"من القى بنفسه من على سفح الجبل وظن بأنه سينجو فهو أحمق كبير, فالمراهنة هنا تكون على القدر, ومن يستطيع أن يراهن على القدر ويخرج رابحًا! مع نظراته ومحاصرته لها وتحت فحيح نبرته كانت تزداد خوفًا منه, هي لا تفهم بإيه عليها أن تجاوب؟ ولكن مع اشتداد قبضته عليها ورؤيتها له أنه لا يتراجع خطوة واحدة كان عليها الرد فقالت بنبرة مهتزة: –هي هتفرق معاك حبيته ولا لأ؟
اشتد قبضته على ذراعها القابض عليه بقوة أكبر قائلاً من بين أسنانه كأنه لا يقبل التفاوض في الأمر أو المراوغة: –جاوبي على **** السؤال. اتسعت عيناها بصدمة مع سماعها للسبة النابية التي صاحبت قوله, وهنا لم تستطع الصمت وهي تعقب بضيق حقيقي: –لو سمحت ما تنساش إنك بتتكلم مع بنت ما يصحش تقولي ألفاظ زي دي.
ورغم أنها في تعاملها مع البشر في مجال عملها قيل لها ألفاظ أقبح من ذلك, وسمعت كلمات بالفعل خادشة للحياء, لكن لا ترى "شاهين" يليق بهذه الألفاظ أن ينطقها من الأساس, فأصحاب هذه الطبقة هي تراهم في مستوى معين من حيث اللبس, وطريقة التعامل, وحديثهم بما فيه من كلمات مُختارة, رفع جانب فمه ساخرًا من حديثها البعيد تمامًا عن إجابة سؤاله, وهَدَّر بها في ضيق وغضب: –اخلصي.. ضجرت ملامحها بشدة وهي تجيب كي تخلص منه:
–عاوزني أجاوبك أقولك إيه؟ ما أنتَ عارف اللي فيها, أحبه إمتى وأنا أصلاً كل اللي ما بيني وما بينه مصلحة. ابتعد خطوتين وترك ذراعها أخيرًا والذي شعرت بأنه مُخدر من قوة الألم وقال بنبرة مهددة: –يبقى أحسنلك بردو. قطبت ما بين حاجبيها متعجبة وهي تسأله: –ممكن أعرف أحسنلي ليه؟ وهيفرق معاك في إيه أصلاً إذا كنت أحبه ولا لأ؟! ابتسامة ساخرة زينت صفحة وجهه الباردة وهو يجيبها:
–هتفرق في إنك لو حبيتيه ساعتها أنا لازم أقلق مِنك, عشان أكيد ساعتها هتغدري بيا وبتفشّي اتفاقنا عشان حبيب القلب, وتبدأي تشغلي دماغك معاه عليا, وأنا ما بحبش اللي بيشغل دماغه, أما بقى أحسنلك في إيه, فأحسنلك عشان أنا لو شكيت مجرد شك إنك بتحبيه أو بتفكري تلعبي معايا ساعتها أنا كمان هلعب معاكي, بس أنا بقى لعبتي بتكون الأخيرة, لعبة هتسفرك بعيد…. لعالم عمرك ما شفتيه.
انقطع الهواء عنها لبعض ثواني وهي تفهم مغزى جملته جيدًا ولا يتردد سوى شيء واحد بعقلها, ماذا سيفعل بها إن علم الحقيقة؟ ماذا سيكون مصيرها معه إن علم بخططها مع مازن؟! ابتلعت ريقها بصعوبة شديدة وتحركت لتبتعد عن الباب وعن محيطه تقف في منتصف الغرفة, وهي تنفض شعرها للخلف قائلة بثبات واهي:
–كل واحد ونيته بقى, وأنا مش محتاجة تهديدك, بلاش تحسسني إني هنا بعمل كل حاجة غصب عني, أنا لما قلتلك على خطتي مع مازن وحكيتلك على الحقيقة كنت عارفة إني بكده هكون في صفك أنتَ ضد مازن, ومع ذلك وافقت, إيه اللي هيخليني أرجع في كلامي! تحرك ليتجه لكرسي مكتبه ويجلس فوقه بكل هيبة لم تستطيع إنكارها وقال بهدوء مخالف تمامًا لِما كان عليه منذ قليل: –كلام حلو بس المهم الفعل, اقعدي عشان أكلمك في الموضوع اللي جبتك عشانه.
جلست بعدما استعادت بعض ثباتها ناظرة للأمام دون أن توجه نظرها له, فهو الآن يربكها: –اللي حصل بينك وبين شدوى مش عاوزة يتكرر تاني. نظرت له وهي تسأله مستغربة: –أنتَ مش قلتلي قبل كده اتعاملي معاها! وإيه حوار يبقى بيني وبينها. حرك رأسه بحركة رتيبة وهو يقول:
–آه قلتلك كده بس ده مش معناه أبدًا إنك تهينيها وتقللي من كرامتها قدام الخدم, قلتلك اتعاملي معاها لما تغلط معاكي بس مش تضربيها, عمومًا هنا في القصر ما ينفعش مشهد زي اللي حصل ده يحصل, أنتِ مش بس قللتي منها قدام الخدم, أنتِ كمان قللتي مني شخصيًا. نظرت له مصدومة من جملته الأخيرة وهي تسأله: –قللت منك أنتَ؟ أومأ برأسه وهو يقول:
–آ ه طبعًا قلتي مني, لما تضربيها يبقى أنتِ مش عاملالي حساب, المفروض كمان إنك خطيبتي وطالما خطيبتي تبقى المفروض عارفة إن حاجة زي دي أنا مش هقبلها إنها تحصل في بيتي, فكونك عارفة إني مش هقبل حاجة زي دي تحصل وتعمليها يبقى أنتِ مش عاملالي حساب, واعتقد إن صفاء وضحتلك ده وقت الخناقة وقالت لك إن ده مش تصرف هوانم, هي ما كانتش بتقف في صف شدوى, هي كانت بتقولك اللي ما ينفعش يطلع لا منك ولا منها. رفعت جانب شفتها
العليا ساخرة وهي تقول: –آ ه ولما هي مش واقفة في صف شدوى وبتقول بس اللي المفروض ما يحصلش, ليه لما شدوى هي اللي بدأت وضربتني ما عملتش معاها نفس اللي عملته معايا, ده لما قالتلهم لو حد قرب هطرده من البيت كله وقف يتفرج وما حدش فيهم حاول يتدخل, وصفاء اللي أنتَ بتقول إنها كانت بتعرفني الصح من الغلط ما فتحتش بقها بكلمة. شبك كفيه فوق المكتب وهو ينحني بجسده ليصبح مائلاً عليه وقال:
–في دي معاكي حق, وفي دي بردو أنا ليا كلام مع صفاء, عمومًا أنا مش هقبل بأي وضع إن يبقى في حد هنا في البيت بيفرق بينك وبين شدوى في المعاملة, بما إن الكل عارف إنك خطيبتي يبقى المفروض كله يتعامل معاكِ أنتِ وشدوى بنفس المعاملة, ما يعملوكيش بأنك الست الدخيلة وهي ست البيت الأصلية. حركت رأسها في تأكيد على حديثه وهي تقول: –بالظبط كده, هم شايفين إنها ست البيت الأصلية وإني واحدة دخيلة عليهم, وإني أصلاً كلها أيام وهمشي من هنا…
قطبت ما بين حاجبيها باستغراب وهي تتوقف في منتصف حديثها ثم أكملت بضحكة صغيرة: –إيه الهبل ده ما أنا فعلًا كلها أيام وهمشي.. رجع بظهره للوراء ونظر لها نظرة غامضة ثم قال: –سيبي الموضوع ده لآوانه, بس طول ما أنتِ موجودة هنا لازم الكل يعرف إزاي يتعامل معاكي. نهضت واقفة وهي تقول: –طيب في حاجة تانية؟ –بكرة في حفلة بمناسبة مرور 10 سنين على تأسيس شركتي, وطبعًا لازم تكوني موجودة. سألته بفضول:
–هي الشركة دي ورثك من باباك أو حد من أهلك يعني؟ هز رأسه نافيًا لتسأله باستغراب أكبر: –إزاي؟ –هو إيه اللي إزاي؟ وضحت قائلة: –أصل يعني أنتَ بتقول الشركة بقالها 10 سنين, هو أنتَ أصلاً عمرك كله قد إيه عشان تكون أسست الشركة من 10 سنين. أجابها في هدوء تام: –أنا مأسست الشركة وأنا عندي 21 سنة, كنت لسه في الكلية.
عادت تجلس مرة أخرى وقد انتابها الفضول حوله, فقد شعرت بأنها ستسمع الآن إحدى القصص التي كانت تشاهدها في الأفلام العربية, عن شاب مكافح جاهد حتى وصل إلى مكان مرموق وأصبح غنيًا من الأثرياء: –إزاي يعني؟ شاب لسه في الكلية إزاي يقدر يأسس شركة؟ أرضى فضولها وهو يقول:
–لما أسستها ما كانتش شركة كانت مجرد مكتب صغير, ومع الوقت كل حاجة بتكبر, والأهم من الوقت إنك تبقى عارفة أنتِ ماشية إزاي, وتبقى ماشية على أرض ثابتة وكمان تجتهدي وتعملي كل اللي عليكِ. حركت رأسها وهي تقول بتمني حقيقي: –أنا كمان كان نفسي قوي يبقالي شغل خاص بيا أكبره وأكبر معاه. سألها مستفسرًا: –طب وليه ما عملتيش كده؟ مرت سحابة حزن في عينيها وهي تجيب: –مش كل الناس ظروفها تكون سامحة, مش دايمًا الحظ بيلعب معانا.
رفع أحد منكبيه بعدم اقتناع وهو يقول: –ما بقتنعش بحاجة اسمها حظ. ضحكت ضحكة ساخرة ومتألمة قائلة:
–لا لازم تؤمن بحاجة اسمها حظ, لأن الحظ ده اللي بيخلي ناس مجتهدة فعلًا وحقيقي تعبت كتير ما توصلش لأي حاجة, وفي نفس الوقت ناس تانية ما تعبتش نص تعبها وبتوصل لحاجات كتير قوي, هي حكمة ما حدش عارفها وما حدش فاهم مغزاها, بس خلينا نكون معترفين إنها بتحصل وبتحصل كتير كمان, زي مثلًا لما تلاقي في شركة في اتنين موظفين ممتازين ومجتهدين وكل حاجة بس في واحد أعلى من التاني ويمكن بيتعب أكتر من التاني, بس لما ييجوا يرقوا واحد منهم بيختاروا اللي بيتعب أقل, هم مش شايفينهم ومش عارفين إنه بيتعب أقل, هو بس الحظ لعب معاه.
أصر على رأيه وهو يقول: –مش مقتنع, أنا مازلت عند رأيي لكل مجتهد نصيب. –أكيد بيكون له نصيب, بس مش شرط يكون النصيب اللي هو عاوزه بالضبط, أوقات كتير قوي المجتهد بياخد نصيب بس أقل من اللي هو عاوزه. وكعادته دومًا يخرج من الموضوع فجأة ويتطرق لموضوع آخر دون أن ينهي الأول فقال:
–هيوصلك فستان بكرة الصبح عشان الحفلة, ولو تحبي ممكن أطلبلك الميك أب أرتست تيجي تعمللك اللازم هنا في البيت الميك أب والشعر والحاجات دي, أنا عارف المواضيع دي بتهم البنات, وكمان أكيد شدوى جايبة حد يعملها ده, والأكيد مش هينفع نفس الشخص يساعدك لأني ما أضمنش الحقيقة.. يعني ممكن بدل ما تحطلك ميك أب تحطلك مية نار.
ورغم أن الجملة الأخيرة لم يكن فيها أي فكاهة لكنها ضحكت ضحكة بسيطة وهي تتخيل الأمر وقالت بعدما فكرت قليلاً, لتشعر بالتوتر من أن تضع هي الميك أب لنفسها وتكون المسؤولة عن مظهرها اليوم, فلقد فهمت من حديثه أن الحفل أهم بكثير من حفل عيد ميلاد تيم, وسيكون بهِ الكثير من الضيوف المهمين, فقالت: –هي الحفلة هتكون في الفيلا ولا بره؟ –لا هتكون في فندق بره. ابتسمت بحرج وهي تقول:
–يعني مدام في فندق واضح إنها حفلة مهمة فممكن نستعين بميك أب أرتست. اخفى ابتسامته على حرجها ووجهها الذي تلون بحمرة واضحة بعد طلبها وقال: –تمام هتكون موجودة عندك بكرة قبل الحفلة بساعتين. دقات فوق باب الغرفة تبعها دخول تيم بعدما فتحت له صفاء الباب وقال: –بابي أنا خلصت الساندويتش كله, أنتَ كمان خلصت كلامك مع طنط فيروز؟ نهض فورًا يبتسم بحب وهو يقول: –خلصت يا باشا يلا بينا.
وقد كان "شاهين" وقتها يرتدي بنطال قماشي من اللون الأزرق الداكن وقميص أبيض متخليًا عن باقي بدلته فاليوم يوم إجازته, أوقفته على باب الغرفة وهي تردد باندفاع: –هو أنتَ هتلعب كورة بقميص وبنطلون؟! التف لها يطالعها بصمت, فأطرقت رأسها أرضًا حين أدركت ما قالته ولكن الصغير كرر جملتها وهو يقول: –صح يا بابا مش ينفع تلعب كده.
نظر لصغيره ثم عاد ينظر لها خافيًا ابتسامته على مظهرها الآن, فكانت وكأنها طفلة صغيرة تقف أمام مدرسها بعد أن فعلت جرم كبير وتنتظر عقابه! –أومال بابي المفروض يلبس إيه… يا طنط فيروز؟ أرفق جملته الأخيرة بمرح طفيف ليضحك الصغير عاليًا وهو يسمعه يناديها بـ"طنط" وتدخل في الأمر موجهًا حديثه لفيروز: –جاوبي يا طنط فيروز بابي بيسألك. رفعت رأسها تنظر للصغير متحاشية النظر للواقف عند باب الغرفة وقالت:
–يعني اللي أعرفه إن اللي بيلعبوا كورة لازم يكونوا لابسين لبس مريح، ترنج مثلاً أو حتى بنطلون وتيشرت عادي. ودون أن يسمع لكلمة زائدة خرج من الباب وهو يتحدث: –ثواني وراجعلك يا تيم. *********** وبعد دقائق من صعوده هبط مرتديًا بنطال رياضي أسود وتيشرت أبيض بنصف أكمام برز جسده العلوي المعضل بشكل مهلك جعلها تتمتم فورًا بينها وبين نفسها: –يا دي النيلة السودا يا ريتني ما قلتله يغير، الراجل ده لو لبس شوال هيطلع تحفة عليه!
كانت حينها تجلس في الحديقة مع "تيم" منتظرين نزول "شاهين" الذي اقترب منهما وعيناه ثابتة عليها فلأول مرة منذ سنوات دراسته بالكلية يرتدي لبس رياضي ويخرج به من غرفته، فمنذ أن ارتدى الحياة العملية وهو قد نسي تمامًا تلك الثياب ولم يفكر في ارتدائها من قبل، وقف أمامهما لينتفض "تيم" يمسك بكفه وهو يقول بسعادة واضحة: –واو شكلك يجنن يا بابي، كده أحسن بكتير عشان نلعب براحتنا. نظر بجانب عينيه لفيروز التي تتحاشى النظر
إليه وقال بنبرة ماكرة: –والله يا تيم أنا بقالي أكتر من 10 سنين ما لبستش اللبس ده، بس يعني كلامك اقنعني فقلت وايه المانع. وبالطبع لم يقصد أبدًا بحديثه "تيم" والمقصود معروف!
وقضى الجميع وقتًا لذيذًا والضحكات ترتفع بسعادة، ضحكات تيم ورقده هو وشاهين وراء الكورة، وابتسامة "فيروز" التي لم تختفي من على وجهها تلقائيًا وهي تتابعهما، و"شدوى" التي تقف في شرفة الغرفة بالأعلى تتآكل غيظًا وتتمنى فقط لو يسمح لها بأن تجر "فيروز" من ذراعها جرًّا وتطردها شر الطردة خارج المكان. وبالفعل لم تستطع البقاء ونزلت للأسفل لتقترب من "فيروز" التي وقفت فور رؤيتها أمامها تنظر لها بصمت، لتبدأ "شدوى" في الحديث:
–مش شايفة إن قعدتك هنا ملهاش داعي! أنا الأولى أقعد هنا أتفرج على ابني وجوزي. وضغطت على حروف الكلمة الأخيرة وهي تقولها، فابتسمت "فيروز" ابتسامة صفراء وهي تقول رافعة حاجبيها بمرح مصطنع: –أصل لاقيتك مش فاضية قولت أقعد مكانك، أكيد كنتِ بتتصفحي آخر صيحات الموضة أو بتتفقي مع صحابك على خروجة! احتدت ملامح "شدوى" تقول بغضب وكره: –وأنتِ مال أهلك أكون فوق بعمل إيه، وسواء كنت موجودة هنا أو لا ملكيش حق تاخدي مكاني. –شاهين.
قالتها "فيروز" منادية عليه وهي تنظر لـ"شدوى" بتحدي، حتى توقف عن اللعب وذهب إليهما لينظر لهما سائلاً من بين لهاثه: –في إيه؟ ابتسمت "فيروز" بمكر أنثوي جديد عليها وهي تنظر له وتقول بحزن أتقنت أداءه: –شدوى متضايقة إني قاعدة بتفرج عليك أنت وتيم وانتوا بتلعبوا كورة، بتقولي إنها الأولى تقعد القعدة دي تتفرج على جوزها وابنها، هو أنا صحيح مليش حق أقعد أتفرج عليكوا!؟ ووجه "شدوى" الآن بركان مشتعل، نظر لها "شاهين" يقول بضيق:
–في إيه يا شدوى؟ مش حكاية يعني إنها تقعد تتفرج علينا! بعدين ملهاش حق إزاي دي قريب هتكون مراتي زيك بالضبط. تابعت "فيروز" قوله بقولها: –رغم إني ما حبش يكونلي ضره، بس كله يهون عشان شاهين. لا تعلم لِمَ قالت هذا، ولكنها أرادت أن تزيد من إشعال "شدوى" وتقابل هجومها بهجوم أشد كي تعرف أنها ليست خصمًا سهلاً. –يا حبيبتي، ليه ما تخليه يطلقني! أما أنتِ بجحة بصحيح!
قالتها "شدوى" بانفعال وهي تقترب خطوة وكأنها ستهجم عليها، لترتد "فيروز" خطوة للخلف تحتمي في "شاهين" الذي هدر في الأخيرة: –بلاش غلط ولمي الدور مش كل شوية هنفرج علينا الناس! وأنا مش ماسك فيكي لو الوضع مش عاجبك وعاوزة تطلقي بلغيني. وسحب "فيروز" من ذراعها يقول: –تعالي اقعدي الناحية التانية.
وسحبها متجهًا للجهة المقابلة تحت نظرات "شدوى" المقهورة من أفعاله والتي اغرورقت عيناها بدموع الألم والغضب وهي تضرب الأرض بقدمها بغيظ وهي تراه يعود للعب مع الصغير وبدأت "فيروز" تشجعهم بحماس و"شاهين" يناغشها حين ضرب الكرة بها لتصرخ بغيظ وهي تلقي الكرة تجاهه فتصطدم بكتفه! وعقلها يتساءل منذُ متى وشاهين يسمح لأحد بالمزح معه والتطاول عليه!؟؟ *********** وفي مساء نفس اليوم… –حادثة إيه اللي بيقولوا عليها حد اتعور؟
تساءلت بها مستكة بعدما وجدت جمع غفير يركض ناحية إحدى شوارع منطقتها حين عادت من عملها، وتحديدًا الشارع الذي تسكن فيه، أجابها أحد الشباب الذي كان يسير على عجالة جوارها قاصدًا مكان الحادث: –بيقولوا مجد الميكانيكي في عربيته وقعت عليه وهو بيصلحها.
وكأنها طُعنت بسكين في صدرها فتيبست قدميها أرضًا في الحال وجحظت عيناها بشكل مخيف وفُغر فمها الذي لم تقدر على غلقه، وانحصر الهواء عنها فلم تعد تتنفس، وجملة الشاب ترن في أذنها مرارًا وتكرارًا فتزيد حالتها سوءًا.. ظلت على وضعها لثوانٍ لم تحسبها ربما دقائق! فقط انتبهت لوضعها فجأة وأمسكت بذراع شابة كانت تعود من مكان الحادث تسألها بأنفاس ثقيلة ودموع ملأت مقلتيها وهي تدريجيًا تستوعب ما سمعته: –إيه اللي حصل؟
… الحادثة… هو…. إيه اللي حصل؟ لم تكن تعرف كيف ترتب جملة صحيحة تستطيع منها الفتاة فهمها، ولكنها التمست ما تريد السؤال عنه فأجابتها بأسف واضح: –مش عارفة… أنا ما شفتش من الزحمة، بس هم طلبوا الإسعاف وخايفين يحركوه من مكانه.. هم بس شالوا العربية من عليه. والوصف يجعلها تنهار أكثر! فماذا ستكون حالة شخص كان تحت جسم سيارة…!؟
ولم تنتظر أكثر وهي تقطع الشارع ركضًا لدرجة أن إحدى الكياس التي كانت تحملها والتي احتوت على بعض المستلزمات للمنزل وقعت من يدها ولم تقف لتلتقطها أو حتى تنظر إليها، بل واصلت ركضها حتى وصلت ورشته فوجدت الجمع هناك يزداد، والجميع يتحدثون بأصوات متداخلة لم تفهم منها شيئًا واضحًا، اخترقت الجميع واقتربت من مدخل الورشة لتسمع صوت والده واضحًا الآن وهو يصرخ بالجميع بأن يعاودوا طلب الإسعاف.
ورأت المشهد الذي جعلها تقف في مكانها ودموعها تتسابق في الركض فوق وجنتيها، حين رأت جسده مسطحًا أرضًا ونصفه العلوي غارقًا في الدماء والتي لم تعرف مصدرها تحديدًا، ووالده يجلس جواره غير قادرٍ على لمسه تحت تحذيرات الواقفين بألا يلمسه كي لا يسبب له أي ضرر، وفي نفس اللحظة تعالى صفير سيارة الإسعاف ليتحرك الجميع فاتحًا الطريق، وتم وضعه بكل حذر بواسطة المسعفين على الحامل ثم أدخلوه للسيارة ومعه والده، وبعد ذهاب السيارة أخذت تتلفت في ضياع لا تعرف ما عليها فعله الآن، أو كيف ستذهب خلفه؟
لتسمع رجلين من المنطقة يتفقان على الذهاب خلفه بسيارة أحدهما فطلبت منهما أن يأخذوها معهم، وكان الطريق من الحي الشعبي للمستشفى كأنه قُطع في سنوات من الانتظار الحارق وهي تدعو بداخلها بكل الأدعية التي عرفتها يومًا بأن يخرج ناجيًا من الحادث البشع….
وبعد نص ساعة كانت قد وصلت المستشفى وخرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يقول لوالده ما جعل الرجل يترنح في وقفته وصرخة خافتة تخرج من فاه "مستكة" وهي تهز رأسها بعدم استيعاب لِمَ سمعته وصوت أحد الرجال الواقفين يقول: –لا حول ولا قوة إلا بالله…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!