناك ده؟
لينظر جلال إلى موضع إشارة عطوة ليجد أن الفتاة التي لفتت نظره عند قدومهم ممددةً أرضًا في نفس مكانها ومن يراها من على بعد يعتقد أنها قد فارقت الحياة.
ليهبطا من العربة ويتجهان إليها في حذر لينحني عليها جلال وهو يهز كتفيها ليجد جسدها كلوحٍ من الثلج المبلل ترتجف بشدة وهي تردد بعض الكلمات المبهمة، وملابسها تعتصر من الماء ليقول جلال: دي شكلها زي اللي مغمى عليها بس بتخطرف رغم إن جسمها متلج.
عطوة: والعمل يا سي جلال أشيلها أحطها في العربية واللا إيه؟
جلال بتساؤل: أنت تعرفها؟
عطوة: ولا عمري شفتها قبل كده، شكلها كده غريبة عن البلد دي، بس لو سيبناها مطرحها كده هتموت.
جلال: خلاص هاتها أما نشوف حكايتها إيه دي كمان.
ليقوم عطوة بحملها حتى وضعها على أرضية العربة واتجهوا مرة أخرى إلى المنزل.
وما إن وصلوا إلى المنزل حتى حملها عطوة مرة أخرى وذهب خلف جلال الذي ما إن دخل المنزل حتى صاح مناديًا على أمه التي وجدها تجلس في قاعة المنزل كما تركها مع صغيرته.
جلال: يا أمي، في بنت غريبة لقيناها واقعة مغمى عليها على الطريق.
حسنة وهي تنهض مقتربةً من عطوة وهو يحمل الفتاة: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا ضنايا يا بنتي، دخلها يا عطوة على أوضة الضيوف على ما أشوف لها حاجة نلبسها لها بدل الهدوم اللي غرقانة ماية دي.
ثم ذهبت وهي تنادي على زوجة حسين: يا ندا.
ندا: أيوه يا مراة عمي.
حسنة: هاتي لي يا بنتي غيارات من أوضتي بسرعة وتعالي على أوضة الضيوف أنتِ وأم إبراهيم، وهي الخادمة التي تساعدهم في شؤون المنزل.
وما إن انتهت من حديثها حتى ذهبت خلف عطوة وما إن وضعها عطوة على الفراش وتركها وذهب إلى الخارج إلا وبدأت في إزاحة الملابس المبللة عن جسد الفتاة وهي تضع فوقها الأغطية لتعيد إليها بعض الدفء، وما إن وصلت ندا بالملابس حتى قاموا بإلباسها إياها وتغطيتها جيدًا.
حسنة: روحي يا أم إبراهيم هاتي لي طبق شوربة سخن وكوباية عصير، وأنتِ يا ندا هاتي لي كولونيا.
ندا وهي تناولها زجاجة عطر: الكولونيا أهي يا مراة عمي جبتها معايا.
لتحاول حسنة إفاقة الفتاة وهي تربت على وجهها بحنان وهي تضع بعض العطر بالقرب من أنفها، وما إن بدأت الفتاة بالشعور بالدفء حتى بدأت الاستجابة لمحاولة إفاقتها وقامت بفتح عينيها بجهدٍ شديدٍ وهي تنظر حولها باستغراب في محاولةٍ منها لمعرفة مكانها أو المتواجدين حولها.
ندا بابتسامة: حمد لله على السلامة.
لتدير الفتاة مقلتيها بين ندا وحسنة وهي تقول بخوفٍ قد اعتلى ملامحها: أنا فين وأنتوا مين؟
حسنة بحنان: أنا يا ستي الحاجة حسنة ودي ندا مراة ابني، وأنتِ...
ابني لقاكي مُغمى عليكي فجابك على هنا.
وعندما نظرت الفتاة إلى ملابسها لتجد أنها ترتدي ملابس غريبة عنها، حتى انتفضت من الفراش فجأة لتسقط مرة أخرى نتيجة حالتها المُزرية، ولكنها انهارت في البكاء وهي تقول:
فين هدومي؟ مين قلعني هدومي؟
حسنة وهي تحاول طمأنتها:
ما تخافيش يا بنتي، ده أنا اللي قلعتك هدومك ولبسناكي غيرهم من عندي، هدومك كانت غرقانة ماية وطين من المطرة.
الفتاة:
أنا متشكرة أوي، بس أنا من فضلك عاوزة هدومي عشان أمشي.
ندا:
أم إبراهيم أخدتها تغسلهالك وأول ما تنشف هتجيبهالك على طول، ما تقلقيش.
حسنة:
عاوزاكي تشربي الشوربة دي وهي سخنة عشان تدفيكي، ولو قلقانة على أهلك، قولي لي رقمهم وأنا أكلمهم عشان...
لتقاطعها الفتاة بذعر:
لأ... أرجوكي بلاش، مش مهم، مش عاوزة، ما حدش يكلمهم.
حسنة باستغراب:
خلاص يا بنتي ما تتخضيش كده، زي ما تحبي.
ثم نظرت لها بابتسامة وقالت:
إلا أنتي اسمك إيه؟
الفتاة بحزن:
اسمي فؤادة.
ندا:
الله... اسمك حلو أوي يا فؤادة، ومش منتشر.
فؤادة بشرود:
بابا الله يرحمه اللي اختار لي الاسم ده.
حسنة:
هو أنتي من بلدنا يا فؤادة؟ أنا عمري ما شفتك، ولا أنتي منين؟
فؤادة بخفوت:
أنا من طنطا.
حسنة:
أنا برضه قلت كده، أنك غريبة عن بلدنا.
ندا:
وأنتي كنتي جاية زيارة لمين هنا يا فؤادة؟
فؤادة بتردد:
أنا كنت جاية أدور على شغل.
ندا باستغراب:
شغل؟ المفروض تدوري على شغل عندكم هناك في طنطا، مش في الفلاحين، هتشتغلي إيه هنا؟
فؤادة:
أي حاجة، مش هتفرق.
حسنة:
بس يا بنتي شكلك ولبسك بيقولوا أنك بنت ناس، وطريقة كلامك كمان تقول أنك متعلمة.
فؤادة:
أنا فعلًا معايا ليسانس آداب، بس محتاجة شغل.
حسنة:
طب يا بنتي ربنا يوفقك، عمومًا اشربي الشوربة ياللا، وشوية كده واشربي العصير على ما نحضر الغدا.
فؤادة بخجل:
لا لا، أنا متشكرة أوي، أنا بس أول هدومي ما تنشف همشي على طول.
ندا بمرح:
هدومك محتاجين يومين على ما ينشفوا في الجو ده.
فؤادة:
يا خبر، طب والعمل؟
حسنة بحذر:
ما أنا بقول لك يا بنتي، لو حد هيقلق عليكي كلميه وطمنيه عليكي على ما الجو يتعدل على الأقل.
فؤادة بحزن مشوب بالقلق:
ما حدش هيقلق عليا.
حسنة بفضول:
ليه يا بنتي؟ احكي لي وما تخافيش مني، أنا زي والدتك.
فؤادة بحزن شديد:
أنتي جميلك في رقبتي وعشان كده مش هقدر أكذب عليكي، أنا هربانة من أهلي.
حسنة وهي تربت على صدرها:
هربانة... ليه يا بنتي؟ كفى الله الشر.
فؤادة ببكاء:
عمي عاوز يجوزني راجل كبير غصب عني.
حسنة بحنان:
وفين أبوكي وأمك؟
فؤادة:
ماما ماتت وهي بتولدني، وبابا مات من سنتين، وعمي صمم أنه يجيبني أعيش معاه في طنطا، ومن ساعتها وكل عيشتي اتغيرت وبقى عاوز يتحكم في حياتي كلها وختمت بموضوع العريس ده كمان.
ندا:
وأنتي ما لكيش قرايب تانيين غير عمك ده؟
فؤادة:
لأ، ما عنديش، وكمان ورثي كله تحت أيده.
حسنة باستيعاب:
آه، قلتي لي بقى، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الطمع ورا كل المصايب.
ندا:
طب ما حاولتيش تفهميه أنك رافضة الجوازة دي بالراحة كده يمكن كان اقتنع؟
فؤادة بسخرية:
عمي ما بيفهمش غير في المكسب والخسارة، ما بيفرقش معاه أي حاجة تانية.
حسنة:
طب وهربتي إزاي؟
فؤادة بحزن:
الحقيقة مرات عمي ونهاد بنت عمي هم اللي ساعدوني أهرب النهاردة الفجر، بس للأسف من خوفي سيبت شنطة هدومي وخرجت أجري ونطيت في أول ميكروباص قابلني ولما لقيتني بعدت أوي وخرجت بره طنطا، خفت ونزلت من الميكروباص، وفضلت قاعدة بين الشجر وأنا خايفة، ولا عارفة أنا فين ولا هعمل إيه.
حسنة:
طب وأنتي بيت باباكي فين أصلًا؟
فؤادة:
أنا أصلًا طول عمري كنت عايشة في إسكندرية.
ندا:
يعني هترجعي إسكندرية؟
فؤادة:
ما أنا لو روحت بيتنا عمي هيرجعني تاني ويجوزني غصب عني، وعشان كده أنا مش عارفة أعمل إيه.
حسنة:
طب مش يمكن اللي عاوز يجوزهولك ده يكون راجل كويس وأنتي اللي استعجلتي بهروبك ده؟
فؤادة ببكاء:
ده داخل على الستين واتجوز وطلق ييجي عشر مرات عشان يخلف وبرضه ما خلفش، وإزاي يبقى كويس بالنسبة لي وهو أكبر مني بخمسة وتلاتين سنة؟
حسنة شاهقة:
ستين سنة؟ ليه كده حرام عليه؟
فؤادة ببكاء:
حتى مرات عمي وولاده ما قدروش يقنعوه أنه غلطان وفي الآخر ساعدوني أني أهرب لما لقينا أن ما فيش فايدة.
حسنة وهي تربت على كف فؤادة:
سيبيها على الله يا بنتي وربك إن شاء الله هيفرجها.
فؤادة وقد بدأت في نوبة من العطس والسعال:
ربنا كريم.
حسنة وهي تنهض منادية على أم إبراهيم:
أهو ده اللي كنت عاملة حسابه، لازم هتعيي من اللي حصل لك، هاخلي أم إبراهيم تعمل لك شاي بليمون وأجيب لك أسبرين على ما حسين يرجع من المستشفى ويقول لنا نديكي إيه.
ندا وهي ترفع هاتفها على أذنها:
أنا هاكلمه أقول له عشان يعمل حسابه وهو راجع.
أما بالخارج فقد ذهب جلال لتغيير ملابسه ثم عاد مرة أخرى إلى قاعة المنزل ليجد أن والدته ما زالت بالداخل، ووجد سلوى لا زالت جالسة بمكانها بانتظار جدتها وكان أدهم ابن حسين يجلس بجوارها وهو يحاول اللعب معها، وما أن رأت سلوى والدها قد جلس على المقعد، حتى نهضت من مكانها وذهبت إليه وهي تقول بترقب:
بابا، هي مين الست اللي جوه دي؟
جلال بجمود وهو يراقب ملامح ابنته التي كانت تشبه أمها إلى حد كبير:
دي حاجات كبار، روحي أنتي كملي اللي كنتي بتعمليه.
سلوى بخفوت وهي تقترب منه بحذر:
أنا عاوزة أدخل لتيته، ينفع؟
جلال:
لا ما ينفعش، عيب، روحي اقعدي مكان ما كنتي على ما تيتة تفضالك.
لتعود سلوى إلى مكانها بجوار أدهم وهي منكسة الرأس وعندما حاول أدهم اللعب معها مرة أخرى قالت له:
مش عاوزة ألعب، أنا هاقعد أستنى تيتة تيجي.
وظل جلال يراقب ردود أفعال ابنته بين مد وجزر بين أمواج مشاعره التي كانت تنحر قلبه دون إرادته، فكم من مرة عاتبته أمه على جفائه مع ابنته وأنها لا ذنب لها، وأنها يكفيها حرمانها من أمها، وكم حاولت إقناعه أن لا يدعها تنشأ يتيمة لأبيها أيضًا وهو على قيد الحياة.
ولا ينكر أن حنقه على الحياة بما فيها قد خفت حدته كثيرًا عما قبل، ولكنه أيضًا كانت تعود إليه ذكرياته مع زوجته فور النظر بعيني سلوى لكثرة شبهها بوالدتها.
السلام عليكم.
وكان هذا صوت عارف الذي قطع شرود جلال ليرد عليه السلام ويقول:
جيت بدري النهاردة يعني.
عارف:
خرجونا بدري بسبب المطرة فجيت على طول.
جلال:
حمد لله على السلامة.
عارف:
أومال الناس فين؟ وحسين جه ولا لسه؟
جلال:
حسين في السكة وأمي وندا جوه في أوضة الضيوف.
عارف:
إحنا عندنا ضيوف ولا إيه؟
ليقص جلال على عارف كل ما حدث.
عارف باستغراب:
ويا ترى تطلع مين دي؟
جلال:
الله أعلم، بس هي مش من بلدنا، لا أنا ولا عطوة شفناها قبل كده.
عارف وهو ينهض من مكانه متجهًا إلى الأعلى:
كله هيبان، ما فيش حاجة بتستخبى، أنا هأطلع أغير هدومي على ما حسين يوصل.
وما أن صعد عارف إلى الأعلى حتى خرجت حسنة من الداخل واتجهت إلى جلال وجلست بجوار سلوى وهي تقص عليه كل ما علمته عن فؤادة.
وما أن فرغت من حديثها حتى وجدت سلوى قالت لها بحزن:
يعني هي كمان ما عندهاش ماما زيي؟
ليشعر جلال بنغزة في قلبه مما قالته ابنته ولأول مرة يعلم بأنها تشعر بافتقادها لأمها.
حسنة وهي تقبل رأس سلوى بحنان:
بس أنتي عندك تيتة وعندك خالتو ندا.
جلال:
وأنتي رأيك إيه يا أمي؟
حسنة:
والله ما أنا عارفة يا ابني، أنا قلبي وجعني عليها.
عارف وكان قد عاد إليهم واستمع إلى جزء كبير من حديثهما:
قبل ما تاخدوا أي قرار، لازم تتأكدوا من صدقها الأول.
جلال بانتباه:
عندك حق، بس دي بقى هنعملها إزاي؟
عارف بتفكير:
أنا أحسن واحد ممكن يعمل الحكاية دي، سيبوا الموضوع ده عليا، بس هاتي لي منها العنوان بتاع عمها بالظبط يا أمي.
حسنة:
حاضر يا ابني، بس ربنا يستر، أحسن باين عليها هتاخد دور عيا مش سهل أبدًا، أنا سايباها عمالة تعطس وتكح على آخرها.
عارف:
إن شاء الله خير.
ليدخل عليهم حسين وهو يخلع عنه معطفه وهو يقول:
السلام عليكم، عاملين إيه؟
ليردوا عليه السلام في حين تنهض حسنة قائلة:
هتيجي تبص عليها يا حسين، عشان تلحقها قبل ما تسخن ولا حاجة.
حسين وهو يلتقط حقيبته مرة أخرى ويتوجه إلى غرفة الضيوف وهو يقول:
ياللا يا أمي تعالي.
وبعد أن دخلوا ينظر عارف إلى جلال ويقول:
هي اسمها إيه؟
جلال:
فؤادة.
عارف بابتسامة:
فؤادة...
اسمها حلو، بس يا ترى بقى حلوة زي اسمها؟
جلال بامتعاض: ما خدتش بالي واتلم عشان العيال جنبك.
عارف ضاحكًا وهو يلتقط سلوى بين يديه ويجلسها على قدميه وهو يدغدغها: فين العيال دي؟ دي حلويات بالمكسرات.
سلوى من وسط ضحكاتها: بس يا عمو، كفاية زغزغة.
عارف: لا مش كفاية، أنا مزاجي كده.
سلوى: طب زغزغ أدهم شوية.
ليمد عارف إحدى يديه ويقوم بدغدغة أدهم هو الآخر لتعلو ضحكات الصغار بشدة حتى عاد حسين من الداخل بصحبة ندى، ليسرع إليها أدهم ويرتمي بأحضانها بينما تقول سلوى لعارف: عايزة أروح لتيتة.
عارف وهو يقبلها من رأسها: هي جاية دلوقتِ.
جلال: ها يا حسين؟
حسين: ابتدت تسخن طبعًا، بس أنا اديتها حقنة تنزل الحرارة وتخليها تنام، وعلقتلها محلول، لإن واضح إنها بقالها فترة مش قليلة ما بتتغذاش كويس.
جلال موجهًا حديثه لندى: يعني عرفتوا تجيبوا بياناتها يا ندى ولا لا؟
ندى: آه يا جلال هكتبلك عنوانها في ورقة، بس يا عيني كانت بتقوللنا على عنوانها وهي مرعوبة لا عمها يعرف طريقها.
حسين باستغراب: ليه يعني؟
ندى وهي تسحب حسين من يده: تعالى عشان تغير هدومك وأنا هحكيلك على ما أم إبراهيم تحطلنا الغدا.
بعد نصف ساعة كان يلتف الجميع حول مائدة الطعام لتناول وجبة الغداء وسط أحاديثهم التي كانت تتركز حول فؤادة وعن التصرف الواجب اتخاذه حيالها.
وكانت ندى قد دونت العنوان الذي ذكرته لها فؤادة في ورقة وقامت بإعطائه لجلال الذي أعطاه بدوره لعارف.
حسين: هي البنت واضح عليها إنها بنت ناس، لكن ده ما يمنعش إننا ناخد حذرنا برضه.
جلال: هي المفروض تبتدي تفوق وتقف على حيلها امتى؟
حسين: هي هتفضل تصحى وتنام لحد بكرة الصبح إن شاء الله، بسبب الحقنة اللي اديتهالها، لكن تقف على حيلها دي مش قبل يومين.
عارف: أنا على بكرة بالليل إن شاء الله هكون جبتلكم قرارها.
جلال بتحذير: خد بالك يا عارف، أوعى حد يعرف حاجة أو ياخد باله منك وأنت بتتطقس عنها.
عارف: ما تقلقش، أنا أصلًا عادل صاحبي ساكن في نفس شارعهم ده، وأكيد هلاقيه عارف حاجة.
جلال: بس برضه من غير ما تعرفه إنها عندنا أو إنك تعرف حاجة عنها.
عارف: ما تقلقش.
حسين: وأنتِ يا أمي، خلي أم إبراهيم تبات معاها الليلة دي، عشان تاخد بالها منها.
حسنة: حاضر يا ابني، وأنا كمان هبقى أشقر عليها من وقت للتاني.
لتمضي الليلة على الجميع ما بين قلق وترقب، ليأتي الصباح لينشغل كل منهم بحياته اليومية، بينما كانت فؤادة في عهدة حسنة وندى واللتان كانتا تتناوبان على الإطلال عليها والتأكد من ثبات درجة حرارتها وانتظامها في الغذاء والعلاج، حتى أتى المساء ليعود عارف من الخارج ويجتمع بأمه وإخوته.
جلال: ها يا عارف إيه الأخبار؟ عرفت توصل لحاجة؟
عارف: الحقيقة البنت ما كذبتش في ولا كلمة، رغم إني عرفت إن عمها غني جدًا، لكن كمان اللي عاوز يجوزهولها واللي اتفاجئت لما عرفت شخصيته، إنه مش قليل أبدًا في البلد، ده يبقى عبد الجليل الهلالي.
ليهب جلال من مكانه قائلًا بحدة: الهلالي؟ وده إيه علاقته بعمها؟
عارف: اللي عرفته إنهم داخلين مع بعض شغل جديد من كام شهر، وعمها كان عاوز يزود أواصر الصلة دي فكان عاوز يجوز فؤادة.
حسين باستغراب: وأنت عرفت كل ده إزاي في الوقت القصير ده؟
عارف وهو يحك رقبته بابتسامة: من نهاد، بنت عم فؤادة.
جلال: مش دي اللي ساعدتها إنها تهرب؟
عارف: هي بعينها.
جلال: وعرفتها منين دي؟
عارف: طلعت صاحبة أخت عادل صاحبي وكانت بتزورهم بالصدفة وأنا هناك.
جلال بفضول: وقلتلها إنها عندنا؟
عارف بحرج: بصراحة لقيتها مموتة نفسها من العياط من كتر قلقها عليها وخصوصًا إنها لما مشيت ما خدتش أي حاجة معاها، فحبيت أطمنها.
ندى: طب ولما هو عاوز يشارك الراجل ويناسبه، ما جوزهوش بنته دي ليه؟
عارف بوعيد: طب يبقى يفكر يعملها كده وأنا أكله.
جلال بدهشة: ده اللي هو إزاي إن شاء الله؟
عارف بخجل: أصل بصراحة، أول مرة أشوف بنت وتشدني كده.
حسين بمرح: الله أكبر، والله ووقعت يا حبيبي وما حدش سمى عليك.
رواية فؤادة الفصل الثاني 2 - بقلم ميمي عوالي
برضة كلام ندا مظبوط، لما هو عاوز يناسبه ويقرب منه، مش كان الأولى إنه يجوزه حد من ولاده بدل الغلبانة اليتيمة دي؟
لأنه اشترط عليا إني اتنازل له عن ورثي كله قبل كتب الكتاب.
التفت الجميع لصوت فؤادة وهي تتكئ على الحائط، وهي تكاد تتهاوى أرضًا من شدة ضعفها. لينهض إليها ندا مسرعة لتساعدها على الوصول لأحد المقاعد وإجلاسها عليه، وهي تقول:
"إيه اللي قومك من مكانك بس وإنتي لسه تعبانة؟"
"أنا آسفة، سمعتكم غصب عني وأنا جاية أتكلم معاكم. سامحوني على الإزعاج اللي عملتهولكم، بس أنا لازم أمشي."
"هتمشي تروحي فين بس يابنتي دلوقتي؟"
"معلش يا أمي، أكيد إن شاء الله ربنا هييسر لي طريقي، وزي ما إيدكم ليا في تعبي أكيد هيقف جنبي للآخر."
"طب ما إحنا برضه ممكن نفضل معاكي للآخر يا آنسة فؤادة."
"تفضلوا معايا إزاي؟ مش فاهمة."
"يعني زي ما إنتي شايفة كده، البيت كبير، وممكن تفضلي معانا لحد ما صحتك تتحسن، وكمان ممكن نشوف لك شغل."
"حضرتك بتتكلم جد؟ ممكن تساعدني إني أشتغل؟"
"ممكن الأول أعرف إيه علاقة عمك بعبد الجليل الهلالي؟"
لتنظر فؤادة إلى جلال، والذي كان ينظر إليها بتركيز شديد جعل التوتر يملأ قلبها، لتعلو رعشة بسيطة على وجهها وشفتيها، وهي تقول دون أن تنظر إليه:
"أنا ما أعرفش بالظبط، لكن أنا بسمع اسمه من يوم ما عمي جابني أعيش معاه في طنطا."
"شفتيه قبل كده؟"
"مرة واحدة، لما روحت لعمي المكتب بتاعه."
"هو عمك بيشتغل إيه؟"
"تاجر، عنده مكتب استيراد وتصدير."
"وكان هيمضيكي على تنازل إزاي بقى؟"
"ده كان اتفاقه مع العريس، إني قبل ما أمضي على القسيمة… أكون ماضية عن تنازل لعمي عن كل ورثي من بابا الله يرحمه، واللي كان عمي هيعتبره مهري اللي هيقبضه من الهلالي."
"وهو يعني ورثك كبير لدرجة إنه يعمل كده عشان يستولي عليه؟"
"للأسف كتير، 135 فدان على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، بابا اشتراهم واستصلحهم من سنين طويلة، مزروعين فاكهة، ده غير عمارتين في إسكندرية. والمشكلة الكبرى إن بابا الله يرحمه من سنين وهو كل ما كان بيشتري حاجة، كان بيكتبها باسمي أنا مش باسمه، فبالتالي عمي ما ورثش من بابا ولا مليم، وده طبعًا جننه. ياريت ما كان كتب لي حاجة، بس هو كان فاكر إنه كده بيأمن لي مستقبلي. أنا عرضت على عمي ياخد نصهيبه الشرعي ويسيبني في حالي، بس هو مصمم ياخد كل حاجة."
"وهربتي إزاي؟"
"عمي كان حابسني في أوضتي من خمس أيام، يا دوب مرات عمي أو نهاد كانوا بيدخلوا لي الأكل ويقفلوا عليا تاني. مرات عمي ونهاد وسلمى بنات عمي مش موافقين أبدًا على اللي عمي عاوز يعمله، فاتفقوا معايا إن وقت صلاة الفجر أكون ربطت ملايات في بعضها ونزلتها من الشباك بتاعي، ونهاد هتفتح لي الباب وقت صلاة الفجر تهربني وتقفل باب الأوضة بالمفتاح تاني بحيث إن عمي يفكر إني هربت من الشباك وما يعملش معاهم مشاكل."
"وهو عمك في الدور الكام؟"
"في الدور التالت."
"وتفتكري يعني إنه هيخيل عليه الكلام ده؟"
"مش عارفة، ربنا يستر وما يأذيهمش."
"لا ماتقلقيش، صدق، ونهاد بتسلم عليكي وأنا طمنتها إنك بخير."
"أنا مش عارفة أشكركم إزاي."
"طب وأوراقك الشخصية موجودة فين؟"
"أنا مش معايا غير بطاقتي بس، لكن أوراقي كلها مع نهاد."
"عمومًا يا آنسة فؤادة اعتبري نفسك في بيتك وكلنا أخواتك لحد ما نلاقي حل لمشكلتك دي."
"والشغل؟"
"ما أعتقدش إن قرار الشغل دلوقتي قرار مظبوط، لأن ممكن أي حد يشوفك ويعرفك وبكل سهولة يبلغ عمك بمكانك، وكل اللي عملتيه يضيع على الفاضي."
"طب والعمل؟"
"ماتقلقيش، أكيد هنلاقي لها حل إن شاء الله."
ليخيم الصمت لبضع دقائق، لتقترب سلوى من فؤادة ببراءة وتجلس بجوارها قائلة:
"أنا كمان ما عنديش ماما زيك، بس عندي تيتة وخالة."
"يابختك بيهم، بس إنتي اسمك إيه؟"
"أنا اسمي سلوى."
"وأنا اسمي فؤادة، بس إنتي حد قال لك قبل كده إنك حلوة أوي يا سلوى؟"
"عمو عارف، دايما يقول لي إني حلوة زي البسبوسة."
ليضحك الجميع على كلام الصغيرة، وتقول فؤادة:
"بس البسبوسة بتدخل بوقنا، إنما إنتي بتخشي القلب على طول، ربنا يحفظك."
"طب إنتي هتقعدي عندنا على طول يا طنط فؤادة؟"
"لا ياحبيبتي، حبة صغننين بس."
لتأتي أم إبراهيم لتخبرهم بأنها قد جهزت العشاء، لينهض الجميع متجهًا إلى طاولة الطعام، لتقول حسنة:
"هتقدري يابنتي تقعدي معانا على السفرة ولا أخلي أم إبراهيم تجيب لك الأكل في أوضتك؟"
"الأفضل تقعد معانا عشان جسمها يتنشط شوية."
"خلاص يبقى تقعد معانا."
"اعذروني يا جماعة، أنا مش جعانة."
"إنتي بتاخدي مسكنات، فلازم تاكلي كويس عشان ما يجيلكيش هبوط."
"يالا يابنتي، ماتتنكفيش."
لتنهض فؤادة وتتجه إلى الطاولة بمساعدة ندا، وهي تحاول لملمة ملابسها حولها. فكانت فؤادة متوسطة الطول ولكنها كانت رشيقة، فكانت تبدو كالضائعة وهي بداخل ملابس حسنة، فكانت حسنة ممتلئة القوام، وعلى ما يبدو أنها قد وضعت على رأسها أحد أغطية الوسائد، والذي كانت يدها تمتد كل دقيقة إليه وهي تحاول تثبيته مكانه. وما أن جلسوا إلى الطعام، حتى نظرت لها ندا وهي تضحك بشدة وتقول:
"أنا لسه واخدة بالي دلوقتي، إنتي حاطة إيه على راسك يابنتي؟"
"كنت عاوزة حاجة أغطي شعري ومالقيتش."
"تقومي تلفي راسك بكيس المخدة؟"
"اللي لقيته قدامي."
"ولا يهمك يابنتي، عمومًا هدومك زمانها نشفت، وأنا هجيب لك من عندي كام إيشارب."
"نهاد بنت عمك قالت لي إنها هتحاول توديلك عند نادين صاحبتها كل شوية كام حاجة ليكي، وأنا هجيبهملك من عندها."
"هتعبك معايا."
"لا في دي اتعبيه إنتي بس ومالكيش دعوة، على قلبه زي العسل."
لم تفهم فؤادة مقصد حسين، ولكنها فضلت الصمت. وقد لاحظت أن جلال ينظر إليها بين الفينة والأخرى بتركيز شديد زرع في نفسها الرهبة.
في مكان آخر، كان يجلس عبد الجليل الهلالي، وهو رجل في الستين من عمره تبدو عليه القسوة، يجلس بمنزل سالم عم فؤادة وهو يتحدث معه بحدة متناهية قائلاً:
"إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله ده ياسالم؟ يعني إيه ماتعرفش فؤادة فين وإزاي ماتعرفش عنها حاجة؟"
"أهو ده اللي حصل ياعبد الجليل، صحينا امبارح لقيناها هربت."
"إنت قلت لي إنك قافل عليها بالمفتاح."
"نطت من الشباك."
"تبقى ماتت ولا اتكسرت. سألت عليها في المستشفيات؟"
"ما أعتقدش إن حصل لها حاجة، نزلت على الملايات، ما نطتش ولا حاجة. آه لو وقعت في إيدي هكسر رقبتها."
"اياك تلمسها، لما تلاقيها حسابها معايا أنا، أنا عاوزها قدامي في ظرف يومين ياسالم، إنت فاهم؟"
"أنا عاوزها أكتر منك، إنت مش فاهم، دي ممكن تعمل مصيبة وأنا ما أعرف."
"تقصد إيه؟"
"ممكن تطلع برة البلد، ولا أتفاجئ إنها باعت حاجة من أملاكها."
"هي عندها سيولة في البنك؟"
"أنا إزاي ما انتبهتش للموضوع ده؟"
"موضوع إيه؟"
"إن ممكن يبقى عندها حساب في البنك، إزاي ما جاش في بالي أسألها على الحكاية دي."
وبدأ سالم في النداء على ابنته نهاد بصوت جهوري، لتأتي إليه مسرعة وعلى ملامح وجهها قلق شديد قائلة:
"أيوه يا بابا حضرتك بتنده لي؟"
ليجذبها سالم من يدها قائلاً بحدة:
"هي فؤادة عندها حساب في البنك؟"
ليهدأ قلب نهاد من خوفه وارتعاده، وتقول بلجلجة:
"ما أعرفش يا بابا، عمرها ما جابت سيرة حاجة زي دي."
"طب غورى من وشي."
لتخرج نهاد مسرعة وهي تضع يدها على صدرها وتردد الشهادتين، لتجذبها والدتها إلى غرفتها وتغلق الباب خلفها، وتقول هامسة:
"كان عاوزك ليه؟"
"كان بيسألني لو فؤادة عندها حساب في البنك."
"أوعى تكوني قولتي له حاجة."
"لا طبعًا، قلت له إن عمرها ما جابت سيرة حاجة زي دي قدامي."
لتدخل عليهما سلمى وتغلق الباب، وتقول بهمس:
"الحقوا الحقوا."
"في إيه تاني؟"
"سمعت بابا بيقول إنه هيقدم محضر في القسم يتهم فيه فؤادة إنها سرقت فلوس من خزنته وهربت."
لتشهق نهاد وهي تضع يدها على صدرها قائلة بخوف:
"يا خبر، هي وصلت لكده؟"
"عاوز لما يلاقيها يلوي دراعها، وياتوافق على الجوازة والتنازل، ياتترمى في السجن عشرة خمسطاشر سنة."
"مافيش فايدة، أنا تعبت منه ومن سرعته على الفلوس."
"أنا مش فاهمة هو ليه ما بيفكرش إنه كان ممكن يبقى مكان عمو الله يرحمه وإحنا مكان فؤادة، يعني كان عمو ممكن يعمل فينا كده."
"عمره، عمكم طول عمره كان حقاني وبيخاف ربنا، وأديكم شايفين أبوكم عمل إيه في أخوكم لما اتخانقوا سوا بسبب الموضوع ده وبرضه ما فيش فايدة، وأديه ساب له البلد كلها ومشي، وعشان كده أنا متأكدة إن ربنا هينصف فؤادة وهيبعت لها اللي يقف جنبها."
"يارب يا ماما.. يارب."
"بس فؤادة لازم تعرف باللي ناويين يعملوه فيها عشان تاخد حذرها."
"طب أنا ممكن أكلمها في التليفون بس حد يأمنني وأنا بتكلم."
"أنا هراقب الطريق وإنتي اتكلمي بس بسرعة."
لتسحب نهاد هاتفها وتقوم بالاتصال على عارف، الذي ما أن رأى اسمها على الهاتف حتى قام بالرد على الفور قائلاً:
"السلام عليكم، إزيك يا آنسة نهاد؟"
"أستاذ عارف، ممكن من فضلك أكلم فؤادة بسرعة؟"
"حاضر ثواني، بس هو في حاجة ولا إيه؟"
"في مصيبة وفؤادة لازم تعرفها عشان تلحق تتصرف."
"مصيبة إيه، كفى الله الشر."
"لو هي جنبك خليني أكلمها بسرعة أرجوك."
ليعطي عارف الهاتف إلى فؤادة، التي وضعته على أذنها بلهفة قائلة بدموع:
"نهاد.. وحشتيني أوي، وحشتوني كلكم."
"وإنتي كمان ياحبيبتي وحشتينا أوي، بس اسمعيني بسرعة قبل ما بابا ييجي، بابا ناوي يقدم بلاغ في النيابة يتهمك فيه إنك سرقتي فلوس من خزنته وهربتي."
لتنهض فؤادة من مكانها برعب وهي تقول ببكاء:
"بس أنا ما أخدتش حاجة يا نهاد، والله ما أخدت حاجة، ما إنتي شفتيني وأنا ماشية."
"اهدّي يا فؤادة، إحنا كلنا عارفين إن ده ما حصلش وأولنا بابا، ده هو بيعمل كده عشان لما يلاقيِك يجبرك توافقي على اللي هو عاوزه، وعلى فكرة، سألني لو إنتي عندك أي حسابات في البنوك وأنا أنكرت إني أعرف أي حاجة."
"ليه كده حرام عليه، ليه عاوز يعمل فيا كده.. ليه؟"
"أنا قلت أحذرك وأول ما ألاقي فرصة إني أكلمك تاني هكلمك."
"أنا عاوزة كل أوراقي اللي معاكي يا نهاد، والباسبور بتاعي، كل حاجة وديهم لي عند نادين في أقرب وقت."
"حاضر ياحبيبتي من عينيا، بس أنا هضطر أقفل دلوقتي، مع السلامة."
"مع السلامة."
وبعد أن انتهت المكالمة، أعادت فؤادة الهاتف إلى عارف، الذي سألها بلهفة:
"إيه اللي حصل؟"
"عمي."
"عمل إيه تاني يابنتي؟"
"هيِقدم فيا بلاغ إني سرقت فلوسه وهربت."
"يا ضنايا يا بنتي، طب والعمل هتعملي إيه؟"
"مش عارفة، يارب أنا ماليش غيرك، إنت حسبي نجيني من شرهم وابعدهم عني يارب.. يارب."
"طب ما نسأل المحامي إيه أسلم حاجة ممكن تتعمل في موقف زي ده؟"
"ماتكلم المحامي وتسأله يا جلال."
لينهض جلال من مقعده ويخرج الهاتف من جيب بنطاله ويعود للجلوس مرة أخرى وهو يبحث عن رقم المحامي ويقوم بالاتصال به، وما أن رد عليه المحامي، فتح جلال مكبر الصوت وقال له:
"وعليكم السلام والرحمة، إزيك يا متر، أخبارك إيه؟"
"إزيك إنت يا جلال بيه، وأخبار أخواتك والست الحاجة؟"
"كله تمام الحمد لله، الله يبارك لك، أنا بس كنت عاوز أستشيرك في حكاية كده وعاوز رأيك."
"أؤمرني يا جلال بيه، عينيا الاتنين."
"تسلم عيونك الاتنين، بص ياسيدي."
ليقص جلال على المحامي القصة بما فيها دون أن يأتي على ذكر اسم فؤادة أو عبد الجليل الهلالي، ليسود الصمت لدقيقتين، ثم يقول المحامي:
"ما فيش غير حل واحد يا جلال بيه."
"الحقني بيه."
"إن البنت دي تسبق عمها بخطوة."
"إزاي.. فهمني."
"إنها تروح تقدم بلاغ في عمها إنه عاوز يجبرها على الجواز وبيهددها، بس اللي هيقوي موقفها إنها تبقى متجوزة فعلًا من حد تاني."
"بس هي مش متجوزة."
"ممكن تشوف حد أمين تبقى متأكدة إنه ما يستغلهاش، ويكتبوا الكتاب، بحيث إنها تبقى في مركز قوة وعمها ييأس منها ويسيبها في حالها، ولما هي اللي تقدم المحضر الأول هيبقى محضر قصاد محضر."
"ما فيش حل تاني يا متر؟"
"للأسف هو ده آمن حل بالنسبة لها عشان تقدر تتهمه بعد كده إنه مجرد بلاغ كيدي."
"متشكر جدًا يا متر، تعبتك معايا."
"تعبك راحة يا جلال بيه ولو احتجتني في أي وقت أنا تحت أمرك."
لينهي جلال المكالمة وهو يتبادل النظرات مع أخوته، ليتفاجأ بفؤادة تنهض من مكانها وهي تقول:
"أنا متأسفة جدًا يا جماعة على كل القلق اللي سببته لكم، ومتشكرة جدًا على كرمكم وحسن ضيافتكم، ولو تسمحوا لي أنا محتاجة الهدوم بتاعتي لأن لازم أمشي حالًا."
"وهتمشي تروحي فين بس دلوقتي من غير حتى ما تعرفي إنتي ممكن تعملي إيه؟"
"ما فيش في إيدي أي حاجة ممكن أعملها، وأديكم سمعتوا بنفسكم، مالهاش حل."
"بس المحامي ما قالش إن مالهاش حل، بالعكس ده قال على الحل المناسب."
"والمفروض إني في ظرف ساعة زمن أتجوز وأخد جوزي وأروح أقدم البلاغ ده، مش كده؟"
ليصمت عارف وهو يجيء النظر فيمن حوله، حتى قالت حسنة:
"طب حتى يابنتي برضه قولي لنا إنتي ناوية على إيه."
"ناوية إني ما أعملش مشاكل لحد، وهحاول أسافر وأسيبه البلد باللي فيها."
"ومش يمكن يقدر يطلع قرار بمنعك من السفر؟"
لتنظر إليه فؤادة بإحباط شديد وتقول:
"يبقى يحبسني، خلاص ما بقتش فارقة."
"اسمعي يا آنسة فؤادة، أنا ممكن أساعدك وخصوصًا إني اتأكدت من صدق كل كلمة قولتيها."
لتنظر إليه فؤادة ببعض الغضب وتقول:
"وأنا هكدب عليكم ليه بعد ما استقبلتوني في بيتكم وأكرمتوني بالشكل ده؟"
"اعذريني أنا ما أقصدش حاجة، بس ماتنسيش إننا أول مرة نشوفك أو نعرف عنك حاجة كان امبارح."
"هتساعدها إزاي يا جلال؟"
"هعمل اللي قاله المحامي."
"هتعمله إزاي يابني؟"
"هكتب كتابي على الآنسة فؤادة وأروح معاها النيابة نقدم البلاغ، وبعد ما عمها يشيلها من دماغه هطلقه."
ليخيم السكون الشديد على المكان والجميع يتبادلون النظرات فيما بينهم، بينما كان جلال يركز نظراته على فؤادة، التي ألجمت الصدمة لسانها ولم تدري بماذا ترد على هذا الجنون.
ليقطع حسين الصمت قائلاً:
"ده قرار مش سهل يا جلال."
"وكمان لازم تعرف إنك كده ممكن تفتح باب عداوة بينك وبين الهلالي."
"وده اللي لازم كلكم تعرفوه، أنا بيني وبين الهلالي تار قديم، ولو الآنسة فؤادة وافقت على اقتراحي تبقى خدمتني خدمة لا يمكن هنساهالها طول عمري."
"خدمة إيه يابني، وتار إيه ده اللي بتتكلم عنه؟"
"خدمة إني آخد تاري من الهلالي، حتى ولو كان بإني أبوظ له خططه بجوازه من واحدة عمرها أقل من عمر أولاده لو كان ربنا رزقه بأولاد. أما بقى التار اللي بيني وبينه فخلوها بعدين، بس أما أعرف رأي الآنسة فؤادة الأول."
ليتجه أنظار الجميع إلى فؤادة، التي كانت تشعر بالتيه الشديد، ولكنها قالت بجمود:
"أنا مؤمنة بشدة إن كل حاجة بتحصل لنا في حياتنا بيبقى ربنا رايد لنا بيها خير، وأكيد اللي حصلي من امبارح للنهاردة ربنا له حكمة في كل ده، وعشان كده.. أنا موافقة يا أستاذ جلال."
"تمام، جهزي نفسك على ما أبعت أجيب المأذون، واعملي حسابك إننا هنكتب الكتاب ونطلع فورًا على النيابة."
وجرت الأحداث سريعًا، ففي ظرف نصف ساعة تم عقد قران جلال وفؤادة، والتي جعلت من حسين وكيلها في عقد القران، وكان عارف وعطوة شاهدين، وطلب جلال من المأذون أن يعطيه شهادة مختومة تفيد بأن فؤادة زوجته، ووعده بأن يبعث له في اليوم التالي الصور الفوتوغرافية التي يجب أن ترفق بالأوراق.
وبعد انصراف المأذون، نظر جلال لفؤادة وقال:
"يالا بينا، المحامي مستنينا في القسم."
لتتقدم منه فؤادة وكأنها في حلم طويل لا يريد أن ينتهي، ليصحبها معه بصحبة عارف، الذي صمم على أن يذهب معهم ويتولى هو القيادة بنفسه. وما أن وصلا إلى قسم البوليس، حتى وجدوا المحامي، الذي كان رجلاً أربعينيًا يبدو عليه الدهاء، وما أن رآهم حتى ذهب إليهم محييًا إياهم بابتسامة مرحة قائلاً:
"مش كنت تقول لي إن إنت اللي هتبقى العريس، على الأقل كنت نلت شرف الشهادة على العقد."
"المرة الجاية بقى يا متر."
"طب يالا بينا، وكيل النيابة في الانتظار، أنا قدمت البلاغ من نص ساعة، بس لازم طبعًا إنتوا اللي تمضوا على المحضر بنفسكم، وكيل النيابة صديق شخصي وعشان كده حرك المحضر بسرعة وفتح التحقيق."
وبعد أن دخلوا إلى وكيل النيابة وقاموا بالإجراءات اللازمة، سأل وكيل النيابة فؤادة قائلاً:
"يعني إنتي بتتهمي عمك إنه حبسك وكان عاوز يجبرك على الجواز؟"
"أيوه يا فندم، لولا إني قدرت أهرب منه."
"وهربتي إزاي؟"
"هربت من الشباك يافندم وأنا كنت مستنيها تحت بالعربية، واخدتها ومشيت على طول."
"يعني ما كانش مقفلها عليكي أوي بدليل إنه كان سايب لك الشباك أهو."
"حضرتك عمي في الدور التالت."
"وإنتي نطيتي من الدور التالت؟"
"أنا ربطت الملايات في بعضها ودلدلتهم من الشباك فبقوا عاملين زي الحبل."
"اممم، طب وإنتي دلوقتي عاوزة تتهمي عمك بإيه بالظبط؟"
"أنا مش عاوزة أتهمه بحاجة، ده مهما كان عمي، أنا بس عاوزة آخد عليه تعهد بعدم التعدي ويسيبني في حالي، خصوصًا إني خلاص اتجوزت."
"مش هو لوحده اللي يمضي التعهد حضرتك، هو وعريس الغفلة كمان، عبد الجليل الهلالي."
"تمام، هعمل لهم استدعاء وكل حاجة هتخلص بكرة إن شاء الله."
لينهض جلال وفؤادة ليشكروا وكيل النيابة ويتجهوا إلى الخارج بصحبة المحامي، ويشكروه وينصرفوا عائدين بصحبة عارف.
وفي السيارة…
"وإنتي ليه ما اتهمتيش عمك إنه عاوز يستولي على أملاكك؟"
"عشان خاطر مرات عمي وبنات عمي، وبابا الله يرحمه، ومهما كان ما ينفعش إني أعمل كده."
"بس أنا كده شايف إن البلاغ اللي عملناه ما منه فايدة."
"بالعكس يا جلال، دلوقتي لما يعملولهم الاستدعاء لو عمها حب يتهمها بالسرقة، هيبقى معروف إن البلاغ مجرد نكاية فيها وخصوصًا إنها سايبة البيت من امبارح، يعني المفروض لو كلامه حقيقي كان بلغ من ساعتها."
"كلام منطقي، عمومًا من هنا لحد ما يستدعوهُم، هنعرف كل حاجة."
ليعودوا إلى المنزل، ليدلف عارف وفؤادة، ويظل جلال بالخارج وهو يملي على عطوة بعض التعليمات الخاصة بالحراسة. فقد طلب جلال من عطوة أن يقوم بزيادة عدد الغفراء حول المنزل والأراضي ويقوم بتسليحهم، فهو يعلم جيدًا بأن وقوفه بوجه الهلالي سيجلب له العديد من المشاكل، ولكنه كان يحاول الاستعداد لها جيدًا.
وعندما لحق بأخيه وفؤادة إلى الداخل، وجد الجميع يجلسون بانتظاره في حالة صمت وترقب. وما أن ألقى السلام، وجد ندا تقف فجأة وتتجه إلى الأعلى دون أن تنبس بأي كلمة، ولكنها في منتصف درجات السلم، تقف وتلتفت إلى جلال وتقول في جمود:
"مبروك يا جلال."
ثم التفتت مرة أخرى وأكملت صعودها، ولكن هذه المرة وهي تعدو بشدة. لينظر جلال إلى أمه وحسين باستفهام قائلاً:
"هي ندا ماله؟"
لينهض حسين هو الآخر متجهًا إلى الأعلى وهو يقول:
"ما تاخدش في بالك، تصبحوا على خير."
"أنا حاسة إني قلبتلكم حياتكم وشقلبتلكم حالكم."
"ما تقوليش كده واعتبري نفسك في بيتك، ويا ريت لو تروحي تستريحي لأن شكلك لسه تعبان."
لتومئ فؤادة رأسها وتقول وهي تتجه إلى غرفة الضيوف مرة أخرى:
"أنا متشكرة أوي على كل حاجة، تصبحوا على خير."
"وإنتي من أهله."
"مالها ندا يا أمي، إيه اللي حصل؟"
"ماتاخدهاش يابني، هي بس افتكرت أختها."
"وهو من إمتى كنا نسيناها يا أمي."
لتنهض حسنة وتربت على كتف ابنها وتقول:
"أنا هروح أنام، اليوم كان طويل أوي علينا كلنا... تصبحوا على خير."
"وإنتي من أهل الخير."
"افهم بقى إيه الحكاية بالظبط، واعمل حسابك إني مش هسيبك قبل ما أفهم كل حاجة."
رواية فؤادة الفصل الثالث 3 - بقلم ميمي عوالي
جلال: وايه اللي انت عاوز تعرفه؟
عارف: إيه اللي بينك وبين عبد الجليل الهلالي يا جلال؟
صمت جلال وهو ينظر إلى اللا شيء، ويبدو على ملامحه الغضب الشديد وهو يعض على نواجزه بقوة. ليقف عارف أمامه قائلاً بتوجس:
"إيه يا جلال؟ ضايقك في إيه خلاك كارهه للدرجات دي؟ وتار إيه ده اللي ليك عنده ومن إمتى؟ وإزاي إحنا مانعرفش؟"
قاطعه جلال بغضب:
"كفاية يا عارف، كفاية. أنا مش عاوز أتكلم في الموضوع ده دلوقتي."
عارف بتصميم:
"وأنا مش هسيبك غير لما أعرف كل حاجة."
لوي جلال كفه بغضب ورفعها أمام وجهه وهو يقول:
"مش هيهدالي بال لحد ما أنتقم منه ابن الهلالي."
عارف بفارغ صبر:
"طب مش تفهمني عمل لك إيه بالظبط؟"
قال جلال وهو ينظر لصورة هدى المعلقة على الجدار:
"قتلها يا عارف، هو اللي قتلها. كانت عربيته، وكان سايقها بنفسه، وعمل عملته وجرى زي الندل، ما فكرش حتى يبص وراه ويشوف مين مات ومين حي."
اتسعت عينا عارف بصدمة وهو يقول:
"وإنت عرفت منين إنها عربيته؟ إنت مش قلت في التحقيقات وقتها إنك ماشفتش العربية بسبب المطر والضلمة؟"
أخذ جلال نفسه على وتيرة متهدجة وهو يقول بغل:
"ده لأني وقتها فعلًا كنت مشوش ومش مركز غير في اللي حصل لهدى وحصلي."
عارف باستغراب:
"أومال عرفت الكلام ده إزاي؟ أنا مش فاهم حاجة."
قال جلال وهو يجلس وكأنه يتذكر شيئًا ما:
"بعد الحادثة بفترة طويلة، بعد ما ابتديت إني أقدر أحرك رجلي، وبدأت أنزل الجناين من تاني، لقيت واحد من الفلاحين اللي طلعونا من العربية يومها وكلموا الإسعاف بيديني نمرة عربية واكصدام وبيقول لي إنه ما عرفش يجيبهم لي قبل كده، وكان فاكرهم بتوع عربيتي."
"عرفت على طول إنهم وقعوا من العربية اللي خبطتنا، فاخدتهم وكشفت على نمرة العربية وعرفت إنها بتاعة الهلالي، وإن عربيته راكنها من فترة ما بيستخدمهاش واشترى عربية غيرها. ولما سألت هنا وهناك عرفت إنه قال إنها اتخبطت منه في القاهرة وهو هناك."
عارف:
"طب والراجل اللي لقاهم ده ما حاولش يجيبهم هنا ليه؟ أو حتى كان أداهم لعطوة؟"
جلال:
"لما سألته قال لي إنه لما شالهم من السكة ركنهم عنده في البيت، ولما عرف اللي حصلي وحصل لهدى، قال في نفسه إن خلاص على كده، وإن ما منهمش فايدة، ورماهم فوق سطوح بيته مع الكراكيب. لكن بعد كده وهو بيجيب حاجات من على سطوح بيته.. عتر فيهم تاني فقرر إنه يجيبهم لي."
عارف:
"بس مش يمكن تكون غلطان يا جلال ويكون حصل لبس في الموضوع؟"
جلال:
"لأ يا عارف، لأني روحت لغاية بيته وشفت العربية واتأكدت إنها هي نفس العربية اللي خبطتنا. يمكن الدنيا كانت مطرة وضلمة بصحيح، لكن لحظة الخبطة أنا كنت باصص في المراية وشايف شكل العربية، لأنه كان عمال يديني في كلاكسات وعاوز يعدي منى بأي طريقة، وأنا المطرة ما كانتش مساعداني إني أوسع له وهو ما كانش عاوز يستوعب ده."
عارف:
"طب ليه ما بلغتش؟"
جلال باستهزاء:
"وهعمل إيه بالبلاغ وأنا متأكد إنه يقدر يطلع منها زي الشعرة من العجين. الهلالي مش قليل وهيبقى له ألف طريقة وطريقة عشان يفلت منها. أنا هاخد تاري بنفسي يا عارف."
عارف:
"وهو جوازك من فؤادة هياخد تارك منه يا جلال؟"
جلال بغل:
"لما يبقى الست اللي هيموت عليها في إيدي وأقدر ألعب بيها بمزاج."
عارف بغضب:
"وذنبها إيه الغلبانة اللي سلمت لك أمرها دي إنك تستغلها في تخليص حساباتك معاه يا جلال؟ بقى هي دي الشهامة اللي كنت دايما بتتكلم عنها؟"
جلال بغضب:
"ومين قال لك إن حد هيدوس لها على طرف؟"
عارف:
"أومال تسمي اللي ناوي تعمله ده إيه إن شاء الله؟"
جلال:
"بقول لك إيه يا عارف، أنا مش بحكيلك عشان تحاكمني."
عارف بهدوء:
"اسمع يا جلال، أنا مش هقول لك غير إن البنت يتيمة، بلاش تحسسها إنها طلعت من حفرة عشان تقع في دوحيرة."
جلال:
"إنت فاكر إني ممكن أعرضها لحاجة تمسها أو إنها ممكن تحس أصلًا بحاجة؟ أنا شغلي وكلامي كله معاه هو."
عارف:
"وهو يعني ده اللي هيخليك تبقى أخذت تارك منهج؟"
جلال بتنهيدة:
"لأ يا عارف، أنا مجرد إني بس بضايقه، لكن تاري منه قرب أوي. لو تعرف أنا بخطط له بقالي قد إيه."
عارف:
"بلاش تتهور يا جلال، وأوعاك تنسى إن لو لا قدر الله حصل لك أي حاجة، إن أمك ممكن تروح فيها."
جلال:
"ماتقلقش، أنا كل الحكاية إني هرجع الحقوق لأصحابها."
عارف:
"مش فاهم."
نهض جلال من مكانه وهو يتجه للأعلى وهو يقول:
"كفاية عليك كده يا عارف."
ليذهب عارف ورائه مسرعًا وهو يمسك ذراعه ويقول بصدق:
"اوعدني تاخد بالك من نفسك وإنك في أي لحظة تحتاجني فيها تبلغني على طول."
ليبتسم جلال ويستدير إلى أخيه ويحتضنه بشدة مربتًا على ظهره وهو يقول:
"أوعدك."
***
في صبيحة اليوم التالي، كانت حسنة تجلس في ساحة المنزل وهي تجيب على أسئلة أم إبراهيم عن نوعية الإفطار وتحضيره بين وقت وآخر وهي في انتظار استيقاظ باقي أفراد أسرتها.
وعندما سمعت صوت حركة آتية من الأعلى، رفعت نظرها لتجد ندا وهي تهبط بخطوات يبدو عليها الغضب وهي تحمل ليلى الصغيرة وهي تعض على أصابعها.
ندا بجمود:
"صباح الخير يا مرة عمي."
حسنة:
"صباح الخير يا حبيبتي، مالك يا بنتي؟"
ندا بتأفف:
"مافيش."
حسنة:
"اسمعي يا ندا، إنتي عارفة كويس أوي أنا كنت بحب هدى قد إيه، وقد إيه حزنت عليها، ولسه حزينة عليها لغاية النهارده، وهفضل حزينة عليها عمري كله. وكمان جلال، أنا ما أفتكرش أبدًا إني شفته بيضحك مرة واحدة من بعدها. وأوعي تنسي إنه حتى كان رافض يتعالج بعد الحادثة لولا إخواته اللي ما سمحولوش إنه يعمل كده. أوعي تنسي إن يمكن يكون حسين اتجوزك لأنه بنت عمه، لكن جلال اتجوز هدى لأنه طول عمره كان بيحبها من وهي لسه بضفاير. لكن يا بنتي أوعاكي تنسي أبدًا إن ده نصيب وحكمة ربنا، وإن جلال لسه بعزه ومن حقه إنه يتجوز وقت ما يحس إنه عاوز يتجوز، ماحدش أبدًا يقدر يلومه ولا يمنعه."
"صحيح اللي حصل امبارح ده كان مفاجأة لينا كلنا، وإنه ما يعتبرش جواز بالمعنى المعروف، وإن ماحدش فينا متوقع إن الجوازة دي هتطول عن شهر ولا اتنين بالكتير. لكن ده يعتبر إنذار ليكي يا بنتي، إن اللي ما حصلش النهاردة وارد أوي يحصل بكرة أو بعده. وماتزعليش مني يا بنتي، إنتي ما تقدريش تحجري عليه. أنا ما رضيتش أتكلم امبارح قدام جوزك عشان ما يحصلش مشكلة، بس قلت أوعيكِ بيني وبينك."
كانت ندا تستمع لزوجة عمها بامتعاض شديد ولكنها آثرت الصمت وعدم النقاش، فهي تعلم جيدًا حب جلال وإخلاصه لشقيقتها، وأنه لن يستطيع نسيانها أبدًا طوال حياته.
وبعد ثوانٍ قليلة بدأ الجميع في الهبوط لتأتي أم إبراهيم هي الأخرى لإبلاغهم بأن الإفطار قد صار جاهزًا.
وقبل أن يتجهوا لتناول الإفطار قال عارف:
"طب ندهتوا على فؤادة؟"
حسنة:
"أنا هروح أندهلها وأشوفها كده، يمكن لسه نايمة."
حسين وقد بدأ في تناول الطعام بالفعل:
"صحيها يا أمي وخليها تاكل عشان الأدوية بتاعتها."
وعندما طرقت حسنة على الباب ولم يأتها رد قامت بفتح الباب بهدوء لتجد فؤادة ساجدة في صلاتها، لتعود إلى الخارج وهي تغلق الباب وراءها مرة أخرى. وعندما ذهبت إليهم سألها عارف:
"إيه.. لسه نايمة؟"
حسنة:
"لقيتها بتصلي، كلوا يلا وأنا هخلي أم إبراهيم تندهلها كمان شوية."
وبعد دقيقتين وجدوا فؤادة تأتي إليهم بخجل وهي تقول:
"صباح الخير."
ليرد الجميع:
"صباح الخير."
حسنة:
"يلا يا بنتي اقعدي عشان تاكلي قبل الفطار ما يبرد."
عارف بود:
"المفروض تتعاملي كأنك في بيتك يا فؤادة وما تتكسفيش من حد فينا، إنتي بقيتي واحدة منا."
لتنظر له فؤادة بامتنان قائلة بخفوت:
"الله يكرمك، متشكرة."
ليسود الصمت المكان لا يقطعه غير صوت احتكاك أدوات المائدة ببعضها أثناء الطعام.
وبعد أن انتهى جلال من طعامه نظر إلى فؤادة وقال بجمود:
"كنت عاوز أتكلم معاكي في موضوع."
فؤادة بخفوت:
"اتفضل."
لتتنحنح جلال ويقول:
"أفضل إن الكلام يبقى بيني وبينك."
لتنهض فؤادة وتقول وهي تشبك أناملها باضطراب:
"أنا تحت أمر حضرتك."
لينادي جلال على أم إبراهيم بصوت جهوري قائلاً:
"هاتي لي القهوة في الجنينة يا أم إبراهيم."
أم إبراهيم من الداخل:
"حاضر يا سي جلال."
ليذهب جلال من أمام فؤادة لتسير وراءه لتلاحظ وللمرة الأولى إصابة قدمه، لكنها تلاحظ أيضًا شيئًا آخر، فقد أحست بغضبه من عنف خطواته لدرجة رجفت قلبها، فهي لم تنم ليلتها بسبب ما حدث في اليوم السابق من أحداث، وكانت لا تعلم إن كانت قد فعلت الصواب أم أنها تصرفت برعونة وبدون تفكير جيد على عكس عادتها، فقد اعتادت دائمًا أن تدرس تفاصيل أمورها جيدًا واتخاذ قراراتها بعد تفكير عميق. وعندما كانت تعجز في بعض الأحيان عن اتخاذ قرار ما، فإنها كانت تلجأ لصلاة الاستخارة.
ولكنها هذه المرة لم تفعل أي شيء من كل ذلك، ولذلك عندما عادت إلى غرفتها قررت أن تقضي ليلتها في الصلاة والابتهال إلى الله أن يجعل في تصرفها خيرًا لها.
وصل جلال إلى الحديقة ووقف عند مائدة من الخوص وحولها عدة مقاعد من نفس الهيئة وجلس على أحدهم وهو يشير لفؤادة بالجلوس أمامه، فجلست فؤادة على حافة المقعد وكأنها تتأهب للهرب في أي لحظة.
ليتحدث جلال فجأة قائلاً:
"طبعًا اللي حصل امبارح ده ما كانش على بالك ولا على بالي أنا كمان، كل شيء حصل بسرعة لدرجة إننا ممكن نكون لحد دلوقتي مانعرفش أسامي بعض كويس، وطبعًا ماينفعش إننا نبقى كده عشان الوضع اللي إحنا فيه."
لتقول فؤادة بخجل:
"أنا اسمي فؤادة سليم المنياوي، عمري 25 سنة، خريجة آداب إسكندرية لغات شرقية. أمي ماتت وهي بتولدني، وبابا الله يرحمه وهب عمره كله لتربيتي. كان ليا أب وأم، كان زمان مشارك عمي سالم في شركة استيراد وتصدير، بس بعد فترة بابا فض الشركة لأنه ما استراحش في التعامل مع عمي، وقرر إنه يمشي في اتجاه تاني خالص بعيد عنه. فقرر إنه يشتري أرض ويستصلحها، وفعلاً ابتدى الأول بعشر فدادين وشوية شوية بقوا 135 فدان، كلهم فاكهة، وبيصدرها بره، واشترى أرض وبنى عمارة والعمارة بقوا عمارتين."
"عمي حاول أكتر من مرة إنه يخلي بابا يدخله شريك معاه في الأرض والعماير، بس بابا رفض، وقال له خلينا إخوات أحسن وما تدخلش الفلوس بيننا تاني."
"وفضل الحال على ما هو عليه لحد خمس سنين فاتوا لما اتفاجئت إن كل أملاك بابا بالكامل باسمي حتى عربيته. ولما سألت بابا عن السبب قال لي إنه بيوفر عليا مشاكل كتير ممكن أتعرض لها بعد موته، ما كانش يعرف إن اللي عمله ده هو اللي هيجيب لي كل المشاكل."
جلال:
"إيه اللي حصل؟"
فؤادة:
"بعد ما خلص العزا بتاع بابا، عمي قال لي إني لازم ألم كل الأوراق اللي تخص شغل بابا وأديهاله، عشان يقدر يشوف مصالحي وما فيش حاجة تتعطل، خصوصًا إن المحصول كان بيتصدر أول بأول. وأنا صدقته، وكنت فاكراه خايف على مصالحي بجد. لما حاولت أجمع الأوراق دي اتفاجئت إن كل الأوراق اللي موجودة مجرد صور مش أصل."
"جمعتهم كلهم في ظرف وأديتهاله وأنا بفهمه إن دي كل الأوراق اللي لقيتها في البيت."
وعندما صمتت فؤادة قال جلال يحثها على استكمال حديثها:
"وبعدين.. حصل إيه بعد كده؟"
لتتنهد فؤادة بحزن وتقول:
"أخد مني الظرف بفرحة شديدة جدًا وفتحه وابتدى يطلع العقود عقد ورا التاني، وكان كل ما يبص على عقد الاقيه بيبرق بغضب وهو بينقل عيونه بين العقود وبينى لحد ما فجأة قام من مكانه وشدني من دراعي بغل وهو بيقول لي بنرفزة: 'إيه الهبل اللي إنتي جايباهولي ده؟ معناته إيه الكلام ده؟ وفين أصول الأوراق دي؟ وإزاي أبوكي يعمل كده؟ و.. و.. و..' قال كلام كتير أوي وقتها وسأل أسئلة أكتر من غير ما يديني أي فرصة إني حتى أرد بكلمة واحدة. لكن بعدها لقيته ساب دراعي وسألني عن المحامي بتاع بابا."
"أنا ماعرفش هو عمل إيه بالظبط مع المحامي، بس اللي عرفته إنه أخد منه كل أصول الأوراق، وصمم إني أجي أعيش معاه في طنطا. ومن يومها وأنا شبه محبوسة، مش بخرج من البيت غير معاه أو مع نهاد وسلمى، وساعات مرة عمي. والحقيقة هما اللي خففوا عني اللي كان بيحصل لأنهم كانوا متعاطفين معايا جدًا، لحد ما حصل اللي حصل من شهرين بالظبط."
جلال:
"وإيه اللي حصل؟"
فؤادة:
"عمي كان عازم ناس عنده في البيت عشان شغل بينهم وبينه، واتفاجئت بعمي بعت لي إنه عاوزني، فلبست وخرجتله من غير ما أحاول أبص على حد من اللي موجودين. لقيته أداني ورقة في إيدي وسألني إن كنت أفهم اللي فيها. لقيتها فاكس من اليونان بيتكلموا فيه عن معاد شحنة معينة، فبلغته باللي فيها وسيبتهم ورجعت أوضتي تاني يوم لقيته بيتصل من مكتبه وطلب من نهاد إنها توصلني ليه في مكتبه لأنه محتاجني في حاجة."
"ولما روحناله شفت عنده الهلالي، كان قاعد معاه في المكتب وعرفت بعد كده إنه كان موجود عند عمي لما ترجمت له الفاكس. لقيت عمي بيديني نفس الفاكس وبيطلب مني إني أقرأه له من تاني، فقريته له. لقيت الهلالي بيضحك لي وبيسألني إزاي قدرت أترجمه فحكيت له إني دارسة يوناني وعبري في الجامعة. قعد يتكلم معايا كتير أوي، وأنا كنت برد عليه بسلامة نية، ما كنتش أعرف إن عمي موديني مخصوص ليه عشان يعاين البضاعة."
جلال:
"وعرفتي منين الكلام ده؟"
فؤادة والدموع تملأ عينيها:
"بعد ما خلص كلام معايا لقيته بص لعمي وقال له.. 'على البركة'. لقيت عمي فرح أوي وقال لي مبروك يا فؤادة. قلت له على إيه يا عمي؟ قال لي عبد الجليل بيه طلبك مني وأنا وافقت."
جلال بفضول:
"وعملتي إيه ساعتها؟"
فؤادة:
"غضبت وثورت وقلت كلام كتير أوي مش فاكرة منه غير قلم من عمي على وشي جرح لي شفايفي ومناخيري نزفت بسببه."
جلال وهو يجاهد لكبت غضبه:
"وحصل إيه بعد كده؟"
فؤادة بسخرية:
"الهلالي بيه قال لعمي.. 'واضح إن ضوافرها محتاجة تتقص، هسيبهالك شوية على ما تقصها لها.. أكون رجعت من برة'."
"يومها عمي رجعني البيت مسحوبة من دراعي، ورماني في أوضتي وهو بيتوعد لي بعقاب جسيم لو ما سمعتش كلامه. كنت بتلاشاه تمامًا طول فترة وجوده في البيت، لحد أسبوع فات لقيته جالي أوضتي وبلغني إن الهلالي رجع من السفر وإن جوازي في خلال أسبوعين. ولما اعترضت من تاني كان مصيري نفس القلم على وشي وحبسني في أوضتي وحرج على أي حد إنه يدخل عندي إلا بإذنه وفي الأوقات اللي هو يحددها. وقرر إن الأكل يدخلي مرة واحدة في اليوم وفي وجوده، وكانوا طبعًا بيعملوا اللي بيقول لهم عليه لأنهم ما يقدروا يعارضوه. لحد يوم ما هربت، اتفاجئت بحد بيحاول يفتح الأوضة، وفي الوقت ده أنا كنت عارفة إن عمي في الشغل، ولقيت بعد شوية مرة عمي ونهاد وسلمى قدامي، وعرفت منهم إن سلمى أخدت المفتاح من غير ما عمي ياخد باله وعملت عليه نسخة، وحكوا لي إن عمي خلاص اتفق على كتب كتابي مع الهلالي، وإنه هيمضيني على تنازل عن كل أملاكي قبل كتب الكتاب. وقالوا لي إني لازم أهرب وما أسيبهوش أبدًا ينفذ اللي ناوي عليه، واللي حصل بعد كده إنتوا كلكم عارفين."
ساد الصمت لفترة فيما بينهم لا يقطعه غير بعض شهقات مكتومة من فؤادة على أثر بكائها أثناء الحديث، ومع كل شهقة كان جلال يتجه بنظره إليها بغيظ من عمها ومن الهلالي. وأثناء جلوسهم تأتي عليهم سلوى وهي ممسكة بشريط شعرها وتتجه إلى فؤادة قائلة بخفوت:
"طنط فؤادة."
فؤادة:
"إيوة حبيبتي."
لتمد سلوى يدها بالشريطة إلى فؤادة وهي تقول:
"ممكن تلميلي شعري؟ ليلى فكتهولي وما عرفتش ألمه تاني."
لتأخذها فؤادة على قدمها وهي تسألها بخفوت:
"عاوزة شريطة واحدة ولا اتنين؟"
سلوى:
"هو ينفع اتنين؟"
فؤادة بحنان:
"وتلاتة كمان لو تحبي. ها عاوزة إيه؟"
لتنهض سلوى من على قدم فؤادة وهي تقول:
"طب هروح أجيب لك باقي الشرائط عشان تعملي لي شرايط كتير."
فؤادة بضحك:
"بس مش هينفع كتير أوي، هو أكتر حاجة أربعة، بس إنتي هاتي الشرائط نفس اللون وهاتي الفرشة."
سلوى وهي تتجه بسرعة للداخل:
"ماشي."
ليسود الصمت مرة أخرى وما هي إلا لحظات وعادت سلوى بشرائطها وفرشاة شعرها، وانشغلت فؤادة بتمشيطه لها وتجديله ووضعت به الشرائط بطريقة طفولية محببة، وكم كانت سعادة سلوى عندما نظرت لوجهها بالمرآة وقالت لفؤادة بسعادة:
"أنا شكلي بقى حلو خالص، ممكن بعد كده إنتي تعملي لي شعري كل يوم؟"
فؤادة:
"إن شاء الله، من عينيا يا حبيبتي لو أنا موجودة حاضر هعملهولك."
كان جلال يجلس مقابلًا لهم طوال الوقت وهو يركز نظره على ابنته وتعبيرات وجهها التي كانت تشبه والدتها إلى حد بعيد. وبعد أن انتهت من تمشيط شعرها ناداها جلال وقال:
"لسه عاوزة تركبي معايا الكاريتة؟"
سلوى بشهقة طفولية:
"بجد يا بابا، هتركبني معاك؟"
جلال:
"أيوه بجد، تعالي يلا، هنروح جنينة البرتقان."
سلوى وهي تتجه إليه:
"طب أقول لتيتا عشان ما تدورش عليا."
جلال وهو يمسكها من كفها ويتجه إلى الخارج:
"طنط هتبقى تقولها لي."
ليتركا فؤادة جالسة بمكانها وهي تشاهد انصرافه مع ابنته وهي تحدث نفسها قائلة بحيرة:
"هو ماله بيتعامل معايا كده ليه، أكنه مغصوب على اللي عمله، إشحال إن ما كانش هو اللي اقترح إنه يتجوزني."
لتنظر فؤادة إلى السماء وتقول:
"يارب، أمري كله بإيدك، يسر لي حالي وأصلح لي بالي، وابعد عني كل شر واحفظني دايما بخير، أنا ماليش غيرك."
لتسمع صوت حسنة من خلفها وهي تقول:
"الله، إنتي قاعدة لوحدك ليه يا بنتي، وجلال راح فين؟"
لتجد ندا هي الأخرى قادمة من خلف حسنة وهي تحمل ليلى بين ذراعيها وتقول:
"ماشفتيش سلوى يا مرة عمي؟"
لتقول فؤادة ردًا على سؤاليهما:
"استاذ جلال أخد سلوى وراحوا جنينة البرتقان."
حسنة بسعادة:
"بجد يا بنتي؟"
فؤادة:
"ده اللي اتقال قدامي، حتى سلوى كانت عاوزة تدخل تبلغ حضرتك بس باباها قال لها إني هبلغك."
كانت ندا تنظر لفؤادة بوجه خالٍ من التعبير وكانت عيناها تنتقل بين وجه فؤادة ويدها التي تمسك بفرشاة شعر سلوى. وبعد أن فرغت فؤادة من حديثها سألتها ندا بجمود:
"مش الفرشة اللي في إيدك دي بتاعة سلوى؟"
فؤادة بابتسامة:
"آه هي.. جابتهالي عشان أسرح لها شعرها ومشيت مع باباها قبل ما ترجعها مكانه."
لتمد ندا يدها لتنتزعها من يد فؤادة ببعض العنف الذي استغربته فؤادة وقالت:
"ياريّت ما تتكررش تاني، أنا بسرح سلوى كل يوم وعارفة هي بتحب إيه."
فؤادة باستغراب:
"هي بس جات لي وشعرها مفكوك وقالت لي إن ليلى فكتهولها وطلبت مني ألمها لها."
ندا:
"لأ، لو اتكررت تاني قوليلها تيجي لي وأنا هتصرف."
لتصمت فؤادة بينما قالت حسنة:
"سلوى مسيرها تكبر وتعتمد على نفسها يا ندا، مش هتفضلي طول عمرك محلقة عليها."
لتنظر لها ندا بامتعاض وتعود إلى الداخل مرة أخرى تاركة ابنتها تلهو في الحديقة بجوار فؤادة وجدتها.
بعد لحظات تنهض حسنة وتتجه إلى الداخل وهي تقول:
"هسيبك شوية يا بنتي وأروح أشوف أم إبراهيم عملت إيه."
لتظل فؤادة في مكانها وهي تراقب ليلى أثناء لعبها بعد أن انضم إليها شقيقها أدهم، وأخذوا يجرون ويلهون سويا تحت مراقبة فؤادة لهم.
بالداخل، ما إن دلفت حسنة إلى المنزل حتى نادت على ندا التي كانت سبقتها منذ لحظات وعندما أتت بجوارها قالت حسنة:
"يعني الكلام اللي قلتهولك الصبح ده ما منهوش فايدة؟"
ندا بجمود:
"تقصدي إيه يا مرة عمي؟"
حسنة بهدوء:
"يا بنتي إحنا البيت ده الحمد لله عمره ما حصل فيه أي مشاكل بين أي حد والتاني، لزمته إيه الكلمتين اللي قلتي هم للبنت دلوقتي؟ هي كانت عملت إيه؟ ثم إنتي المفروض بدل ما تزعلي إنها سرحتلها شعرها، تفرحي إن جلال أخد سلوى معاه. ثم ربتت بحنان على كتفها قائلة.. ربنا يطيب قلبك يا بنتي."
لم ترد ندا عليها بحرف واحد، بينما انتهت حسنة من حديثها وتركتها متجهة إلى المطبخ، لتجلس ندا مكانها وهي تردد في نفسها.. "بس أنا برضه عمري ما هسمح له يجيب لها مرة أب، حتى لو كانت ملاك نازل من السما، ولا حتى لو كان فترة مؤقتة."
وما هي إلا دقائق حتى سمعوا بكاء ليلى وصراخ أدهم وهو ينادي على جدته وأمه، لتهرع ندا إلى الخارج لتجد فؤادة ملقاة على الأرض وهي تحتضن ليلى في حين يجلس أدهم بجوارها أرضًا وهو يحاول انتزاع ليلى من أحضانها دون فائدة.
صرخت ندا وهي تسرع إليهم وهي تقول:
"إيه اللي حصل.. في إيه؟"
أدهم وهو يبكي:
"ليلى كانت عمالة تتشعبط في السور، وكانت عاوزة تطلع عليه ومش عارفة، فأنا شيلتها عشان أطلعها عليه، فستانها شبك في الحديد، فطنت جت جرى عشان تسلك لها هدومها، ما عرفتش تسلكه غير لما رفعت ليلى لفوق أوي، وليلى خبطتها جامد في راسها وهي شايلها لقيتها وقعت على الأرض كده ومش بترد عليا."
ندا بعد أن انتزعت ليلى من بين يدي فؤادة وقامت بتهدئتها حتى سكتت عن البكاء:
"طب خلاص، ماتخافش وبطل عياط."
وفي تلك الأثناء كانت وصلت إليهم حسنة وأم إبراهيم، ليسرعوا إلى فؤادة الملقاة أرضًا بجانب ندا التي كانت تعطي كل اهتمامها لإسكات صغيرتها دون الالتفات إليها.
حسنة بلهفة:
"إيه اللي حصل يا ندا؟"
ندا بهدوء:
"أبدًا، ليلى كانت بتتشعبط في السور وفؤادة حاشتها."
حسنة بعدم فهم وهي تربت على وجه فؤادة في محاولة لإفاقتها:
"وإيه اللي خلاها اغمى عليها كده؟"
ندا وهي على نفس هدوئها:
"رجل ليلى خبطتها في راسها الظاهر."
حسنة بغيظ:
"يابرودك، طب ما تشوفي كلونبا ولا أي حاجة نفوقها بدل ما إنتي قاعدة كده ولا على بالك."
ندا وهي تنهض من جوارهم حاملة طفلتها وتتجه إلى الداخل:
"خلي أم إبراهيم تجيبلها بصلة تفوقها بيها."
أسرعت أم إبراهيم إلى الداخل وعادت بزجاجة نشادر ومررتها أمام وجه فؤادة من تحت أنفها لتتأوه وهي تحرك رأسها قليلاً لتقول حسنة وهي تربت على وجهها:
"فوقي يا بنتي، ألف سلامة عليكِ."
لتفتح فؤادة عينيها ببطء وهي تنظر حولها وتقول:
"ليلى حصل لها حاجة؟"
حسنة بتنهيدة:
"لأ يا بنتي، ليلى بخير الحمد لله. هي بس اتخضت وعيطت شوية وخلاص. بس هو إيه اللي حصل؟"
فؤادة:
"فستانها اتقطع وشبك في السور، فكان لازم أرفعها أوي عشان أسحبهولها، بس هي خافت وقعدت ترفص برجلها، فحرف جزمتها جه في راسي فما حسيتش بحاجة بعدها."
حسنة بحنان:
"سلامتك يا بنتي ألف سلامة، قومي روحي اغسلي وشك وغيري هدومك على ما أجيب لك تلج تحطيه على قورتك أحسن ورمت مطرح الخبطة."
لتنهض فؤادة معهم بحذر وما إن اعتدلت في مكانها حتى سمعت صوت يناديها بغضب قائلاً:
"بقى هي دي تربية سليم يا ست فؤادة."
رواية فؤادة الفصل الرابع 4 - بقلم ميمي عوالي
التفتت فؤادة برعب وهى متسعة العينين لتجد عمها سالم ينظر إليها بغل من وراء السور الحديدي.
وما إن رأته فؤادة حتى قالت بهلع:
"عمي."
"أيوه عمك يا هانم يا متربية، بقى بتهربي وتتجوزي من ورايا يا فؤادة، حطيتي رأسي ورأس أبوكي في الطين، ده انتي تستاهلي القتل على عملتك السودة دي."
تتوارت فؤادة خلف حسنة وكأنها تتحامى بها، لتقول حسنة بمداهنة:
"يا أستاذ سالم، بنت أخوك اتجوزت على سنة الله ورسوله، ما عملتش حاجة عيب ولا حرام."
سالم بغضب:
"ولما تتجوز من ورا أهلها ده يبقى أصول برضو، ثم انتي مين عشان تتدخلي في اللي ما يخصكيش."
ليأتيهم صوت جلال من وراء سالم وهو يقول بغضب:
"تبقى حماتها يا سالم بيه، والأصول اللي بتتكلم عنها دي تخليك تدخل البيت من بابه، ما تقعدش تتكلم كده من ورا الجدران."
سالم بسخرية:
"وانت بقى تطلع مين انت كمان."
جلال بجمود:
"أنا جوزها، ولو ليك كلام مع حد، يبقى كلامك معايا أنا."
جلال بص لسلوى التي كانت لا تزال على الكاريتة وقال لها:
"ادخلي جوة يا سلوى."
لتسرع الصغيرة إلى الداخل لتقف بجوار جدتها التي لا تزال تحتمي بها فؤادة.
لينظر جلال إلى فؤادة قائلاً:
"خدي ماما وسلوى وادخلوا جوة يا فؤادة."
لتمد يد فؤادة لتجذب سلوى بسرعة وتهرع إلى الداخل بصحبة حسنة.
ثم يلتفت جلال إلى سالم ويقول بقوة:
"ها يا سالم بيه، هتتفضل معانا جوة وتاخد واجبك ونتكلم ولا إيه رأيك."
سالم:
"وعاوزني أدخل بيتك إزاي وانت ضحكت على بنت أخويا واتجوزتها من ورا أهلها."
جلال:
"ومين اللي فهمك إني ضحكت عليها."
سالم:
"ماهو لو ما كانش كلامي مظبوط كنت دخلت البيت من بابه وخطبتها مني، لكن انت.. انت نطيت من على السور وخطفتها واتجوزتها بدون علمي، ولعلمك، أنا هرفع عليك قضية ببطلان الجواز، فؤادة بكر وما يجوزش تجوز نفسها بنفسها."
جلال بابتسامة:
"لاهو انت فاكر إن انت بس اللي تعرف الشرع يا سالم بيه، أكيد فؤادة ما جوزتنيش نفسها بنفسها، فؤادة اختارتلها وليّ جوزهالي، ثم هو الشرع اللي بتتكلم عنه ده يخليك تحبسها وتجوزها رغم إرادتها."
سالم بمكابرة:
"أنا أدرى بمصلحة بنت أخويا من أي حد تاني حتى منها هي ذات نفسها."
جلال بقوة:
"وهي مصلحتها إنك تجبرها تتنازل عن كل أملاكها ليك قبل ما تجوزها الجوازة الغصب دي."
سالم بارتباك:
"مين اللي قال لك الكلام الفارغ ده."
جلال:
"اللي قالي قالي، بس معلش عاوز ألفت نظرك لحاجة صغيرة أوي، أوعى تكون مفكر إن الهلالي كان هيسيبك تتهنى بيهم، تبقى بتحلم."
سالم بغيظ:
"وانت بقى قلت تاكل الأكلة كلها لوحدك، فلفيت عليها واتجوزتها من ورايا عشان تاخد الجمل بما حمل."
جلال:
"لو تحب أحلفلك إن كل الكلام ده مش في دماغي هحلفلك."
سالم بسخرية:
"قالوا للحرامي احلف."
جلال بجمود:
"شرفت يا سالم بيه، وأتمنى المرة الجاية تبقى تخبط على الباب."
ليتركه جلال ويدلف إلى داخل المنزل ويغلق الباب وراءه.
ويتجه من فوره إلى النافذة المطلة على الموضع الذي كان يقف به سالم، ليراه مازال واقفًا بمكانه ينظر في أثره.
وبعد لحظات استدار وذهب مبتعدًا.
وعندما لاحقه جلال بعينيه وجده يصعد إلى عربة لم ينتبه لها عند قدومه، ولكنه يعرف صاحبها جيدًا.
وكان صاحبها جالسًا خلف المقود، وما إن صعد سالم السيارة حتى انطلقت بسرعة شديدة توحي بغضب قائدها.
وعندما اختفت السيارة عن عينيه التفت وراءه فوجد فؤادة ووالدته يقفان خلفه ينتظران حديثه، فقال باهتمام:
"إيه اللي حصل بالظبط."
فقصت عليه والدته ما حدث منذ إغماءة فؤادة حتى وصوله.
لينظر جلال إلى فؤادة ثم يقول لأمه وهو يصعد الدرج إلى غرفته:
"خليها تحط تلج على راسها يا أمي أحسن."
تلتفت حسنة إلى فؤادة وتقول:
"اللي حصل نساني خالص، تعالي نروح المطبخ وأحط لك عليها تلج."
فؤادة:
"ما تتعبيش نفسك حضرتك، أنا هروح أجيب وأجي، استريحي انتي."
لتجلس حسنة على الفور وهي تقول:
"طيب يا بنتي، روحي، أنا أصلاً أعصابي مشدودة."
سلوى والتي كانت طوال الوقت متمسكة بملابس جدتها:
"هو مين الراجل اللي كان بيزعق ده يا طنط."
حسنة:
"ده واحد له شغل مع بابا يا حبيبتي، روحي العبي انتي."
سلوى:
"لا أنا عاوزة أحكيلك بابا وداني فين."
حسنة بانتباه:
"فين."
سلوى:
"روحنا زورنا ماما وقرينا لها الفاتحة ودعينا عشانها وبعدين جينا على طول، وبابا قال لي إنه هيبقى يوديني معاه عندها كتير."
حسنة وهي تهز رأسها بتنهيدة:
"طب يا حبيبتي، روحي بقى اغسلي وشك كويس وتعالي."
لتسرع سلوى لتنفيذ ما أمرتها به جدتها.
لتعود فؤادة وهي تضع كيسًا من الثلج على رأسها مكان إصابتها وتجلس بجوار حسنة وهي تقول باضطراب:
"أنا حاسة إني اتسرعت لما وافقت أستاذ جلال على كلامه، وورطته معايا في مشاكل مع عمي."
حسنة بشرود:
"ما تقلقيش، جلال إن شاء الله هيتصرف."
وفي تلك الأثناء هبطت ندا من الأعلى وجلست بصحبتهم في صمت.
حسنة:
"أومال ليلى فين."
ندا بضيق:
"نامت."
حسنة باستغراب:
"مالك يا بنتي، في إيه."
ندا:
"في إن المشاكل هتبتدي أهو، النهاردة عمها وبكرة اللي كان هيتجوزها وهلم جرة، والله أعلم القصة دي هتخلص على إيه، إحنا مالنا إحنا، إيه اللي يدخلنا في المشاكل دي."
حسنة بحزم:
"إحنا مالناش دعوة، جلال أكيد في دماغه حاجة معينة هيعملها."
لتشعر فؤادة بإحراج شديد من كلام ندا ولهجتها، وخاصة أنها تشعر أن لديها حق في كل كلمة تفوهت بها.
لتنهض من مكانها بإحراج قائلة:
"ندا عندها حق في كل كلمة قالتها يا أمي، أنا فعلاً وجودي هنا مش هيسبب لكم غير المشاكل وبس، أنا لازم أمشي من هنا."
ليأتيهم صوت جلال وهو يقول بغضب:
"تمشي تروحي فين إن شاء الله."
فؤادة بلجلجة:
"أكيد هلاقي مكان أروحله من غير ما أسبب مشاكل لأي حد."
جلال بنفس الغضب:
"انتي ناسيا إنك ما بقيتيش حرة نفسك وإنك بقيتي على اسمي، وإن مش من حقك تعملي أي حاجة ولا تروحي في أي حتة غير بإذني."
فؤادة بصدمة:
"يعني إيه بقى الكلام ده."
جلال:
"يعني اللي سمعتيه بالظبط، انتي دلوقتي مراتي، وطاعتي واجبة عليكي."
فؤادة:
"بس جوازنا ده مجرد جواز صوري وانت عارف سببه كويس."
جلال:
"الكلام ده بينا وبين بعض، لكن قدام أي حد تاني أو في أي مكان تاني فإنتي حرم جلال العشري، لازم تحطي الكلام ده في دماغك كويس أوي."
فؤادة:
"طب لو أنا مش حابة أكمل في الحكاية دي."
جلال بجمود:
"مش بمزاجك، إحنا بينا اتفاق، وجوازنا ده ما كانش أكتر من خطوة أولى في تنفيذه، ويوم ما أحقق اللي إحنا اتجوزنا بسببه أوعدك إني هنفذلك كل اللي انتي عاوزاه وأكتر كمان."
فؤادة:
"وافرض ما حصلش."
جلال بقوة:
"هيتحصل وقريب أوي، أوعدك."
لتنظر له فؤادة بفضول وكأنها تريد قراءة ما يدور بذهنه، ولكنها عندما تفشل بشدة تنسحب من أمامهم متجهة إلى غرفتها وتغلق عليها بابها.
وتشرع في صلاتها لتشكو حزنها إلى الله الذي استودعته كامل أمرها.
أما بالخارج فتنهض حسنة من مكانها قائلة وهي تتجه إلى الحديقة:
"عاوزاك في كلمتين على انفراد يا جلال."
ليذهب جلال خلفها.
بينما تنظر ندا في أثرهما بغيظ دفين، فكانت تريد أن تعلم عن حوارهما كل شيء، خاصة أنها تكاد تكون متأكدة أن حديثهما خاص بفؤادة وبما يحدث، ولكنها لا تستطيع اللحاق بهما فتقرر الصبر لعلها تعرف فيما بعد.
أما بالخارج فقد جلست حسنة وجلس جلال في مقابلتها في انتظار حديثها.
فقالت:
"أنا عاوزة أفهم انت ناوي على إيه بالظبط يا جلال."
جلال:
"ناوي على إيه في إيه بالظبط يا أمي."
حسنة:
"بلاش تلف وتدور عليا، انت فاهم قصدي كويس، انت ناوي على إيه مع فؤادة."
جلال:
"ما أنا قلت على كل حاجة من الأول، ولسه حالا عايده قدامكم تاني من شوية."
حسنة بحزم:
"أنا ماليش دعوة باللي قلته يا جلال، أنا عاوزة أعرف انت إيه اللي في دماغك وتار إيه ده اللي قلت إنه ليك عند الهلالي."
يصمت جلال وهو يوازن الأمر بعقله، هل يخبر والدته أم يتركها لفيما بعد.
ولكن حسنة قطعت حواره مع نفسه عندما قالت:
"صارحني يا جلال، وقول لي يا ابني على اللي جواك، أنا ما حاولت إني أعارضك بكلمة واحدة لأني عارفة إن مخك كبير وبتعرف توزن الأمور كويس، لكن برضه عاوزة أفهم، وما تحاولش إنك تخبي عليا.. لأني عارفة إنك هتخبي وتوجع قلبي من القلق عليك."
لينظر لها جلال بتنهيدة ثم ابتسم قائلاً:
"وأنا من امتى بعرف أخبي عنك حاجة يا أمي."
حسنة:
"خبيت كتير يا جلال، يمكن ما أعرفش انت مخبي إيه بالظبط، لكن اللي أعرفه إنك مخبي ياما جواك يا ابني."
جلال:
"كل اللي أقدر أقولهولك إن الهلالي أذاني أذية كبيرة أوي لا يمكن أنساها طول عمري."
حسنة بفضول:
"أذية إيه يا ابني اللي أذاهالك دي."
جلال:
"ارجوكي يا أمي بلاش تضغطي عليا."
حسنة بصوت شبه غاضب:
"وأنا مش هقف أتفرج عليك وانت بتعادي واحد بالصورة دي من غير ما أعرف السبب يا جلال، افرض أذاك أو أذى حد من أخواتك ولا بنتك."
جلال بغضب:
"ده أنا كنت المرة دي اقتله."
حسنة:
"وانت ليه أصلاً تعرضنا لده، إيه اللي يخليك تعادي واحد لدرجة إنك تجر شكله."
لم يرد عليها جلال بينما أدار وجهه بعيدًا عنها وهو يضغط على فكيه بغضب.
ولكن حسنة انتبهت لشئ ما عندما قالت:
"انت كنت تقصد إيه أما قلت إنه المرة دي اقتله لو أذى حد فينا، تقصد إنه أذى حد فعلاً قبل كده."
وعندما رأت جلال أحنى رأسه أرضًا بحزن دفين تعرف سببه الأوحد، وضعت يدها على فمها بشهقة عالية وهي تقول:
"تقصد إن هو اللي..."
جلال بخفوت شديد وكأنه يهمس لنفسه:
"أيوه... هو."
حسنة ببهوت:
"انت متأكد."
ليهز جلال رأسه بالإيجاب.
حسنة:
"وما بلغتوش ليه."
جلال:
"لأن ما حدش هيصدقني بعد السنين دي كلها، لأن واحد في وضعه ومركزه هيقدر يطلع منها بمنتهى السهولة، عرفتي أنا ما بلغتوش ليه."
حسنة:
"أومال ناوي على إيه يا ابني، الراجل ده على ما سمعت عنه إنه مش سهل وبلاوي كتير، ابعد عنه يا جلال، سيبه لربنا ينتقم لك وينتقملنا كلنا."
جلال بتصميم:
"لا يا أمي، مش بعد كل ده."
حسنة بفضول:
"بعد ده كله اللي هو إيه، تقصد جوازك من فؤادة."
جلال بنفي:
"لا طبعًا، جوازي من فؤادة ما كانش أكتر من إني بتشفى فيه وبساعدها في نفس الوقت إنها تخلص منه، رغم إني عارف إنه مش هيسيبها في حالها بسهولة، فؤادة مفكرة إن عمها بس اللي طمعان في ورثها، بس اللي ما تعرفوش واللي أنا متأكد منه بمعرفتي للهلالي، إنه كان بس بياخد عمها على قد عقله، لكن عمره ما كان هيسيب أبدًا الثروة دي تفلت من إيده، ده العمارتين لوحدهم بملايين."
حسنة:
"وانت عرفت الكلام ده منين."
جلال:
"لما روحنا عملنا البلاغ، هي حكت لوكيل النيابة تفاصيل كتير أوي عن ورثها، ورثها طلع تقيل أوي يا أمي، أنا ما كنتش فاكر كده، دي الأرض بتاعتها طلع قيمتها مش أقل من عشرين مليون."
حسنة:
"طب فهمني ناوي على إيه معاه بالظبط."
جلال:
"كل اللي أقدر أقولهولك دلوقتي إن الراجل ده مشيه مش قانوني، وإني قدرت أوقعه في كذا غلطة هيتسجن بسببها."
حسنة:
"وافرض اتأذيت بسببه."
جلال:
"أنا ما بتحركش خطوة غير بمعرفة النيابة."
حسنة:
"يعني ما فيش أي خطورة عليك يا ابني."
ليرفع جلال كفها إلى فمه مقبلًا إياه، ثم قبل رأسها وقال:
"طول ما انتي راضية عني وبتدعي لي أنا هبقى دايما بخير."
حسنة:
"طب وفؤادة."
جلال:
"مالها."
حسنة:
"هو إيه اللي مالها يا ابني، انت دلوقتي شبه حددت إقامتها، وهي لا متجوزة ولا مش متجوزة."
جلال:
"يا أمي ده عشان مصلحتها، ممكن يكونوا بيخططوا في أي لحظة إنهم يخطفوها أو يأذوها، وعشان كده أنا منعتها تتحرك في أي حتة من غير علمي."
حسنة:
"ربنا يستر يا ابني عليك وعليها."
جلال:
"وأنا خليت عطوة يزود عدد الغفر حوالين البيت والجناين، ما تقلقيش، انتي بس ادعي لي."
حسنة:
"ربنا يحفظك يا ابني من كل شر، وينولك اللي في بالك."
في فيلا الهلالي، كان يجلس بصحبة سالم والغضب يعتلي ملامحهما بشدة.
وقال الهلالي بعنف:
"بقى أنا يتخد عليا تعهد بعدم التعرض بعد العمر ده كله، وبسبب بنت أخوك اللي كانت هتبقى مراتي بعد كام يوم."
سالم بخيبة أمل وهو يضرب كفًا بكف:
"انت زعلان على التعهد، أومال أنا بقى أعمل إيه، ما أنا كمان مضيت على نفس التعهد إني ما أتعرضش لبنت أخويا اللي خدت الورث كله وطارت، راحت للي هيلهفهم كلهم وياخدهم شروة واحدة، قال ولما بسلامتها عرضت عليا إننا نقسم الأرض وآخد منها نصيبي الشرعي في الورث أنا رفضت، ما كنت خدتهم وسكتت وحمدت ربنا، أهو لا نابني بلح الشام ولا عنب اليمن، كله راح... كله راح."
ليقف الهلالي بغضب قائلاً:
"بطل ولولة زي النسوان وفوق شوية، لو انت ناوي تسيبه ينهب النهبة لوحدة زي الحداية ويطير، أنا بقى مش هسيبه، لحد ما أرجعها بكل ما تملك ل عندي من تاني."
سالم بلهفة:
"وهترجعها إزاي، قول لي."
سالم:
"دي عاوزة تخطيط، مش سلق بيض هو، لازم الأول أعرف قرار الواد ده وحكايته إيه بالتفصيل في الأول، وبعد كده أخطط له القاضية."
في منزل سالم يدق هاتف نهاد برقم عارف.
لتجيب بلهفة:
"أيوه يا فؤادة.. وحشتيني."
لتتنحنح عارف بابتسامة وهو يقول بهدوء:
"طب ما ينفعش عارف."
لتقول نهاد بخجل:
"أنا آسفة يا أستاذ عارف، أنا اعتقدت إن فؤادة هي اللي بتكلمني."
عارف:
"عمومًا يا ستي من النهاردة اعتبرني أنا وفؤادة واحد."
نهاد:
"إزاي بقى."
عارف:
"لأن فؤادة بقت خلاص مرات أخويا."
نهاد بشهقة عالية:
"إيه... فؤادة اتجوزت."
عارف بضحك:
"بقى هي دي مبروك."
نهاد باستنحان:
"مبروك على إيه، هي لحقت تعرفه ولا هو يعرفها عشان يتجوزوا، ده إيه الكارثة دي."
عارف بابتسامة:
"ماهي أكيد هتحكيلك على التفاصيل والملابسات كلها لما تكلمك."
نهاد باستغراب:
"وهو انت مش هتديها التليفون دلوقتي تكلمني."
عارف:
"لا... أنا مش في البيت أصلًا."
نهاد باستغراب:
"مش في البيت، أومال حضرتك بتكلمني ليه، هو في حاجة."
عارف باحراج:
"لا أبدًا بس كنت عاوز... آه، كنت هسأللك إن كنتي وديتي حاجات لفؤادة عند نادين صاحبتك ولا لسه."
نهاد:
"الحقيقة لسه بحاول ألملم لها كام حاجة كده من غير ما بابا ياخد باله."
عارف:
"طب تمام يا ريت أول ما تجهزي وتكوني رايحة هناك تديني خبر."
نهاد:
"إن شاء الله مع السلامة."
عارف باحباط:
"مع السلامة."
وبعد أن أغلقت نهاد الخط كانت تحدث نفسها قائلة:
"ده إيه ياختي الطسلقة دي، ده لو بيخيط فستان مش هيبقى بالسرعة دي."
لتدخل سلمى على نهاد وهي تحدث نفسها لتقول:
"خلاص اتجننتي الحمد لله وبتكلمي روحك."
نهاد:
"واللي يعيش في عيلتكم دي يفضل عاقل أصلًا."
سلمى بامتعاض:
"حصل إيه تاني أشجيني."
نهاد:
"فؤادة اتجوزت."
سلمى بصوت عال:
"ات إيه... اتجوزت، ده اللي هو إزاي يعني."
نهاد وهي تحاول كبت غضبها:
"زعقي يا بت كمان شوية... زعقي، عشان يبقى ماشافوهمش وهم بيسرقوا، قاموا قفشوهم وهم بيسيحوا لبعض."
سلمى:
"ما تترعبيش كده، أبوكي مش هنا."
نهاد:
"ولو يا سلمى، انتي ناسيا كام مرة كنا بنتكلم واحنا واخدين راحتنا على الآخر وفجأة نلاقيه واقف فوق دماغنا."
سلمى:
"في دي عندك حق، بس قولي لي إيه اللي حصل."
لتقص عليها نهاد ما حدث في مكالمتها مع عارف بالتفصيل.
وعندما انتهت نظرت لها سلمى بخبث وهي تقول لها وهي تغمز بإحدى عينيها:
"وسي عارف ده بقى إيه النظام بالظبط."
نهاد بسذاجة:
"نظام إيه."
سلمى بامتعاض:
"نظام الرجيم يا حبيبتي، نظام الراجل يا نهاد، نظام النحنحة."
نهاد باستغراب:
"انتي هبلة يا سلمى، نحنحة إيه دي اللي بتتكلمي عنها، ده هي مرة واحدة اللي شفنا بعض فيها."
سلمى بحالمية:
"وفيها إيه يعني، ما سمعتيش قبل كده عن الحب من أول نظرة."
نهاد:
"حب إيه ونظرة إيه، سيبيني في حالي، أنا كل اللي بفكر فيه دلوقتي رد فعل أبوكي لما يعرف اللي حصل ده."
لتضع سلمى يدها على فمها قائلة بتوتر:
"يالهوي لا يكون ده التليفون اللي جاه الصبح وخلّاه ينزل وهو متعفرت من غير حتى ما يفطر."
نهاد بفضول:
"تليفون إيه ده."
سلمى:
"مش عارفة، بس حد كلمه الصبح لقيته عمال يقول... إزاي الكلام ده... انت متأكد من اللي بتقوله ده، دي كارثة، طب اقفل وأنا جاي حالًا."
نهاد:
"ربنا يستر ويعديها على خير."
كانت ندا تجلس بغرفتها تتحدث مع أخيها كريم على الهاتف.
ندا:
"أنا مش طايقة أقعد في البيت من ساعتها يا كريم."
كريم:
"حاولي تاخدي الأمور ببساطة شوية عن كده يا ندا."
ندا:
"بقولك اتجوز على أختك وتقولي ببساطة."
كريم:
"يا حبيبتي أختك في حتة تانية خالص وكل اللي انتي بتقولي عليه ده ما يشغلهاش أبدًا."
ندا بغضب:
"إيه اللي انت بتقوله ده، ده بدل ما تفكر معايا إزاي نمنع القرف ده."
كريم:
"هو إيه ده اللي تمنعيه، انتي مش بتقولي إنهم كتبوا كتابهم خلاص."
ندا:
"اللي خايفة منه إنها تحلو في عينه بعد كده."
كريم:
"ليه يعني، هي حلوة."
ندا بشرود:
"فيها شبه منها."
كريم بانتباه:
"من هدى."
ندا:
"أيوه، وده اللي مخوفني، حتى طريقة كلامها، واللي خلاني أقلق بزيادة، إنها حتى شولة زيها."
كريم:
"للدرجة دي."
ندا:
"خايفة يحبها ويتعلق بيها، وأنا مش هسمح أبدًا لحاجة زي دي إنها تحصلك."
كريم:
"بس يا ندا جلال لسه شباب وفي عزه، ومن حقه برضه إنه يعيش حياته."
ندا:
"لا مش من حقه، هو اللي عمل الحادثة، هو اللي فضل وهي راحت."
كريم:
"استغفر الله العظيم، ده قضا ربنا، اللهم لا اعتراض."
ندا:
"قضا ربنا ماشي، لكن ما يجيبش لسلوى مرات أب أبدًا، مش هسمح له."
كريم:
"هتعملي إيه يعني."
ندا:
"اسمها هنعمل يا كريم، انت لازم تساعدني إننا نوقف المهزلة دي، والبت دي لازم تسيب البيت بأي طريقة، حتى لو سلمناها لعمها بإيدينا."
كريم:
"انتي بتقولي إيه، انتي اتجننتي."
ندا:
"بقول اللي عاوزاك تسمعه كويس."
كريم:
"اسمع إيه... انتي اتجننتي، ده جلال ممكن يولع فينا."
ندا:
"طب إيه رأيك لو لقينا اللي يشغل البت دي بحيث إن موضوعها أما يخلص تصمم على الطلاق."
كريم:
"انتي بتتكلمي كأنهم خلاص قرروا يفضلوا سوا وحبوا بعض والعيشة فل، يا ندا اعقلي وبلاش تسبقي الأحداث."
ندا بعصبية:
"أصلك ما شفتهاش يا كريم، لو شفتها هتعذرني وانت بنفسك اللي هتعرض إنك تساعدني عشان تخرجها من هنا."
"طب إيه رأيك، تعالي اتغدى معانا بكرة، وانت تشوفها وتتعرف عليها."
كريم بقلة حيلة:
"خلاص حاضر هاجيلكم بكرة، حتى سلوى وحشتني وعاوز أشوفها."
ندا:
"خلاص هستناك، ويا ريت تجيب ماما معاك، ماشوفتهاش بقالي أسبوعين."
كريم:
"خلاص هقول لها ونجيلك بكرة إن شاء الله."
على موعد الغداء كان الجميع يجلس حول الطعام وكانت فؤادة تتناول طعامها بخجل شديد.
فما زالت عند رأيها، بأن وجودها مع هذه العائلة لن يجلب لهم سوى المشاكل، مما زاد من خجلها وتحرجها في التعامل.
وقد لاحظ عارف عليها ذلك فقال لها محاولًا إخراجها من خجلها:
"وهو عمك يا فؤادة ما عندوش ولاد غير نهاد وسلمى."
فؤادة:
"عنده محمد ويبقى أخويا في الرضاعة، بس مسافر... مش في مصر."
عارف:
"مسافر فين بقى."
فؤادة:
"في فرنسا، أول ما خلص دراسة سافر على طول، وما نزلش ولا مرة من ساعتها."
جلال:
"وياترى موقفه إيه من تصرفات عمك."
فؤادة بخجل:
"هو كمان مش موافق على اللي عمي عمله واتخانقوا سوا بسببى كذا مرة."
ندا بمغزى:
"واضح إن دي هتبقى عادتك."
لتنظر حسنة إلى ندا بتحذير.
في حين نظرت لها فؤادة بحزن ولكنها لم تعقب عليها.
كما تجاهل الجميع تعليقها.
عارف:
"وياترى ولاد عمك مخلصين تعليم."
فؤادة:
"نهاد برضه أداب بس لغة عربية وبتشتغل في مدرسة خاصة."
عارف بلهفة:
"إيه ده... بجد، يعني زيي، هايل."
فؤادة:
"وسلمى في كلية علوم، آخر سنة ليها السنة دي."
حسنة:
"ما شاء الله، ربنا يحفظكم يا بنتي."
فؤادة بخجل:
"تسلمي يا أمي."
ندا:
"على فكرة ماما وكريم جايين بكرة إن شاء الله يتغدوا معانا."
حسنة:
"أهلاً وسهلاً يا بنتي ينوروا، بيتهم ومطرحهم."
سلوى:
"خالو كريم وحشني أوي، وآخر مرة كان هنا وعدني إنه هيوديني أفسح."
جلال:
"مش اليومين دول يا سلوى بعدين."
سلوى بحزن:
"ماشي."
ندا بصوت خافت وصل إلى أسماع فؤادة:
"حتى البنت الصغيرة ماسلمتش."
لتنهض فؤادة وتقول بصوت مرتعش:
"الحمد لله، بعد إذنكم."
لتتركهم وتتجه إلى غرفتها وتغلق بابها عليها.
لتنظر حسنة إلى ندا وتتنهد بقلة حيلة ثم تقول لحسين:
"ابقى شوف لها دهان ولا حاجة تدهن بيه قورتها أحسن ورمت جامد مطرح الخبطة يا حسين يا ابني."
حسين:
"حاضر يا أمي، عندي فوق هبقى أجيبهولك تديهوله."
ندا:
"ماهي مش وارمة أوي ولا حاجة، عادي يعني."
عارف بلوم:
"لا وارمة يا ندا وباينة حتى من تحت الحجاب، والمفروض انتي اللي تهتمي بده، على الأقل لأن بنتك هي السبب."
ندا بغضب:
"بنتي السبب في إيه بقى يا سي عارف، بنتي كانت بتلعب وهي اللي حشرت نفسها."
حسنة بحزم:
"ندا... وطّي صوتك وانتي بتتكلمي وسطنا، ما حدش فينا سمعه تقيل يا بنتي، وبعدين لولا فؤادة كانت بنتك بعد الشر اتعورت النهاردة، وبعدين يا ستي ما تهتميش بحد، بس على الأقل نحترم إنها ضيفة عندنا."
لتنهض ندا من مكانها قائلة:
"أنا عن نفسي، أنا مش مرحبة بوجودها هنا، وعشان كده ما حدش يجبرني إني أتعامل معاها من أصله."
رواية فؤادة الفصل الخامس 5 - بقلم ميمي عوالي
نهض جلال من مكانه واتجه إلى مكان ندى ووقف أمامها وقال متسائلًا:
"وليه مش مرحبة بوجودها يا ندى؟"
ندى بلجلجة:
"مش حباها يا جلال."
جلال:
"غريبة، رغم إنك كنتِ متعاطفة معاها جدًا في الأول."
ندى بغضب:
"مش معنى إني اتعاطفت معاها إنها تفضل هنا وسطنا بالشكل ده، وكمان تبقى واحدة مننا، وبعدين افرض يعني عمها واللا اللي اسمه الهلالي ده عملوا حاجة كده واللا كده، وحد من ولادي اتأذى فيها."
عارف بتريقة:
"إيه يا ندى، إنتِ فاكرة نفسك في فيلم عربي واللا إيه؟"
ندى:
"لا يا سي عارف، ما هياش محتاجة أفلام ولا حاجة، بس ممكن يعملوا أي حاجة قدام الفلوس اللي هم عاوزينها دي ومش هيسكتوا ولا هييأسوا."
حسنة:
"استهدي بالله يا بنتي، ما فيش حاجة من دي إن شاء الله."
حسين وهو لا يزال يتناول طعامه:
"أمي وعارف عندهم حق يا ندى، ما تشغليش دماغك وما تضخِّميش الموضوع."
ندى بنرفزة:
"على الأقل يبقى فيه حد فينا شاغل دماغه يا سي حسين،"
وتركتهم وذهبت من أمامهم بغضب.
كان جلال يقف مندهشًا من موقف ندى، ولكنه فضَّل عدم الدخول في جدال معها أمام أخيه. وفي خضم ما حدث، وجد الجميع فؤادة تقف أمامهم وهي ترتدي ملابسها التي أتت بها وتمسك بحقيبة يدها وهي تقول بوجل:
"بعد إذن حضرتك يا أستاذ جلال، ممكن أقعد معاك كام دقيقة؟"
التفت جلال متنهدًا إلى فؤادة وأشار لها على غرفة المكتب، فسبقته إلى هناك وتبعها وهو شبه يعلم ما تريد قوله. وما إن دلف خلفها حتى أشار لها بالجلوس دون أي كلمة وجلس أمامها منتظرًا ما ستقوله.
فؤادة وهي تجلِّي صوتها:
"أنا عارفة إن حضرتك ممكن ما توافقش على كلامي اللي هقوله دلوقتي... لكن أنا..."
جلال مقاطعًا إياها بصلف:
"وطالما عارفة إني مش هوافق، يبقى لزمته إيه الكلام من أصله؟"
فؤادة بتوتر وهي تعبث بثيابها بيدها اليسرى بينما يدها اليمنى منقبضة وثابتة على قدمها:
"ده ما يمنعش إني لازم أحاول، أنا المفروض إني بني آدمة حرة وليا شخصيتي وحياتي."
جلال بسخرية وعيناه مثبتة على يدها اليسرى وهي لا تزال تعبث بملابسها:
"ما أنتِ المفروض تاخدي إجازة شوية، وأول ما ترجعي من الإجازة تقدري تعملي اللي إنتِ عاوزاه إنتِ وشخصيتك وحياتك."
لِتنهض فؤادة من مكانها بغضب وقد تحول عبث يدها بملابسها إلى تشبث شديد وكأن أحدهم سيجذبها منها وقالت:
"أنا عارفة إني ضيفة على أسرة حضرتك، ويمكن كمان ضيفة غير مرغوب فيها، لكن ده ما يديكش الحق أبدًا إنك تكلمني بالسخرية دي."
كان جلال ما زالت عيناه مع يدها وهي متشبثة بملابسها، وقد لاحظت فؤادة ذلك فما كان منها إلا أن زاد تشبثها بارتباك واضح للعيان، ولكنها أكملت حديثها بتوتر قائلة:
"أنا... أنا عاوزة أمشي، عاوزة أروح بيتي."
ليرفع جلال عينيه إليها بتركيز وقال بتساؤل:
"بيتك؟"
فؤادة:
"أيوه... بيتي، عاوزة أرجع إسكندرية، متهيألي عمي دلوقتي لا يمكن يتوقع إني أبقى هناك، وكمان أنا محتاجة حاجات كتير، مش هينفع أقعد بالشكل ده أكتر من كده."
جلال باستفهام:
"شكل إيه ده اللي تقصديه؟"
فؤادة بخجل وقد بدأت يسراها تداعب ملابسها من جديد:
"يعني... محتاجة هدوم وغيارات كتير، وكمان أوراق خاصة بيا، وعاوزة أرتب حياتي أشوف هعمل إيه بعد كده، مش هينفع أفضل كده كتير وأنا مش عارفة هعمل إيه."
ليصمت جلال لدقيقة ثم نظر لها بتركيز وكأنه يريد قياس رد فعلها وقال:
"طب مش المفروض إنك تشركيني معاكِ في ترتيب حياتك اللي عاوزة ترتبيه ده؟"
فؤادة بفضول:
"أشركك إزاي يعني؟ مش فاهمة."
جلال وهو يجلس باسترخاء ويضع عصاه جانبًا:
"إنتِ ناسيه إن أنا وإنتِ المفروض إننا متجوزين؟"
لتعود فؤادة لتوترها من جديد وتقول:
"وكمان الموضوع ده، محتاجين نحط النقط على الحروف."
جلال وقد عادت عيناه لمتابعة حركات يدها:
"أعتقد إن كل الحروف محطوط لها النقط من البداية."
فؤادة بتوتر:
"مش حقيقي، حضرتك في البداية فهمتني إننا بنعمل كده عشان المحامي نصح بده وعشان عمي ما يقدرش يعمل حاجة، وحتى قعدت معايا وعرفت عني كل حاجة، كل حاجة رغم إني لغاية دلوقتي ما أعرفش حتى اسمك الثلاثي إيه، وما اهتمتش إني أعرف، لأن المفروض إن ده شيء مؤقت، ورغم إنك قلت إن ليك تار قديم عند الهلالي إلا إني برضه ما عرفتش إيه هو التار ده وما حاولتش أسأل لأنها أكيد ما تخصنيش. لكن حضرتك دلوقتي بتحط لي قيود ما اتفقناش عليها، ولا أنا كمان موافقة عليها، أنا كده حياتي كلها بتتشل وياريتني حتى عارفة الوضع ده ممكن يستمر قد إيه، وقفت جنبي في أزمتي..."
ما أقدرش أنكر فضلك ولا فضل أسرتك كلها عليَّ، لكن مش معنى كده إني أقضي عمري وأنا مش فاهمة أنا بأعمل إيه وليه وعشان إيه.
لينهض جلال من مكانه ويُخرج ورقة من داخل حافظته ويمد يده بها إلى فؤادة وهو يقول:
خدي دي.
فؤادة وهي تفتح الورقة:
إيه دي؟
جلال:
زي ما أنتِ شايفة، قسيمة جوازنا، تقدري تعرفي اسمي الثلاثي منها.
لتعود فؤادة ببصرها لجلال بصدمة وتقول:
هو ده اللي وصل لحضرتك من كل اللي قلته؟
جلال ببساطة:
اسمعي يا آنسة، لازم تفهمي إن الوضع اللي إحنا فيه ده لو كان مش عاجبك قيراط، فهو مش عاجبني مليون قيراط، لكن لازم نتحمله على ما يعدي.
فؤادة بفروغ صبر وقد بدأت عينيها تمتلئ بالدموع:
أنا ما عنديش مانع إني أتحمله، بس أعرف لإمتى، وكمان أنا مش عاوزة أفضل هنا، أنا عاوزة أمشي... عاوزة أمشي.
جلال وقد بدأ عليه التوتر:
وليه يعني عاوزة تمشي من هنا مش فاهم؟ إيه اللي مضايقك هنا؟
فؤادة وقد بدأ صوتها يتهدج بالبكاء:
مش بيتي، مش أهلي، مش مرغوب فيَّ ولا حد عاوزني.
جلال وهو يحاول تهدئتها:
مين بس اللي قال لك الكلام الفارغ ده؟
فؤادة وقد بدأت تفقد السيطرة على انفعالاتها:
أنا مش صغيرة حضرتك، أنا أقدر أميز قوي إن كنت مترحب بيَّ في المكان وأصحابه واللا لأ.
جلال وهو يعلم الإجابة مسبقًا:
ممكن تحددي لي بالاسم مين اللي مش مرحب بيكي هنا؟
فؤادة باضطراب:
لا طبعًا ما ينفعش، مهما إن كان أنتم هنا أهل في بعض، وأنا غريبة عنكم، ما ينفعش أبدًا أتسبب في مشاكل بينكم وبين بعض.
جلال:
مشاكل إيه لا سمح الله؟ أنا بس عاوز أعرف لإن ممكن بس تكوني فاهمة غلط.
فؤادة بإرهاق:
أرجوك يا أستاذ جلال، أرجوك أنا عاوزة أرجع بيتي.
جلال بتنهيدة:
للأسف مش هأقدر أحقق لك طلبك ده في الوقت الحاضر.
فؤادة بغضب:
أنا تعبت، أنا عاوزة أمشي.
جلال بحزم:
أوعي تفكري تعلي صوتك وأنتِ بتتكلمي معايا ثاني مرة.
فؤادة وهي ما زالت على غضبها وكعادتها تتشبث بثيابها:
أنا مش محبوسة ولا في سجن، أنا هأمشي يعني هأمشي وما فيش قوة على وش الأرض تجبرني إني أفضل هنا غصب عني.
والتفتت لتتجه صوب باب الغرفة ليوقفها صوت جلال وهو يقول بتحدٍ:
حاولي تكسري كلامي، وصدقيني هتندمي.
لتلتفت إليه فؤادة مرة أخرى وتقول بدهشة:
أنا عاوزة أفهم أنت بتهددني بأنهي صفة؟
ليعود جلال إلى كرسيه ببرود ويقول:
بصي في الورقة اللي في إيدك وأنتِ تعرفي.
لتنظر فؤادة ليدها التي تحمل عقد زواجهم ثم تعود بنظرها إلى جلال وتقول:
بسيطة، تاهت ولاقيناها، طلقني.
لينتفض جلال من مكانه ويتجه إليها ليجذب ذراعها بقسوة ويقول:
أوعي تتخيلي للحظة واحدة إني مش عاوز ده ويمكن أضعاف مضاعفة ما أنتِ عاوزاه، لكن مش قبل ما اللي عاوزه يحصل، وما أسمعكيش أبدًا تكرري الكلمة دي قبل ما أنا اللي أقول لك إني خلاص هأطلق صراحك... مفهوم؟
كانت فؤادة تنظر إليه برعب شديد وهي متسعة العينين وحدقتاها تتردد ما بين عيني جلال وما إن وجد جلال ملامح الرعب تعتلي ملامحها بهذا الشكل حتى تركها والتفت بعيدًا عنها وهو يزفر أنفاسه بغضب ورفع يديه يعبث بمنابت شعره، ثم التفت إليها مرة أخرى بملامح متجهمة وقال:
لو سمحتِ تروحي على أوضتك وبلاش مشاكل لغاية ما أبلغك إن كل حاجة بقت تمام وساعتها هوصلك بنفسي لمكان ما أنتِ عاوزة.
لتلتفت فؤادة وتسرع بالخروج من الغرفة وهي تعدو باتجاه غرفتها وهي تنشج بالبكاء لتغلق الباب عليها بسرعة ولا تعطي فرصة لأيٍ كان بالحديث معها، وكان الجميع يجلس ببهو المنزل ويلاحظ ما حدث بعد سماعهم لمعظم ما دار بينهم بسبب صوتهم العالي، وكان جلال في أثرها ليتأكد من وجهتها وأنها لم تخرج من المنزل.
لينظر عارف إلى ندى بتأنيب ولكن وجه حديثه لأمه وقال:
معلش يا أمي، ابقي حاولي تطيبي خاطرها بكلمتين.
سلوى وهي تحدث جدتها:
هي بتعيط عشان ما عندهاش ماما يا تيتا، هو أنتِ ينفع تبقي ماما بتاعتها زيي؟
لينظر جلال إلى ابنته بحسرة وهو يتذكر هدى عشق سنوات صباه ليعود إلى حجرة المكتب مغلقًا على نفسه الباب ليعيش ذكرياته معها دون أن يعكر صفوه أحد.
في الخارج نظرت حسنة إلى ندى بتأنيب وقالت:
أنا حذرتك يا ندى مرة واتنين وأنتِ يا بنتي ما فيش فايدة، واللي في دماغك في دماغك، كسبتِ إيه لما جرحتيها وخليتيها حاسة إنها قاعدة على قلبنا، مش كفاياها اللي هي فيه يا بنتي؟
ندى بغضب مكبوت:
وإيه بقى اللي هي فيه؟ لا هي أول ولا آخر بنت أهلها يغصبوها على جوازها، والدنيا بتمشي وبتعدي، لو كل واحدة عملت زيها كده كانت هتبقى البنات كلها هربانة من أهلها.
عارف:
ليه يعني؟ هو كل البنات بيتجوزوا غصب؟
ندى:
معظمهم.
عارف:
ويا ترى أنتِ كنتِ من أنهي نوع؟
ندى:
تقصد إيه؟
عارف:
يعني، كنتِ مغصوبة على أخويا واللا برضاكي؟
ندى:
أنا عمك رباني كويس قوي، وطول عمري بأعمل اللي بيقولوا لي عليه من غير نقاش.
عارف بسخرية:
أومال حالك اتبدل ليه يا بنت عمي؟ ليه المرة دي مش عاوزة تسمعي الكلام ولا تنفذي؟ واللا لازم عمي ومرأة عمي هم اللي يقولوا لك؟
ندى بغضب:
أنت فاهم كويس قوي أنا ليه المرة دي كده يا عارف وبلاش تتذاكى عليَّ.
حسنة:
طب ما تفهميني أنا كمان يا ندى.
نظرت ندى إلى حسنة بامتعاض وقالت:
معلش يا مرأة عمي، سامحيني، مش هينفع.
حسنة:
وليه مش هينفع يا بنتي؟
ندى وهي تشيح بوجهها:
مش هينفع وخلاص، مش هتفهميني، ويمكن كمان تهاجميني.
حسنة:
بس على الأقل يا بنتي أبقى فاهمة.
لتنهض ندى من مكانها متجهة إلى الأعلى وهي تقول:
أنا رايحة أشوف ليلى أحسن سامعة صوتها بتعيط.
كان حسين يجلس بينهم بصمت وهو يرتشف قهوته ويراقب الجميع دون الدخول معهم في حواراتهم، فنظر له عارف بعد انصراف ندى وقال له:
هو إيه النظام؟
حسين:
نظام إيه؟
عارف:
نظامك يا حسين، أنت على طول كده ضيف شرف؟
حسين ببساطة:
ما عنديش دماغ لهري الستات.
عارف باستغراب:
هري ستات؟ يا ابني مراتك بتهري وتنكت في روحها من ساعة أخوك ما كتب كتابه على فؤادة، إيه؟ ما حاولتْش حتى تسألها ليه واللا حتى مالها؟
حسين بلا مبالاة:
وأسألها ليه طالما عارف؟ غاوي وجع دماغ على الفاضي.
عارف باستياء:
يا برودك، تعرف أنا لو على ذمتك، كنت...
حسين بمرح:
أنا اللي كان زماني طلقتك من زمان.
حسنة بقلة حيلة:
أنا عارفة من ساعتها إنها زعلانة عشان خاطر أختها الله يرحمها، بس مزوداها قوي.
ليتبادل عارف وحسين النظرات دون أي تعليق، وبعدها نهض عارف من مكانه واتجه إلى غرفة المكتب ودق على الباب ثم دخل دون أن يسمح له جلال بالدخول.
وجده يرقد على الأريكة واضعًا يده على عينيه في هدوء شديد فتنحنح عارف وقال:
إيه يا جلال، أنت هتنام هنا واللا إيه؟
جلال وهو ما زال على وضعه:
أنا بس عاوز أفصل شوية يا عارف.
عارف وهو يجلس بالمقعد المجاور لرأسه:
طب ما تطاوعني وأنا أخليك تفصل بجد.
جلال بسخرية:
ما أنت عارف إني ما ليش في الهلس بتاعك.
عارف وهو يضحك بشدة:
والله أنت ظالمني.
جلال:
أنا برضه؟ واللا أنت اللي ظالم روحك؟
عارف بدفاع:
أنا عمري ما عملت حاجة غلط.
جلال وهو يرفع يده من فوق عينيه:
وسرمحتك يوماتي دي تبقى إيه؟
عارف بضحك:
سرمحتي؟ طب ده أنا يمكن أدخل الجنة بسبب ظنكم الوحش فيَّ ده.
جلال:
طب تقدر تقول لي أنت بتروح فين كل يوم؟
عارف:
بروح قصر الثقافة.
جلال باستغراب:
قصر الثقافة؟ وكل يوم؟
عارف بتريقة:
آه قصر الثقافة، وكل يوم، أومال كنت فاكرني بروح فين؟
جلال وهو يحك رأسه:
بصراحة حتة تانية خالص، بس أنت عمرك ما جبت سيرة.
عارف ببساطة:
وأنتم عمركم ما سألتم.
جلال:
وبتعمل إيه في قصر الثقافة كل يوم؟
عارف:
يعني، أنا وأصحابي بنتجمع هناك، ممكن نحضر ندوة شعرية، معرض فنون، أمسية ثقافية... كده يعني.
جلال باستغراب:
كل يوم؟
عارف:
أكيد الحاجات دي مش كل يوم، بس أهو بنتجمع سوا في مكان محترم على الأقل.
جلال باقتناع:
في دي عندك حق، بس مين أصحابك بقى دول؟
عارف:
طبعًا عادل أساسي، والباقي أنت ما تعرفهمش.
ليعتدل جلال وهو يتنهد وقال:
كنتوا بتزعقوا ليه من شوية؟
عارف:
أنا ما زعقتش.
جلال:
ندى كان صوتها عالي، إيه؟ موضوع فؤادة برضه؟
عارف:
وهي بقى وراها غيرها؟
جلال باستغراب:
أنا مش فاهم إيه سر القلبه اللي قلبتها عليها مرة واحدة دي؟ حتى حق الضيافة مش عاوزة تراعيه.
عارف بفضول وهو ينظر لعيني جلال:
صحيح مش عارف واللا مش عاوز تعرف؟
جلال باستغراب:
هو إيه ده اللي هأكون مش عاوز أعرفه؟
عارف بخبث:
سبب تغيير ندى وعصبيتها من ناحية فؤادة.
جلال:
ويبقى إيه بقى السبب ده؟
ليعتدل عارف في مكانه وهو ما زال يركز عينيه على جلال:
الشبه الكبير اللي بين فؤادة وهدى الله يرحمها، إيه؟
يعني ما أخدتش بالك؟
جلال بشرود: أخدت بالي طبعًا، بس إيه اللي يخليها تتضايق من حاجة زي دي؟
عارف بحذر: يعني، ممكن تبقى خايفة إنك تتشدلها وتخلي جوازكم بجد مش مجرد لعبة.
ليرتسم الغضب على ملامح جلال وهو يقول: ده على أساس إني عيل لعبته اتكسرت فهيلهي نفسه بلعبة شكلها.
عارف: تفكيرها كده.
جلال: ثم في اختلاف كبير في الطبع.
عارف: إزاي يعني؟
جلال بافتتان: هدى كانت ناعمة، هادية، رقيقة، عمرها ما عارضتني في كلمة قلتها، عمر صوتها ما على قدامي، هدى كانت نسمة نادية في ليلة صيف، هدى كانت ومازالت مالية قلبي لدرجة التخمة يا عارف، قلبي ما فيهوش أي مكان لأي حد تاني غيرها حتى لو كان مين.
عارف: بس ده ما يمنعش إن فؤادة كمان محترمة ورقيقة.
جلال: ما فيش وجه للمقارنة، تعرف... الحاجة الوحيدة المشتركة بينهم غير الملامح... حركة إيدها وهي بتتكلم، دايمًا بتلعب في هدومها طول ما هي بتتكلم، لكن غير كده ما فيش أي وجه شبه، يا ريت تطمن ندا إن اللي في دماغها ده عمره ما هيحصل عشان تخف عن الضيفة شوية، أنا مش عاوز وجع دماغ.
عارف وهو ينهض من مكانه متنهدًا: ما هيش طايقال لي كلمة، أبقى قول لها أنت... يمكن تصدقك.
جلال وهو يزفر أنفاسه: ماشي، أما أشوف.
عارف: بقول لك يا جلال، كنت عاوز أقول لك حاجة كده.
جلال: ما تتكلم على طول، في إيه؟
عارف: فؤادة.
جلال باستغراب: مالها؟
عارف: لوحدها يا جلال، لوحدها في مكان غريب عنها، وناس غريبة عنها، ومن اللي بتشوفه حاسة إنها منبوذة، وده كتير عليها.
جلال: وأنا أعمل لها إيه يعني؟
عارف: على الأقل فهمها الدنيا فيها إيه يا جلال.
جلال: أنا مش فاضي للكلام ده، ولا فيا دماغ.
عارف: مش ذنبها يا جلال، البنت فجأة لقت روحها هربانة من عمها ومن عريس الغفلة، وفجأة لقت روحها متجوزة واحد ما تعرفوش، وعايشة وسط ناس مقلقين من ناحيتها، ومتحدد إقامتها، يا مؤمن ده حتى الهدوم اللي بتلبسها مش هدومها، أنت لو مكانها هتبقى مبسوط؟
جلال زافرًا: لا يا سيدي ما كنتش هبقى مبسوط، بس أنا في إيدي إيه أعملهولها دلوقتِ برضه.
عارف: تاني يا جلال، ما أنا لسه بقول لك، على الأقل فهمها عشان تعرف تشوف اللي بيحصل مظبوط.
وعندما وجد جلال صامتًا وكأنه يوازن الأمر بعقله قال: دي ساعة زمن يا جلال، مش هتقعد تفهمها طول اليوم يعني، على الأقل تعرف إنك عامل على مصلحتها ومصلحتك، مش مجرد تحكمات وخلاص.
جلال بامتعاض: ماشي، هبقى أتكلم معاها.
عارف: ماشي، أنا خارج.
جلال بابتسامة: هتتسرمح برضه؟
عارف بضحك: آه هتسرمح، تيجي تتسرمح معايا، في النهاردة ندوة ثقافية تجنن.
جلال بسخرية: وعرفت منين إنها تجنن بقى إن شاء الله؟
عارف بغرور: لأن أنا اللي هديرها.
جلال وهو يومئ برأسه: ماشي يا عم، ربنا معاك، اتكل على الله.
عارف وهو يتجه للخارج: كله على الله يا عمنا، وما تنساش اللي قلت لك عليه.
جلال: ماشي.
بعد نصف ساعة خرج جلال من غرفة المكتب، وجد والدته تجلس ببهو المنزل بصحبة سلوى وأدهم والصمت يخيم على المكان، فذهب وجلس بجوار حسنة وهو يقول: ما أسكت الله لكم حسًا، مالكم قاعدين ساكتين كده يعني، في حاجة ولا إيه؟
لتنظر له حسنة تتنهد قائلة: الدنيا بتمطر وندا ما خلتهمش يخرجوا بره، خافت عليهم، فقاعدين زعلانين.
لينظر جلال إلى أدهم وسلوى ببعض العتاب وقال: وإيه الجديد يعني، ومن امتى بنخرج نقف تحت المطر، احنا المفروض كبرنا ولا إيه؟
سلوى بحزن: احنا بس كنا عاوزين نقعد تحت الشمسية نتفرج.
ليأتيه صوت ندا وهي تقول باعتراض وتهكم: طبعًا... ما هو لما نشوف الكبار بيعملوا كده، هيفكروا إن ده عادي وعاوزين يقلدوه.
جلال: ومين بقى الكبار اللي عملوا كده؟
ندا بسخرية: الضيفة العزيزة يا سي جلال، أول المطرة ما ابتدت، لقيناها طالعة من الأوضة وواخدة في وشها وراحت قعدت تحت المطرة، ولسه لغاية دلوقتِ قاعدة تحتها.
جلال وهو ينهض من مكانه ويتجه إلى الباب الخارجي: دي مجنونة دي ولا إيه، دي زمانها عييت.
ندا: آه ما هي الظاهر خدت على كده، هي تعيا واحنا نعالجها، ما احنا ما بقاش ورانا غيرها.
حسنة ببعض الضيق: البنت قاعدة تحت الشمسية يا ابني، ما فيهاش حاجة.
ندا بامتعاض: وهي بقى كده في أمان يعني، أسيب العيال بقى يخرجوا يقعدوا معاها ويعيوا عادي، ما هم بقى تحت الشمسية؟
كان جلال قد وصل إلى الباب وعندما نظر إلى مكانها وجدها تجلس تحت البرجولة التي صنعها والدهم بالماضي لكي تحميهم من الشمس والأمطار وقت لهوهم، فوقف يراقبها عندما وجدها تجلس وهي شاخصة البصر إلى السماء، مغمضة العينين، ووجهها ملئ بالدموع، تضع كفوفها على قدميها في وضع الدعاء وتتمتم بشفاهها دون توقف في خشوع شديد.
لا ينكر أن منظرها يوحي بالألم ولكنه بعد بعض المراقبة استدار لندا وقال: خفي السلخ شوية يا ندا، اللي في دماغك ده أبعد ما يكون عن بالي، اهدي على نفسك عشان غلط عليكي.
ندا باضطراب: هو إيه ده اللي في دماغي؟ مش فاهمة.
جلال بهدوء: لا فاهمة، وأنا مش عيل صغير، اعقلي.
لتهرب ندا بعينيها إلى عينا حسنة والتي وجدتها هي الأخرى تحرك رأسها يمينًا ويسارًا بغير رضا.
بعدما انتهى جلال من حديثه مع ندا جذب المظلة المعلقة بجوار الباب وقام بفتحها وخرج من الباب وهو يتوارى بها من الأمطار حتى وصل إلى فؤادة وقال بهدوء ولكن بصيغة الأمر: قومي معايا عاوز أتكلم معاكي شوية.
لتفتح فؤادة عينيها فجأة عندما تفاجأت به جوارها دون أن تشعر به، ليجد أن عينيها ككتلتين من الدماء من أثر بكائها المستمر، ووجدها ترفع يدها بسرعة لتمسح عن عينيها بظهر كفوفها وأكمامها وهي تخفض رأسها وتواري عينيها عن عينيه فقال: قومي معايا يالا وامشي تحت الشمسية عشان ما تتبليش.
فؤادة باعتراض: ممكن تنتظر شوية لما المطرة تخلص؟
جلال: وافرضي ما خلصتش، هتفضلي قاعدة كده لبكرة؟
فؤادة بعند: لا طبعًا، أكيد هقوم، بس عشان أصلي المغرب، مش أكتر.
جلال: لسه المغرب هيأذن بعد ربع ساعة.
فؤادة وهي تشيح بنظرها عنه: يبقى هدخل بعد ربع ساعة.
جلال وهو يدير ظهره تاركًا إياها وعائدًا للداخل: براحتك أنا كنت هفهمك اللي بيحصل مش أكتر، بس طالما مش عاوزة أنتِ حرة.
وما أن انتهى من آخر كلمة حتى قالت فؤادة بلهفة: استنى لو سمحت، أنا خلاص جاية معاك.
جلال بتهكم: بس لسه المطرة ما خلصتش.
فؤادة بكبر: معلش... تتعوض إن شاء الله.
ليشير لها جلال بالسير أمامه وهو يغطي رأسها بمظلته ويمشي خلفها حتى وصلا لباب المنزل ودلفا إلى الداخل، لتجري سلوى إلى فؤادة قائلة: هي المطرة خلصت يا طنط فؤادة؟
فؤادة: لا يا حبيبتي، لسه ما خلصتش.
سلوى بخفوت: كنت عاوزة أجي أقعد معاكي وأتفرج عليها بس خالتو مش رضيت.
فؤادة: معلش يا حبيبتي، هي أكيد خافت عليكي لاهدومك تتبل.
سلوى وهي تتفحص ملابس فؤادة: بس أنتِ مش اتبليتِ.
فؤادة: ده بس عشان أخدت بالي واتداريت منها على طول، المرة الجاية إن شاء الله ابقي اتفرجي عليها من الشباك وأنتِ بتدعي.
سلوى: ماشي.
جلال وهو يشير إلى فؤادة اتجاه غرفة المكتب: اتفضلي.
لتومئ برأسها وتسبقه إلى الداخل وتجلس في انتظار ما سيقوله لها.
ودلف جلال خلفها بعد أن طلب القهوة والشاي من أم إبراهيم وجلس أمامها وقال: أنا هحكي لك عشان بس تبقي فاهمة أنا ليه بعمل كده، لكن لازم تعرفي إني مش هغير أي حاجة في اللي بعمله ولا مسموح لك إنك تدخلي في أي حاجة من اللي بعملها، ولا تحكي لأي مخلوق عن كلمة واحدة من اللي هقولها وخصوصًا ولاد عمك، ده شرطي الأساسي إني أتكلم معاكي وأحكي لك... قلتِ إيه؟
رواية فؤادة الفصل السادس 6 - بقلم ميمي عوالي
أومأت فؤادة برأسها بهدوء قائلة: من غير ما حضرتك تقول، أنا أصلاً مش من طبعي إني أحكي حاجة ما تخصنيش.
جلال: أتمنى تكوني عند كلمتك وتبقى أهل للثقة اللي هحطها فيكي.
لتقف فؤادة وهي تحاول كبت غضبها قائلة: حضرتك مش مضطر تتكلم طالما ما بتثقش فيا، عن إذنك.
لتستدير وهي تستعد لمغادرة الغرفة، لينهض جلال قائلاً بقوة: أنا طبعًا ما قصدتش كده.
لتلتفت إليه مرة أخرى قائلة بقوة: أومال قصدت إيه؟ كل كلامك بيقول إنك ما عندكش ثقة فيا، وعندك حق طبعًا، أنت تعرفني منين عشان تثق فيا؟ واحدة لقيتها مرمية في الطريق، جبتها بيتك وعالجتها وحميتها وأويتها وخليتها مديونالك فوثقت فيك ومشيت وراك وهي مغمضة عينيها، لكن أنا بقى... قدمتلك إيه في المقابل عشان تديني الثقة دي؟ ولا حاجة غير المشاكل والقلق.
جلال بحزم: اقعدي يا فؤادة واهدي عشان تفهمي الحكاية.
كانت فؤادة تقف ويدها متشبثة بملابسها دليل على غضبها المكبوت بداخلها والذي قد بدأ جلال بمعرفته عنها، فقال لها مرة أخرى: اهدي واقعدي واسمعي ويمكن لما تسمعي تعذريني على كل ده.
لتنظر له فؤادة بتردد، لكنها جلست مكانها وهي ما زالت تعبث بيدها في ملابسها.
جلال وعيناه ترتكز على عينيها: الهلالي هو اللي قتل هدى.
فؤادة بشهقة: إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ أنا اللي عرفته إنها ماتت وهي بتولد سلوى.
جلال: دي نص الحقيقة بس.
فؤادة بفضول: والنص التاني؟
ليبدأ جلال في قص كل ما حدث ليلة الحادثة حتى ولادة سلوى، كانت فؤادة تستمع إليه وعيناها تمتلئ بالدموع حتى فرغ من حديثه فتفاجأ بها تقول وسط نحيبها: ذنبها إيه المسكينة دي تعيش محرومة من أمها؟ حسبنا الله ونعم الوكيل، ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها وجففت دموعها وهي تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يصبرك ويعوضك خير.
كان جلال مندهشًا من سرعة تحولها لكنه قال: وعشان كده قلت إن ليا تار عنده، وآن الأوان إني آخده بقى.
فؤادة بفضول: طب وهتاخده إزاي؟
جلال: دي بالذات هتعرفيها بعدين.
لتومئ فؤادة رأسها ثم قالت بخفوت: طب هو أنا ممكن أسأل حضرتك سؤال تاني؟
جلال: اسألي.
فؤادة: هو ليه في بعض الأشخاص هنا مش مرحبين بيا وحساهم كارهيني؟
ليصمت جلال قليلًا ثم قال: ما تزعليش من ندى، ندى كانت أخت مراتي، وعز عليها إنها تشوف حد تاني مكانها.
فؤادة: بس أنا مش مكانها.
جلال: معلش استحمليها، ندى طيبة جدًا وكانت بتحب هدى ومتعلقة بيها لأقصى درجة.
فؤادة: بس أنا برضه مش فاهمة إيه علاقة اللي حضرتك حكتهولي بإنك مش عاوزاني أروح بيتي.
جلال بدهشة: تاني؟ هو ما فيش فايدة.
فؤادة بتمرد: هو إيه اللي تاني وأولاني؟ حضرتك حكيتلي على حاجة مالهاش أي علاقة بوجودي هنا من عدمه.
جلال بفروغ صبر: يا بنتي افهمي، أنتِ لو خرجتي من هنا في خطر عليكي.
لتقول فؤادة ببهوت: خطر إيه اللي تقصده؟
جلال: المفروض إنك فاهمة إنهم عاوزينك تتنازلي عن ورثك ليهم، ولو وصلولك مش هيسيبوكي غير وأنتِ متنازللهم عن كل قرش وكل فدان تملكيه.
فؤادة: بس هم هيعرفوا منين إني مشيت؟ المفروض إنهم فاهمين إني خلاص كده اتجوزت وبعدت.
جلال بسخرية: لا طبعًا، بدليل إنهم مراقبين البيت هنا من تاني يوم قدمتي فيه البلاغ.
فؤادة بخوف: طب يعني هفضل كده طول عمري؟
جلال: لا طبعًا، أنا بس عاوزك تصبري أسبوعين مش أكتر، وكل حاجة هتنتهي، ووقتها هتبقي حرة تعملي كل اللي أنتِ عاوزاه.
لتركز فؤادة نظرها على ملامح جلال للمرة الأولى منذ مجيئها لديهم، لتلاحظ ملامحه الجادة، ولم تعلم لما شعرت بالثقة اللا متناهية في حديثه لها، وكأنها تعرفه منذ سنوات طوال، ولاحظت أيضًا عيونه المركزة دائمًا على حركة يديها والتي كانت تزيد من توترها.
وعندما لاحظ جلال صمتها رفع عيونه عن يدها لينظر بوجهها ليجدها تنظر إليه بتركيز شديد فنهض من مكانه وأمسك عصاه وهو يقول: متهيألي أنا كده وضحتلك الأمور ماشية إزاي، وأتمنى إني ما أضطرش أعيد الكلام ده مرة تانية.
لتومئ فؤادة برأسها وتقول ببعض الضيق: أنا مخي نضيف على فكرة وبفهم.
جلال: هو أنتِ ليه دايماً بتتكلمي بأسلوب الدفاع وكأني بهاجمك؟
فؤادة باندفاع: لإن حضرتك بتكلمني أكنك بتكلم طفلة صغيرة أو موظفة عندك، في حين إني ما حصلش مني أي حاجة تقول إني عملت حاجة غلط.
جلال بصوت عالي: ومش ملاحظة إنك على طول معترضة وعلى طول مش عاجبك اللي بيحصل؟
فؤادة وهي ما زالت غاضبة: ده لإني ما كنتش فاهمة إيه اللي بيحصل، وحضرتك كنت مهمشني ولا كأن اللي بيحصل ده يخصني زيك بالظبط.
جلال بتنهيدة: هو إحنا مش هنبطل خناق كل ما نكون بنتكلم مع بعض؟
لتنظر فؤادة له بتردد ثم تقول: أنا آسفة، ثم ترفع صوتها مرة أخرى قائلة: بس برضه أنا ما عملتش حاجة تستدعي إنك تكلمني بالأسلوب اللي حضرتك بتكلمني بيه ده.
جلال وهو يزفر أنفاسه بحرارة: خلاص يا فؤادة، أنا خلصت اللي عاوز أقولهولك.
فؤادة بصدمة: أنت بتطردني بالذوق... مش كده؟
جلال بفروغ صبر: لا مش كده، لإن أنا اللي عندي مشوار ومضطر أسيبك، عن إذنك.
وبعد أن أمسك عصاه وتركها وتوجه إلى الباب وسط دهشتها، عاد مرة أخرى ووقف أمامها وتنحنح قائلًا: بكرة على الغدا، هيبقى موجود معانا مرات عمي واللي تبقى والدة ندى وهدى الله يرحمها، وكمان ابن عمي أخوهم، وعلى ما أعتقد إن ندى أكيد هتكون حكيتلهم على اللي حصل وبالتالي...
فؤادة وهي تقاطعه بحزن: وبالتالي أعدائي بكرة هيبقوا ثلاثة مش واحد بس.
جلال: حاولي تتفهمي موقفهم، وتفهمي إن لو حصل حاجة إنهم ما يقصدوكيش أنتِ بالذات.
لتومئ فؤادة رأسها وتتركه وتذهب هي هذه المرة دون كلمة واحدة، ليتنهد جلال بقوة وكأن همًا ثقيلًا قد انزاح من على عاتقه ولكنه أعاد نظره مرة أخرى إلى باب الغرفة وهو ينظر في أثرها قائلًا بخفوت: بني آدمة مجنونة، البت دي عندها شيزوفرينيا، لينفتح الباب فجأة ويجد حسنة تقف أمامه قائلة: فاضي يا جلال؟
جلال: خير يا أمي في حاجة؟
لتتقدم حسنة إلى الداخل وهي تغلق الباب خلفها وتقول: كنت عاوزة أتكلم معاك يا ابني شوية.
جلال: تحت أمرك يا أمي، اؤمريني.
لتجلس حسنة إلى جواره قائلة: الأمر لله من قبل ومن بعد.
جلال: خير، في حاجة واللا إيه؟
حسنة: في إن زينب جاية بكرة.
جلال: أهلًا وسهلًا، تنور.
حسنة بامتعاض: ما تستغباننيش يا جلال، أنت فاهم كويس أنا بتكلم على إيه.
جلال: طب أنا إيه اللي في إيدي أعمله بس يا أمي؟
حسنة: يا جلال يا ابني، رغم إن جوازك من فؤادة أنا وأنت عارفين وفاهمين سببه، لكن ده مش معناه أبدًا إننا نعرض البنت للإهانة والتجريح وهي تحت سقف بيتنا.
جلال باستغراب: وهو مين اللي أهانها أو جرحها بس يا أمي؟
حسنة بدهشة: أنت عاوز تفهمني إنك مش شايف عمايل ندى معاها؟ ما بالك بقى لما زينب كمان تنضملها؟ ده قليل إن ما خنقوها بإيديهم.
جلال: مش للدرجة دي يعني يا أمي، ليه يعني...
ريا وسكينة
حسنة بامتعاض: يعني مش ناوي تحمي البنت منهم بكرة؟
جلال بمهادنة: طب قوليلي أحميها إزاي وأنا هحميها، عاوزاني أعمل إيه؟
حسنة: على الأقل تنبه على ندى مالهاش دعوة بيها.
جلال: لاء، ده إنتِ كده عاوزاها تاكلها رسمي. إلا هي شايفة بنفسها أنا بتعامل إزاي وهاين عليها تولّع فيها، أومال بقى لو طلبت منها حاجة زي دي هتعمل إيه؟
حسنة بقلة حيلة: ما أنا غلبت يا ابني كلام معاها وهي كل ما دا وبتعند أكتر، وبصراحة فؤادة صعبانة عليا، كفاية وحدتها وسطينا.
ليتنهد جلال ويقول: المفروض حسين هو اللي يتكلم مع ندى يا أمي مش أنا.
حسنة بسخرية: حسين؟ كسبنا صلاة النبي، حسين ده بقى عامل زي الضيف، بيسمع أخبارنا من بعيد لبعيد وسالت إيده من كل حاجة.
جلال: أنا حاسس إن في مشكلة معينة بينه وبين ندى، ومن فترة، بس مش قادر أفهم إيه سبب البرود اللي بينهم ده، ما كانوش كده لحد سنة فاتت، ما أعرفش إيه اللي حصل لهم.
حسنة بترقب: أقول لك وماتجبش سيرة، وتخلي الكلام بيني وبينك.
جلال: ومن إمتى يا أمي فتشْت سرك؟
حسنة بهم: بصراحة، ندى مانعة نفسها عن حسين بقالها أكتر من سنة دلوقتي.
جلال: إيه الكلام الفارغ ده؟ وعرفتي السبب؟
حسنة: عاوزاه يسيب المستشفى ويبقى إيده بإيدك في الأرض والجناين.
جلال باستغراب: ومن إمتى ندى شاغلة نفسها بالكلام ده؟
حسنة: أهو جنان بعيد عنك، ومن ساعة ما حسين زعقلها وقال لها تشيل الكلام الفارغ ده من دماغها، وهي بتنام مع العيال في أوضتهم.
جلال: وإنتِ إزاي ساكتة على الموضوع ده؟
حسنة بقلة حيلة: ما حدش دخلني يا ابني عشان أتصرف، ده أنا عرفت بالصدفة لما سمعتهم غصب عني وهم بيزعقوا مع بعض من أسبوعين، واتفاجئت إن الحكاية جذورها من سنة دلوقتي.
كنت كل ما أشوفها نايمة في أوضة العيال وأسألها تقول لي دي ليلى كانت بتعيط، ده أدهم صحى قلقان، أو تقول لي إنها كانت بتشقر على سلوى، وأنا عشان ما كنتش أعرف حاجة كنت بصدّقها، لكن لما سمعت خناقهم ربطت كل ده باللي سمعته.
جلال: طب وهو حسين ليه سايبها؟
حسنة: مش عارفة يا ابني، حسين أصلاً من وقت ما كانت ندى حامل في ليلى، وهو بينتقدها في تصرفات كتير وبيحاول يصلحها وهي ما فيش فايدة.
ثم قالت وهي تنتقد الحال: البطن قلابة، مين يقول إن ندى تبقى أخت هدى الله يرحمها؟ كانت زي النسمة، ومطيعة وقنوعة، إنما ندى... لا حول ولا قوة إلا بالله.
جلال: طب ما تحاولي تتكلمي معاها واكنك لاحظتي نومها المتكرر مع الولاد.
حسنة: لا يا ابني، أبعدني عن ندى ومشاكلها، ردودها بقت عفية بزيادة.
جلال بفضول: هي بترد عليكي وحش ولا إيه؟
حسنة: لا يا ابني، بس يا إما بتقاوح يا إما تسكت وما تردش، وأنا ما بقيتش صغيرة يا ابني ولا بقى فيا حيل للمناهدة دي كل ساعة والتانية.
جلال: طب أنا برضه المفروض أعمل إيه؟ أنا شايف إن الوحيد اللي بيعرف يتعامل معاها هو عارف.
حسنة برفض: يا اختي! لا والنبي اعمل معروف، دول بيقفوا لبعض على الكلمة وبقوا عاملين زي الديوك.
جلال بقلة حيلة: طب أعمل إيه بس؟ أقول لك، إيه رأيك... سيبيها على الله، واللي تخافي منه ما يجيش أحسن منه.
حسنة: ونعم بالله يا ابني، بس ابقى خد بالك إنت بس من كلامك معاها إنت كمان، ما هو مش هتبقى من كل يامة.
جلال: حاضر يا أمي، ما تقلقيش، ادعي إنتِ بس إن ربنا يهديها هي راخرة، أحسن ساعات بحس إنها مجنونة.
حسنة بضحك: إنت بس اللي بتنرفزها، بس هي طيبة وبنت حلال، إنت بس بطل تناكف فيها.
جلال: حاضر يا أمي، لما نشوف آخرتها.
في اليوم التالي
كانت فؤادة تجلس بالحديقة، لتأتي سلوى وتجلس بجوارها وتقول: طنط فؤادة، هو إنتِ ممكن تعملي لي شعري زي المرة اللي فاتت؟
فؤادة بتردد: ما طلبتيش ليه من خالتو يا سلوى؟
سلوى: خالتو مش بتعملها حلوة زيك، أنا عاوزاكي إنتِ تعمليهالي.
فؤادة بتردد أكبر: أصل خالتو بتزعل يا سلوى لما حد بيسرح لك شعرك غيرها، وأنا مش عاوزاها تزعل.
سلوى: ما هي قالت لي إنها مش فاضية دلوقتي.
ليأتيهم صوت عارف من خلفهم قائلاً: ما تشغليش دماغك كتير بندى وعمايلها يا فؤادة، واتصرفي براحتك.
فؤادة بخجل: أنا بس مش عاوزة أحس إني اقتحمت حياتكم وغيرت لكم نظامكم بدون وجه حق.
عارف بضحك: وهو إنتِ لما تعملي لسلوى شعرها تبقى اقتحمتي حياتنا؟ أومال بقى لو طبختي لنا أكلة كده ولا كده تبقى حطتينا في الأسر على كده؟
فؤادة بضحك: هي وصلت للأسر؟
عارف لسلوى: روحي يا سلوى هاتي فرشة شعرك وحاجتك لطنط فؤادة وهي هتعملهولك يالا.
لتسرع سلوى إلى الداخل وتعود بعد قليل بفرشاتها وشرائطها وتعطيهم لفؤادة قائلة: أنا المرة دي عاوزة ضفاير كتير أوي.
فؤادة باستغراب: إنتِ إيه حكايتك مع الضفاير الكتير؟
سلوى: شفت في المجلة صورة لبنت عاملة شعرها ضفاير كتير أوي، وكان شكلها حلو أوي.
فؤادة بهدوء: بس مش شرط يا لولو إن اللي يليق على حد يليق علينا، إنتِ كان لايق عليكي بتاعة المرة اللي فاتت وعشان كده هعمل لك زيها اتفقنا؟
سلوى: طب عاوزاكي تقصي لي قُصة.
فؤادة: لا... إحنا كده لازم نستأذن من الكبار.
عارف: استئذان إيه يا بنتي؟ دي قُصة مش حاجة يعني، قصيها لها.
فؤادة برفض: لا يا أستاذ عارف، ممكن باباها يزعل أو جدتها، شعرها بالذات لازم تستأذن في حاجة زي دي.
ليخرج عارف هاتفه ويحادث جلال الذي كان من الباكر بحدائق الموالح، وما إن رد عليه جلال حتى قال عارف: بأقول لك يا جلال، سلوى عاوزة فؤادة تقص لها القُصة بتاعتها، إيه رأيك؟
جلال: قُصة إيه اللي متصل بيا عشان تسألني عليها يا عارف؟
عارف ضاحكًا: والله أنا قلت كده، بس فؤادة ما رضيتش تقصها لها إلا لو تستأذنك عشان قال إيه... احتمال ما توافقش.
جلال: لا يا سيدي خليها تقصها لها، يالا سلام عشان التاجر وصل.
وبعد أن أغلق عارف الهاتف، أشار لفؤادة بيده وقال: اتفضلي يا ستي قصي لها القُصة اللي هي عاوزاها.
لتمد سلوى يدها بالمقص لفؤادة قائلة: يالا يا طنط.
لتمسك فؤادة بالمقص وتسمي الله، ثم تمد يدها باتجاه شعر سلوى فتقص لها غُرّتها برقة وأناقة، ليمدحها عارف بعد انتهائها وتسعد بها سلوى جدًا، لتسرع إلى الداخل كي تريها لخالتها وجدتها.
وما إن دخلت سلوى حتى صاحت بفرحة: شفتوا شعري والقُصة بتاعتي حلوين أوي إزاي بعد ما طنط فؤادة عملتهالي؟
لتنظر لها حسنة بابتسامة قائلة بحنان: حلوة يا حبيبتي جميلة.
أما ندى ما إن رأتها حتى نهضت وتوجهت إلى الخارج بغضب دون كلمة واحدة حتى وصلت إلى فؤادة وعارف وقالت بغضب ودون مقدمات: هو أنا مش قلت لك قبل كده ما تمديش إيدك على شعر سلوى، وإني ما بأحبش حد يسرح لها شعرها غيري؟ ليه اتعمدتي تعملي عكس كلامي؟ وكمان إزاي جات لك الجراءة إنك تحطي مقص في شعرها من غير إذني؟ ها... انطقي!
عارف بحزم: استأذنت جلال وجلال وافق يا ندى، وما فيش داعي أبدًا للأزعرينا اللي إنتِ عاملاها دي.
ندى وكأنها لم تسمع عارف: إنتِ لازم تفهمي إنك هنا مش أكتر من ضيفة ولفترة محدودة جدًا كمان، فبلاش تتخطي حدودك أحسن لك، وبق الماية اللي تشربيه هنا لازم يبقى باستئذان.
عارف بغضب: ندى... الزمي حدودك.
لتلتفت ندى اتجاه عارف بغيظ قائلة: أنا لازمة حدودي كويس أوي يا سي عارف، الدور والباقي على اللي مش عارفين جايالنا من أنهي داهية.
ليأتيهم صوت حسين غاضبًا وهو يقول: ندى...
ادخلي جوه.
لِتَنظُر ندى له بِتَهَكُّم دون أن تتحرك من مكانها، حتى وصل إليهم حسين فقال مرة أخرى ولكن بغضب أقل:
أنا مش باقول لك تدخلي جوه.
ندى بسخرية:
وأنا مش ح أدخل جوه يا حسين. ها... حتعمل إيه؟
لِيرفع حسين يده عاليًا وكاد أن يلطم ندى على وجهها لولا أن حال عارف بين يده وندى وقال بتحذير:
أنت اتجننت؟ من إمتى بنرفع إيدينا على أَي ست؟
ندى بِغِلّ:
من يوم ما وش الغراب دخلت بيتنا.
حسين بغضب:
لا... لما تتجاوزي حدودك وتبقي محتاجة تتأدبي. إحنا من إمتى بنتعامل كده مع ضيوفنا؟ أنتي إيه اللي جرالك؟ مش عاوزة تلايميها ليه؟ مشاكلك بتكتر وبتكبر يوم ورا يوم ليه؟
ندى بصراخ:
مش عاوزاها هنا! مش عاوزاها في بيتي!
لِتَلتفِت اتجاه فؤادة قائلة:
اطلعي بره حياتنا بقى!
ولكنها لم تجد فؤادة مكانها لِتَتلفت باحثة عنها بعينيها فلم تجدها. وعندما همَّت للحاق بها بالداخل سمع الجميع صوت طلق ناري وصرخة مدوية بصوت فؤادة يأتي من خارج أسوار المنزل، لِيُهرَع الجميع نحو صوت الصرخة لِيَجدوا فؤادة ترقد على الأرض وحولها بركة من الدماء. لِيُسرِع حسين بالانحناء عليها لِيَجد أن طلقة الرصاص قد اخترقت كتفها وخرجت من الجهة الأخرى لِيقول بصوت عالٍ:
حد يجيب حاجة أربط لها كتفها ده بسرعة عشان ما تنزفش أكثر من كده. وأنت يا عارف ساعدني نشيلها نوديها العربية عشان ننقلها المستشفى بسرعة.
لِيَجدوا كريم والذي كان قد وصل لتوه يخلع كوفيته من حول رقبته ويمدها إلى حسين الذي أخذها منه سريعًا وربطها حول كتف فؤادة ثم حملها بمساعدة عارف وذهبوا باتجاه سيارة كريم الذي قال:
هاتها على عربيتي. لسه دايرة ما فصلتهاش.
فقال حسين سريعًا وهم ينطلقون بالسيارة:
ما حدش يكلم جلال. أنا حأكلمه.
حدث كل شيء في ثوانٍ معدودة. وعندما جاءت حسنة من الداخل تسأل عن سبب الجلبة التي حدثت قالت لها سلوى وهي باكية:
طنط فؤادة اتعورت وعمو حسين وعمو عارف ودوها المستشفى بعربية خالو كريم.
حسنة بلهفة وهي تسأل ندى:
اتعورت إزاي؟ حصل لها إيه؟
كانت ندى تقف شاحبة اللون مرتعشة الأطراف مبللة الأعين والوجه من أثر دموعها، فلم تكن تتخيل للحظة أن يحدث كل هذا. وعندما وجدتها حسنة على هذه الهيئة تقدمت منها وأمسكت كتفها بحذر قائلة:
فؤادة حصل لها إيه يا ندى انطقي؟
فرفعت ندى عينيها إلى حسنة وقالت بارتعاش:
في حد ضرب عليها نار.
حسنة بلهفة:
نار؟ وحصل لها إيه؟ ما تنطقي يا بنتي وتقولي لي حصل لها إيه؟
لِتقول زينب والتي لم تنتبه لها حسنة:
بالراحة يا حسنة. أنتي مش شايفة وشها عامل إزاي؟
حسنة:
لا مؤاخذة يا زينب. ما خدتش بالي أنك وصلتي. نورتي يا أختي. بس حد يطمني على الغلبانة الثانية دي.
زينب:
إحنا ما نعرفش حاجة. إحنا لسه بنركن العربية وحصل اللي حصل وخدوها وجريوا على المستشفى.
حسنة بحزن شديد:
عيني عليكي يا بنتي. هات العواقب سليمة يا رب. كلمتوا جلال عرفتوه؟
ندى بتردد:
حسين قال ما حدش يكلمه. هو حيكلمه.
في المستشفى، كان حسين وعارف وكريم يجلسون أمام غرفة العمليات بترقب ينتظرون أي خبر يطمئنهم على فؤادة. وسمعوا صوت خطوات من على بُعد علموا على الفور أنها لجلال، وما أن وصل إليهم حتى قال موجهًا سؤاله إلى إخوته:
اللي حصل ده حصل إزاي؟
لِيتَبادل عارف وحسين النظرات بحذر ولم يجبه أحد مما أثار غضب جلال فقال:
غبية! غبية! حذرتها أنها تتحرك بره البيت وهي دماغها أنشف من الحجر. ما فيش فايدة فيها.
عارف:
ما تظلمهاش يا جلال.
جلال بغضب:
أظلم إيه وأَنَيِّل إيه؟ هي صغيرة عشان ما تفهمش الوضع اللي هي فيه؟ بتعاند لمجرد العند؟ هو أنا حألاقيها منين ولا منين؟
حسين وهو يمسك جلال من كتفه:
اهدأ يا جلال وبالراحة شوية ما تنساش أننا في المستشفى. ادعُ أنها تيجي سليمة وتخرج بألف سلامة.
لِيَكبت جلال غضبه ويجلس على أقرب مقعد لديه وهو يضع رأسه بين يديه. وبعد ما يقرب من الساعتين يخرج الطبيب من غرفة العمليات لِيُسرعوا إليه جميعًا فيقول حسين:
طمنا يا دكتور سيف.
سيف:
الحمد لله يا جماعة. الرصاصة دخلت وخرجت من مكان ما فيهوش أجهزة حيوية وده في حد ذاته فضل كبير من ربنا. بس المشكلة أن الطلقة جت قريب جدًا من الوتر المسؤول عن حركة ذراعها. وإحنا حاولنا بكل طاقتنا أننا نعالج ده. بس هي طبعًا نزفت كثير أوي. ومش حيُبان النتيجة غير بعد ما تفوق إن شاء الله.
حسين:
طب أنتم محتاجين دم ولا فصيلتها متوفرة هنا؟
سيف:
لا الحمد لله فصيلتها متوفرة وعملنا لها النقل بالفعل في العمليات. وحننقل لها كيس كمان في الأوضة بتاعتها مع المحاليل.
حسين:
للدرجة دي نزفت كثير؟
سيف:
جدًا. الحمد لله أنها جت على قد كده. هي حتخرج دلوقتِ على أوضة خاصة بيها. وأنا خليت المستشفى تبلغ البوليس وأعتقد أنهم حيبقوا متواجدين في أقرب وقت.
وبالفعل ما أن وصلت فؤادة إلى غرفتها وتم تعليق الدم والمحاليل لها، إلا ووجدوا أحد الأشخاص يتقدم إليهم معرفًا نفسه لجلال قائلًا:
أستاذ جلال. حضرتك تبقى زوج المجني عليها مش كده؟
جلال:
أيوه أنا. مين حضرتك؟
علاء:
أنا المقدم علاء. وجاي بخصوص ضرب النار اللي حصل لمدام فؤادة. يا ترى حضرتك بتتهم حد معين باللي حصل ده؟
لِيَأتيهم صوت سالم قائلًا بِغِلّ:
أنا باتهم جوزها أن هو اللي ورا اللي حصل.
علاء:
مين حضرتك؟
سالم:
أنا عمها. وباتهم جوزها أن هو اللي ورا اللي حصل عشان يخلص منها ويستولي على ثروتها كلها.
جلال بغضب:
أنت جاي تسبق قبل ما اتهمك بعملتك؟ أنت ناسي أنك ماضي تعهد بعدم التعرض أنت والهلالي لسه من يومين؟
علاء:
واضح أن الموضوع كبير وله جذور.
لِيَأتيهم صوت نهاد وسلمى ووالدتهما وهم يبكون بحرقة. وهرعت إليهم نهاد قائلة:
حرام عليكم! اتطمنوا الأول عليها وبعد كده ابقوا اتخانقوا زي ما أنتم عاوزين. أنا عاوزة أشوفها.
لِيُسرع إليها عارف قائلًا وهو يحاول طمأنتها:
اتطمني. ما تقلقيش. الدكتور طمنا عليها.
نهاد وهي تنشج ببكائها:
طمنكم إزاي وهي مضروبة بالنار؟ هي وصلت لكده؟ أنا عاوزة أشوفها. دخلوني ليها.
لِيتحدث علاء قائلًا:
وحضرتك تبقي لها إيه؟
نهاد:
أنا بنت عمها وتعتبر أختي. من فضلك سيبوني أشوفها.
لِتقول سلمى من وسط دموعها:
أنا كمان من فضلك. أنا كمان عاوزة أشوفها أرجوك أنا كمان بنت عمها وزي أختها... أرجوك.
لِيَنظر لها علاء بشفقة ثم يسأل سيف قائلًا:
هي حالتها إيه؟ يا ترى أقدر أتكلم معاها؟
سيف:
هي حاليًا لسه تحت تأثير البنج. ومش حتفوق قبل ساعتين من دلوقتِ.
لِيُشير علاء لرجل أمن كان بصحبته وقال:
تفضل هنا على الباب ما تتحركش. وممنوع أي حد يدخل لها قبل ما أنا أتكلم معاها.
نهاد بلهفة:
بس أنا لازم أشوفها وأتطمن عليها.
علاء:
للأسف. مش حأقدر أدخلك ليها قبل ما أتكلم معاها بنفسي. وأوعدك أول ما يبلغوني أنها فاقت حأجي لها فورًا.
لِيَشعر عارف بالغضب من حديث علاء لنهاد ولكنه يظل مكانه دون أي رد فعل، أما جلال فقال:
وهو أنا كمان ممنوع أدخلها؟
علاء:
للأسف أيوه. أنت بقيت من المشتبه فيهم بعد اتهام عمها ليك.
جلال بغضب:
أنت حتصدقه؟ ده مجرد بيبعد الشبهة عن نفسه.
سلمى بغضب:
أنا بابا مش قتال قتلى حضرتك. آه كان زعلان منها. بس أكيد مش حيقتلها. دي مهما أن كان بنت أخوه.
علاء:
الكلام ده حنعرفه في التحقيقات. لكن مش حنقدر نبت في حاجة دلوقتِ. بعد إذنكم.
وبعد انصراف علاء يجلس سالم على كرسيه وهو يضع رأسه بين يديه، بينما تخرج نهاد هاتفها من حقيبتها عندما سمعت رنينه لترد قائلة:
الحقني يا محمد. ضربوا فؤادة بالنار. أنا محتاجة لك وهي كمان. أنت لازم تيجي.
رواية فؤادة الفصل السابع 7 - بقلم ميمي عوالي
عندما استمع عارف لحديث نهاد في الهاتف مع أخيها، واستمع لاسم محمد، لم يكن يعلم أنه أخيها، فاشتعلت النيران في صدره وأخذ يسأل نفسه عن هذا المدعو محمد وعلاقته بها.
وظل الحال على ما هو عليه لمدة ثلاث ساعات، والجميع في انتظار أن تفيق فؤادة، ولكنها ما زالت تحت تأثير المخدر ولم تسترد وعيها بعد، ليقول جلال ببعض القلق:
"ما تسأل صاحبك ده يا حسين عن سبب تأخيرها بالشكل ده، ده قال ساعتين وأهو عدى ثلاث ساعات ولسه ما فاقتش لحد دلوقتي."
حسين:
"ما تقلقش يا جلال، أحيانًا بيبقى الجسم محتاج راحة فبتستمر في البنج أكنها نايمة."
جلال بضيق:
"بس عاوزين نتطمن عليها، طب ادخل أنت بص عليها، هو أنت مش دكتور هنا؟"
لينهض حسين قائلًا بهدوء:
"اهدَى وأنا هخليه يبقى يبص عليها."
وبعد خمس دقائق عاد حسين بصحبة سيف، ودخل سيف مصطحبًا معه حسين إلى فؤادة وغابا بالداخل عشر دقائق، ثم عادا إليهم وقال سيف:
"هي فاقت الحمد لله، بس طبعًا الألم شديد عليها وعشان كده اديتلها مسكن هيخليها تنام تاني."
جلال:
"وموضوع ايدها؟"
سيف:
"لا تمام الحمد لله، ما فيهاش أي مشاكل."
جلال:
"طب مش هينفع ندخل نشوفها ونتطمن عليها؟"
سيف بأسف:
"للأسف، لازم ننفذ كلام الظابط، أنا هكلمه دلوقتي وهبلغه بالتطورات."
جلال:
"طب هي هتفوق تاني امتى؟"
سيف:
"مش قبل بالليل."
لتتقدم منهم نهاد قائلة:
"طب ما ينفعش أدخل أقعد جنبها عشان لما تفوق ما تبقاش لوحدها؟"
سيف باعتذار:
"لو كان بإيدي كنت سمحتلك، لكن أديكي شايفة الوضع عامل إزاي."
كان كل ذلك يحدث بالقرب من سالم الذي كان جالسًا بكرسيه ولم يتحرك منذ مجيئه ولم يغير وضع جلسته، فاقتربت منه سلمى ووضعت يدها على كتفه قائلة:
"بابا.. هو حضرتك هتفضل قاعد كده.. أنت كويس؟"
ليرفع سالم وجهه إلى ابنته بجمود وينهض من مكانه قائلًا:
"هخرج أعمل تليفون وأرجع لكم."
ليتركهم ذاهبًا إلى الخارج ليشير جلال بعينيه لعارف فيخرج بهدوء خلفه وهو يتتبعه عن بعد، ثم استدار جلال لحسين قائلًا:
"فؤادة لما فاقت ما قالتش أي حاجة؟"
حسين بأسف:
"اعتذرت ونامت على طول."
جلال باستغراب:
"اعتذرت عن خروجها ولا عن إيه بالضبط؟"
حسين بتنهيدة:
"اقعد وأنا هحكيلك اللي حصل بالضبط."
ليقص حسين على جلال كل ما حدث على مسمع ومرأى من كريم، وبعد أن فرغ من حديثه قال جلال بغضب مكبوت:
"ندا زودتها أوي يا حسين، وأنا مش راضي أوجهلها أي عتاب عشان تشيل كل الهبل ده من دماغها وبرضه ما فيش فايدة."
كريم بإحراج:
"معلش يا جلال اعذرها، أنت عارف هي بتحب سلوى وخايفة عليها قد إيه."
جلال:
"وإيه علاقة سلوى باللي بتعمله ده يا كريم؟"
كريم:
"هي بس خايفة يبقى لها مرات أب، مش أكتر."
حسين بدهشة:
"ده أنت عندك فكرة مسبقة عن الموضوع بقى؟"
كريم وهو يحك مؤخرة رأسه:
"كلمتني بالتليفون وحكيتلي."
حسين باستفهام:
"وقلت لها إيه؟"
كريم بإحراج:
"ما أنت عارف مراتك يا حسين، ما بتقتنعش بكلام حد."
حسين:
"آه يعني قلت لها إيه برضه؟"
كريم:
"لما حاولت أشيل الكلام ده من دماغها، صممت إني أجي أتغدى معاكم وأشوفها عشان أقتنع إن كلامها صح."
جلال بتركيز:
"وأنت بقى لما تشوفها إيه اللي هيخليك تقتنع بكلامها إن شاء الله؟"
كريم بتنهيدة:
"بصراحة يا جلال أنا كنت فاكرها مأفورة الحكاية أوي، لكن طلع عندها حق، البنت فعلًا فيها شبه كبير جدًا من هدى الله يرحمها، أنا ما شفتهاش غير وهي واقعة على الأرض لما وصلنا، لكن حسيت إني اتسمرت في الأرض وأنا ببصلها، وهو ده اللي مخوف ندا، خايفة لا تتعلق بيها عشان شبه هدى الله يرحمها."
جلال بغيظ:
"اسكت يا كريم الله لا يسيئك، ما حدش فيكم فاهم حاجة."
وفي هذه الأثناء كان عارف يأتي إليهم من بعيد، ولمحوا من على بعد سالم وهو قادم أيضًا خلف عارف، وما أن وصل عارف إلى جلال حتى مال عليه وقال له شيئًا ما بأذنه جعل جلال ينظر بتمعن إلى سالم الذي عاد إلى مكانه السابق بجوار زوجته وبناته ولكنه هذه المرة أسند رأسه إلى الجدار وأغمض عينيه وعلى ملامحه علامات من الغضب المكبوت جعلت نهاد وسلمى يتبادلان النظرات مع والدتهما، ولزموا الصمت منتظرين أي أخبار عن فؤادة.
كان عارف يتابع نهاد، حركاتها وردود أفعالها، ولاحظ أيضًا أنها تتعامل مع والدها بحذر شديد إن لم يكن رعبًا شديدًا، على عكس سلمى التي كانت تتمتع ببعض الجرأة في التعامل مع والدهما.
وعندما حاول أن يشير إليها محاولًا التحدث إليها وجدها تشير بالرفض بعينيها برعب شديد مما جعل سلمى تضحك عليها بشدة من وسط بكائها، وجعل عارف يبتسم على حركتها بشدة.
لتمر عليهم الساعة تلو الأخرى، ليجد جلال والدته تأتي عليه هي الأخرى لينهض من مكانه ويجلسها قائلًا:
"ليه تعبتي نفسك يا أمي؟"
حسنة وهي تربت على يديه:
"قلت أجي أتطمن بنفسي على الغلبانة دي، بعد ما صليت ركعتين شكر لله إن ربنا نجاها من اللي حصلها، بس هي هتفضل كده يا أولاد من غير ما حد يطمننا عليها؟"
حسين:
"أنا اتطمنت عليها يا أمي، وسيف كمان مش سايبها، وعلى العموم هي زمانها هتفوق دلوقتي."
ليجدوا الملازم علاء قادمًا إليهم من على بعد بصحبة سيف حتى وقف أمامهم جميعًا وألقى السلام، ثم قال:
"أنا هدخل آخد أقوالها دلوقتي، وبكرة الصبح إن شاء الله هيوصل لكم استدعاءات رسمي عشان ناخد أقوالكم في محضر رسمي، عن إذنكم."
ليتركهم ويدخل إلى فؤادة بصحبة سيف، وما أن دخلوا إليها، إلا ووجدوها مستيقظة وتبكي في صمت.
سيف بعملية:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
فؤادة:
"كتفي بيوجعني شوية."
سيف بدعابة:
"لو كنتي قلتي أوي كنت هقول لك كدابة، لأني مديكي مسكن قوي جدًا."
فؤادة بتمرد:
"أنا ما بعرفش أكدب أصلًا."
سيف بابتسامة:
"طب لما هو بيوجعك شوية بس، بتعيطي ليه؟"
فؤادة:
"ما باحبش المستشفيات، عاوزة أمشي من هنا."
علاء:
"أنا بس اللي أقول إن كنتي تمشي ولا لا."
فؤادة باستغراب:
"مين حضرتك؟"
علاء:
"أنا وكيل النيابة اللي بيحقق في القضية بتاعتك، وجاي عشان أسألك عن اللي حصل."
فؤادة:
"أنا أصلًا ما عرفتش إيه اللي حصل غير من الدكتور لما فقت المرة اللي فاتت."
سيف موجهًا حديثه إلى علاء:
"طب يا فندم أنا هسيبك تشوف شغلك وهنتظرك برة، وياريت بقدر الإمكان بلاش تجهدها."
علاء:
"متشكر أوي."
ليخرج سيف ويلتفت علاء إلى فؤادة قائلًا:
"بس على الأقل عارفة مين اللي ممكن يعمل فيكي كده؟"
فؤادة بحزن:
"لأ طبعًا ما أعرفش."
علاء:
"يعني ما بتتهميش حد؟"
فؤادة:
"لأ."
علاء:
"مع إن عندي اتنين متهمين لحد دلوقتي والاتنين بيتهموا بعض."
فؤادة باستغراب:
"اتنين مين دول؟"
علاء:
"عمك وجوزك."
فؤادة بصدمة:
"إيه؟ لا طبعًا، مش ممكن أبدًا."
علاء بفضول:
"مين فيهم اللي مش ممكن أبدًا عمك.. ولا جوزك؟"
فؤادة:
"ولا ده ولا ده حضرتك، ما حدش فيهم أبدًا ممكن يعمل حاجة زي كده."
علاء:
"طب ليه وجهوا الاتهامات دي لبعض؟"
فؤادة:
"ده مجرد سوء تفاهم حضرتك مش أكتر."
علاء:
"عمك بيتهم جوزك إنه عمل كده عشان طمعان في ثروتك."
فؤادة:
"لا طبعًا، مش حقيقي، جلال من عيلة كبيرة وغني، يعني مش محتاج، وبعدين جلال أواني واتجوزني من قبل ما يعرف حاجة أصلًا عن ثروتي اللي حضرتك بتقول عليها دي، فمش أول ما يتجوزني يعني يقتلني بعدها بكام يوم، مش منطق أصلًا."
علاء:
"طب ما هو جلال بيتهم عمك برضه لنفس السبب."
فؤادة بتردد:
"هو بس عمي زعلان مني عشان اتجوزت من وراه، لكن طبعًا ما توصلش للقتل أبدًا، عمي بعيد تمامًا عن اللي حصل ده."
علاء:
"طب مين اللي ممكن يكون عمل كده؟"
لتصمت فؤادة لبرهة ثم تقول وهي تحاول التغلب على أوجاعها:
"الوحيد اللي ممكن أتهمه هو عبد الجليل الهلالي."
علاء باهتمام:
"ممكن تقولي لي أسباب اتهامك ليه تبقى إيه؟"
فؤادة:
"الهلالي كان عاوز يتجوزني غصب عني لولا إني هربت من البيت واتجوزت بعيد عنه ولما عرف اتجنن، وأنا عملت له محضر عدم تعدي."
علاء:
"اللي أعرفه إن المحضر ده كان ضد عمك كمان."
فؤادة باضطراب:
"لا..
"
عمي مش ممكن يعمل حاجة زي دي، أنا متأكدة.
علاء: طب ليه عملتيله المحضر بعدم التعدي مع الهلالي؟
فؤادة: أنا بس حبيت الهلالي ما ياخدش موقف من عمي عشان ليهم شغل مع بعض، بحيث يفهم إن عمي مالهوش علاقة بهروبي وجوازي.
لينظر لها علاء بتركيز وكأنه يحاول قراءة أفكارها. وعندما شعرت فؤادة بذلك زاد ارتباكها فأغمضت عينيها وقالت: أنا تعبانة، ممكن كفاية كده من فضلك.
لينهض علاء من مكانه وهو يتنهد ويقول: لو حسيتي في أي لحظة إنك عايزة تقول لي أي حاجة تانية، فياريت تبلغيني.
لتومئ فؤادة برأسها وهي لا زالت مغمضة عينيها حتى خرج من الغرفة. وما إن خرج حتى قالت نهاد: ممكن أدخل لها بقى ولا برضه ممنوع؟
علاء: الحقيقة الموضوع دلوقتي في إيد الدكتور بتاعها، هو اللي يحدد إن كان مسموح بالزيارة ولا لأ.
كان سيف لا زال جالسًا بصحبة حسين وإخوته فقال: متهيأ لي المفروض إن جوزها المفروض هو اللي يدخل لها الأول ولا إيه؟ وبعد كده ممكن تشوفوها بس مدة صغيرة أوي عشان ما تجهدوهاش.
لينهض جلال من مكانه وهو يجذب حسنة معه ويتجه إلى غرفة فؤادة ويدق الباب بهدوء ثم يدلف إلى الداخل مع والدته مغلقًا الباب من ورائه.
ليقف علاء أمام سالم قائلًا: مدام فؤادة نفت تمامًا التهمة عنك يا سالم بيه، زي ما نفتها عن جوزها بالضبط، ولولا إنها اتهمت شخص ثاني.. كان هيبقى في إجراء ثاني للأسف.
سالم بفضول: واتهمت مين؟
علاء بابتسامة: الحقيقة ما ينفعش أقول مين حرصًا على سير التحقيق، لكن ده ما يمنعش إني عاوز حضرتك تعدي عليا بكرة إن شاء الله في النيابة عشان أقدر آخد أقوالك في محضر رسمي.
ليومئ سالم رأسه بصمت، ثم يلتفت علاء إلى حسين وعارف قائلًا: ويا ريت تبلغوا جلال بيه نفس الكلام، برضه هنتظره يعدي عليا بكرة إن شاء الله.
حسين: تمام حضرتك، إن شاء الله هبلغه.
علاء وهو يتجه إلى الخارج: ألف سلامة على المدام، ربنا يطمنكم عليها.
ليرد الجميع بغمغمة غير مفهومة ما بين شكر وامتنان.
أما بالداخل، فما إن أغلق جلال الباب حتى أسرعت حسنة إلى فؤادة وهي تقول بهلع: فؤادة يا حبيبتي، ألف لا بأس عليكي يا بنتي، حمد لله على سلامتك يا حبيبتي.
فؤادة بابتسامة امتنان: تسلمي لي يا أمي.
جلال بجمود: حمد لله على السلامة.
فؤادة: الله يسلم حضرتك، متشكرة.
جلال: مش لو كنتي سمعتي الكلام ما كانش حصل حاجة من الكلام ده.
لتنظر له فؤادة بدهشة، فيكمل قائلًا: هو أنا مش نبهت عليكي ما تتحركيش من جوه البيت، ممكن أعرف إيه اللي خرجك؟
لتتبادل فؤادة النظرات مع حسنة، ولا تعلق. فيقول جلال: ممكن تجاوبيني؟
حسنة: يا ابني مش وقته، دي لسه تعبانة ومش حمل الكلام ده دلوقتي.
جلال باعتراض: وهو أنا بشقيها يا أمي؟ أنا عاوز أعرف سبب خروجها من البيت وعصيانها لكلامي.
فؤادة وهي تنظر للجهة الأخرى: أنا آسفة.
جلال باستغراب: أفندم!
فؤادة بتمرد: بقول لك أنا آسفة، وأوعدك إني ما أكررهاش مرة تانية، إيه؟ المفروض أعمل إيه ثاني مش فاهمة.
جلال وهو ينظر لها بتركيز شديد: أتمنى، بس برضه ما قلتليش إيه سبب خروجك من البيت.
فؤادة بارتباك: ما فيش سبب معين.
جلال: أفندم!
فؤادة بإصرار: بقول لك ما فيش سبب معين، كنت عايزة أخرج فخرجت.
قالت فؤادة ما قالته بتحدٍ وكانت تنتظر ثورته وغضبه لكنها بدلًا من ذلك وجدته يقول بهدوء: قلتي إيه لوكيل النيابة؟
فؤادة وهي تنظر له بتحدٍ: اتهمت الهلالي، ونفيت التهمة عنك وعن عمي، ومن فضلك مش عايزاك تتهم عمي ثاني، عمي لا يمكن يعمل كده.
جلال بتهكم: وإيه بقى اللي خلاكي متأكدة أوي كده؟ مش هو ده عمك اللي كان...
لتقاطعه فؤادة بتعب وتقول: اللي كان فيه العبر كلها، بس ما يقتلنيش، عمي لا يمكن يعمل كده.
جلال بتنهيدة: عمومًا أنا اتأكدت إنه فعلًا بعيد عن اللي حصل.
فؤادة بفضول: واتأكدت إزاي؟
جلال: بعدين.
حسنة بتأكيد: أيوه بعدين، إحنا دلوقتي ما نفكرش في أي حاجة غير إنك تقومي بالسلامة وبس.
جلال: عمك ومراته وبناته بره عايزين يتطمنوا عليكي، أسيبهم يدخلوا لك؟
فؤادة ببعض التردد: هو ممكن تفضلوا معايا وعمي موجود؟
جلال وهو يطمئنها: ما تقلقيش، أنا هفضل موجود معاكي.
لتنهض حسنة من مكانها وهي ترتب غطاء رأسها وتقول: أنا هفضل بره على ما يخرجوا من عندك، ومش هسيبك، ما تقلقيش.
لتخرج حسنة ويقف جلال على باب الغرفة وهو يشير بيده للداخل ويوجه كلامه لسالم قائلًا: فؤادة بانتظاركم.. اتفضلوا.
أنهى كلامه وعاد للداخل ووقف أمام النافذة حتى دخلت نهاد وسلمى ووالدتهم مهرولين لتنحني نهاد على فؤادة محتضنة إياها ببكاء شديد وهي تقول: يا حبيبتي يا فؤادة، كنت هموت من رعبي عليكي.
فؤادة متأوهة: آه، حاسبي يا بنتي كتفي.
نهاد بارتباك: أنا آسفة.
أنا آسفة، نسيت، معلش.
لتزيحها سلمى بيدها وتأخذ مكانها وتنحني على فؤادة وتقبل رأسها وتقول:
سلامتك يا فوفو ألف سلامة، بقى دي آخرتها ضرب نار مرة واحدة كدة.
لتقول والدتهما وهي تقبل فؤادة وتقول بحنان:
سلامتك يا فؤادة، الحمد لله يا بنتي إنك بخير.
فؤادة:
الله يسلمك يا طنط، تسلمي لي يا رب.
وعندما ابتعدت والدة نهاد من أمامها، لمحت فؤادة عمها وهو ينظر إليها بحزن وقال لها وهو بمكانه:
حمد لله على سلامتك.
ثم استدار خارجًا بعد أن قال لزوجته وبناته:
هستناكم بره.
لتتنهد سلمى وتقول:
معلش يا فوفو، ما أنتِ عارفة بابا، بس لا يمكن أبدًا يعمل كده فيكِ.
فؤادة:
أنا عارفة يا سلمى، ومتأكدة كمان، وقلت الكلام ده لوكيل النيابة.
والدة نهاد:
حبيبتي أنتِ عارفة غلاوتك عندي قد إيه، لولا إنك عارفة اللي فيها ما كنتش سيبتك هنا لوحدك أبدًا.
فؤادة:
ما تقلقيش عليّ يا طنط، أنا بخير ومش لوحدي ما تخافيش.
قالتها وهي تنظر باتجاه جلال.
نهاد وهي تبكي كالأطفال:
هي الرصاصة لما جت فيكِ وجعتك أوي يا فؤادة؟
فؤادة:
أوي يا نهاد أوي.
نهاد وهي تنظر لسلمى:
شفتِ! قلت لك أكيد وجعتها، تقولي لي: "لا دي تلاقيها أغمى عليها على طول وما حستش بحاجة".
فؤادة بابتسامة:
ما أنا برضه أغمى عليّ بعدها بشوية صغيرين.
سلمى بانتصار:
شفتِ! أهو، زي ما قلت لكِ.
نهاد وهي تجفف عينيها من أثر الدموع:
طب هو أنتِ لسه موجوعة أوي؟ ولا الوجع خف شوية؟
فؤادة:
الدكتور حاطط لي مسكن في المحلول، فيعني الحمد لله الوجع محتمل نوعًا ما.
لتنحني نهاد على فؤادة بعد أن تأكدت أن أباها بعيدًا عنهم وقالت بهمس:
أنا معي في شنطتي الأوراق بتاعتك كلها.
فؤادة بلهفة:
بجد!
لتضع نهاد كفها على فم فؤادة وهي تقول:
الله يخرب بيت الغباء يا بعيدة، شكلي أنا اللي هجيب أجلك بإيدي، ما تهمدي، أنتِ عاوزاني أرقد مكانك؟
فؤادة باعتذار:
حقك عليّ، معلش.
نهاد بهمس:
أخليهم معي وإلا أعمل إيه؟
فؤادة:
أديهم لأستاذ جلال.
لترفع نهاد عينيها إلى جلال وتتفرسه بنظراتها ثم تهمس لفؤادة مرة أخرى قائلة بمرح:
إلا هو أنا لو هربت من أبويا هأقع على واحد مز كده برضه وإلا أنا قرعتي دايمًا في خريجين الأحداث؟
لتتأوه فؤادة وسط ضحكاتها وهي تقول:
هو في حد مسلطك عليّ! أنتِ ناوية تموتيني من الضحك بدل النار!
نهاد بامتعاض:
أنتِ اللي خفيفة وما حدش بيعرف يتفكه معك بكلمتين.
ثم تمد نهاد يدها داخل حقيبتها لتخرج كيس بلاستيكي به مجموعة من الأوراق وتعطيها لجلال وهي تتلفت باتجاه الباب، وما إن التقطها منها جلال حتى خرجت من الغرفة وكأنها تعدو ثم عادت برأسها مرة أخرى وقالت:
هأجيلك بكرة الصبح.
وخرجت سلمى ووالدتهما في أثرها.
ليقول جلال وهو ينظر للأوراق التي بيده:
أعمل بيهم إيه دول؟
فؤادة:
من فضلك خليهم لي أمانة عندك لغاية أما أخرج من هنا، هو أنا هأخرج إمتى؟
ليدخل حسين وعارف بصحبة حسنة ويقول:
لسه قدامك كام يوم يا فؤادة.
عارف:
حمد لله على السلامة يا فؤادة، أنا الحقيقة مش عارف أشكرك إزاي.
فؤادة باستغراب:
تشكرني أنا؟ على إيه؟
عارف بمرح:
الحقيقة أنا بأشكرك مرتين، مرة على الساسبينس اللي عيشتينا فيه ده، الواحد ما كانش بيشوف الكلام ده غير في الأفلام بس، أما بقى الشكر الثاني ده فهأبقى أقول لك عليه بيني وبينك.
حسين:
الحقيقة أنا كمان المفروض أشكرك يا فؤادة.
فؤادة:
أنتوا إيه حكايتكم النهاردة؟ في إيه؟
حسين:
ما تشغليش بالك دلوقتِ بالكلام ده، أنتِ المفروض تستريحي، بس أما تأكلي الأول، الدكتور أمر لك بأكل وزمان الأكل هيجي لك دلوقتِ.
فؤادة:
بس أنا مش جعانة.
حسنة باعتراض:
لا، ما فيش الكلام ده، أنتِ هتأكلي الأكل اللي هيجيبوه لك ومن الصبح إن شاء الله هيجي لك الأكل من البيت.
فؤادة:
مش قصدي والله يا أمي بس أنا فعلًا مش حاسة إن عندي نفس.
حسين:
أنتِ نزفتِ كثير، أي نعم عملوا لك نقل دم، بس ده ما يغنيش عن الغذاء أبدًا، الغذاء هو اللي هيساعدك تقومي وتخرجي بسرعة، بس معلش بقى هتتشكشكي كثير.
فؤادة بلا مبالاة:
ما جتش على الشكشكة.
عارف باستغراب:
إيه ده؟ ما بتخافيش من الحقن؟
فؤادة ببساطة:
لا، عادي يعني، بتوجع دقيقة وخلاص.
حسين بضحك:
ربنا يكملك بعقلك.
فؤادة بتمرد:
أنا عاقلة على فكرة.
حسين وهو يرفع يديه بتسليم:
وست العاقلين كمان! حد يقدر يقول نص كلمة؟
لتدخل إحدى الممرضات ومعها الطعام لتضعه على الحامل وتقربه من فؤادة التي قالت باعتراض:
لبن لأ، أنا ما بأحبش أشربه.
جلال بتهكم:
يعني إحنا خلصنا من الحقن، تقومي تطلعي لنا باللبن!
عارف بمرح:
مع إن الحقن دي ليفل الوحش.
حسنة:
بس أنت وهو، ثم نظرت لفؤادة بحنان وقالت:
أنتِ بتأخذي الحقن رغم إنها بتشكشك لأنك عارفة إنها هتعالجك، واللبن كمان هو اللي هيخلي الأنسجة بتاعة جسمك تلم وتخف بسرعة، هنشربه كأننا بنشرب الدواء، وأنا بكرة إن شاء الله هأجيب لك لبن من عندنا، طازة وفريش ومغلي وزي الفل.
فؤادة:
طب ممكن تسيبوه لي في الثلاجة شوية؟ ما بأقدرش أشربه سخن أبدًا، أرجوكم.
وأثناء جدالهم يسمعون طرقًا على الباب وعندما يذهب جلال ليفتح الباب يجد أن كريم هو الطارق، ليقول جلال:
يا خبر، أنا فكرتك مشيت.
كريم ببعض الخجل:
أنا قلت أطمئن عليها الأول وأشوفكم لو محتاجين مني أي حاجة.
جلال:
طب تعالَ اتفضل، ادخل يا كريم، ثم يقول لفؤادة:
ده يبقى كريم ابن عمنا يا فؤادة.
فؤادة:
أهلًا وسهلًا.
كريم:
حمد لله على سلامتك، وإن شاء الله تخرجي بألف سلامة.
فؤادة:
شكرًا.
كان كريم يركز نظراته على فؤادة وطريقة نطقها للحروف، ولاحظ أيضًا حركة أصابعها وهي تتلاعب بأطراف غطاء فراشها، وكان عارف وحسين يتابعان ردود أفعال كريم الذي قال بعد برهة من الصمت:
طب أنا هأضطر أستأذن عشان اتأخرت على ماما، وعاوزة تروح من بدري، ثم التفت إلى حسنة وقال:
تحبي تيجي معي يا امرأة عمي أوصلك؟
حسنة:
لأ يا حبيبي، روح أنت بالسلامة، واعتذر لزينب، أديك شايف الدنيا عاملة إزاي.
كريم وهو يسترق النظرات لفؤادة:
تتعوض يا امرأة عمي، الأيام جاية كثير، وإن شاء الله لما آنسة فؤادة تخرج بالسلامة نجي لها لغاية عندها.
نتطمن عليها.
لم تجب فؤادة ولم تنظر تجاهه بينما كان جلال وإخوته ينتظرون أن ترد عليه بكلمة شكر أو تحية لكنها لم تفعل وظلت صامتة، فقال عارف:
تحب أجي معك وأنت راجع؟
كريم وهو لا زال يسترق نظراته لفؤادة:
زي ما تحب، يلا.
عارف:
طب يا جماعة أنا هأرجع مع كريم وهأجيب العربية وأرجع لكم.
حسين:
ده أنا نسيت خالص موضوع العربية ده، أومال أنت جيت بإيه يا جلال؟
جلال:
جيت بعربية التاجر، وصلني أول ما عرفنا اللي حصل.
عارف وهو يأخذ كريم تحت جناحه ويتجه به إلى الخارج:
مش هتأخر عليكم.
وبعد أن صعدوا إلى السيارة قال كريم:
هي فؤادة دي حكايتها إيه؟
عارف:
حكايتها في إيه مش فاهم؟
كريم:
يعني، أصل ندى قالت لي على حكايتها لما جت ولغاية ما اتجوزت جلال، لكن شكلها بيقول إن وراءها حكاية كبيرة.
عارف:
ولا حكاية ولا رواية، هو زي ما ندى حكت لك بالضبط.
كريم:
بس دي جريئة أوي.
عارف:
أشمعنى يعني؟
كريم:
يعني اللي يخلي بنت أبوها ميت تهرب من عمها عشان ما تتجوزش غصب عنها، تقوم تتجوز واحد عمرها ما عرفت عنه حاجة في يوم وليلة كده، وإلا هي كانت تعرف جلال من قبلها وإلا إيه النظام؟
عارف وهو يزفر من تحت أنفاسه:
أنت شكلك هتعوم على عوم أختك بس بجنان.
كريم ضاحكًا:
لا يا عم، لا هأعوم ولا هأغطس، ماليش دعوة.
وما إن وصلوا إلى المنزل حتى ترجلوا من السيارة، وبينما اتجه كريم إلى الداخل اتجه عارف إلى سيارته وقادها عائدًا إلى المشفى.
وقبل أن يدلف كريم إلى الداخل سمع صوت ندى وهي تقول بغضب:
بس أنت ما قلتليش إنك عاوزني أخرجها لك عشان تقتلها.
رواية فؤادة الفصل الثامن 8 - بقلم ميمي عوالي
كان كريم يقف مذهولًا، وهو لا يصدق أذنيه، ولكنه سمع ندى تقول مرة أخرى وبنفس الغضب:
"أنت هتجنني، يعني إيه ماليش فيه؟ ده بعد اللي حصل ده عمرها هيطول بزيادة جوه البيت ده، يبقى أنا بقى كده استفدت إيه لما مشيت وراك وسمعت كلامك؟"
لم يستطع كريم الصمت أكثر من ذلك، فاقترب من ندى بسرعة وجذبها بعنف من ذراعها، ليسقط الهاتف من يدها متحطمًا إلى أشلاء وسط هلعها من المفاجأة، لتقول بشهقة عالية:
"كريم.. في إيه؟ أنت اتجننت؟ إيه اللي بتعمله ده؟"
كريم بغضب:
"اللي بعمله ده كان ممكن عارف اللي يعمله لو كان دخل معايا وسمع اللي سمعته، وإلا لو كان جوزك وإلا مرات عمك."
ثم نظر إليها بغل وهو يكمل حديثه قائلًا:
"وإلا بقى لو جلال بذات نفسه هو اللي سمعك بعد ما عرف كل اللي حصل منك الصبح."
ندى ببهوت:
"وعرف منين؟ هي فاقت وحكتله كمان؟"
كريم بغل:
"اللي كنتي هتتسببي في موتها النهارده ورغم ذلك ما رضيتش تقول لجلال كلمة واحدة من اللي حصل، رغم إنه عاتبها ولامها على خروجها من غير إذنه، لكن هي.. ما رضيتش تخليه يشيل منك ولا يحملك ذنب اللي حصلها."
ندى بغضب:
"أنت هتجنني! لما هي ما قالتلوش وطلعت ملاك زي ما بتقول، أومال جلال عرف منين؟"
كريم بشماتة:
"من حسين."
ندى ببهوت:
"حسين.. حسين هو اللي قال له على اللي حصل؟ يعني كمان مش مكفيه اللي بيعمله، ورايح كمان يفتن عليا لأخوه؟"
كريم بفضول:
"وهو حسين بيعمل إيه؟"
ندى بغضب:
"مش عاوز يعمل يا كريم."
كريم باستغراب:
"أنا مش فاهم حاجة، أنتِ تقصدي إيه؟"
ندى بملل:
"مصمم على شغله في المستشفى الكحيانة اللي بيشتغل فيها دي، ومش عاوز يشتغل مع أخوه."
كريم:
"وهيشتغل إيه مع جلال؟ أنتِ اتهبلتي؟ واحد دكتور، هيعمل إيه هو في الأرض مش فاهم."
ندى:
"وهو يعني جلال اللي كان فلاح؟ وأهو نزل وفهم وعرف، وبقى مسيطر ومكوش على كل حاجة لوحده."
كريم بصدمة:
"مكوش؟ جلال؟ من إمتى جلال حايش عنكم حاجة؟ ده يمكن يكون مايحتكمش على اللي إخواته بيحتكموا عليه."
ندى بغضب:
"كفاية إن كل حاجة تحت إيده لوحده، وهو اللي بيتصرف في كل حاجة من دماغه من غير حتى ما يشاور حد، بيبيع ويشتري ولا أكن الورث ده بتاعه لوحده."
كريم:
"ده لأنه هو اللي بيفهم في الكلام ده."
ندى:
"وليه يبقى هو لوحده اللي بيفهم؟ ليه ما يبقاش البيه جوزي بيفهم زيه ويبقى إيده في إيده على الأقل يبقى عارف اللي داخل واللي خارج؟"
كريم بفضول:
"طب ما عارف كمان سايب كل حاجة على أخوه، ما نصحتيهوش ليه هو كمان بكده؟"
ندى بغضب:
"هي ناقصة قرف عارف راخر عشان يحشر نفسه في الليلة، ده أنا بتحايل على الغبي جوزي إنه يبقى إيده في إيد جلال، وقلت شوية بشوية هيفهم وهيعرف ويمسك هو بقى كل حاجة بعد كده."
كريم:
"يعني أنتِ عاوزة حسين يبقى مكان جلال؟"
ندى:
"وليه لا؟ حقه، وحق ولاده."
كريم:
"وحق عارف وولاده وحق جلال وولاده."
ندى:
"عارف مش حاطط الجواز في دماغه أصلاً، وجلال هي سلوى وبكرة تكبر وأجوزها لأدهم ويبقى زيتنا في دقيقنا."
كريم بدهشة:
"ده أنتِ مرتبة كل حاجة على مزاجك بقى."
ندى:
"هو ده الصح."
كريم:
"وعشان كده محاجية على سلوى ومسيطرة عليها، لا والكل مفكر إنك بتعوضيها عن أمها."
ندى بعدم تركيز:
"الكل كان بيحب أمها أكتر مني رغم إني كنت بسمع الكلام زيها بالظبط."
كريم:
"طب عمرك ما ركزتي إن هدى كانت بتسمع الكلام حباً في اللي حواليها، مش مجرد تنفيذ أوامر؟"
"طب وأنتِ تضمني يعني إن جلال ما يتجوزش تاني ويجيبله عيلين تلاتة كمان؟"
ندى:
"جلال مش ممكن يحب غير هدى، غيرش بس اللي طلعتلي شبهها من تحت الأرض دي."
كريم بصدمة:
"يعني أنتِ خايفة لا جوازه من فؤادة يتقلب جد عشان الورث مش حكاية إنك مش عاوزة مرات أب لسلوى زي ما فهمتيني؟"
ندى بتردد:
"يعني.. تقدر تقول كده وكده."
كريم بغضب وهو يجذبها من ذراعها مرة أخرى:
"ومين بقى اللي روحتي اتفقتي معاه إنك تخرجيهاله عشان يخلص عليها.. انطقي؟"
ندى بدفاع:
"ما كنتش أعرف إنه هيضرب عليها نار، كنت فاكراه هيخطفها وأخلص منها وخلاص."
كريم:
"أنتِ مش طبيعية، أنتِ إزاي بقيتي كده؟ إيه السواد اللي جواكي ده؟ وإلا أنتِ طول عمرك كده وأنا اللي مش واخد بالي؟"
ندى بغل:
"بلا سواد بلا بياض، أنا طول عمري عايشة وسطيكم زي العروسة الماريونيت اللي بتحركوها بالخيطان، أتعلمي.. حاضر، ادخلي الكلية دي.. حاضر، مش لازم تشتغلي.. حاضر، اتجوزي ابن عمك.. حاضر، ما فيش مرة واحدة قلت رأيي في حاجة عاوزاها ولا اخترت حاجة لنفسي."
كريم:
"وما فيش مرة حد غصبك على حاجة، كنتِ دايماً بتعملي اللي بيتقال لك عليه من غير حتى ما تتناقشي ولا تعترضي، يعني بموافقتك."
ندى بغضب:
"ما حصلش، عمري ما وافقت على أي حاجة ولا كنت عاوزة أي حاجة من الكلام ده، ده حتى لما قالولي اتجوزي ابن عمك ما عرفتش إنه حسين غير وأنا بلبس الدبلة."
كريم بفضول:
"أومال كنتِ فاكراه مين؟ ما أنتِ عارفة من زمان إن جلال وهدى بيحبوا بعض، وإن عارف من زمان وهو رافض فكرة الجواز زي ما بتقولي، يبقى فاضل مين يعني؟ بالعقل كده، وإلا أنتِ كان عينك على حد تاني؟"
لتستدير ندى وتعطيه ظهرها وهي تقول:
"ما حدش بلغني ولا قالي، ما اهتمتوش حتى تقولولي على اسمه."
كريم:
"وأنتِ ما سألتيش؟"
ندى:
"وحصل اللي حصل، وقلت هيحبني، وهيعوضني، لكن للأسف طلع أنيل بكتير."
كريم:
"أنتِ اتخبلتي، حسين ده ألف ست تتمناه."
ندى بغضب:
"إلا أنا، أنا عمري ما اتمنيته، بني آدم هش وغبي ومالوش أي طموح وما بيفكرش غير في شوية العيانين بتوعه، أقول له ورثك وأرضك، يقول لي ما أقدرش أتخلى عن العيانين والمرضى بتوعي، أقول له طب افتح عيادة خاصة، يقول لي الطب ده رسالة سامية، أنا دخلت الطب لأني عاوز أخدم الناس الغلابة مش عشان أكسب فلوس، أنا مش محتاج فلوس، طب وأنا.. أنا فين من كل ده؟"
كريم:
"أنتِ بني آدمة سودة ومريضة نفسيًا."
ندى باستهزاء:
"مريضة نفسيًا عشان عاوزة أبقى حاجة ويبقى ليا كيان؟"
كريم:
"ما أنتِ ممكن يبقى لك كيان من غير كل السواد اللي ماليكي ده، من غير طمعك وجشعك ده، ده أنا اللي اسمي أخوكي خفت منك وكشيت، بقى تتسببي في أذية بني آدمة عشان الفلوس؟"
ندى بمكابرة:
"قلتلك ما قاليش إنه هيضربها بالنار."
كريم بغضب:
"وهو الخطف ده مش أذية؟ ثم ما هو كان ممكن يخطفها وبعدين يقتلها برضه عادي، وإلا لو قتلها بعيد مش مشكلة طالما بعيد عنك؟"
ندى بتردد:
"أنا ماليش دعوة، أنا عاوزاها تخرج من هنا وخلاص."
كريم بشماتة:
"طب أبشرك بقى إنها النهارده لما ما قالتلوش على اللي حصل منك.. كسبت احترام الكل."
ثم أخذ يعدد على أصابعه وهو يكمل قائلًا:
"جلال وعارف وجوزك وكمان مرات عمك.. ومستنيينها تخرج بالسلامة عشان يبقوا كلهم تحت رجلها."
ها إزاي الحال؟ ناوية على إيه تاني؟
ندا بغضب: مش هاسمح لها تفضل كتير.
كريم بغضب هو الآخر: تبقى هربت منك على الآخر، افهمي بقى، لو كان ربنا سترها معاكي المرة دي وأنا اللي سمعتك وأنتِ بتتكلمي في التليفون، فالمرة اللي جاية مش هيسترها معاكي، وساعتها حسين هيطلقك ويرميكي بره البيت.
ندا دون أن تشعر: ما هو لو كان جلال اتجوزني أنا كان زمان كل حاجة هنا ملكي أنا لوحدي.
كريم بصدمة: أنتِ كانت عينك من جوز أختك وأخو جوزك؟ أنتِ بتحبي جلال؟
ندا بقهر: مش الحب اللي بالك فيه، ما تخليش مخك يروح لبعيد، بس آه كانت عيني منه، عيني من دماغه ونضجه وطريقة تسييره للأمور، عيني من قوة شخصيته وهيمنته، عيني من جبروته وقوته، كان نفسي حسين يبقى كده.
كريم بفروغ صبر: طب ما هو كده يا مجنونة، حسين كمان كده بس في مجاله، في الحاجة اللي بيحبها، في شغله وسط الناس اللي بيحبهم وبيحبوه، أنتِ عمرك ما شفتي حسين وهو في شغله.
ندا: ومش عايزة أشوفه، أنا في هدف معين قدامي وهافضل وراه لغاية أما أخليه يعمل كل اللي أنا عايزاه ويحققه لي.
كريم بزهق: وها تحققيه إزاي بقى؟ إيه ها تخدريه؟
ندا بمكابرة: أنا عارفة أنا باعمل إيه كويس.
كريم بفرغ صبر أخذ ينادي بصوت عالٍ على والدته مرارًا وتكرارًا حتى سمع صوتها وهي تجيبه من الأعلى، ثم التفت لندا قائلًا بتحذير: أنا حاولت أعقلك وأنتِ راكبة دماغك، بس ما أوعدكيش يا ندا إني ممكن أداري عليكي لو حصل منك حاجة تانية ممكن تأذي فؤادة.
ندا بمكر: إيه، هي عجبتك وإلا إيه؟
لينظر لها كريم وهو يزفر من تحت أنفاسه، وما أن وصلت إليهم زينب حتى سمع صوت سلوى وهي تصرخ باسمه بفرحة قائلة: خالو كيمو.
ليلتقطها كريم بين يديه رافعًا إياها لأعلى وهو يداعبها ضاحكًا وهو يقول: حبيبة خالو كريم اللي وحشتني.
سلوى بامتعاض: لو كنت وحشتك بجد كنت جيت تزورنا، بس أنت مش جيت، وكمان اتأخرت النهاردة والملاهي زمانها قفلت.
كريم: معلش يا حبيبتي، بس أنتِ عارفة إن طنط فؤادة اتعورت جامد، فأنا وصلتهم المستشفى واتأخرت عشان كنت معاهم، وكمان بابا قال لي نأجل موضوع الملاهي ده شوية على ما الجو يبقى حلو وما فيش مطرة عشان تعرفي تلعبي براحتك.
سلوى: طب أنا عايزة أروح لطنط فؤادة، أنا باحبها أوي.
ندا بغضب: أنتِ ما تعرفيهاش عشان تحبيها.
سلوى: دي طيبة أوي يا خالتو وبتحبني.
ندا بزهق: أنا مش عايزاكي تتكلمي معاها تاني، واسمعي الكلام بقى، دي لو فضلت هنا هتاخد مكان أمك.
زينب: بالراحة على البنت يا ندا، دي عيلة، عمرها ما هتفهم الكلام ده.
ندا: لازم تفهم وتعرف.
تعرف إيه يا ندا؟
كان هذا صوت جلال الواقف على مدخل الباب بصحبة إخوته، لتلتفت ندا بذعر إلى جلال وهي لا تعرف ماذا سمع أو عرف بالضبط.
ليتقدم منها جلال وهو يعيد سؤاله بهدوء قائلًا: ما قلتليش يا ندا، عايزاها تفهم وتعرف إيه بالضبط وأنا أعرفهولها.
لتقترب سلوى من أبيها وبعيونها بعض العبرات وتقول بحزن: يا بابا أنا باحب طنط فؤادة، هي طيبة وبتحبني، ليه مش عايزني أكلمها؟
ليتقدم عارف من سلوى ويحملها على كتفه واتجه إلى الدرج المؤدي إلى الأعلى وهو يقول: أنا هاطلع أنام وهاخد سلوى تبات معايا النهاردة طالما ماما هتبات مع فؤادة.
وبعد انصراف عارف بصحبة الصغيرة، اقترب جلال من ندا وقال: اسمعي يا ندا، أنا بقى لي كام يوم سايبك تعملي وتقولي كل اللي أنتِ عايزاه، ومش عايز أتدخل ولا أعلق عشان ما أزعلكيش، ومش عايز أنسى إنك أخت الغالية، بس ده مش معناه أبدًا إنك تتمادي في اللي بتعمليه، اللي حصل الصبح ده أتمنى إنه ما يتكررش تاني.
لتنظر ندا إلى حسين الذي كان يقف مكانه وهو يتابع ما يحدث دون أن يتدخل بين ندا وأخيه، وعندما نظرت لكريم وجدته ينظر لها بتحدٍ، فأرجعت بصرها إلى جلال وأومأت برأسها في استكانة.
فتقدم جلال من زينب وقبل رأسها وقال بترحيب: أتاري الدنيا منورة، سامحيني إني ما كنتش موجود عشان أرحب بيكي.
زينب بمحبة وهي تربت على يديه: البيت منور بأصحابه يا حبيبي.
ليتقدم منهم حسين ويرحب هو الآخر بزينب قائلًا: وأنا كمان ما لحقتش أقعد معاكي، أنا باقول خليكي بايتة معانا النهاردة، إيه رأيك؟
زينب: يا خبر، ما ينفعش، عمك ما بيحبنيش أبات بره البيت أبدًا.
كريم بمرح: طب يلا بينا بقى لا يبلغ القسم إنك خرجتي وما رجعتيش.
زينب: أبوك ويعملها، يلا بينا، معلش يا أولاد بقى، تتعوض إن شاء الله، لما الضيفة بتاعتكم ترجع بالسلامة.
وبعد كلمات الوداع وانصراف زينب وكريم، يصعد جلال إلى غرفته تاركًا حسين وندا بالأسفل ليقول حسين بجمود: تحبي نتكلم هنا وإلا في حتة تانية؟
ندا بمكابرة: هنتكلم في إيه؟ أعتقد بعد اللي حصل منك الصبح إنك تخجل تتكلم معايا من أصله.
ليجلس حسين على أقرب مقعد بأريحية واضعًا ساق فوق الأخرى وقال: بصي يا ندا، كل اللي حوالينا بيسألوا نفسهم سؤال مهم جدًا.
ندا باستخفاف: سؤال إيه ده بقى إن شاء الله اللي محير الكل كده؟
حسين وهو يدقق النظر إليها: بيسألوا نفسهم يا ترى أنا ليه ساكت عليكي لحد دلوقتِ؟
ندا: يعني إيه ساكت عليّ؟ مش فاهمة.
حسين: ساكت على عمايلك وتصرفاتك وردودك اللي بقت زي السم وعدم احترامك لحد.
ندا: أنا ما باعملش اللي أنت بتقول عليه ده.
حسين: بتعملي أنيل من كده، وأنا ساكت، بس ساكت إكرامًا لعمي ومرأة عمي وأخوكي، ولأولادنا، ولذكرى أختك، وللي حوالينا.
ندا بضيق: وأنا فين بقى من كل الإكراميات دي؟ ده أنت فاضل تعمل خاطر للغفر والشغالين، طب وأنا، إيه.. لابسة طاقية الإخفا؟
حسين: أنتِ طاقية الإخفا ذات نفسها يا ندا، خفيتي كل حاجة حلوة ليكي عندي خلال السنة اللي فاتت دي، حتى حبي ليكي قرب يختفي هو الآخر.
ندا بصدمة: حبك ليّ؟ وهو أنت كنت حبيتني أصلًا؟
حسين: يمكن أكون عمري ما قلتلك إني باحبك، ويمكن أكون غلطان إني ما عملتش ده، لكن كمان أنا ما شفتش منك أي حاجة تشجعني إني أقول لك ده يا ندا.
أنا لما اتجوزتك.. اتجوزت ندا الهادية، أم صوت هادي، والبسمة دايمًا على وشها، ما أعرفش إيه اللي بدلك، من بعد موت هدى الله يرحمها حسيتك اتبدلتي، في الأول كنت فاكر موت أختك هو السبب، وفراقها وجعك وأثر عليكي، لكن بعد كده.. اكتشفت إنه لا، مش ده اللي بيحصل، حسيتك عايزة تتقمصي شخصية مش بتاعتك، وإنك كنتي هتتقمصيها في وجود أختك أو عدمه.
السؤال هنا بقى: هل أنتِ عملتي حساب بقية الشخصيات معاكي، وإلا قررتي تاخدي البطولة لوحدك واسمك يتحط على الأفيش بالبنط العريض وبس؟
ندا بعند: أنا مش فاهمة ولا كلمة من اللي بتقولها ولا عارفة أنت عايز مني إيه بالضبط.
حسين بهدوء: صحيح مش فاهمة يا ندا؟
وعندما وجدها صامتة ولا ترد عليه قال: طب لو قلتلك إني عايز ندا مراتي اللي اتجوزتها ترجع لي زي الأول من تاني، هتقولي لي إيه؟
ندا بكبر: هاقول لك لما تنفذ لي اللي طلبته منك.
حسين: ولو قلتلك إن ده مش هيحصل؟
ندا: أنا كمان هاقول لك مش هيحصل.
لينهض حسين من مكانه متجهًا إلى الأعلى وهو يقول بهدوء: يبقى اتفقنا.
ندا بحنق: اتفقنا على إيه؟ مش فاهمة.
حسين دون أن يستدير لها: اتفقنا إننا ما نتفقش يا بنت عمي.
وتركها بمكانها وصعد إلى غرفته دون أن يزيد كلمة واحدة، لتتجه ندا إلى الجدار وتنحني تلملم بقايا هاتفها لتجد أنه لن يصلح للاستخدام مرة أخرى، لتسحب منه الشريحة الرقمية والذاكرة وتأخذهم بيدها وتصعد هي الأخرى إلى غرفة أبنائها لكي تنام.
كانت حسنة قد صممت على المبيت مع فؤادة بالمشفى بعد أن لاحظت عليها الخوف من البقاء بمفردها، فأوصى حسين عليهما قبل انصرافه مع إخوته وأبلغ أمه أنه سيعود إليهم مع الفجر.
وبالفعل.. كانت فؤادة ما بين الصحو والنوم مرتبكة بين أحلامها وأوجاعها، وسمعت طرقة خفيفة على الباب فقالت بهدوء: ادخل.
لينفتح الباب ويدخل حسين بابتسامة هادئة وهو يرتدي البالطو الأبيض ويعلق على رقبته سماعة الكشف وقال بهدوء: صباح الخير، صحيتك وإلا كنتي صاحية؟
فابتسمت فؤادة لرؤيته كذلك وقالت: الصراحة كنت بين بين.
ليقترب منها ويعاين مؤشراتها الحيوية بمنتهى العملية ثم قال: ها.. قولي لي حاسة بإيه دلوقتِ؟
فؤادة: الحقيقة كتفي بيوجعني النهاردة أكثر من امبارح، والوجع واصل لدراعي كله..
حتى صوابعي بتوجعني.
حسين: معلش، ده طبيعي عشان الأنسجة بتحاول تلم، بس أول ما هتاخدي جرعة العلاج والمسكن الجديدة هتحسي بتحسن.
فؤادة: هو أنا هفضل هنا قد إيه؟
حسين بابتسامة: أنتِ ليه محسساني إنك هنا بقالك شهر مثلًا؟ ده هو من امبارح، اصبري معلش، يومين كمان وإن شاء الله ممكن يسمحوا لك بالخروج.
فؤادة باستغراب: هم مين دول اللي هيسمحوا لي؟
حسين: الدكاترة اللي عملوا لك العملية يا فؤادة.
فؤادة: طب ما هو حضرتك ممكن تكتب لي على خروج.
حسين بضحك: يا بنتي هي طابونة؟ لازم الدكاترة الجراحين اللي عملوا لك العملية يتطمنوا إن الجرح بقى تمام، لا جرح إيه؟ الجرحين.
فؤادة: جرحين ليه؟ هو أنا متعورة في حتة تانية؟
ليضحك حسين بشدة قائلًا: آه متعورة في حتة تانية، في كتفك من قدام ومن ورا.
كانت حسنة قد استيقظت على صوت ضحكات حسين فقالت بابتسامة: جيت بدري قوي يا حبيبي، صباح الخير.
ليلتفت حسين إليها وينحني ويقبل جبهتها وقال: ما جاليش نوم، قلت أجي لكم أبقى معاكم أحسن، وعارف زمانه هيحصلني كمان شوية.
حسنة وهي تعتدل بفراشها: ييجي بالخير والسلامة إن شاء الله.
فؤادة بخجل: أنا مش عارفة أشكركم إزاي، أنتم تعبتوا معايا قوي، وما حسستونيش إني لوحدي.
حسنة: بلاش عبط يا بنت أنتِ، أنتِ ناسية إنك دلوقتي تبقي مراة ابني ولا إيه؟
فؤادة بصدق: اللي عمري ما أنساه بجد إنك أمي، ربنا يكرمك زي ما أكرمتيني.
حسين ضاحكًا: ما شاء الله عليكم، جوزين عصافير، أنا هضطر أسيبكم بقى يا حلوين وأروح أشوف شغلي، كفاية إني أجزت امبارح.
فؤادة بخجل: حقك عليا، سامحني.. أنا السبب.
حسين وهو يتجه إلى الخارج: مش هرد عليكي، يلا، لو احتجتم حاجة يا أمي ابقي كلميني.
حسنة: حاضر يا ابني.
وبعد أن خرج حسين نهضت حسنة من مكانها وذهبت لغسيل وجهها والوضوء، وبعد أن عادت أقامت فرضها، وما أن انتهت حتى وجدت أن فؤادة قد قامت من فراشها وفعلت المثل ولكن وهي جالسة على المقعد، وبعد أن فرغت من صلاتها عادت إلى فراشها، فجلست حسنة بجوار فؤادة وقالت: كنت عاوزة أسألك على حاجة كده يا فؤادة.
فؤادة: أؤمريني يا أمي.
حسنة: أنا عرفت من عارف امبارح سبب خروجك من البيت وقت ما حصل اللي حصل، هو أنتِ ليه لما جلال سألك عن سبب خروجك ما قلتيلهوش اللي حصل؟
فؤادة بحزن: مش كفاية المشاكل اللي سببتها لكم من يوم ما دخلت بيتكم، كمان هعمل مشاكل بينكم وبين بعض.
لتبتسم حسنة وتربت على يدها وتقول: طب اسمعيني بقى، في كلمتين عاوزاكي تفهميهم كويس.
فؤادة: أنا تحت أمر حضرتك.
حسنة: يمكن تكون ظروف جوازك من ابني خلت حاجات كتير متعلقة ومش واضحة، ورغم إن جوازكم احتمال ما يستمرش أكتر من كام يوم، لكن أنا عاوزاكي خلال الكام يوم دول تتعاملي كأنك مراة ابني العمر كله.
فؤادة بعدم استيعاب: مش فاهمة حضرتك تقصدي إيه؟
حسنة: أقصد إني عاوزة جلال يتجوز ويعيش حياته، كام سنة أهو وهو دافن نفسه وشبابه عشان خاطر هدى الله يرحمها، لكن أنا أم وبتمنى أشوفه عايش سعيد ومتهني، وعاوزة ندى تعرف إن جلال مصيره يتجوز، فعاوزاها ترضخ للأمر الواقع.
فؤادة: أيوه يا أمي بس أنا ما فيش في إيدي حاجة أعملها.
حسنة: لا في إيدك، في إيدك إنها لما تحاول تهمشك أو تضايقك اعملي نفسك مش واخدة بالك، ومش عاوزاكي تبعدي عن سلوى في الوقت اللي هتبقى موجودة فيه معانا، سلوى بتحبك واتعلقت بيكي، واللي ندى بتعمله معاها هيطلعها انطوائية وما بتعرفش تتعامل مع حد، فهماني يا بنتي؟
فؤادة بابتسامة: فهمت حضرتك، وحاضر، أوعدك إني مش هتخلى عن سلوى طول الوقت اللي أنا موجودة فيه معاكم.
ليسمعوا طرقًا على الباب لتقول حسنة: ادخل.
ليطل عليهم عارف برأسه وهو يقول بابتسامة: صباح الخيرات.
حسنة وفؤادة: صباح الخير.
ليدخل عارف وهو ممسك بسلوى في يده، وما أن دخلت وراءه حتى قالت بتهليل: أنا جيت يا تيتا.
حسنة بضحك: نورتي يا روح تيتا.
لترتمي سلوى بأحضان حسنة وتقبلها، ثم تنظر لفؤادة وتقول بطفولية شديدة: عمو عارف قال لي أسلم عليكي من بعيد عشان التعويرة بتاعتك ما توجعكيش.
لتشير فؤادة بابتسامة على ذراعها المعلق وتقول: بلاش تسلمي عليا من ناحية دراعي ده وتعالي لي من الناحية التانية عشان أبوسك.
لتنظر سلوى لعارف لتعلم مدى موافقته من عدمها ليشير إليها الآخر برأسه بالموافقة، لتسرع سلوى بالالتفاف حول الفراش لتلتقطها فؤادة تحت جناحها وتقول بحب: وحشتيني يا لولو.
سلوى: تعرفي إن ما حدش بيقول لي يا لولو غيرك أنتِ وبس.
فؤادة: وده حلو ولا وحش؟
سلوى: حلو طبعًا، أنا عاجبني الاسم ده قوي، وعشان كده أنا جبت لك معايا الوردة دي. لتخرج من جيب معطفها وردة حمراء قد تساقطت بعض أوراقها نتيجة دسها بجيب المعطف، وما أن رأتها سلوى على تلك الحالة حتى شهقت قائلة: دي كانت سليمة.. إيه اللي حصل لها؟
ليضحك الجميع بشدة ويدخل جلال بعد أن طرق الباب وألقى تحية الصباح ثم نظر إلى فؤادة وقال: أخبارك إيه النهاردة؟
فؤادة بابتسامة وهي تمسك الوردة بيدها: أحسن الحمد لله.
جلال بابتسامة وهو يحدث سلوى: كده برضه فطستي الوردة في جيبك؟
لتمتعض سلوى وتكتف يديها أمام صدرها، فتقول فؤادة بابتسامة: أنتِ عارفة يا لولو، دي أحلى وردة جت لي في حياتي كلها.
سلوى بلهفة: بجد أحلى وردة؟
فؤادة بمرح: والوحيدة كمان.
ليضحك عارف بشدة ويقول: يا عيني يا بنتي، خلاص نبقى نجيب لك ورد بعد كده عشان نعوض لك الحرمان ده.
جلال: أنا عندي ليكي خبر مهم.
فؤادة: خير.
جلال: قبضوا على الهلالي امبارح وبيحققوا معاه بعد ما ضموا اتهامك ليه بالقضايا التانية اللي كنا محضرينها له.
رواية فؤادة الفصل التاسع 9 - بقلم ميمي عوالي
فؤادة بفضول : قضايا ايه اللى كنتم محضرينهاله
جلال وهو يعدد على اصابعه : الاتجار فى العملة فى السوق السودا ، والتهرب الضريبى وغسيل اموال
فؤادة بتوتر : وعمى
جلال : ماله
فؤادة : عمى متهم معاه فى القضايا دى
جلال : على حد علمى .. لغاية دلوقتى …. لا
فؤادة : يعنى ممكن يتهموه هو كمان بعد كده
جلال : كل القضايا دى من البداية كان الهلالى هو بطلها الاوحد ، ثم نظر اليها بفضول وهو يتسائل قائلا : وبعدين افرضى ان عمك كان شريك معاه ، ده يضايقك
فؤادة ببعض الغضب : طبعا يضايقنى .. مش عمى
حسنة : حتى بعد اللى عمله معاكى يافؤادة
فؤادة باندفاع : مهما عمل يا امى ، ده عمى ، اسمه مقرون باسم ابويا العمر كله ، وكمان عشان خاطر نهاد وسلمى ومحمد
عارف باندفاع : محمد مين
فؤادة : ابن عمى ، واخو نهاد وسلمى ، مانا قلتلكم قبل كده ان محمد مسافر برة
ليتذكر عارف حديث فؤادة عن محمد ليهدأ باله بعض الشئ عندما ادرك ان محمد ماهو الا شقيق نهاد
لتقول حسنة : عموما يابنتى ماتسبقيش الاحداث ، سيبيها على الله
فؤادة : ونعم بالله
ثم التفتت فؤادة الى جلال وقالت ببعض التوتر : حضرتك امبارح قلتلى انك اتأكدت ان عمى برئ من حادثة ضرب النار … ممكن اعرف اتأكدت ازاى
جلال بتمعن : يهمك تعرفى
فؤادة بندية : يهمنى اتاكد زى ما انت اتاكدت
جلال بسخرية : ايه … مش واثقة فى كلامى واللا ايه
فؤادة بغضب مكبوت : هو عمى واللا عمك ، انا عاوزة اعرف انت عرفت واتأكدت ازاى انه برئ
لينظر لها جلال بغيظ بينما يتنهد عارف ويقول : نا هقوللك يافؤادة
لتنظر فؤادة لعارف وتقول : لو تعرف قول
عارف : امبارح وقت ماكنتى واخدة المسكن واحنا كلنا كنا قاعدين برة مستنيين نتطمن عليكى ، عمك خرج برة وقال لبناته انه هيعمل تليفون ويرجع لهم ، وانا خرجت وراه ، وسمعته وهو بيزعق مع حد ، اعتقد انه الهلالى ، وكان بيقول وهو متنرفز : مهما كان اللى عملته ماتوصلش ابدا للقتل ، وبعد كده لقيته بيقول وهو هيتجنن : لما لا انا ولا انت اومال يبقى مين اللى ضرب عليها النار
وشوية وقال : لا طبعا ، انا اتهمته فعلا وقلت كده قدام الظابط من غيظى منه ومنها ، لكن عمرى ما اصدق انه يعمل كده فيها
وقبل مايقفل معاه قال له بالحرف الواحد : انا هفضل ورا التحقيقات لحد ما اشوف هترسى على ايه ، لكن وشرفى لو عرفت ان ليك ايد فى اللى حصل ده انا مش هسكت
لتصمت فؤادة وتشرد قليلا لتقول حسنة : روحتى فين يافؤادة
لتنتبه فؤادة الى حسنة فتقول : ولما الهلالى ماعملهاش ، اومال يبقى مين
جلال بسخرية : لا هو انتى صدقتى انه برئ منها بصحيح زى ماقال لعمك
فؤادة : اعتقد انه لو كان عملها فعلا ، ماكانش هيخبى ابدا على عمى ، بالعكس ، ده يمكن كان اقنعه انه عمل كده عشان مصلحته
جلال بذهول : انتى بتخرفى بتقولى ايه
فؤادة بغضب : انا مابخرفش ، انا بحاول اعرف ايه اللى حصل بالظبط
جلال : مافيش مجرم فى الدنيا بيعترف بجريمته
فؤادة بسخرية : اللى ماتعرفوش ان الهلالى دايما بيفتخر بعمايله المشبوهة ، وشايف نفسه فوق القانون
عارف : طب وهو انتى ليكى اعداء اصلا يافؤادة
فؤادة بشرود : ماهو ده اللى محيرنى ، مين اللى من مصلحته انه يخلص منى بالطريقة دى وهنا وانا …….
لتقطع فؤادة حديثها وهى تحاول النهوض من الفراش قائلة : انا لازم امشى من هنا حالا
لتنهض حسنة مسرعة وهى تحاول اعادتها الى الفراش قائلة : لا اله الا الله .. فى ايه يابنتى ، ماتعقلى كده واهدى وفهمينا فى ايه
فؤادة : فى انى لازم اروح الارض بتاعتى فورا ، وباى شكل ، من فضلك يا امى سيبينى
جلال بغيظ : مش لما تفهمينا الاول ايه اللى حصل
فؤادة بشبه جنون : ما هو انا عشان مش عارفة ايه اللى حصل فلازم امشى من هنا واروح على الارض بتاعتى فورا
جلال بغضب : هو انتى فاكراها سايبة ، انتى اصلا ماينفعش تتحركى من هنا غير بعلم النيابة
فؤادة بصراخ عالى : هو انا كنت متهمة عشان اخد تصريح قبل ما اتحرك ، قلت عاوزة امشى من هنا ، يبقى همشى من هنا
جلال وهو يحاول تمالك اعصابه : ماهو لو فهمتينا ايه الحكاية ، ممكن انا بنفسى اوصللك للارض بتاعتك
لتنظر له فؤادة وهى تحاول تبر اغواره قائلة : بتتكلم جد واللا بتشتغلنى
جلال بصدمة : اشتغلك .. يابنتى اكبرى شوية وحسى بالكارثة اللى انتى فيها ، ده انتى مضروبة بالنار
فؤادة بتمرد : انا كبيرة على فكرة ، هو انت شايفنى عيلة صغيرة
جلال بنفاذ صبر : طب ياست الكبيرة ، ممكن تقوليلنا على اللى فى دماغك ، وتفهمينا فى ايه بالظبط
فؤادة : فى .. ان فى شخص معين عاوز يحط ايده على ارضى من يوم بابا الله يرحمه ما اتوفى ، وكل ساعة والتانية بيعمللى مشاكل ، وممكن اوى يكون هو اللى عمل كده ، استغل المشاكل اللى بينى وبين عمى والهلالى ويضرب وهو بعيد وعمر ماحد ابدا هيشك فيه
جلال باستغراب : طب وماقلتيش ليه الكلام ده لوكيل النيابة
فؤادة باستهزاء : لانه ماجاش على بالى طبعا
جلال بسخرية : وعلى افتراض ان اللى بتقوليه ده مظبوط ، انتى بقى ناوية تروحيله الارض تقوليله .. انا اهوه .. مش كده
فؤادة بغيظ : لا اسيبه ينتهز الفرصة ويستولى على الارض اللى ابويا ضيع عمره فيها
عارف : ما انتى ماينفعش تروحيله لوحدك يا فؤادة
فؤادة بعند : هروحله ومش هسيب ارضى ابدا ، ده انا مسيبتهاش لعمى ، اقوم اسيبها لواحد حرامى
عارف : طب عمك موقفه ايه من الراجل ده
فؤادة : قدم فيه بلاغ من شهرين بسبب المشاكل اللى كان بيعملهالنا ، بس لو قدر يحط ايده على الارض ، هيبقى خلاص كل شئ راح
جلال : كان بيعمل مشاكل زى ايه يعنى
فؤادة : اهو اى حركات هبل ، مرة حاول يحرق لنا المخزن ، ومرة حاول يهدللنا السور
عارف : يعنى كلها محاولات ومانجحتش
فؤادة بتأكيد : ايوة ، ماهو ده اللى هيجننه
جلال بزهق : ايوة برضة هتروحى تعملى ايه
فؤادة بتحدى : هقف فى ارضى ، لازم يعرف انى موجودة فيها عشان مايطمعش بزيادة ، ولو عاوز بقى يضربنى بالنار مرة تانية ، يبقى يضربنى وانا واقفة على ارضى
عارف : طب انتى مش عاملة عليها حراسة
فؤادة : دى عليها حراسة شديدة جدا وهو ده اللى مجننه بزيادة ، ده غير البوابات الالكترونية والكاميرات والاسوار اللى بابا عاملها
عارف بمرح : ليه كل ده ، دى مستعمرة مش مزرعة
فؤادة بحنين : الارض دى لما بابا اخدها كانت الصحرا حواليها من كل مكان ، مش زى دلوقتى بقت بين المزارع ، وعشان كده كان بابا لازم يأمنها
جلال : طب ماتكلمى الامن اللى هناك وشوفى الدنيا فيها ايه
فؤادة بغيظ : مانا تليفونى مش معايا ، وعشان كده عاوزة امشى
عارف : تليفونك فين وانا اجيبهولك
فؤادة وهى تحاول التذكر : مش فاكرة ، ومش فاكرة كان معايا ساعة الحادثة واللا لا
جلال وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله : طب خدى كلميهم من عندى
فؤادة بضيق : مانا مش حافظة الارقام بتاعتهم ، مسيفاها على تليفونى جلال : طب قوليلى رقم تليفونك لما ارن عليه كده ، لو فى البيت ممكن حد يرد عليا
لتملى فؤاده عليه رقم هاتفها ليأتيه رنين الهاتف متواصلا دون اجابة ، فقال : يمكن تكونى سايباه فى اوضتك
لينهض عارف ويحمل سلوى التى نامت باحضان جدتها ويقول : انا هروح سلوى وهخليهم هناك يدوروا عليه
فؤادة بلهفة وهى تنظر لجلال : وعاوزة كل الاوراق بتاعتى كمان من فضلك
جلال : هتعملى بيها ايه هنا
فؤادة : عشان لما اروح المزرعة تبقى معايا كل الاوراق اللى تثبت حقى
جلال وهو يذهب مع عارف : طب انا هروح مع عارف عشان اجيبهالك
لتنادى فؤادة على جلال مرة اخرى بنوع من التردد ، ليلتفت اليها متسائلا فتنظر الى حسنة بحرج قائلة : بعد اذنك يا امى ، ممكن تسمحيلى اخد من عندك طرحة ، احسن الطرحة بتاعتى فيها دم وريحتها مضايقانى
حسنة بابتسامة : خلى اى حد فى البيت يجيبلك طرحتين او تلاتة من دولابى ياجلال
فؤادة : لا لا ، هى واحدة كفاية ، على بس ما اغسل طرحتى
جلال : خلاص ماشى ، هجيبلك معايا وانا راجع
…………….
فى السيارة .. كان عارف يقوم بالقيادة بينما يجلس جلال بجواره محتضنا سلوى النائمة على قدميه ليقول عارف : اما فؤادة دى طلعت نمرة بصحيح
جلال بتركيز : اشمعنى
عارف : ميكس غريب كده عمرى ماشفته قبل كده فى اى بنت
جلال : ازاى يعنى
عارف : طول ماهى بتتكلم تبقى عمالة تلعب بايديها فى هدومها بتوتر كده تحسسك انها خايفة او قلقانة من حاجة معينة ، لكن فى نفس الوقت ، تلاقيها بتناطحك كلمة بكلمة ولا اكن فارق معاها حاجة ، وبرضة بصراحة عجبتنى
جلال بفضول : عجبتك ازاى يعنى
عارف ضاحكا : مش اللى فى بالك يا عم ، مانا قلتلكم على اللى عجبتنى بجد ، لكن فؤادة عجبنى تمسكها بحقها ، شفتها لما اتكلمت عن ابوها لما اخد الارض كانت بتتكلم ازاى ، اكنها بتقول انها مش هتضيع حلم ابوها وتعبه
جلال : عندك حق ، ويرضة عندك حق لما قلت انها غريبة
عارف : لا .. مش غريبة ، هى جديدة ، بس انت ناوى معاها على ايه
جلال : ناوى على ايه فى ايه بالظبط
عارف : يعنى هتسيبها فعلا تروح المزرعة بتاعتها زى ماقالت واللا هتمنعها واللا ايه
جلال بتنهيدة : مش عارف ، الموضوع برضة مش سهل انك تاخد فيه قرار كده بسرعة
عارف : اومال رايح تجيبلها الورق على اساس ايه
جلال : على اساس انها شايلاه معايا امانة وطلبته ، يبقى لازم اديهولها
عارف : انت بصيت فيه
جلال : الحقيقة لا ، ماكانش فى وقت ، وانشغلت بموضوع الهلالى ، وكنت فاكر ان الحكاية كده توتة توتة وخلصت الحدوتة ، ماكنتش اعرف ان هيطلعلها ديل بالشكل ده
عارف : طب ما انت طالما موضوع الهلالى خلص ، تقدر تطلفها وانت تشوف حالك وهى تشوف حالها
ليصمت جلال دون رد وعندما نظر له عارف فى انتظار اجابته وجده شاردا ، فلم يقطع عليه شروده حتى وصلا الى المنزل مرة اخرى
عند هبوطهم من السيارة صحت سلوى من غفوتها ، وقامت بفرك عينيها وهى تقول بضيق : ليه رجعتونى ، كنت عاوزة اقعد مع تيتا وطنط فؤادة
عارف بضحك : تقعدى ايه بقى ، ده انتى اكنك شربتى بنج وانتى فى حضن تيتا ونمتى فى ساعتها
ليأتيهم صوت ندا قائلة : طبعا ممكن تكون ريحة المستشفى اثرت عليها ، ماكانش المفروض توافقوها على حاجة زى دى
لينظر جلال الى ندا بوجه خالى من التعابير ، ثم نادى على أم ابراهيم وقال لها : انا راجع على المستشفى كمان نص ساعة ، حضريلى اكل احده معايا لامى وفؤادة واعملى حساب سندوتشات عشان سلوى هترجع معايا على هناك
سلوى بفرحة شديدة وهى تصفق بيديها : هييييه
جلال وهو يداعب وجنة سلوى : بس عاوزك تطلعى اوضة تيتا تجيبى من عندها طرحتين ، تعرفى
سلوى : ااه ، اعرف
ندا فى محاولة منها لاعادة العلاقات الطبيعية مع جلال : هى مراة عمى هتفضل هناك كتير ياجلال ، يعنى هتحتاج احضرلها شنطة او حاجة
جلال وهو يصعد لغرفته : لا ياندا شكرا ، انا عاوز الطرح دى عشان فؤادة مش عشان ماما
……………
عند عودة جلال وعارف ، طرقوا الباب ليسمعوا صوت حسنة تسمح لهم بالدخول ، لتدخل سلوى ضاحكة وهى تقول : انا جيت تانى
فؤادة بضحك : بس اوعى تكونى جاية تنامى تانى
سلوى : لا انا خلاص صحيت وجبتلك معايا حاجة حلوة
فؤادة بابتسامة : ياترى ايه
لتمد سلوى يدها الى حقيبة بيد عارف واخرجت منها وردة جميلة وقدمتها لفؤادة قائلة : جبتلك وردة سليمة
ليضحك الجميع بشدة بينما جذبت فؤادة سلوى وقبلت كف يدها وقالت : يسلمولى ايديكى الحلوين اللى زى السكر دول
ليمد جلال يده بغلاف بلاستيكى لفؤادة وقال : الاوراق بتاعتك اهيه ، حطتهالك فى ظرف عشان مايضيعش منك حاجة
فؤادة : شكرا ، تعبت حضرتك
ليمد جلال يده مرة اخرى بحقيبة بلاستيكية وقال : الشنطة دى فيها هدوم عشانك اشترينهالك واحنا جايين ، لان هدومك اللى جيتى بيها طبعا مش هتنفع تلبسيها تانى ، وجبنالك طرحتين من عند امى
فؤادة بخجل وهى تتلاعب باطراف اصابعها متشبثة بملابسها : انا الحقيقة مش عارفة اشكركم على ايه واللا ايه ، تعبتوا نفسكم ، كترخيركم
ليضع عارف الحقيبة التى بيده على المنضدة قائلا : ام ابراهيم بعتالكم الاكل ده يا امى
سلوى : وعاملالى سندوتشات نوتيللا عشان اكلها هنا
فؤادة : دكتور حسين عدى علينا بعد ما مشيتوا وقاللى ان قرار خروجى من هنا الدكتور اللى هيحدده مش وكيل النيابة
جلال : بس ده مش معناه انك تروحى فى مكان من غير ماتبلغيه ، لان المفروض عنوان تواجدك اللى مثبوت فى المحضر هو عنوان البيت عندنا
فؤادة : خلاص .. انا ابلغه انى راجعة المزرعة بتاعة بابا
جلال : وانتى مش شايفة ان مرواحك هناك لوحدك خطر عليكى
فؤادة ببعض الحزن : طب مانا هفضل طول عمرى لوحدى ، معنى كده انى اضيع ارض بابا وتعبه السنين دى كلها ، ده بموتى لو انا عملت كده
حسنة وهى تربت على كف فؤادة : بعد الشر عليكى يابنتى ماتقوليش كده ، ثم انتى مش لوحدك ابدا ، اعتبرينا اهلك
فؤادة بامتنان : حضرتك بالذات ليكى معزة كبيرة اوى جوة قلبى ، يمكن مااكونش قلتلك الكلام ده قبل كده ، بس حضرتك اسمك زى اسم ماما الله يرحمها
حسنة : مامتك كان اسمها حسنة
فؤادة بابتسامة حزينة : حسنية
حسنة بابتسامة : الله يرحمها ويحسن اليها ، بس انتى ماتوعيش عليها ، مش قلتيلى انها ماتت وهى بتولدك
سلوى : زى ماما هدى
فؤادة تنظر لسلوى بابتسامة وتقول : بابا الله يرحمه كان بيحبها اوى ، ومسمى كذا حاجة فى المزرعة على اسمها ،
حسنة : الله يرحم جميع موتانا
لتبتسم فؤادة وتقول بمرح مفاجئ : بس تعرفوا ، انتو لو دقتم العنب بتاعنا هتتجننوا من حلاوته ، واللا الخوخ والبرقوق والمشمش ، كل محاصيل الفاكهة بتاعتنا معظمها تصدير ، يعنى درجة اولى ، انا لازم ابعتلكم من كل المحاصيل بتاعتنا هتعجبكم اوى
سلوى : الله ، انا عاوزة اجى عندك
لتقول فؤادة بابتسامة مرحة : اوعدك بعد موافقة بابا وتيتا طبعا ، لو فضلت عايشة اخدك تقعدى معايا هناك كام يوم .. هتنبسطى اوى
حسنة بتنهيدة : ربنا يحفظك يابنتى ويبعد عنك كل شر
كان جلال وعارف يراقبان ردود افعال فؤادة وهما لا يدريان على ما ستذهب بهم الاحداث
ليمد عارف يده بجيب بنطاله ويخرج هاتف فؤادة ، ثم يمد يده به اليها قائلا : تليفونك كان فى اوضتك على فكرة
لتلتقطه منه فؤادة بلهفة قائلة : مش تقول من بدرى انك لقيته
ثم قامت بالاتصال من فورها على احد الاشخاص ثم قالت بلهفة : عمو نبيل ، ازى حضرتك …… انا بخير الحمدلله ……… والدنيا عاملة ايه عندكم ، فى مشاكل واللا حاجة ………… طب والراجل اياه ده اخباره ايه معاكم ……. طب ياعمو ، ان شاء الله هبقى عندكم قريب خلال يومين تلاتة بالكتير …….. معايا ربنا قبل الكل …….. انا عارفة ياعمو ، سلملى عليهم كلهم وخدوا بالكم من نفسكم …….. مع السلامة
وبعد ان اغلقت الهاتف قالت بامتعاض : حاول يقطع الكهربا عن المزرعة امبارح ، بس الحمدلله وقفوه عند حده كالعادة ، ثم نظرت لجلال باستغاثة وقالت : ارجوك … انا لازم امشى ، لازم ابقى موجودة معاهم هناك
فيقول جلال : انا هروح اسال الدكتور سيف انتى ممكن تخرجى امتى من غير مايبقى فى عليكى اى خطورة ، وبعدين نبقى نشوف ممكن ايه اللى يتعمل
فتومئ فؤادة رأسها بحزن فتقول لها سلوى : انتى زعلانة ليه ياطنط
فترفع فؤادة رأسها وتبتسم لسلوى وتقول : انا شكلى جعانة
لتنهض حسنة وتأتى بالطعام الذى ارسلته ام ابراهيم وتخرج منه بعض الشطائر وتقدمها لفؤادة التى تبتسم لها بود شديد وتقول : المفروض حضرتك اللى تاكلى ، انتى تقريبا ما اكلتيش من امبارح
عارف : ليه يا ماما مااكلتيش
حسنة : مين قال انى ما اكلتش ، انا اكلت ، وحسين كان جايب معاه الصبح فطاير حلوة اوى اكلت منها الحمدلله
سلوى : هو عمو حسين بيشتغل هنا
فؤادة بمرح : ماشفتيهوش بقى يا سلوى بالبالطو الابيض والسماعة ، حاجة تانية
سلوى بمرح : عاوزة اتفرج عليه
عارف بمشاغبة لسلوى : هى سينما عشان تتفرجى
سلوى بطفولة وهى تسحب عارف من يده تجاه الباب : عشان خاطرى .. عشان خاطرى .. ودينى اشوفه
لتضحك فؤادة بشدة ليقول عارف : عاجبك انتى اللى عملتيه ده
فؤادة بمرح : الله ، وانا مالى ماتوديها تشوفه
كان ذلك عند دلوف جلال الى الغرفة مرة اخرى فسأل عارف : ايه الحكاية
فيقص عليه عارف ماحدث وهو يضحك ، فيقول جلال : عموما دكتور سيف جاى دلوقتى يشوفك ويقوللنا الدنيا فيها ايه ، وعمو حسين هييجى معاه ياسلوى
لتجرى سلوى وتختبئ خلف المائدة وهى تقول : ماحدش يقول لعمو انى هنا عشان اخضه
ليضحك الجميع عليها وماهى الا دقيقة واحدة ، ليسمعوا طرقا على الباب ويدلف بعدها سيف وحسين ملقيان السلام
سيف : مستعجلة على الخروج ليه ، احنا مش اتفقنا انك لسه محتاجة يومين تلاتة
فؤادة : انا حقيقى محتاجة جدا انى امشى من هنا
وما ان اقترب سيف لمعاينتها حتى قفزت سلوى امامه وهى تقول : انا جيت
ليضحك الجميع على سلوى وهى تنظر لسيف باستغراب وتقول : ايه ده ، ده مش عمو
ليمد حسين يده من خلف سيف ويجذبها اليه مدعيا الجد قائلا : هو احنا مش قلنا ممنوع زيارة القرود
سلوى شاهقة : هو انا قردة
حسين : ااه قردة
سلوى : انا ماعملتش حاجة
حسين : اومال اللى عملتيه ده يبقى ايه
سلوى وهى ترفع يدها لتجذب سماعة الكشف من على صدر حسين : انا كنت عاوزة اتفرج عليك وانت عامل دكتور
حسين بصدمة : عامل دكتور ، اومال انا ابقى ايه يالمضة
سلوى بضحكة طفولية جميلة : انت عمو
كان جلال وعارف قد غادرا الغرفة وانتهى سيف من معاينة فؤادة ، ثم نظر لفؤادة وقال : نتكلم كلام ناس مسئولة واللا …..
فؤادة بتحفز : تقصد ايه حضرتك
سيف وهو يتجه الى الباب : هقوللك حالا
ثم فتح الباب واستدعى جلال ، وبعد ان دخل جلال وعارف مرة اخرى قال سيف : انا قلت قبل كده ان الحمدلله مافيش اى اجهزة اتضررت بسبب الرصاصة ، بس قلت ان الرصاصة عملت تمزق فى بعض الانسجة ، والانسجة دى محتاجة تلم وتلتئم
طبعا محتاجين غذا كويس جدا ، محتاجين كتفنا مستريح جدا لعاية الجرح مايلم تماما ونبطل نغير عليه لكن طبعا هنحتاج علاج طبيعى لفترة قصيرة لحد ما نعود الدراع والكتف على الحركة الطبيعية من اول وجديد
الكلام ده كله مش هياخد ابدا اقل من حوالى شهر ونص
لتقول فؤادة باعتراض شديد : لا طبعا ، شهر ونص ايه ، ده تكون كل حاجة راحت ، ده لا يمكن ابدا ، بقى انا بقوللك محتاجة امشى ضرورى .. تقوللى شهر ونص
سيف باندهاش : هو انا قلت انك محتاجة تقعدى الشهر ونص دول فى المستشفى
فؤادة بفضول : اومال إيه
سيف : انتى ممكن تخرجى لكن مع الالتزام التام بالخطوات والمواعيد اللى هتتحددلك
لتقفز فؤادة من على الفراش هى تقول بلهفة : انا موافقة بس سيبنى اخرج
سيف بانزعاج : اهى الطريقة اللى انتى قومتى بيها من على السرير دى لوحدها كفيلة انها تخلينى ما اوافقش على خروجك
فؤادة بامتعاض : ليه بس
سيف بتحذير : لانك قومتى بتهور وكان ممكن اوى تتخبطى فى كتفك والجرح ينفتح من تانى
فؤادة بوداعة : اوعدك انتى هلتزم بكل اللى قلت عليه وهنفذه بالحرف الواحد
سيف : والغذا ثم الغذا ثم الغذا ، لازم تتغذى كويس جدا ، لان ده هيساعد على انك تخفى بسرعة
فؤادة وهى تومئ برأسها : حاضر ، اوعدك
سيف بتنهيدة : خلاص ، ممكن اسمحلك تخرجى بكرة بعد الضهر
فؤادة بشبه صراخ : ليه ، ليه بكرة ، انا عاوزة امشى النهاردة
سيف : لانى لازم اتطمن ان الجرح ابتدى فعلا يلم ومش متلوث ، عشان لا قدر الله لو الجرح اتلوث هتبقى مشكلة كبيرة
فؤادة وهى تحرك رأسها بقلة حيلة : يعنى مافيش فايدة
جلال : خلاص يافؤادة ، من هنا لبكرة مش قضية وعلى الاقل نكون شفنا هنعمل ايه بالظبط
حسين باستفسار : هى متسربعة على المرواح ليه
جلال : هبقى احكيلك بعدين
ليستأذنهم سيف فى الانصراف ويلحق به حسين ، ليستمع جلال الى صوت هاتفه ، وعندما نظر الى اسم المتصل اجاب بلهفة قائلا : السلام عليكم ، طمننى يامتر ……….. يعنى كده نقدر نقول مبروك ……. الله يبشرك بكل خير …….تمام ، نتقابل بالليل ان شاء الله ، مع الف سلامة
وبعد ان اغلق الهاتف فوجئ الجميع بجلال يسجد على الارض شكرا لله وما ان استقام حتى جذب سلوى الى احضانه بشدة وقبلها ونظر للباقين قائلا : اتحبس اربع ايام على ذمة التحقيقات ، وطلع امر تفتيش لشركته وبيته وكل المخازن بتاعته
عارف : طب ماهو ممكن يكونوا اخدوا حذرهم لما اتقبض عليه
جلال بابتسامة : احنا ماكناش بنلعب الفترة اللى فاتت دى كلها ياعارف
ثم نظر الى فؤادة وقال : انا هاجى معاكى المزرعة بتاعتك ومش هسيبك غير لما اتطمن ان انتى وارضك فى امان
رواية فؤادة الفصل العاشر 10 - بقلم ميمي عوالي
دق الباب ودخلت نهاد وسلمى ومعهما والدتهما، وما إن دلفوا إلى الداخل حتى أسرعت نهاد جريًا على فؤادة وقالت بلهفة:
عاملة إيه النهاردة؟
فؤادة بابتسامة:
أحسن يا نونو الحمد لله.
وعندما دلفت سلمى ووالدتها ألقوا السلام على الجميع ثم اطمأنوا على أحوال فؤادة.
والدة نهاد:
حبيبتي الجرح لسه بيوجعك ولا أحسن شوية؟
فؤادة:
الحمد لله يا طنط، بيوجعني طبعًا بس المسكن مخليني متحملة الوجع.
سلمى:
قبضوا على الهلالي وبيحققوا معاه ومتهمينه إن هو اللي ضربك بالنار.
لتميل شفتا فؤادة للجانب باستياء وقالت:
غالبًا مش هيبقى هو.
نهاد:
الله! مش أنتي اللي اتهمتيه إن هو اللي حاول يعورك؟
لتضحك فؤادة بشدة وهي تسند كتفها ثم تقول:
يعورني! أنا عارفة إن أنتي اللي هتجيبي أجلي.
نهاد:
آه دي اللي بخده منك، لماضة وبس.
فؤادة:
صح، عندك حق.
سلمى:
صحيح يا فؤادة، لما أنتي بتقولي إنه مش هيطلع هو، أومال اتهمتيه ليه؟
والدة نهاد:
والأهم، مين اللي ممكن يكون عمل فيكي كده يا بنتي بس؟ ده أنتي كل اللي يعرفك بيعشقك عشق.
فؤادة بابتسامة:
حبيبتي يا طنط والله تسلميلي.
نهاد بامتعاض:
هو إحنا جايين نخطب؟ لما مش الهلالي، أومال مين مش تفهمينا طيب؟
لتتبادل فؤادة النظرات مع جلال ثم تقول:
لسه مش متأكدة يا نهاد.
والدة نهاد:
ربنا يا بنتي يظهر الحق ويحميكي من كل شر.
نهاد بمكر:
أقولك على خبر كويس؟
فؤادة:
يا ريت.
نهاد:
محمد هيوصل الأسبوع اللي جاي.
فؤادة بسعادة:
بجد؟ ده وحشني أوي.
سلمى بتحذير:
بس خدي بالك، بابا ما يعرفش.
فؤادة بأسى:
وهو أنا هشوف عمي فين عشان أقول له يا أذكى أخواتك؟
نهاد وهي تصفق بكفيها وهي تتقافز عن الأرض:
وجبتلك معايا شنطتك اللي كنتي محضراها قبل ما تمشي، كلها.
فؤادة:
دي أحلى حاجة عملتيها، أنا بجد محتاجاهم أوي خصوصًا قبل ما أسافر.
نهاد بتساؤل:
تسافري؟ هتروحي فين؟ ما تهدي في حتة بقى على ما التعويرة دي تخف.
فؤادة وهي تتلفت يمينًا ويسارًا ببعض الغيظ:
حد يشيل البت دي من هنا.
نهاد بحنق:
أنا محقوقة لك، أولعي يا فؤادة.
والدة نهاد:
صحيح يا فؤادة، المفروض يا بنتي تستريحي على ما الجرح بتاعك يلم وبعدين تبقي تروحي مكان ما أنتي عايزة.
فؤادة:
غصب عني يا طنط، محتاجة أسافر ضروري.
سلمى:
عمومًا يا فؤادة، وقت ما تحتاجي حاجة كلمينا، وهتلاقينا على طول جايينلك مكان ما تكوني، بابا خلاص فك الحظر.
لينتبه الجميع إلى سلمى التي أكملت وهي توضح لفؤادة:
بابا لما لقى إنك اتهمتي الهلالي اتخانق معاه خناقة كبيرة أوي، أي نعم إحنا ما نعرفش أي تفاصيل لحد دلوقتي، بس إحنا لقيناه إمبارح قال لماما إنها تبقى تيجي تتطمن عليكي، وكمان دخل قال للبت نهاد، لو عايزة تتطمني على بنت عمك أبقي روحي اتطمني عليها ولو احتاجت لحاجة أبقي بلغيني.
نهاد:
وأنا طبعًا ما صدقت وجبتلك حاجتك معايا.
فؤادة بحزن:
كتر خيره.
لتتقدم والدة نهاد من فؤادة وتربت على يديها قائلة:
ما تزعليش منه يا فؤادة، أنتي عارفة إنه بيحبك، بس الطبع يا بنتي غلاب.
فؤادة بحزن:
لما صمم يجيبني أعيش معاه بعد موت بابا الله يرحمه، كنت معتقدة إنه بيعمل كده عشان يعوضني عن موته، مش عشان يعمل اللي عمله.
نهاد بسخرية:
ما حدش قالك تعيشي في الوهم يا حيلتها، وما تنسيش إني حذرتك وأنتي اللي كنتي البعيدة غبية ما بتفهميش.
لتضرب سلمى أختها على كتفها قائلة بامتعاض وهي تهمس لها:
يا بنتي اتلمي بقى، في ناس حوالينا، مش كده أبدًا.
لترفع نهاد عينيها وتتجول بين جلال وإخوته ووالدته والذين وجدتهم يجلسون بصمت وهم يتابعون حواراتهم، بينما وجدت عارف يتابعها بابتسامة تسلية جعلت الغضب يشتعل بداخلها ولكنها لم تستطع أن تنطق بأي كلمة أخرى فما كان منها إلا أن نظرت له شزرًا ثم أعادت نظرها لفؤادة وقالت:
طب أنتي لو سافرتي هتسافري إمتى؟
فؤادة وهي تنظر لجلال:
مش عارفة لسه يا نونو، بس أكيد هكلمكم على طول.
سلمى:
مسافرة فين يا فؤادة؟
لينهض جلال وهو يتوكأ على عصاه قائلًا:
إسكندرية، أنا محتاج أعرض فؤادة على دكتور هناك عشان يطمني على كتفها، أنتم عارفين إن أكيد الإمكانيات وأجهزة الأشعة هناك أحسن من هنا.
حسين وهو ينبري مدافعًا عن المشفى التي يعمل بها:
مين اللي قال الكلام ده بس يا جلال؟ إحنا هنا عندنا كل حاجة.
جلال:
معلش يا حسين سيبني أتطمن.
والدة نهاد بابتسامة رضا:
ربنا يجازيك كل خير يا بني ويسعد أيامكم، فؤادة دي جوهرة، ربنا يخليكم لبعض.
لتتبادل فؤادة نظرات الامتعاض مع نهاد بينما تكتم سلمى ضحكاتها بيدها، وبعد قليل استأذنت والدة نهاد في الانصراف وحيت الجميع وانصرفت للخارج، لتلحقها سلمى بعد أن قبلت فؤادة وتمنت لها الشفاء، وحيت الجميع أيضًا، أما نهاد فمالت على فؤادة قبلتها ثم قالت باستياء:
بقى أنا ما صدقت إن قراقوش فك الحظر تقومى أنتي تسافري؟
فؤادة بتنهيدة:
معلش بقى يا نونو، أنتي بس ادعيلي.
نهاد وهي تربت على كتف فؤادة:
قلبي وربي راضيين عليكي يا بنتي، الله يرعاكي، وتركتها وانصرفت دون أن تحيي أحد كما فعلت عند قدومها.
وبعد أن خرجت نهاد مغلقة الباب خلفها حتى ارتجت الغرفة من صوت ضحكات عارف، والذي ظل يضحك بشدة حتى انتابته حالة من السعال لم تهدأ إلا بعد أن أخذ حسين يدلك له ظهره بطريقة رتيبة.
وما إن هدأ عارف حتى قال بوجه يكاد أن ينبثق منه الدم من شدة احمراره:
بجد بجد يا فؤادة، مش عارف أشكرك إزاي.
فؤادة بحاجب مرفوع:
دي تاني مرة تقوللي الكلام ده وما قلتليش على إيه.
ليبْتسم عارف قائلًا وهو يحاول قراءة رد فعل من حوله:
إنك عرفتيني على بنت الحلال اللي أخيرًا خلتني أفكر إني أهجر العزوبية وأكمل نص ديني.
فؤادة بفضول:
تقصد مين؟
عارف بابتسامة:
هيكون مين غير المجنونة بنت عمك.
فؤادة:
أنهي مجنونة فيهم؟ ما الاثنين مجانين.
عارف:
نهاد طبعًا، واضح يعني إن سلمى عاقلة.
فؤادة بمرح:
ههههههه، الحاجات دي نسبية حضرتك، عمومًا، ربنا يجعللكم نصيب في الخير.
كان عارف يتابع رد فعل حسنة، وعندما رأى الابتسامة تزين ثغرها انحنى عليها وقَبَّل رأسها.
حسنة بابتسامة توجس:
طب تفتكروا إن عم فؤادة ممكن يوافق على الحكاية دي؟
فؤادة:
عمي كل اللي يهمه المركز المالي في اللي متقدم، بس متهيألي، بلاش الحكاية دي دلوقتي، أنا بقول نصبر على ما النفوس تهدى شوية.
عارف:
لسه بدري على الكلام ده.
في اليوم التالي، كانت فؤادة مستعدة لمغادرة المشفى، بعد أن ساعدتها حسنة وإحدى فتيات التمريض على تغيير ملابسها.
ليأتي جلال بصحبة عارف، ليحمل عارف حقيبة فؤادة ويذهب بها إلى السيارة، ثم تذهب فؤادة بصحبة جلال وحسنة خلفه.
ليجلس عارف أمام عجلة القيادة وبجواره جلال وتجلس فؤادة وحسنة بالخلف، وقبل أن يدير عارف السيارة يجدوا سالم يقف أمام السيارة وهو ينظر إلى فؤادة بجمود لتقول فؤادة بتردد:
هو أنا ممكن أنزل أتكلم معاه؟
لتقول حسنة بود قبل أن يعترض جلال:
طبعًا يا بنتي، ده مهما إن كان عمك، انزلي اتكلمي معاه وإحنا هنستناكي.
وقبل أن تفتح باب السيارة يقول جلال وهو يغادر السيارة مرة أخرى:
استني أنا هفتحلك الباب.
ليهبط جلال ويتجه إلى باب فؤادة، ليفتحه لها ويساعدها على الخروج من السيارة وهو يقول بصلابة:
أنا قريب منك لو حصل أي حاجة، ما تخافيش.
لتسير فؤادة بهدوء خارجي حتى وصلت إلى عمها ونظرت له بصمت فقال لها بجمود:
لما نفيتي التهمة عني قدام النيابة.
يا ترى نفيتيها لإنك مقتنعة إني ما أعملهاش، ولا نفيتيها عشان خاطر اسم أبوكي؟
فؤادة وهي تحاول كبت مشاعر حزنها: طبعًا، أكيد أنا يهمني اسم بابا الله يرحمه، ويهمني سمعته حي وميت. ويمكن تكون السنتين اللي فاتوا شفت فيك حاجات ما شفتهاش طول السنين اللي بابا كان لسه عايش فيهم، لكن مهما شفت في السنتين دول، إلا إني عمري أبدًا ما هنسى حضنك وحنيتك عليّا. ومش هنسى إن معظم عمري قضيته في حضنك أنتِ وطنط، وعمري ما هنسى إن ولادك طول عمرهم كانوا إخواتي.
لا يمكن أصدق إنك ممكن تأذيني مهما حصل، حتى لو كنت طمعان في فلوسي، حتى لو شايف إنك أحق بالثروة اللي بابا الله يرحمه سابهالي.
رغم إني مش موافقة على التصرف اللي بابا عمله؛ لإنه أكيد كان عارف إنه هيخلق عداوة بينك وبيني، وعشان كده عرضت عليك إننا نعيد تقسيمة الورث على حسب الشرع من تاني، لكن أنت اللي رفضت.
بس برضه ما أصدقش إنك ممكن تأذيني للدرجة دي.
لينظر سالم إلى فؤادة بصمت، ثم يستدير منصرفًا إلى سيارته دون أن ينطق بأي كلمة، ليدير سيارته ويذهب مبتعدًا دون أن يعيد نظره إلى فؤادة مرة أخرى.
لتبقى فؤادة بمكانها وهي تغالب دموعها، ولم تنتبه إلا على صوت جلال وهو يحثها على الرحيل قائلًا: يلا بينا يا فؤادة.
لتلتفت عائدة إلى مكانها بالسيارة مرة أخرى، ليغلق جلال الباب خلفها ويعود إلى مقعده قائلًا بهدوء: يلا بينا يا عارف.
وعندما وجدت حسنة أن تنفس فؤادة يخالجه بعض تنهيدات البكاء، مدت يدها لتربت على قدم فؤادة وقالت لها بمواساة: اصبري يا بنتي، وخلي دايمًا عندك ثقة في ربنا إنه مش هيضيع حقك أبدًا.
عارف: حمد لله على سلامتك يا فؤادة.
فؤادة بامتنان: الله يسلمك يا أستاذ عارف. أنا الحقيقة مش عارف أشكركم كلكم إزاي على وقفتكم جنبي بالشكل ده.
عارف بمرح: لا شكر على واجب يا أستاذة. ها، ناوية على إيه؟
فؤادة وهي تنظر لوجه جلال بالمرآة: هروح المزرعة بتاعتي زي ما قلت لكم إمبارح.
جلال دون أن يلتفت إليها: إن شاء الله يا فؤادة، بس الكلام ده مش قبل يومين.
فؤادة باعتراض: يومين! يومين إيه؟ لا طبعًا أنا لازم أروح النهاردة.
ليلتفت جلال إليها قائلًا بسخرية: أنت قلت لي أنت خريجة إيه؟
فؤادة بتحفز: خريجة آداب إسكندرية قسم لغات شرقية.
جلال بتهكم: يعني متعلمة ومثقفة كفاية إنك تعرفي إن حاجة زي دي محتاجة ترتيبات خاصة.
فؤادة باعتراض: ترتيبات إيه؟ أنا معايا شنطة هدومي، وبيت بابا هناك مش ناقصه أي حاجة وأنا هروح على هناك وخلاص.
ليضحك جلال ضحكة لأول مرة تراها فؤادة، ولأول مرة يراها كل من عارف وحسنة منذ سنوات، لتتوه فؤادة في ضحكته التي تجمع الوقار والسخرية في آن واحد، لتنتبه مرة أخرى عليه وهو يقول لها: إيه، روحتي فين؟
فؤادة بانتباه: ما أنا معاكم أهوه ما اتحركتش من مكاني.
جلال وهو يعتدل مكانه مرة أخرى: واضح إنك ما سمعتيش ولا كلمة من اللي قلتها لك.
فؤادة بحرج: معلش، أنا آسفة ممكن تقول لي أنت كنت بتقول إيه مرة تانية.
ليلتفت إليها جلال ويقول بتنهيدة: بقول لك إننا لازم نتحرك قانوني. أنا بلغت علاء بيه باللي قلتيه واداني اسم ظابط تابعة ليه المزرعة بتاعة باباكي، وطلب مننا إننا ما نتواجدش هناك قبل يومين.
حسنة: وبعدين يا بنتي أنت محتاجة برضه تستريحي لك شوية على ما تتعافي حبة، وبعد كده يفرجها ربنا.
فؤادة بتردد: أنا مش عايزة حد يفهمني غلط، بس مش عايزة أرجع عندكم البيت تاني.
ليتبادل جلال وعارف النظرات، ثم يلتفت جلال ويقول وهو ينظر إليها: لو في حد ضايقك هناك، قولي لي وأنا هتصرف.
فؤادة بإنكار شديد: لا طبعًا، إيه اللي حضرتك بتقوله ده؟ أنا طول عمري ما شفتش ترحاب في حياتي زي ما شفته عندكم من الكل كبير وصغير.
ليبتسم جلال بشرود ثم يقول: عمومًا معلش، هم يومين بس، وهنروح على المزرعة على طول.
فؤادة بارتباك: هو حضرتك برضه هتيجي معايا زي ما قلت لي قبل كده؟
جلال: طبعًا.
فؤادة: أيوة، بس كده هتعطل نفسك، وممكن تدخل في مشاكل أنت في غنى عنها.
جلال: ما تاخديش في بالك، وبعدين الراجل اللي بتقولي عليه ده لازم يعرف إنك مش لوحدك، وإن ليكي ضهر، ويمكن لما يعرف كده يسيبك في حالك من غير مشاكل.
فؤادة بتمني: يسمع منك ربنا، يا ريت.
حسنة وهي تربت على قدمها: سيبيها على الله يا بنتي.
فؤادة بهدوء: ربنا المستعان.
كانوا قد وصلوا إلى منزل جلال، ليهبط الجميع من السيارة، ويأخذ عارف حقيبة فؤادة ليدلف بها إلى الداخل، ويشير جلال بيده إلى أمه وفؤادة كي تسبقانه، فتتعمد فؤادة أن تتأخر عن حسنة. وما إن دلفت حسنة إلى الداخل حتى وجدت ندى تجلس بصحبة أدهم وسلوى وتحمل ليلى الصغيرة على قدمها، وما إن رآها الصغيرين حتى هرعا إلى أحضانها مرحبين بها بشدة، معبرين عن مدى اشتياقهما لها.
وعندما دخلت فؤادة كانت تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى وهي ترتاب في رد فعل ندى عند رؤيتها، ولكنها قالت بحذر: مساء الخير يا ندى.
ندى وهي تتعامل كأن شيئًا لم يكن: أهلًا يا فؤادة حمد لله على السلامة، معلش ما عرفتش أجي أطمن عليكي، بس كنت بأطمن عليكي من حسين كل شوية.
فؤادة بامتنان: كتر خيرك، تعبتك.
ندى: لا عادي.
كان جلال يتابع الحوار وهو يقف وراء فؤادة بصمت حتى قال وهو ينظر لسلوى بابتسامة: ها يا سلوى، اتغديتي ولا لسه؟
سلوى وهي تتجه لوالدها: آه يا بابا أكلت مع أدهم.
ندى: اتغديتوا ولا أخلي أم إبراهيم تحضر لكم الغدا؟
جلال وهو ينادي أم إبراهيم بصوت عالي: لا استريحي أنتِ.
وما إن أتت أم إبراهيم، حتى رحبت بحسنة وفؤادة، ثم نظرت لجلال وقالت: اؤمرني يا ابني.
جلال: الست فؤادة زي ما أنت شايفة كده، محتاجة مساعدة باستمرار، يعني في تغيير هدومها وقعدتها وعدلتها، فكنت عايزك تشوفيلنا حد يبقى معاها باستمرار عشان أنا عارف إنك مش هتقدري.
فؤادة باعتراض: ليه ده كله؟ أنا ممكن أعتمد على نفسي و...
جلال بحزم: أنا عارف مصلحتك، اسمعي بس الكلام.
لتصمت فؤادة بينما تقول أم إبراهيم: حاضر، هشوف واحدة.
جلال: مش أي واحدة يا أم إبراهيم، عايز واحدة على ضمانتك، خصوصًا إنها هتسافر معانا.
ندى بفضول: هتسافروا فين؟
جلال: مسافر مع فؤادة المزرعة بتاعتها إن شاء الله.
لتقول سلوى بمحايلة: خدني معاك يا بابا، عايزة أجي معاك، عشان خاطري.
لينظر جلال إلى سلوى ويقول: معلش يا سلوى، بلاش المرة دي، عشان أنا وطنط فؤادة مش هنبقى فاضيين، ومش هعرف آخد بالي منك.
لتجلس سلوى بصمت ويبدو على ملامحها الحزن لتقول فؤادة: على فكرة يا سلوى، أنتِ ما جيتيش سلمتي عليّا.
لتنظر سلوى إلى ندى ببعض الرهبة، ثم تنهض من مكانها وتعدو فجأة إلى الأعلى.
فؤادة: على فكرة، سلوى لو جت معانا هتنبسط أوي، خصوصًا كمان إن بابا عنده إسطبل خيل هيعجبها جدًا.
جلال: معلش، بس ما نضمنش الظروف، خليها مرة تانية. ثم تركهم واتجه إلى الأعلى، حيث غرفة سلوى، ليدق عليها الباب ويدخل قائلًا ببعض اللوم: على فكرة، أنا زعلان منك.
لترفع سلوى رأسها قائلة ببراءة: أنا عملت إيه؟
جلال: لما طنط فؤادة قالت لك إنك ما سلمتيش عليها سبتيها وطلعت تجري على هنا من غير برضه ما تسلمي عليها.
سلوى بتنهيدة طفولية جميلة: أنا بحب طنط فؤادة بس لو سلمت عليها خالتو ندى مش هتحبني وهتزعل مني، وأنا مش عايزاها تزعل مني عشان تسيب أدهم يلعب معايا.
جلال بتركيز مع كلام سلوى: وهي قالت لك ما تتكلميش مع طنط فؤادة؟
سلوى: قالت لي إني لو اتكلمت معاها أو بوستها مش هتحبني تاني ومش هتخلي أدهم يكلمني تاني أبدًا.
جلال وهو يهز رأسه علامة الفهم: بس أنا عايزك تعملي اللي أنت عايزة تعمليه، وما تخافيش، عمو حسين لا يمكن يوافق إن أدهم ما يلعبش معاكي أو يخاصمك أبدًا.
سلوى بحيرة: طب وخالتو ندى؟
جلال بطمأنة: ما تخافيش، أنا هقول لها ما تزعلش منك.
سلوى: يعني أتكلم مع طنط فؤادة عادي؟
جلال بابتسامة: أيوة طبعًا، عادي.
سلوى بمهادنة: وهتاخدني معاك وأنت مسافر؟
جلال ضاحكًا: لا، أنا قلت لك مرة تانية، يبقى مرة تانية.
سلوى بقلة حيلة: ماشي، بس أنتم هتوحشوني أوي.
جلال بحنان: لما نسافر، لو لقيت إنه ينفع هخلي عمو عارف يجيبك عندي، اتفقنا؟
سلوى بسعادة: اتفقنا.
وعندما هبط جلال إلى الأسفل مرة أخرى مع سلوى، جرت سلوى اتجاه فؤادة وما إن وقفت أمامها حتى قالت: هو لسه كتفك بيوجعك؟
فؤادة بابتسامة: شوية صغيرين.
سلوى وهي تتابع رافع الكتف المعلق به ذراع فؤادة: طب هو أنت هتفضلي معلقة دراعك لحد إمتى؟
فؤادة وهي تمد شفتها السفلى للخارج وضمت كتفيها علامة عدم المعرفة: مش عارفة يا لولو.
شوية كده.
نادى جلال مرة أخرى على أم إبراهيم طالبًا منها إعداد فنجانًا من القهوة قبل تحضير الغداء.
ندا بفضول وهي تسأل حسنة: هو أنتو شفتوا حسين النهاردة وإلا ما عداش عليكم؟
حسنة: لا إزاي؟ جالنا بعد الفجر وفطر معانا وشرب الشاي كمان، وبعد كده سابنا وراح يشوف شغله بقى.
ندا باستفهام: يعني هييجي النهاردة واللي هيفضل بايت برضه في المستشفى؟
حسنة بفضول: هو حسين كان بايت في المستشفى؟
ندا بامتعاض: أيوه... من يومين.
حسنة: وليه كده؟ ده تلاقيه لا بياكل عدل ولا بينام عدل.
ندا بخفوت: كل واحد بينام على الجنب اللي يريحه.
كانت أم إبراهيم قد أعدت القهوة لجلال ووضعتها أمامه، فشكرها جلال ثم نظر إلى فؤادة وقال:
"روحي يا فؤادة مع أم إبراهيم خليها تساعدك إنك تغيري هدومك، وياريت لو تاخدي سلوى معاكي."
لتستوعب فؤادة أنه يريد الانفراد بالباقين فتنهض بابتسامة خجلى وتستأذنهم في الانصراف ليسمحوا لها. وبعد أن غابت بغرفتها مصطحبة معها سلوى وأم إبراهيم، نظر جلال إلى ندا وقال:
"إيه الحكاية بالظبط يا ندا؟"
ندا بارتباك: حكاية إيه يا جلال؟
جلال: "حكايتك أنتي وحسين، أنا حاسس كده إن في مشكلة بينكم ومشكلة كبيرة كمان. احكيلي وأنا هجيبلك حقك لو ليكي حق."
ندا: "حق إيه وباطل إيه؟ ما فيش حاجة من اللي بتقولوها دي ليها أساس من الصحة."
جلال: "ما حدش هنا قال حاجة غيري يا ندا، بتجمعي ليه بقى؟ ثم... أنتي شايفة إن لما كل واحد فيكم ينام في أوضة، ولما يبقى ما حدش فيكم عارف حاجة عن التاني، يبقى عادي؟"
ندا بارتباك: "مين اللي قال بس الكلام ده؟ احنا عايشين عادي جدا، كل اللي أنت بتقوله ده مجرد تخيلات."
ليأتيهم صوت حسين قائلًا بجمود:
"لأ مش تخيلات يا ندا، وأنا حكيت لأمي ولإخواتي على كل حاجة، فما فيش داعي بقى إنك تحاولي تجملي الدنيا قصادهم."
ندا بغضب:
"وإيه بقى اللي أنت قلته يا سي حسين؟ قلت إنك هاملني وهامل ولادك؟ قلت إنك مش قادر تبقى موجود وسطينا وقت ما بنحتاجلك؟ قلت إن شغلك والعيانين بتوعك أهم عندك مني ومن ولادك؟"
لينظر لها حسين بذهول طوال حديثها حتى انتهت من الكلام فقال وما زال الذهول مسيطرًا عليه:
"أنتي إزاي كده؟ من امتى أنتي اشتكيتلي من أي حاجة من كل الكلام اللي قلتيه ده؟"
ندا بلجلجة: "وهو المفروض إني أشحت جوزي وإلا أشحت أب لولادي؟"
يتملك الغضب من حسين لينقض على ندا جاذبًا إياها من ذراعها وهو يقول بغضب:
"وخوفك على ثروة عمك من جلال راح فين؟ وزنك إني ألزق لجلال لحد ما أعرف كل أسرار تعاملاته وبعد كده أركّنه على الرف وأركب أنا راح فين؟ وكلامك عن إن ربنا رزق جلال ببنت واحدة عشان تاخديها لأدهم وتفضل العمر كله تحت جناحك والفلوس ما تطلعش بره راح فين؟"
لتجذب ندا ذراعها بعنف من يد حسين وهي تصرخ: "أنت كداب!"
ليفاجئ حسين الجميع بأن رفع يده عاليًا ثم هوى على وجه ندا بعنف لدرجة أدمت شفتاها ثم قال بعد أن سكن صراخها:
"أنتي طالق يا ندا. لو قررتي تفضلي هنا بالولاد، ياريت حد يبلغني عشان أشوفلي سكن تاني بعيد. ولو هترجعي بيت عمي... فياريت الكلام ده يتم النهاردة."
ثم تركهم وعاد إلى خارج المنزل وأدار سيارته وانطلق مبتعدًا وسط صدمة الجميع مما آلت إليه الأحداث دون أي سابق إنذار.
لينهض عارف مقاومًا ذهوله وهو يسرع إلى الخارج محاولًا اللحاق بأخيه لتقول حسنة بأسى:
"ما تسيبش أخوك يا عارف."
ثم التفتت حسنة إلى ندا وقالت بحزم:
"حسين ما كدبش في ولا كلمة قالها يا ندا، أنا بنفسي سمعتك قريب وأنتي بتقوليله أكتر كمان من اللي قاله ده بكتير."
ندا بدون وعي: "ما شاء الله، أنتي كمان بتتسنطي علينا؟"
جلال بغضب:
"اخرسي، أنتي زودتيها أوي، من امتى وأنتي كده أنا مش فاهم؟ إيه... كان فين كل ده؟ وكنتي مخبياهم فين؟ وليه؟"
"قصر معاكي في إيه حسين أنا مش فاهم؟ كل يوم يرجع من المستشفى ما بيتنقلش من البيت، ولاده متعلقين بيه يمكن أكتر منك أنتي نفسك، وده أكبر دليل على إنه حنين ومراعي لبيته وأولاده."
كان كريم يقف بالباب الذي تركه عارف وراءه دون أن يغلقه عندما خرج وهو يحاول اللحاق بحسين، وعندما نظرت له ندا وجدت على وجهه معالم الغضب الشديد، وقبل أن تواصل أنفاسها تفاجئت به يقترب منها ويجذبها بعنف من رسغها قائلًا:
"واضح فعلًا إن كان في حاجة غلط في تربيتك، هستناكي نص ساعة ما فيش غيرها، تطلعي تلمي حاجتك وحاجة الولاد وتنزلي على طول."