الفصل 17 | من 30 فصل

رواية فراشة في سك العقرب الفصل السابع عشر 17 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
27
كلمة
3,532
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

تمسكت بالأكياس التي تحملها والتي تحوي بداخلها بعض مستلزمات البيت. رفعت رأسها بعزم على ما هي مُقبلة عليه، وداخلها صوت يحثها أن تفعل. وقفت بخطاها أمامه وهو منحني على أحد السيارات يصلح ما بها من عُطل. رفع رأسه حين شعر بوقوف أحد أمامه، ليزفر بضيق جلي ما إن أبصرها. ألقى بالمفتاح الذي بين يده أرضًا بعصبية مكبوتة، جعلتها تبتسم ساخرة وهي ترى انقلاب حاله لمجرد رؤيتها. ضجرت ملامحه وهو ينظر لها يسألها باختناق: _خير؟

إيه يوقفك الوقفة دي قدام ورشتي؟ هو انتِ مُصرة الناس تتكلم علينا بالردي! نفت برأسها وابتلعت غصتها تجيبه: _لا، بس جيت أقولك كلمتين مش أكتر. قلب عينيهِ بملل، لتكمل دون أن تنتظر سماحه لها بالقول: _فُلة اللي انتَ جيت عليها وقولت شافت واحد غيرك، أنا عارفه مكانها.. وهي ماشافتش غيرك ولا حاجة.. عارف ليه؟ لأنها عمرها ما شافتك أصلاً. _تعرفي مكانها؟ هي فين وبتعمل إيه!؟

قال وقد تغيرت ملامحه على الفور، من الفتور للاهتمام، ومن الملل للإنصات. ضحكت باستهزاء تعقب: _ياااه، ده الحب بهدلة صحيح. تحولت ملامحه مرة أخرى وهو يزجرها: _اخلصي انطقي لو تعرفي حاجة. هزت رأسها تبدأ في الحديث:

_أعرف.. بس مش هقول، أنا بس جيت أقولك للمرة الأخيرة، شوف حالك بعيد عن فُلة، صدقني والله عمرها ما هتبصلك، ولا هتمر على عقلها، يعني سألتني عن أمها وقالتلي اطمن عليها، لكن ماجابتش سيرتك لا من بعيد ولا من قريب.. ولما أنا جبت سيرتك قالتلي بالحرف ” مجد إيه وبتاع إيه خلينا في المهم”. _أنا بس عاوز أعرف حاجة واحدة، هو انتِ متخيلة إن كل اللي عماله تعمليه، وكلامك اللي عماله توصليه ليا، إني حتى لو بطلت أبص لفيروز هبصلك انتِ؟

هزت رأسها بيأس من أن يفهمها وقالت بصدق: _قولتلي الكلام ده قبل كده، وقلتلك إني حقيقي ما يهمنيش إنك تشوفني، يا سيدي اعتبر إني بنقذك من وهم معيش نفسك فيه. ذم شفتيهِ بعدم اقتناع وقال: _ماشي، هنفرض إنك عاوزة تنقذيني زي ما بتقولي، يهمك في إيه إذا كنت أفضل عايش على الوهم ولا تنقذيني منه؟

صمتت لثواني تحاول إيجاد إجابة غير التي تلح على عقلها وطرقته فور سماع السؤال، تحاول أن تخرج حافظة لماء وجهها وتخترع سبب آخر يقنعه غير السبب الحقيقي الذي ربما يمس كرامتها، ولكنها لم تجد. فالحقيقة لا تتجمل وليس لها بدائل. لذا قالت وعيناها مُعبأة بسحب الحزن والحسرة:

_عشان ببساطة اللي يهمه حد ما يحبش يشوفه بيقع أو بيغلط، لو انتَ شايف أختك أو أخوك بيحب شخص والشخص ده مستحيل يعرف يوصله هتفضل دايمًا تنصحه أنه يبعد عنه وما يكملش في حبه له، عشان خايف عليه من الأذى، خصوصًا بقى لو انتَ مجرب وجع الحب. نظره لها صامتًا وكأنه لأول مرة يحاول فهمها، لأول مرة ينظر لها نظرة تفحصية ليست ساخرة أو مُستهزئة، أو حتى كارهة، لأول مرة بنية أن يكتشف الشخص الذي أمامه، وهذا ما جعله يسألها للمرة الأولى:

_هو انتِ إمتى حبيتيني؟ والأهم إمتى حبيتيني الحب ده كله؟ إحنا عمرنا ما جمعنا موقف، ولا عمرنا اتكلمنا حتى.. غير في الفترة الأخيرة، مش هكدب عليكِ أنا كنت بلاحظ نظراتك ليا، وكنت بقول إنك مهتمة بيا شوية.. يمكن إعجاب زي أي بنت ممكن تعجب بحد وتفضل مركزه معاه، لكن عمري ما تخيلت تكوني بتحبيني.. ما تخيلتش ده غير لما لقيتك بتتكلمي كتير وبتنصحيني أبعد عن فله مش بتنصحيني أبعد عادي.. دايمًا كنت بشوف في عينيكي نظرة عارفها كويس..

ابتسامة متألمة زينت ثغرها وهي تنظر له بقلة حيلة: _السؤال مش صح عشان أجوبك.. محدش بيعرف هو إمتى حب.. هو بس بيعرف إنه وقع.. لكن إمتى وإزاي ميقدرش يجاوب.. زفر أنفاسه الحارقة وهو يخبرها بهدوء جديد عليهِ معها: _نصيحة مني اعملي المستحيل عشان تنسيني.. هعتبرك أختي وهقولك الحب ده ابعدي عنه مش هيجيبلك غير الوجع.

صدرت ضحكة منها تحمل الكثير والكثير من المشاعر السيئة، تحمل همومًا لا تستطيع التخلص منها، تحمل حبًا يقتلها، وكسرة نفس تحرقها، أوجاع جمة تحملها تحني ظهرها، وتصل بها للهاوية.. وهي عاجزة. _يا ريتني أقدر أعمل بنصيحتك، غريبة أوي الدنيا دي.. دايمًا اللي تحبه ما يحبكش، واللي تعوزه ميجيلكش.. دايمًا نتمنى ولا نطولش، يعني انتَ مش قادر تشيل حبك لفيروز ورغبتك فيها.. تتوقع إني هقدر؟ نظر بعيدًا ولم يعد لديهِ قدرة على المواجهة،

وقال ينهي الحديث: _وأنا هدعيلك ربنا يشلني من قلبك.. وصمت لثواني ليراها تهز رأسها بيأس وهي تلتف للذهاب، وما كادت تخطو خطوتين حتى سمعت صوته من خلفها يكمل: _زي ما بدعيلي… ودون أن تلتف ابتسم ثغرها، ولمعت عيناها بالأمل، تمنت نفسها أن يقدر هو على فعل ما لم تقدر على فعله، مجرد دعائه بأن يزيل الله حب فيروز من قلبه يعني أنه بدأ يتحرر. _خطيبتك إزاي؟ انتَ مقولتليش إنك خطبت!

لم يجيبها فورًا ونظر أولاً ل “صفاء” نظرة علمت معناها جيدًا، لقد أخطأت بالافصاح عن شيء قبل أن يفصح هو عنه. اخفضت رأسها بخجل من خطئها الذي ترتكبه لأول مرة، فهي حافظة أسراره ودومًا لا تنطق قبل أن يفعل هو. عاد ببصره ل “نورهان” يجيب عليها بهدوء: _لسه الخطوبة قريب، ملحقتش أبلغك، بعدين لسه ملبسنهاش دبل حتى. لوت فمها بضجر: _ده اللي كان ناقص. _اطلعي ارتاحي يا نورهان عشان متتعبيش. نظرت له متفاجئة: _اطلع ارتاح!

انتَ مش هتعرفني عليها. زفر بنفاذ صبر: _بكرة يا نور الدنيا مطارتش. طالعته بغيظ ثم نظرت ل “صفاء” التي هزت لها رأسها بمعنى ألا تطيل في الحديث معه، فكادت تنصرف لتسمعه يقول ل”صفاء”: _جهزي عشا لنورهان عشان دواها. رفعت “نورهان” رأسها بأنفه وقالت وهي تسير نحو الدرج: _أنا عاوزة من الأكل اللي بيطبخ ده. وقد شعرت حقًا بالجوع مع رائحة الطعام التي تغزو أجواء الفيلا بطريقة غير طبيعية.

ابتسامة لا تُرى خرجت منه وهو يسمع جملتها التي قالتها بكبرياء أحمق، ووجه نظره تجاه المطبخ وهو يقول مجعدًا أنفه بضيق: _هي الريحة مالها مالية الجو ليه! وقد كان أمرًا عجيبًا، بالعادة حين يتم طهي الطعام لا يخرج له رائحة أبدًا لداخل الفيلا، بل تُطرد للخارج بواسطة شفاط السحب. _هروح أشوفها. _لا خليكي.. أنا كده كده عاوزها.

أنهى حديثه واتجه للمطبخ الذي يدلفه لأول مرة بحياته، ليقف على بابه ينظر لها وهي تتابع طهي شيء ما على الموقد، وتدندن بكلمات لم تصل لمسامعه، فاقترب بخطوات حثيثة حتى جلس على الكرسي الموضوع حول الطاولة الكبيرة بالمنتصف، ومن هنا استطاع سماعها جيدًا. _بحياتك يا ولدي امرأةٌ عيناها سبحان المعبود.. فمها مرسومًا كالعنقود.. ضحكتها أنغامًا وورود… والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا..

قد تغدو امرأةٌ يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا… لكن سمائك ممطرةٌ وطريقك مسدودٌ مسدود.. فحبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصر مرصود.. من يدخل حجرتها من يطلب يدها من يدنو من سور حديقتها من حاول فك ضفائرها.. من حاول فك ضفائرها يا ولدي مفقود مفقود مفق.. علت بصوتها وقد تحمست مع كلمات الغنوة ورفعت ذراعها الحر للأعلى وكأنها تقف على المسرح أمام الجمهور والآخر تلوح بالملعقة الخشبيه بهِ.

واستدارت لتأخذ طبقًا من فوق الطاولة لتضع بهِ طعامها الذي انتهى، لتقف كالتمثال حين أبصرته أمامها، حتى أنها لم تنزل ذراعيها المرفوعين، وكأنها تجمدت بحق! تحكم بالكاد في ابتسامته التي هددت بالظهور على مظهرها المضحك، ونهض يقترب منها حتى أصبح أمامها فانزلهما بكفيهِ وهو يقول بجدية مصطنعة: _انتِ واقفة في مطبخ ولا على المسرح؟ إيه الدوشة دي!

فاقت من صدمتها وتجمدها، واخفضت بصرها عنه بحرج بالغ، وابتعدت خطوة اقتربها هو مرة أخرى بنفس اللحظة دون شعور منه، مسدت على وشاح رأسها بتوتر وهي تقول: _معلش.. أصل صفاء قالت محدش في الفيلا. وللتو انتبه لوشاح الرأس الغريب الذي ترتديه، وأول سؤال بدر لذهنه من أين حصلت عليه؟ فهو مختلف عن أي وشاح سبق أن رآه، لكنه جميل، يجعلها تشبه شخصيات الأساطير، التي لطالما حكت عنها والدته له حين كان صغيرًا. _شكلك حلو.

بالله لا يعرف كيف نطقها، وكأنه كان محتجزًا في ذكريات ماضية جميلة، وكأنه يسمع صوت والدته الآن تحكي له عن قصة الأميرة الهاربة التي قابلت رجلاً حقيقي فكان لها بطلاً، يسمع صوتها تزامنًا مع رؤيته للأميرة! فوالدته لطالما لم تتجاهل رسم صورة للبطلة والبطل في خيال الصغير، حتى أنها أحيانًا كانت تخيل له ما يرتدون… والخيالات تنطبق تمامًا عليها الآن. فغر فاهها وهي تسمع مدحه المباشر، لأول مرة يكون مباشر في شيء!

شيء صدمها، ولم تجد جواب يناسب قوله، فصمتت لكن شيء ما بداخلها تحرك، شيء ما بها سعد. ولأول مرة أحد يُثني على جمالها، هي لا تعرف علاما أثنى تحديدًا، لكن عمومًا تسمعها للمرة الأولى.. للمرة الأولى وهي “فيروز” ليست مُهندمة، وليست متأنقة كما علمها مازن مؤخرًا، فقط ثياب رياضية ووشاح رأسها الذي تنتمي إليه، حتى أنها غسلت وجهها من مستحضرات الزينة قبل أن تنزل، وكحل عيناها الذي لا يفارقها لم تضعه الآن.

لأول مرة تسمع ثناءًا لا يندرج للتودد والوقاحة التي يقصدها الغير، فكثيرًا ما سمعت هذا وأكثر بعملها بالشارع، لكنه لم يكن سوى تحرش لفظي.. يخفي خلفه خفايا سوداء ونوايا حقيرة. تحرك فورًا حين أدرك ما تفوه بهِ، وتجنب الحديث في الأمر وهو يجاورها ليضغط على زر ما يعلو الموقد الذي يوضع بداخل المطبخ الخشبي وقال بجمود: _ده زرار الشفاط، لازم تشغليه عشان ريحة الأكل متدخلش الفيلا… شكلك مش متعودة تدخلي المطبخ أصلاً.

استدارت لتصبح موازية له بعد أن كانت تعطيه ظهرها مع حركته، وقالت بيأس: _لا بدخل.. بس ريحة الأكل دي اللي بتحسسنا بالبيوت العمرانة بناسها، ريحة الطبيخ اللي بتتخلصوا منها دي ذكريات لأبن بيفتكر والدته الميتة مع كل مرة بيدخل فيها الشقة وبيشم ريحة الأكل.. وبيفتكر الزوج مراته اللي غايبة عن البيت وملوش حس من غيرها.. انتوا بتفقدوا أي لذة للحياة من غير ما تحسوا. التفت نصف التفاته فأصبح يقابلها: _إحنا مين؟

هي تخطئ ولا تعلم لمتى ستلازمها الذلات، فغالبًا ما يذل لسانها والذلة قد تكشف حقيقتها، تنهدت بتوتر اخفته وقالت بتوضيح: _اللي مش عاوزين ريحة الأكل تدخل البيت.. واتجهت للطاولة تلتقط طبقًا لتضع فيهِ طعامها، فقال وقد ابتعد عن الموقد خطوتين للخلف: _اعملي حساب نورهان معاكي. نظرت له بتفاجئ تسأله: _هي نورهان رجعت؟ هي مش كانت روحت!

مد كفه يتناول ملعقة موضوعة جانبًا وأخذ بضعًا من الطبيخ بها ليذم شفتيهِ بإعجاب بعد تناوله، إعجاب لم تفهمه.. تحت صدمتها مما يفعله، فهو على طاولة الطعام الطويلة لا يمد يده في طعامه إلا بعد أن يضع منديل الطعام ويعدل جلسته بعناية، وقصص كثيرة جعلتها تصدم من تناوله من القدر وهو مازال على النار!

لكنها لا تعلم أن وقفته هذه ذكرته بوقفته مع والدته في مطبخ بيتهم القديم، وطوال وقفته كان يلتقط الطعام من هنا وهناك ووالدته تصرخ عليه بأن يتحلى بالصبر فهي انتهت من الطهي وستضع الطعام الآن.. لكنه كان يجد متعة فيما يفعله. _عملت حادثة وجت تقعد معايا. تركت الطبق جانبًا وسألته بخضة: _يعني هتشوفني! هتقولها عني إيه؟ دي تعرفني إني خطيبة مازن! أو أنه كان هيخطبني يعني. نظر لها يقول:

_أنا هتصرف معاها، المهم انتِ ماتتكلميش معاها في أي حاجة.. أومأت موافقة، وتناولت الطبق مرة أخرى بينما تسأله: _هي بخير؟ _كويسة. وجدت يده تمتد مرة أخرى ليأخذ قطعة لحم صغيرة يضعها بفمه وقد استند على طاولة المطبخ الخشبي كمراهق ينتظر انتهاء الطعام، سألته بضيق خفي فهي لا تحبذ هذه الأفعال أبدًا: _أحطلك أكل؟

هز برأسه نافيًا وهو يطالعها بصمت، لترفع حاجبيها مستنكرة فعلته، لكنها أشاحت ببصرها عنه تتناول طبقًا آخر، لتجده يعاود الفعل. _أنتَ متأكد إنك مش جعان؟ بدل التنتيش اللي عمال تنتشه ده! _تنتيش؟؟ رددها ممتعضًا: _انتِ متأكدة إنك كنتِ في لندن! لوت فمها تجيبه: _أنا مش معايا الجنسية الأجنبية عشان تنتظر مني أعوج لساني، في فترة طويلة قضيتها في مصر. صمت وصمتت هي تتابع غرف الطعام، حتى صرخت فجأة بغضب: _الله! وبعدين بقى.

رفع حاجبه مستهجنًا: _انتِ بتصرخي في وشي؟ زفرت أنفاسها لتهدأ وبررت: _مابحبش العند.. عاوز تاكل قول أحطلك، لكن إيه اللي بتعمله ده! وبعدين خايلني وأنا بغرف كل شوية ألاقي إيدك في الحلة! ظهرت الابتسامة هذه المرة على وجهه وقد فشل في اخفائها كمثيلاتها، وقال: _طيب، حطيلي معاكي. هو مستمتع.. يشعر بلمحات من أيام صباه تعود له الآن، فتخلق فوضى بداخله، فوضى تجعله يخرج عن أطواره… _حطي مخلل مع الأكل… قالها بعدما جلس على الطاولة

المستديرة لتسأله بصدمة: _ماتقولش إنك هتاكل هنا؟؟! لم يجيبها، فأدركت الجواب، لتتابع تجهيز الطعام وعقلها متجمد من الصدمات التي تأخذها اليوم. جلست أمامه بعدما أخذت “صفاء” الطعام الخاص ب “نورهان” واخبرها “شاهين” بأن تظل معها حتى تأخذ الدواء، نظرت له من حين لآخر تتابع أكله دون أن يعبر عن إعجابه بالطعام أو العكس حتى، فوجدت نفسها تقول بهدوء: _ماقولتش يعني الأكل عجبك ولا لأ. ولم يعطيها الإجابة المنتظرة فقط قال:

_لو مش حلو مش هاكل. ضربت كفًا بآخر تقول: _مستخسر تقول حلو! دايمًا إجاباتك ثعبانية. ابتلع طعامه ونظر لها يقول: _مش دايمًا لازم تسمعي الإجابة اللي مستنياها. هزت رأسها يائسة واستكملت تناول طعامها فالصمت معه أفضل. صباحًا… أخبرها بأن تنتظر يومين فقط وسيجعل ابنتها تحدثها، ومرا اليومان دون جديد، وطفح كيلها، فقلبها يحترق بأفكار أذية ابنتها الوحيدة، لتمسك الهاتف عازمة على محادثته ووضع حد لكل ما يحدث. بعد ثوانٍ أتاها

الرد لتقول دون مقدمات: _أنا استنيت اليومين وعدوا وبنتي ماكلمتنيش.. أنا مش هقدر استنى أكتر من كده. أتاها صوته يهدأها: _أنا قولتلك أنها كويسة.. وحكاية اتصالها بيكِ فالظروف مش سامحة دلوقتي.

_وأنا إيه اللي يخليني أصدقك، بأمارة إيه أصدق إن بنتي كويسة، ما هي لو جرالها حاجة مش هتقولي وبردو هتفضل تنيم فيا عشان متعملش شوشرة لنفسك، يا بيه انتَ من يوم ما كلمتني وقولتلي إنها راحت للراجل ده ومش هتعرف تكلمني عشان خطر عليها، وأنا هموت من القلق.. أنا لازم أسمع صوتها، لازم أطمن. _وأنا هطمنك يا ست مديحة، بس اديني وقت، الموضوع مش سهل كده، لازم تاخد احتياطتها وهي بتكلمك، ولا انتِ عاوزة تأذيها؟ نفت سريعًا بقلق:

_لا، أنا بس عاوزة أطمن. _اديني يومين تانيين، وصدقيني قبل ما يخلصوا هتكون بتكلمك. _ماشي يا بيه، اديني مستنية. _محتاجة حاجة أبعتهالك؟ سألها بعد أن أخبرها في المرة السابقة إن احتاجت لأي شيء تخبره فورًا دون تردد، لتقول بنبرة حزينة: _مش عاوزة غير إني أسمع صوت بنتي. _طيب، عمومًا هبعتلك مبلغ مع حد، و… قاطعته قبل أن يُكمل:

_قولتلك المرة اللي فاتت فيروز الله يسترها سابتلي كل الفلوس اللي خدتها منك، يعني أكيد مش هخلصهم في يومين.. ولا في شهرين حتى.. وإن شاء الله قبل ما يخلصوا تكون بنتي رجعت، مش انتَ قولتلي معاها أسبوع. _يمكن تطول شوية.. يعني ممكن يوصلوا أسبوعين، لسه مش عارفين حسب الظروف، هخليها تكلمك قريب، سلام عليكم. _عليكم السلام ورحمة الله.

أغلقت الخط بيأس بعد أن شعرت بحديثه أن الأمر مازال له بقية، وكما قال ربما سيطول أكثر من المدة المحددة، يبدو أن ابنتها دلفت في دوامة تتمنى أن تخرج منها بسلام وألا تأخذها للمجهول. _فيروز؟؟

رددتها “نورهان” بصدمة وقد وقفت في منتصف الدرج الداخلي حين قابلت “فيروز” تصعده، وقفت “فيروز” تبتلع ريقها بارتباك، فقد كانت تجلس في الحديقة منذ الصباح الباكر، وقررت أن تصعد لغرفتها الآن لأداء صلاة الظهر، لكنها وقفت حين قابلت الواقفة أمامها ولم تتوقع رؤيتها الآن. وتلقائيًا دارت برأسها في المكان تبحث عنه، فأي سؤال ستطرحه “نورهان” الآن ليس لديها إجابة له، ولكنها لم تجده، فعادت تنظر لها بابتسامة مرتبكة وقالت ناظرة لذراعها:

_ألف سلامة عليكي. لم ترد جملتها، وسألتها بنفس الصدمة: _بتعملي إيه هنا؟ وها قد بدأت الأسئلة، وقبل أن تجيب هي، سمعت صوت “شدوى” يقول من خلف نورهان: _خطيبة شاهين، إزاي متعرفيش! جحظت عيني “نورهان” وهي تقول: _خطيبة شاهين إزاي؟ طب ومازن؟ جاورتها “شدوى” الآن، فسألتها بحاجبين معقودين: _ماله مازن؟ دي خطيبة شاهين. نفت “نورهان” برأسها بصدمة: _لا.. دي خطيبة مازن. وهنا أتى دور “شدوى” في الصدمة، واتسعت عيناها هي الأخرى وهي تردد:

_مازن؟ إزاي؟ وفجأة نزلت الدرجتين الفاصلتين بينها وبين “فيروز” وامسكتها من ذراعها لتهدر بها في عنف: _انتِ مين يا بت انتِ؟ ردي، انتِ خطيبة شاهين ولا مازن، ولا بتلعبي على الاتنين؟؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...