مرت الأيام على زهرة وكأنها فقدت الإحساس بالزمن. كانت تستيقظ كل صباح، ترتدي معطفها الأبيض، تخرج إلى الوحدة الصحية، ثم تعود في المساء دون أن تشعر كيف انقضى اليوم. لم تعد ترى المرضى، لم تعد تفكر في التشخيصات، لم تعد تهتم بأي شيء سوى أن تنهي عملها وتمضي. لم تكن زهرة كما كانت، لم تكن تلك الطبيبة التي جاءت إلى القرية بعزم وإصرار، تؤمن أنها تستطيع أن تصنع فرقًا. أصبحت شيئًا آخر...
آلة تعمل بلا إحساس، بلا روح، تؤدي واجبها كأنه عقاب، كأنه مجرد وقت يجب أن تمضي خلاله حتى ينتهي يومها. لكن أهل القرية لم يكونوا كما كانوا أيضًا. لم ينسَ الناس ما حدث، لم ينسَوا أنها كانت السبب في موت الرجل. لم ينسوا أنها وقفت في وجه العمدة، ثم تراجعت، ثم مات الرجل بعد كل ذلك. في البداية، كانت النظرات فقط... نظرات مليئة باللوم، بالاتهام، أحيانًا بالاحتقار، وأحيانًا بالشفقة. ثم بدأ الأمر يتطور.
في البداية، كان بعضهم يتجنب دخول الوحدة الصحية عندما تكون هناك، يأتون فقط عندما يكون الطبيب البديل متواجدًا، أو يذهبون إلى "الداية" القديمة في القرية، حتى لو لم تكن تعرف شيئًا عن الطب. ثم بدأ الهمس... "لو ما كانتش اتكلمت، كان زمانه عايش... كانت تسمع هذه الكلمات كأنها طعنات خفية، كأنها أصوات تأتي من ظلام عقلها المرهق، تلاحقها حتى في وحدتها. ثم جاء اليوم الذي كاد أن يكسرها تمامًا.
كانت تحاول فحص طفل صغير جاءته نوبة شديدة من الحمى. حاولت تهدئة والدته، لكنها لم تستمع، فقط انتزعت طفلها من بين يديها وصرخت: "سيبينا في حالنا! وقف الجميع في الوحدة الصحية، يراقبون، بعضهم صامت، وبعضهم يهز رأسه موافقًا، وبعضهم يتهامس في ركن الغرفة. أما زهرة، فوقفت هناك، باردة، متيبسة، كأن الكلمات لم تصل إليها. لكنها وصلت. ووصل الألم معها.
في تلك الليلة، جلست في غرفتها، نفس الغرفة التي احتضنت وحدتها منذ أن جاءت إلى هنا، نظرت إلى يديها، اليدين اللتين كانتا ترتعشان يوم مات الرجل بين أصابعها، والآن أصبحتا جامدتين، كأنهما لم تعودا جزءًا منها. همست بصوت بالكاد تسمعه: "ليه جيت هنا؟ لم تكن تنتظر إجابة. لم تعد زهرة قادرة على الاحتمال، لم يكن الأمر مجرد نبذ أهل القرية لها، ولا نظراتهم التي تحمل اتهامات غير منطوقة، بل ذلك الإحساس الثقيل الذي أصبح يلازمها...
الإحساس بأنها لم تعد تنتمي إلى هذا المكان، بأنها أصبحت غريبة عنه كما هو غريب عنها. في صباح يومٍ لم يختلف عن غيره، دخلت مكتبها في الوحدة الصحية وكتبت طلبًا رسميًا لنقلها، لم تفكر كثيرًا، لم تتردد. فقط أمسكت القلم، وخطّت الحروف بثبات، كأنها تحاول أن تنتزع نفسها من هذا المكان قبل أن يبتلعها تمامًا. قبل أن ترسل الطلب، جاءها استدعاء غير متوقع. "العمدة عايزك في بيته." لم يكن هذا طلبًا، كان أمرًا.
وقفت زهرة أمام الرجل المسلح الذي يضع بندقية فوق كتفه في وسط النهار دون أن يخشى أحد. رفعت حاجبها باستنكار وصرخت: "ابعد من هنا قبل ما أطلب لك الشرطة! ابتسم الحارس: "شرطة؟ مفيش شرطة هنا، إحنا الشرطة، إحنا اللي بنمسك المجرمين ونقدمهم للشرطة." كاد الأمر أن يتطور حتى تدخل الطبيب البديل وعرض أن يذهب مكان زهرة لبيت العمدة ويوقع الكشف عليه. لكن الحارس نهر الطبيب المسن وكاد أن يبهدله وسط الناس. رفعت زهرة يدها. "خلاص! خلصت زهرة
الطبيب من يد الحارس وصرخت: "خلاص هروح معاك." عندما وصلت إلى بيت العمدة، استقبلها الخدم بوجوه جامدة، قادوها إلى الداخل حيث كانت الأجواء مختلفة عن كل مرة زارته فيها من قبل. هذه المرة، لم تكن مجرد ضيفة عابرة أو طبيبة جاءت لزيارة عادية. هذه المرة، كانت وحدها، في بيته، بدعوة مباشرة منه.
قادوها إلى غرفة جلوس واسعة، حيث كان يجلس هناك، علي النزاوي، في مقعده الجلدي، ينظر إليها بنظرة لا يمكن تفسيرها بسهولة. لم يكن في عينيه الغضب الذي توقعته، ولا اللامبالاة التي أظهرها في الماضي، بل شيء آخر... شيء لم تستطع فهمه. "سمعت إنك مش عايزة تكشفي عليه يا دكتورة، هي دي أخلاق الدكاترة؟ رفعت زهرة صوتها بغضب: "إنت سايب رجالتك يرهبوا خلق الله ويتهجموا على الناس المحترمة ومبسوط؟ صرخ العمدة على النزاوي: "مين عمل كده؟
"واد يا جبالي عملت إيه يا كلب؟ وقبل أن يرفع الحارس صوته، صفعه علي النزاوي على وجهه. "اصرخ بندور كتفه في النخلة! "خلاص! " صرخت زهرة بخوف. لكن علي النزاوي نزع جلبابه كأنه شاب في العشرين وأمسك سوطه وجلد جبالي حتى قطع جلبابه ومزق ظهره. جلس علي النزاوي على مقعده. ورفع كوب الشاي إلى شفتيه، ثم وضعه دون أن يشرب. ثم همس بنبرة محايدة: "قبل ما تمشي ممكن تكشفي عليّ؟ شعرت زهرة بالحرج. سألت: "دلوقتي؟ "دلوقتي."
فتحت زهرة حقيبتها الطبية وأخرجت السماعة. حاولت أن تتعامل مع الأمر كما تتعامل مع أي مريض آخر. لكنها عندما اقتربت منه، عندما وضعت يدها على معصمه لتقيس نبضه، وعندما رفعت عينيها لتلتقي بعينيه... حدث شيء غريب. شيء تحرك في داخلها، شيء لم تشعر به منذ زمن. لم تكن نظراته مجرد نظرات رجل مريض، ولا كانت نظرات عمدة مسيطر يريد أن يثبت سلطته. كانت عميقة، قوية، وفيها ظل لشيء تعرفه... شيء ظنته مات منذ زمن.
شعرت للحظة كأنها عادت بالزمن إلى الوراء، إلى مكان آخر، إلى وجه آخر، إلى عينين كان لهما نفس الوقع، نفس القوة، نفس السطوة. تجمدت أصابعها على معصمه، والتقت عيناها بعينيه في صمت طويل. لكنها لم تقل شيئًا. ولم يقل هو شيئًا. فقط، ظل ذلك الإحساس معلقًا بينهما، كأن الماضي تسلل إلى الحاضر دون إذن. فقط كانت تغرق أكثر... وأكثر... شيء تعرفه داخله ولا تعرفه أنت، نبض غامض خافت خائف غاضب يتحرك داخل صدرك بلا توقف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!