الفصل 15 | من 30 فصل

رواية فراشة في سك العقرب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
22
كلمة
2,907
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

هُنا حيثُ الحياة التي دلفتها مؤخرًا تكمن الكثير من الخبايا والأسرار، التي لم تصل لأقل القليل منها، والتي تستمر في إدهاشها، وعلامات استفهام كثيرة لم تحصل على إجابتها بعد، فقط كل ما ترجوه أن تُكشف لها تلك الأسرار لتكن عونًا في طريقها المحفوف بالمخاطر، فمن يدري لعلّ أحدهم ينجيها يومًا ما. وقبل أن يصل لها "شاهين" غير مساره حين نادت "نورهان" عليهِ دون أن تنتبه لـ"فيروز" ولا لحضورها، فاتجه لها مبتسمًا ابتسامة

طفيفة وما إن وصلها قال: _ايه يا حبيبتي، متقوليش إنك لحقتي تزهقي؟ ده أنا حتى سايبك مع صاحبتك اللي مشوفتيهاش بقالك فترة. أجابته مبتسمة: _مش حكاية زهق، بس أنا اتفقت معاك إني هاجي أشوفكم وأدي لتيم هديته وأمشي، وأنا بقالي نص ساعة هنا اهو كفاية كده. اختفت ابتسامته وهتف بامتعاض: _طبعًا خايفة البيه يوصل البيت وأنتِ لسه مروحتيش.. زفرت بتروي وقالت بهدوء:

_شاهين، حبيبي أنا مش عاوزه مشاكل مش أكتر، ومادام أقدر أتجنب المشاكل دي يبقى ليه ما عملش كده! أنتوا الاتنين أغلى اتنين عندي في حياتي، ومعنديش استعداد أخسر حد منكوا. لم يخفِ امتعاضه وهو يقول: _تمام يا نور، لو عاوزه تمشي امشي. اقتربت منه تمسك ذراعه، تقول بإلحاح وهي تهز ذراعه كطفلة صغيرة: _متزعلش بقى، أنا مش عاوزه أمشي وأنتَ زعلان مني، بليز يا شاهين قدر موقفي. زفر بقوة معبرًا عن ضجره وقال باقتضاب:

_تمام يا نور.. مش زعلان، استني هاجبلك حد يوصلك.. ولم تتردد وهي تشب على أطرافها قليلاً لتقبل وجنته بحب واضح وتمتمت بعدها: _روح قلبي أنتَ. ابتسم لها رابطًا على ظهرها برفق وقد زال ضيقه منها بحق.. اتسعت عيناها على آخرهما وهي ترى ما يحدث، لقد قبلته!

فغر فاهها وهي تتابع أفعالهما وفي وجود الجميع دون خجل، هزت رأسها مستنكرة وحادت ببصرها عنهما لتبحث بعينيها عن "شدوى" لتجدها تقف مع أحد السيدات تتحدث في هدوءٍ ويبدو أنها لم ترَ المشهد! _ايه العك ده! هو أنا جيت قبيلة قريش! هذا ما حدثت بهِ نفسها قبل أن تقرر التحرك من مكانها والذهاب لموضع تقديم المشروبات، لعلّها تُلهي نفسها عن الهرج الذي يحدث حولها، فإن بقت واقفة تراقب أفعالهم حتمًا ستُصاب بالجنون.

أخبر "شاهين" رِجاله بأن يحضروا سيارة لتوصيلها لبيتها، وما كادت أن تودعه بعد أن حضرت السيارة بقرب مكان الحفل حتى قاطعهما مجيء آخر شخص تمنت التصادم معه، فربما هو أهم أحد أسبابها للهرب سريعًا من الحفل، فقد كانت تُمني نفسها بأن تذهب قبل مجيئه، ولكن يبدو أنه قد جاء منذ فترة لكنها لم تراه، وبالفعل لقد كان موجودًا ولكنه انشغل مع بعض رِجال الأعمال الذين دُعوا إلى الحفلة لِمَ يربطهما مع شاهين من أعمال وكنوع من تحسين العلاقات، دق قلبها متسارعًا وهي تراه يقترب منهما، وشعرت بسخونة حارقة تضرب وجهها ورأسها وتوتر بالغ أصابها وهي تنتظر اقترابه المحتوم باعصاب هائجة.

–مساء الخير ازيك يا نورهان؟ أخبارك ايه؟ ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة ودون أن تنظر له أجابت بهدوء: _تمام، ازيك يا معاذ؟

وهو لم يكن حاله أفضل من حالها فمنذ رؤيته لها من بعيد وهي تقف مع شاهين ورؤيته لتأنقها المعتاد وقد بدت مُبهرة في ثوبها الذي اكتسب لونًا بنفسجيًا بدرجة فاتحة، واحتوى منحنيات جسدها بطريقة رائعة، واحتشامه أزاد طلتها بهاءًا، لم يستطع السيطرة على دقاته التي خفقت في صدره بقوة ولا على قدمه التي ساقته لمحلها كي يحظى ببعض الحديث معها ويمتع ذاته بسماع صوتها الذي افتقده منذ كثير.

_بخير الحمد لله مبسوط إني شفتك بقى لي كتير ما شفتكيش. وهنا تدخل "شاهين" مرددًا بسخرية واضحة: _أصل نورهان بتقلق لاحسن الحيلة يزعل لو عرف إنها بتقابلني. حدقته "نورهان" بنظرة غاضبة على ذِكر شقيقها بهذه الطريقة الساخرة وقالت بنبرة ظهر بها ضيقها الشديد: _مش عيب على فكرة لما أخاف على زعل أخويا، وبعدين وقتها مش هيزعل بس أكيد الموضوع بينكوا هيتطور أكتر من كده. تدخل "معاذ" حين لاحظ غضبها من طريقة حديث شاهين ليقول محاولاً

تهدئة الوضع: _نورهان معاها حق يا شاهين ما فيهاش حاجة يعني لما تخاف على زعل أخوها وخصوصًا وهي عارفة إنه مقفل دماغه من ناحية الموضوع ده. نظر له شاهين بجانب عينيه وقال بحدة: _فبدل ما نقف قدامه ونوقفه عن الهبل اللي هو بيعمله نسمع كلامه ونمشي وراه. عارضته مبررة: _بس أنا مش بمشي وراه.. لو بمشي وراه ما كنتش زماني هنا دلوقتي. عقب على حديثها مستهزئًا:

_لو مش بتمشي وراه كنتِ زمانك قلتيله إنك جاية هنا ومش عاملة تقوليلي عاوزة أمشي عشان خايفة يعرف إنك مش في البيت، لو مش بتمشي وراه يبقى تقفي قدامه وتقوليله اللي بيعمله ده ما يصحش، ما لهاش معنى على فكرة إنك تعملي عكس اللي هو بيقوله من وراه، وخدي بالك طول ما الوضع ده ماشي هو هيسوق فيها أكتر.

ربما حديثه صحيح وربما يكون على حق، ولكن هي قليلة الحيلة فمازن صلد الرأس لا يمكن إقناعه بعكس ما هو مقتنع بهِ والحديث معه في أي شيء يخص شاهين كفيل أن يُشعل بهِ بركانًا لن يهدأ، وهي للحق تتجنبه.. زفرت أنفاسها بضيقٍ واختناقٍ وقالت وهي تنسحب من بينهما: _أنا همشي.. تابعا ذهابها وركوبها للسيارة التي تحركت على الفور لينظر له "معاذ" قائلاً:

_ما كانش ينفع تتكلم معاها بالأسلوب ده يا شاهين، أنتَ عارف مازن كويس ما حدش بيقدر يرجعه عن اللي في دماغه ونورهان مش في إيدها حاجة ولا وقوفها قدامه هيجيب نتيجة. نظر له "شاهين" بنظرة تحمل الكثير والتي عرفها رفيق ضربه:

_بس اسمها تكون عملت حاجة عشاني، لكن هي بتعمل كل حاجة عشان مازن، وأي حاجة تخص شاهين بتتعمل في الدرى وسرقة، وأنا ما بقتش متحمل الوضع ده، لو أنا فعلاً ليا معزة عندها زي ما هي دايمًا بتقول كانت هتقف في وشه عشاني زي ما ياما وقفت في وشي عشانه.

أنهى حديثه وترك "معاذ" متحركًا حيث موضع "فيروز" والتي لم يجدها فبحث بنظره عنها حتى رآها تجلس هناك مستندة على الطاولة الطويلة المخصصة للمشروبات، تمسك بين كفيها كوب عصير ترتشف منه على مهل، فاتجه لها بعد ما استطاع أن يسيطر على مشاعره الغاضبة ويعود لِمَ هو عليهِ دومًا، جامد الملامح يُخفي مشاعره ببراعة.. وصل لها فقال بينما يرمقها بإعجاب لم يظهر في عينيهِ: _واضح إن الفستان طلع على مقاسك مظبوط، الحقيقة ما كنتش متأكد.

نظرت له حين اخترق صوته سمعها وابتسمت ابتسامة صغيرة تلقائية وهي تنظر لفستانها بإعجاب شديد وقالت: _الحقيقة الفستان عجبني جدًا، وأنا نفسي اتفاجئت إنه على مقاسي، ازاي قدرت تتخمن صح كده؟ مط شفتيهِ بلا معنى وقال وهو يلتقط كأس ماء موضوع على الطاولة: _تخمين مش صعب.. مقاسك سهل إنه يُتوقع، جسمك متوسط لا رفيع ولا تخين فعلى الأغلب مقاس الميديم بيكون هو المقاس المناسب. هزت رأسها بتفهم وقالت معبرة عن رأيها في الحفل:

_الحفلة لطيفة، هادية ولذيذة. رأسه دون أن يعقب لتقول هي: _قلتلي إنني هكلم مازن النهاردة، بس يعتبر اليوم قرب يخلص. أجابها بتوضيح: _طول اليوم كنت مشغول كان عندي شغل كتير بره ويدوب جيت على ميعاد الحفلة، بعد الحفلة هتكلميه. _وهقول له ايه؟ سألته بفضول ليجيبها بنبرته الغامضة المعتادة: _هتعرفي وقتها. ارتشفت رشفة أخيرة من كأس العصير الذي أمامها ثم وضعته فوق الطاولة ونظرت له بقوة تسأله: _نورهان أخت مازن كانت بتعمل ايه هنا؟

شوفت إن العلاقة ما بينكم غريبة قوي ومثيرة للشك. انحناء طفيف ظهر في فمه يعبر عن استنكاره أو سخريته وقال مغمغمًا بعدما وضع كأس الماء جانبًا: _بتفاجئ إن مازن مش معرفك حاجة، يعني حتى أتفه الأسرار ما صارحكيش بيها، عارفة ده بيخليني أحس إيه؟ إنه بيعاملك كأنك…. ولا بلاش عشان ما تزعليش. تغاضت عن سخريته منها وإهانتها التي لم ينطقها وقالت:

_طب لو مازن معتبرني زي ما أنتَ شايف بلاش أنتَ كمان تعتبرني زيه، وفهمني، اللي أنا مش فهماه. _عاوزة تفهمي ايه؟ سألها لتجيبه بوضوح: _عاوزة أعرف نورهان تقربلك ايه؟ ازاي جت الحفلة وكانت واقفة جنبك بالطريقة دي ومقربة منك بالشكل ده قدام كل الناس حتى في وجود مراتك؟ وايه أصلاً اللي يربط المجرم بعلاقة مع أخت الظابط؟

العلاقة الوحيدة اللي أقدر أفسرها في الحالة دي إنك استغلتها عشان تلعب معاه بيها، بس برده بالنسبالي مش مفهوم إنها تيجي في وسط الحفلة والناس كلها تكون شايفاها!! يبقى تخميني مش صح! وضحكة خافتة خرجت منه وهو يستمع لتحليلها للوضع وقال مجعدًا جبينه:

_شكلك بتتفرجي على أفلام كتير، حوار إن المجرم يلف على أخت الظابط أو حد من قرايبه عشان يلعب معاه بيه ده حوار فكسان قوي، والحقيقة إنه أصلاً مش بالعادة يحصل في الواقع.. علاقتي بنورهان ملهاش أي علاقة بعلاقتي بمازن كضابط ومجرم زي ما أنتِ بتقولي. تملك منها الفضول أكثر ونزلت عن مقعدها تقترب منه حتى باتت هناك قليل جدًا من السنتيمترات يفصلهما وسألته رافعة رأسها له لتستطيع رؤية ما في عينيهِ: _أومال ايه العلاقة اللي ما بينكم؟

حقيقي أنا لو فضلت كده هتجنن، مش فاهمة أي حاجة لا فاهمة ايه علاقتك بمراتك وعاملها ازاي وأنا شايفة إن في حاجة متوترة مش قادرة أمسها، ولا فاهمة علاقتك بمازن ايه، ولا علاقتك بأخته، ولا حتى عارفة هو أنت فعلاً مجرم ولا لأ أنا محتاجة أفهم. ابتسامة متسلية زينت ثغره وهو يلاعبها قائلاً: _طيب هسمحلك بسؤال واحد أجاوبك عليه من كل الأسئلة اللي في دماغك دي، فيا ريت تفكري صح وتختاري السؤال اللي هيفيدك مش اللي فضولك بيسوقك له.

حسنًا لم يكن تخييرًا عادلًا أبدًا، فكل الأسئلة التي برأسها تموت فضولاً بمعرفة إجابتها، ولكن الآن عليها أن تختار سؤالًا واحدًا فقط من بينهم، وإن اختارت فبالطبع لن تختار من يفيدها بل ما يقودها إليه فضولها! وبالطبع سيكون السؤال الذي توقعه شاهين: _قولي ايه علاقتك بنورهان؟ ضحك مستمتعًا بعدما اختارت السؤال الذي توقعه تمامًا وقال:

_طب والله توقعت إنك هتسألي السؤال ده، على فكرة أنتِ مشكلتك خطيرة مهما حاولتي ما بتقدريش تتغلبي على فضولك، وهو دايمًا اللي بينتصر. زفرت أنفاسها بقوة لا تستطيع صبرًا أن تعرف إجابة سؤالها وسألته مرة أخرى بإصرار: _ايه علاقتك بنورهان؟ وجاوبته كانت صاعقة ضربت جسدها لترتد للخلف خطوتين وعيناها جاحظة كمن تلقى خبر وفاة عزيز له! وقبل أن تنطق، جاء صوت "شدوى" التي حضرت للتو تقول لشاهين بغيظ:

_شاهين أنتَ واقف هنا وسايب ضيوفك اللي بييجوا أرحب بيهم لوحدي! وانسحب "شاهين" معها بعدما قال وهو ينظر لـ"فيروز" الشاحبة: _جاي معاكِ.

ترجلت من السيارة بعدما وصلت لمنزلها، وعقلها منذُ خرجت من هناك وهو لا ينفك عن تذكر حديث شاهين وضيقها لا يفارقها بسبب طريقته معها، وبنفس الوقت شعرت بحزنه منها ومن أفعالها التي تهتم دومًا لحديث مازن وشعوره، دون مراعاة لشعور شاهين هو الآخر، بدأت تلتمس أنها مخطئة لا يجب أن تقف في صف أحدهما دون الآخر، عليها أن تكون على الحياد دومًا، فمعزتهما واحدة، وعليهِ لا ينبغي عليها أن تفرق في المعاملة والاهتمام بهذه الطريقة، خصوصًا وهي تعلم يقينًا أن "مازن" يبالغ، ويجب أن يقف عند حده، فيكفي أربع سنوات من العداوة الغير مبررة من وجهة نظرها، وهذا ما قررته، لن تخفي عنه أنها ذهبت لشاهين، ستخبره وستقف في وجهه إن حاول أن يفرض سيطرته على علاقتها بشاهين.

وبينما هي في زوبعة أفكارها عبرت الطريق دون انتباه للسيارات المارة، لتلتفت فجأة على بوق عالي جدًا لأحد السيارات، فاتسعت عيناها جاحظة وتيبست قدميها أرضًا، وفورًا شعرت باصطدام السيارة بها. وقفت بعيدًا بعد انتهاء الحفل تراقب توديع "شاهين" و"شدوى" للمدعوين، مشهد مثالي، الزوج والزوجة والابن يجاورهما ممسكًا بيد والدته التي تلتصق بـ"شاهين" بشكل ملحوظ، زفرت أنفاسها بضيق وهي تتابعهما متمتمة لنفسها: _هو عاوز ايه تاني!

يعني عيشته مرتاحة، ومراته عسل وتحل من على حبل المشنقة، وعنده وعيل زي السكر.. ناقصه ايه عشان يبقى مجرم ويدخل نفسه في حوارات ملهاش لازمة مش هينوبه منها غير انه هيخسر كل ده!! تذكرت ما عرفته منه منذ قليل لتحدث نفسها بشك يغلغل لقلبها: _انا بدأت أشك في مازن، حاسه ان كل اللي بيعمله ده وراه غرض تاني غير اللي قالهولي، في حاجه مش مفهومة ابدًا، هو انا هفضل اتصدم في الناس دي لامتى!

هفضل لامتى زي الأطرش في الزفة وفي ألف حاجة مش عرفاها ولا فهماها، كلهم بيلعبوا بيا، كلهم بيحركوني زي ما هم عاوزين… ياترى الحكاية دي كلها هتخلص على ايه!؟ انسحبت من الحديقة متجهة لداخل الفيلا لكنها توقفت حين صدح صوت "شاهين" يناديها: _فيروز. وصل إليها بعدما التفت له وقال: _تعالي ورايا على المكتب.

وسبقها للداخل لتلقي هي نظرة أخيرة على "شدوى" الواقفة بمحلها تنظر لهما بأعين مشتعلة، وما ينتابها الآن من مشاعر تعرفها فيروز جيدًا، فإن أُتيحت لها الفرصة ستقبض على عنقها ولن تتركها إلا حين تُزهق روحها وتختفي من حياة زوجها للأبد، هزت رأسها بيأس من كل شيء حولها: _والله معجنة. جملة رددتها وهي تلحق بـ"شاهين" لمكتبه، فلا احد يعرف من زوج من، ومن أخ من، ومن يحب من، ومن يكره من؟

لاشيء هُنا "في حياتهم" طبيعي، كل شيء في فوضى عارمة. _نعم؟ قالتها ما إن دلفت مكتبه ليشير لها بالجلوس جواره وكان قد احتلى الأريكة التي تقبع في مكتبه، فعلت والحرج يغزوها، فقربه على هذا الوضع مبالغ بهِ ويوترها! مد كفه لها بهاتف فالتقطته بينما قال ما إن فعلت: _ده نفس الرقم اللي كلمتي منه مازن المرة اللي فاتت، هتكلميه وهتقوليله إنك قدرتِ تجندي الخدامة صاحبة الرقم ده، لو سألك عن حاجة مش هتنطقي بحرف غير لما اقولك تقولي ايه.

_وهتقولي ازاي وهو معايا على التليفون؟ اجابها بمكر: _هتكلميه على برنامج مكالمات عن طريق النت، هتفهميه ان البنت ممعهاش رصيد بس معاها واي فاي الفيلا هنا عشان كده كلمتيه عليه، وهتقوليله إنك هتقفلي ويرن هو، بس هو مش هيرن، هيقولك تكملي المكالمه لأن كده أمان أكتر، المعروف عن مكالمات النت إنها أوقات بتأخر وصول الصوت، فالجملة اللي هو بيقولها توصلك بعد شوية، في الشوية دول هكون قولتلك الرد.. فهمتي؟ رفعت حاجبيها باعجاب وهي تقول:

_فهمت… مفيش حاجة بتفوتك. تجاهل حديثها وطلب لها رقمه عبر ذلك البرنامج ليأتيها رده بعد قليل، وتبدأ في الحديث معه: _انتِ ليه بتكلميني من البرنامج ده؟ وسؤاله أتى كما توقعه "شاهين" فنظرت له وهي تقول ما أملاه عليها قبل المكالمة، لتتسع عيناها حين أتى صوته يقول: _لا خلاص ماتقفليش، خلينا نكمل المكالمة هنا أمان اكتر. حمحمت متخلية عن صدمتها في صواب توقع الآخر، وقالت: _انا قدرت أجند البنت صاحبة التليفون.. قولي هعمل ايه؟

_كده جه دورك انتِ، لازم توصلي لخزنة شاهين. مال عليها "شاهين" ليحدثها في أذنها فرجعت للخلف بتلقائية من خضتها، ليمسك ذراعها معيدها لوضعها بعدما نظر لها نظرة صارمة، جلست متخشبة وهي تشعر بقربه الخطير، وانفاسه تضرب أذنها فضربتها سخونة شديدة في وجهها وجسدها من الخجل لقربه ومن مشاعر أخرى غير مفهومة، فهي بطبيعة الحال فتاة يقترب منها رجل لهذا الحد لأول مرة.

_قوليله إنك هتحاولي، واطلبي منه الباسورد اللي قالك عليها تكون معاكي احتياطي عشان لو عرفتي توصلي للخزنة في أي وقت. _روحتي فين يا فيروز؟ كتم فمها بكفه ما إن كادت تتحدث ليعيد يهمس لها: _مترديش على سؤاله كأنه لسه موصلكيش، وقولي اللي قولته. رفع كفه لتنطلق في الحديث فورًا بما قاله لها، ليجيبها "مازن": _ماشي هقولك عليهم و…. همس لها في أذنها أن تسرع بإجابة سؤاله السابق فقالت: _بجد انا بتأخر في الرد؟ مش عارفة لما …

اشار لها ان تتوقف عن الحديث ففعلت، ليقول مازن متفهمًا: _هتلاقي النت، ساعات بيوصل الكلام متأخر.. المهم اسمعيني هقولك ٣ باسورد دلوقتي هاتي ورقة وقلم واكتبي ورايا بالترتيب.. همس لها شاهين: _استني شوية وردي، كأنك صوته وصل متأخر. اومأت متفهمة، ثم قالت: _معاك، لحظة هجيب ورقة وقلم.. وصمتت قليلاً ولم تتحرك من مكانها حتى قالت ثانيًة: _يلا قول انا معاك.

وأخذ يُملي عليها ثلاث أرقام سرية، ابتسم "شاهين" بألم.. لقد أجاد توقع الأرقام، فالثلاثة ذات صِلة مهمة بهِ… أحدهم يوم وفاة والده، والآخر يوم وفاة والدته، والثالث يوم…… انتبه على حديثهما مرة أخرى وبعد ثواني أغلقت المكالمة لينهض "شاهين" فورًا هاربًا من ذكرياته وهو يقول: _اخرجي. قطبت ما بين حاجبيها بصدمة، لتدرك بعد قليل أنه ليس على ما يرام، فانسحبت بهدوء تاركة إياه في زوبعة مشاعره وذكريات ماضيه المؤلمة. بمنزل مازن عمران…

القى الهاتف بعد أن جلسَ على الفراش وزفر بقوة، هو يعلم أنه كان يجاورها أثناء الحديث، ويعلم أن صمتها كان لتسمع تعليماته.. لمتى ستستمر هذه اللعبة السخيفة؟ والسؤال الأهم ما هي غايته من كل هذا؟ هل يسعى أن يلقى شاهين عقابه ويُسجن؟ أو يسعى فقط لكشف شاهين أمام الجميع بأنه فاسد؟ هل سيقدر على الزج بهِ في السجن أم ستحاول أشياء عِدة دون هذا؟

ومع ذِكر الأشياء التي ستحول تذكر "مازن" مشهد مرَ عليهِ عشر سنوات…تحديدًا حين كان في المرحلة الثانوية… "عودة بالأحداث" –مين اللي ضربك كده؟ جلس متأوهًا على الكرسي وهو يشعر بنيران تسري في جسده أثر الضربات التي تلقاها، ونظر للواقف أمامه يبدو أنه بركان ينتظر اللحظة المناسبة للانفجار، حاول أن يكون حذرًا فيما سيقوله كي يتجنب انفجار الأول وقال: _مشكلة بسيطة واتحلت..

رفع حاجبه مستهجنًا وضغط على أسنانه يوضح غضبه الدفين وخرجت نبرته ساخرة في أولها وحادة في أخرها: _حاجه بسيطة ووشك بقى زي البليتشو! اخلص يا مازن ايه اللي حصل؟ _اتخانقت مع سالم.. جملة وحيدة أردف بها "مازن" جعلت الواقف أمامه تجحظ عيناه غضبًا مرددًا: _من امتى بتمدوا ايدكوا على بعض؟ مهما وصل خناقكوا عمركوا ما ضربتوا بعض كده! مين فيكوا الغلطان؟ احنى رأسه بحرج وقال بصدق: _أنا.. أنا اللي بدأت بالضرب. نهض رغم ألمه وتحرك خلفه

حين وجده يخرج من المنزل: _رايح فين يا شاهين؟ بقولك أنا الغلطان هتروح تعمله ايه؟ "عودة للأن" نهض من فوق الفراش باختناق شديد مقررًا النزول للركض قليلاً علّه يخرج طاقة غضبه المشحونة، لكنه توقف على صوت الهاتف وبعد ثواني كان يهتف بخوفٍ شديدٍ: _مستشفى؟ مستشفى ايه؟

وما إن وصل للمستشفى المنشودة وعرف رقم الغرفة التي بها، حتى ركض لها وفتح الباب مقتحمًا الغرفة، ليتجمد بأرضه وهو يجد "شاهين" بوجهه، ووجوده الآن مع كم المشاعر السلبية التي شعر بها في الفترة الزمنية المنصرمة جعلته لا يطيق رؤيته، فهتف بغضب ساحق دون أن يهتم بالاطمئنان على "نورهان" حتى: _أنتَ بتعمل ايه هنا؟ واجابه شاهين بهدوء: _جاي اشوف نورهان واطمن عليها. ولم يتخلى عن عنفوانه وهو يقول: _مين قالك إننا عايزينك هنا!

اطلع بره وجودك مش مُرحب بيه.. لم يتحرك خطوة، ولم ينطق، فخرج صوت "نورهان" بضعف بالغ أثر مرضها: _مازن.. اسكت. ولم يهتم لها، حتى لم ينظر لها، وأصر على موقفه، ليقول بوقاحة: _اطلع بره، ولو عندك دم متخليناش نشوفك تاني.. وتحرك "شاهين" بعد جملته… تحرك حتى أصبح واقفًا في وجهه، ثانية… اثنان.. والثالثة صدح صوتان عاليان… صوت صفعة دوت على وجنة أحدهم.. وصوت شهقة خافتة خرجت من "نورهان"….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...