الفصل 20 | من 40 فصل

رواية فراشة المقبرة الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
24
كلمة
912
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

منذ يومها الأول في الوحدة الصحية، غرقت زهرة في العمل. لم يكن هناك وقت للراحة أو للتردد، فالمرضى كانوا يتوافدون منذ الصباح الباكر، يجلسون على المقاعد الخشبية في الممر، ينتظرون دورهم بصبر راسخ. أطفال بحمى مرتفعة، رجال بأيدٍ متشققة من العمل في الحقول، نساء يحملن أطفالهن باكين، وكبار في السن يعانون من آلام المفاصل التي لم يفلح معها الزمن ولا العلاجات الشعبية.

كانت زهرة تعمل بلا توقف، تنقل سماعة الطبيب من صدر إلى آخر، تفحص الجروح، تكتب وصفات العلاج، وتتابع الحالات المزمنة التي أهملها الوقت. لم يكن المكان مجهزًا بكل ما تحتاجه، لكنها تعلمت كيف تصنع الحلول بإمكانات بسيطة، كيف تحول قطعة قطن وضمادة إلى إسعاف فعال، وكيف تجعل من الكلمات دواءً يخفف قلق المرضى.

في إحدى الزوايا، وقف رجل يراقبها بصمت. لم يكن من المرضى، ولم يكن من العاملين في الوحدة الصحية. كان يرتدي ثيابًا بسيطة، لكن حضوره كان واضحًا رغم محاولته البقاء في الظل. لم تشعر زهرة بنظراته في البداية، فقد كانت منشغلة بطفل يبكي بحرارة بينما تحاول تهدئته قبل أن تحقنه بالمضاد الحيوي. لكن مع مرور الوقت، تسلل إحساس غريب إلى وعيها، إحساس بأن أحدهم يراقبها.

رفعت رأسها فجأة، فالتقت عيناها بعينيه. للحظة، كان هناك شيء في نظرته لم تستطع تفسيره، مزيج من الدهشة والشكوك، وربما شيء آخر أعمق، شيء لم تستطع الإمساك به. لكن قبل أن تتمكن من قول شيء، أو حتى سؤال إن كان بحاجة إلى مساعدة، استدار الرجل واختفى خارج الوحدة، تاركًا خلفه سؤالًا لم تجد له إجابة. مرت أيام قبل أن تراه مجددًا.

كانت زهرة قد نسيت أمره تقريبًا، غارقة في دوامة العمل بين الحالات الطارئة والمرضى الذين يتوافدون بلا توقف. لكن في ذلك الصباح، حين رفعت عينيها من فوق ملف مريض كانت تدون ملاحظاتها فيه، وجدته واقفًا عند باب الوحدة الصحية. لم يكن قد دخل بعد، كان يقف هناك، كما في المرة السابقة، يراقب بصمت، كأنه غير متأكد من رغبته في الاقتراب. لكن هذه المرة، لم تنتظره زهرة. وضعت الملف جانبًا، تقدمت نحوه بثبات، وقفت أمامه وقالت بصوت هادئ،

لكنه مباشر: "هل تحتاج إلى شيء؟ أنت تراقبني؟ لم يبد أنه يحاول إنكار ذلك، ولم يكن صوته يحمل أي تبرير، فقط حقيقة مجردة ألقاها أمامها. قطبت زهرة حاجبيها قليلًا، متوقعة تفسيرًا. لكنه لم يضف شيئًا، مما جعلها ترد ببرود محسوب: "لاحظت ذلك." ابتسم ابتسامة بالكاد تشكلت على شفتيه، ثم ألقى نظرة سريعة على الوحدة الصحية، كأنه يقيم المكان، قبل أن يعيد نظره إليها. "أنت لست من هنا." لم يكن سؤالًا، بل ملاحظة.

"هذا صحيح." أجابت دون أن تعطي تفاصيل. أومأ الرجل ببطء، كأنه كان يتوقع هذه الإجابة، ثم، بعد لحظة صمت طويلة، قال: "لكن وجودك هنا... ليس مصادفة." شعرت زهرة بانقباض غريب في صدرها. كانت كلماته تحمل نغمة غامضة، وكأنه يعلم شيئًا لا تعرفه، أو ربما يحاول أن يدفعها إلى إدراك شيء لم تنتبه له بعد. حاولت أن تبقي نبرتها متماسكة حين ردت: "تم تعييني هنا، كما يحدث مع الأطباء في كل مكان." نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت منخفض،

لكنه حاد كالنصل: "ليس كل الأماكن متشابهة، دكتورة." قبل أن تتمكن من سؤاله عما يعنيه، استدار ومشى ببطء خارج الوحدة. خرج الرجل الذي كان يعمل تحت إمرة علي النزاوي من الوحدة الصحية، يسير بخطوات هادئة على الطريق الترابي الطويل المؤدي إلى خارج القرية. لم يكن هناك شيء في مظهره يلفت النظر، لا حركة عصبية، ولا نظرة متوترة، فقط هدوء متعمد لرجل اعتاد على إخفاء نواياه جيدًا.

حين ابتعد عن الأنظار، توقف عند إحدى الأشجار الكبيرة عند مدخل القرية، حيث كان ينتظره رجل آخر، أقل صبرًا وأكثر قلقًا. "هل تأكدت؟ " سأله بصوت خافت، وعيناه تراقبان الطريق خلفه. "إنها هي." أجاب الرجل الأول دون تردد. لم يحتج إلى تفسير إضافي، فالرجل الذي بجانبه فهم فورًا، لم يكن الأمر مجرد مصادفة، ولم يكن مجرد تعيين عشوائي لطبيبة جديدة، هذه الوحدة الصحية لم تكن مجرد مكان، بل قطعة من ماضٍ لم يكن من المفترض أن يعود للحياة.

"هل أخبرته؟ " سأل الرجل القلق. أدار الرجل الأول رأسه ببطء نحوه، وكأن السؤال نفسه لا يستحق الرد. "تعرف القواعد." قال بهدوء. "نراقب، لا نتصرف حتى تأتي الأوامر." تنفس الرجل القلق باضطراب، مسح على وجهه بيده، ثم نظر مرة أخرى نحو الوحدة الصحية، حيث لا تزال الأضواء مشتعلة داخل الغرف. "علي النزاوي لن يعجبه هذا." لم يرد الرجل الأول فورًا، فقط ألقى نظرة أخيرة نحو المبنى البعيد، ثم استدار ليكمل طريقه.

وصل الرجل منزل علي النزاوي الذي كان يجلس خارج داره. كان قد مضى ستة عشر عامًا أو أكثر، رغم ذلك بدا بصحة جيدة، فالأغاد لا يكبرون. سحب علي النزاوي من الشيشة متجاهلًا الرجل الذي كان يزحف نحوه. ثم استدار فجأة بعيون لامعة، نظرة جعلت الرجل يرتعش. ثم همس: "هي؟ "الاسم مختلف والشكل يا زعيم، لكن هناك احتمال كبير أن تكون هي نفسها." قال محسوب الرفاعي قبل أن يتلقى المعلومة أنها هي.

"محسوب الرفاعي رجل خرف معتوة، لو عصرت خصيتيه لاعترف بقتل رئيس الجمهورية." "يا زعيم؟ " بدأ الرجل مترددًا. "لا آثار لحروق في جسدها ولا أي شيء آخر." أطلق علي النزاوي دفعة من الدخان تسحبت بين شعيرات شاربه الطويل. "جميلة؟ "جميلة جدًا يا زعيم، مثل القمر." برم علي النزاوي شاربه، إذا كانت مثل القمر فعلى الشمس أن تزورها في الوحدة الصحية، ثم صرخ: "يا ولد جهز الكبريتة."

جلس علي النزاوي داخل العربة، شاله الصوف فوق كتفه، ثم أمسك باللجام ولكز الحصان. مرت العربة على الطريق المترب بين بيوت القرية الساكنة مثل القبر. والناس يلوحون له وينحنون، والأطفال يهربون من طريقه. حينما وصل الوحدة الصحية. صرخ التمرجي: "يا أهلًا بالعمدة، دا احنا زارنا النبي! نزل علي النزاوي بجزمته اللامعة ودلف داخل الوحدة الصحية. كان معتادًا أن يركض نحو الأطباء والممرضة. لكن زهرة كانت منشغلة في عملها.

صرخ التمرجي في مريض قريب من مقعد زهرة. "فز قوم للعمده يا راجل أنت!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...