الفصل 13 | من 30 فصل

رواية فراشة في سك العقرب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
22
كلمة
3,800
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

لا تستهن بذكاء عدوك.. ولا تأمن لمكر حواء… فالحرب خدعة.. والخدعة تأتي دومًا على غفلة، فكن متيقظًا. ورده كان صادمًا لها حين تجاوز كل ما قالته وهو يقول لها بإهانة: _كمثل الحمار يحمل أسفار… أنتِ فاهمة معنى الآية دي؟ اعتبري نفسك مكان الحمار ده بالضبط.. هو عمومًا مبيبقاش عارف هو شايل ايه على ضهره.. ولو عارف فهو مش هيفهم شايله ليه ولا جهته ايه! خليكِ زيه بالضبط، نفذي المطلوب منك من غير أسئلة كتير.

وإهانته لن تبتلعها أبدًا، فهي التي لم تقبل يومًا أن يتطاول عليها أحدٍ لن تقبل الآن أيًا من كان هذا الشخص وتحت أي ظرف كان، نصبت ظهرها ووقفت شامخة وهي تجيبه بتحدٍ سافر:

_لو انتَ بتستشهد بالقرآن عشان توصل لي معلومة عقيمة زي اللي قولتها دلوقتي، فخليني أنا كمان أرد عليك بآية من القرآن، “وَلَقد كَرمنَا بَني آدَمَ وَحملناهُم في البَر والبحر ورزقنَاهُم من الطيبَاتِ وفَضلنَاهُم علَى كثِيرٍ مِمن خَلقنَا تَفضِيلاً” يعني ربنا كرمنا كبشر على كل مخلوقاته، مين انتَ عشان تيجي تشبهني بالحمار؟ رجعت بظهرها للوراء وجلست على الكرسي الذي خلفها بكبر وهي تكمل:

_وبناءً عليه، فأنا مش هتحرك خطوة تانية في الخطة دي غير لما أفهم اللي محتاجه أفهمه. التواء بسيط ظهر في رفع جانب شفته العليا، التواء في ظاهره بدا لها سخرية واستخفاف، لكنه في باطنه إعجاب جديد بقوتها وكأن لديه مشكلة حقيقية مع ضعف المرأة! _تمام، هقولك اللي حابه تعرفيه، وفي المقابل.. سكت قليلاً وكأنه متعمد أن يثير فضولها ويكسب اهتمامها تجاه القادم، جلس هو الآخر ووضع ساق فوق الأخرى وهو يكمل:

_قولي لي ايه السبب الحقيقي ورا قبولك بعرض مازن، وقولي لي كمان عرفتيه ازاي وايه اللي جمعك بيه؟ ابتلعت ريقها الجاف وأجابته بثقة زائفة: _قولت لك، هو أنا هعيد كل ده تاني!؟ ابتسم ساخرًا بحق هذه المرة وهو يعقب على حديثها: _ياريت زي ما بحترم ذكائك تحترمي ذكائي، أنا قولت لك قبل كده إن كل اللي قولتيه أنا متأكد إنه مش الحقيقة بس اتغاضيت.. لو انتِ بقى مش هتتغاضي إنك تعرفي علاقتي بشدوى يبقى أنا كمان مش هتغاضى. غمغمت قائلة:

_واحدة بواحدة. مال بفمه للأسفل في حركة تعني أنه هذا هو الأمر وقال: _أي deal بيكون دايمًا واحدة بواحدة، تنازل قدام تنازل، وشرط قدام شرط.. وتغاضي قدام تغاضي. وجملته الأخيرة كانت تقصد اتفاقهما تحديدًا، فزمت شفتيها بسخطٍ، حسنًا لن تستطيع أن تبوح بما يريده وفي صالحها أن يتغاضى… وللأسف كي يفعل هو لابد لها أن تفعل. _تمام، خلينا نتغاضى.

ملامحه الجامدة أوشت لها بأنه توقع اختيارها بل وكان متأكدًا منه، فهز رأسه بحركة بلا معنى.. قبل أن يسمع دقات فوق الباب ليسمح بالدخول، فُتح الباب بواسطة الحارس لتدلف “صفاء” وهي تقول باحترام: _الفطار جاهز يا شاهين بيه. سألها: _شدوى صحيت؟ نقلت “صفاء” نظراتها على الفور ل “فيروز” التي تململت في جلستها قلقة من أن تخبره بما أمرتها بهِ، وجاء قلقها في محله حين قالت “صفاء”: _لا، وكنت هصحيها، بس فيروز هانم رفضت.

وفي الحال تدخلت “فيروز” تحت نظرات “شاهين” المستغربة والتي انتقلت لها حين قالت مبررة: _أصل صفاء قالت لي إنها عارفة المواعيد، ويعني لو هي منزلتش يبقى مش حابة، أو مرهقة ومش هتقدر تصحى دلوقتي. نظر لها لثوانٍ دون رد، فرفرت باهدابها تبعد نظراتها عنه، لتسمع صوته بعدها يقول بما أدهشها: _معاكِ حق، صفاء أنتِ عارفه إني بحب كل شخص يلتزم بالمواعيد.. ومن نفسه، يعني مفيش داعي تستدعي حد على ميعاد هو عارفه.

أومأت برأسها طاعةً قبل أن تنصرف، فحول بصره لها يخبرها بنبرة ماكرة بعدما وقف مستعدًا للخروج: _واضح إنك بدأتِ تلعبي، وأنا مش همنعك، بس في نفس الوقت مش هتدخل في اللعبة.. يعني لو قولتِ أي حاجة هعمل نفسي مسمعتش.. وتركها ذاهلة من حديثه، كيف يقبل أن تلعب مع زوجته بل ويصرح لها بهذا!! هي الآن باتت متأكدة أن الأمر بينهما جلل، وليس مجرد مشكلة عابرة.

وعلى طاولة الإفطار، كان الحاضرين “شاهين” و “فيروز” و “تيم”، نظرت “فيروز” للطعام بسخطٍ، هل يعاملونهم معاملة العصافير! فبعض مكعبات الجُبن التي قد لا تتعدى العشر من ذوات الحجم الصغير، ولأول مرة ترى جُبن مُقطع لمكعبات! والغريب أن المكعبات جميعها متساوية الحجم كأنها قُطعت بآلة ما! أين الجُبن المهروس الذي يخرج من العلبة للطبق فورًا ليُدعس تحت أسنان الشوكة فلا تظهر له ملامح!؟

وفي طبق آخر فيما قدرته بمعلقتين من المربى، وفي آخر خمس شرائح رفيعة من الجُبن الرومي، والطبق الذي آثار اشمئزازها بهِ ثلاث بيضات لكنها ترى البيضة كاملة! لم تُخضع للهرس هي الأخرى يالله ما مشكلتهم هؤلاء ألا يُهرس شيء عِندهم! هي تعرفه قد رأته ذات مرة في التلفاز ويطلق عليه بيض عيون لكنه مثير لل… حسنًا وطبق خضروات تُعد على الأصبع مُقطعة بأشكال لطيفة، والخبز.. ويا ويل الخبز!

هو قطعة بحجم نصف كف اليد، نظرت ل “شاهين” الذي التقط شريحة خبز وفرد عليها مكعب من الجبن ودعمها بقطعتين من الخُبز ليقدمها للصغير يحثه على تناولها، وتناولها قاضمًا قطعة منها كما هي، إنه غير قابل للتقطيع.. هذا ما رددته في عقلها وهي تنظر للطعام بسخطٍ، ولأول مرة لا تجد لها شهية في الإفطار، فكيف لها أن تفعل بدون الخبز البلدي المُحبب لها، وطبق الفول بالزيت الحار الذي إن تناولته عمرًا لن تزهده، عليها التعايش… هكذا رددت لنفسها قبل أن تلتقط شريحة خُبز وشريحة من الجبن الرومي.. وهل لها أن تأخذ أكثر!

حقًا صدق من قال (لاتهون إلا على الفقير) فها هي تلتمس بخلاً غريبًا من أصحاب القصور العالية..! ألقت نظرة جانبية على “شاهين” لتجده يرتشف من فنجان قهوته ولم يمد يده للطعام، لتقول بتلقائية: _انتَ بتشرب قهوة على الريق! ولا فطرت بدري؟ لم ينظر لها واكتفى بالإجابة وهو يطالع الصغير بحرص: _مبفطرش. ورغم حدة كلمته، ورغم سخطها على طريقته، وجدت نفسها تقول ناصحة:

_بس كده غلط، يعني أول حاجة تدخل المعدة قهوة اللي فيها نسبة كافيين عالية هتتعبك، وكمان ممكن تعمل لك هبوط. استحوذت على اهتمامه فنظر لها بجانب عينيه: _ياترى كلامك ده مبني على حقائق علمية ولا فتي من عندك؟ رفعت حاجبها مستهجنة وقالت بغيظ واضح: _فتي من عندي!

… طب اسمع بقى مخاطر القهوة على الريق، ممكن ترفع ضغط دمك وتخليك ماشي مش شايف قدامك من الضغط ويمكن تطب ساكت ومحدش يلحقك، ده طبعًا مع إنها بتزود ضربات القلب يعني كده كده مش هتتلحق. وضع كف يده فوق فمه يخفي بسمته التي خرجت صادقة هذه المرة دون سخرية أو استنكار، وحمحممداريًا بسمته ومستعيدًا جديته بعدما أزال كفه: _ده تمني؟ .. أنتِ بتتمني يحصلي كل ده مش بتعرفيني أخطار القهوة على الريق! رفعت كتفيها وهي تقول بفتور:

_وأنا هتمنالك ده ليه! أنا بس بنصحك وأنتَ حر. همهم يقول: _اممم.. لا شكرًا على النصيحة. وبعدها أصبح يراقبها كما يراقب صغيره، ليلاحظ أنها لم تمس البيض، ضيق عينيهِ في شكٍ هل من الممكن أن تكون مثل صغيره لا تحبذ البيض أبدًا؟! شاكسها وهو يدفع الطبق لها يقول: _شكلك مش شيفاه، ملاحظ إنك مبتاكليش منه. جعدت أنفها بضيق وهي تدفعه من جهتها وقالت: _لا شيفاه متقلقش. رفع حاجبه بتلاعب يخبرها: _طب ما تاكلي! نظرت له بضيق:

_أنتَ مركز معايا ليه؟ تجمدت ملامحه يجيبها: _هركز معاكي أنتِ؟ أنا بس ملاحظ إنك زي تيم شكلك مبتاكليش البيض.. وخرج الصغير عن صمته يعبر عن عدم حبه له يقول: _أنا noway أكله، أصلا it’s not delicious. قلبت شفتها بضجر توافقه: _معاك حق يا بني، هيكون delicious ازاي بشكله ده! نظرت ل “شاهين” تكمل: _يعني ده طفل عاوزينه ياكله بالشكل ده ازاي؟ أنا نفسي المنظر أثار إشمئزازي. جعد ما بين حاجبيهِ مستغربًا: _ايه العبط ده! ماله شكله؟

ده بيض عيون وطبيعي يكون شكله كده. سألته مستنكرة: _ايوه وليه لازم يكون بيض عيون! يعني ما ممكن يبقى بيض مقلي عادي، أو حتى بيض مسلوق.. ولا هو ده كمان عشان المظهر العام؟ _ايه علاقة ده بالمظهر العام؟

_أصل في ناس عندها جنون بالطبقة الارستقراطية، أو طبقة الأغنياء، فحتى الأكل لازم يكون له شكل معين ومعمول بطريقة معينة، مثلاً… الجبنة تكون متقطعة مكعبات، البيض يكون عيون، الخضار يكون متقطع بشكل شيك واشكال مختلفة وردة ولا قلب، على أساس إنه لو متقطع عادي البطن هترفضه!

العيش العادي مبيدخلش بيتهم أصلاً.. دي كلها شكليات فارغة، البطن في النهاية مبتميزش، بس العين هي اللي بتميز، وكل ده عشان شكل السفرة يليق بناس غنية ويبان إن معاهم فلوس يعني.. تجعدت ملامحه باستغراب جلي وهو يحدقها بتعجب: _أنتِ ليه بتتكلمي كأنك مش منهم؟ أشاحت بنظرها عنه مرتبكة وقد شعرت باندفاعها في الحديث الذي لربما يثير شكه، فهدأت وجمعت أفكارها وهي تبرر:

_مش معنى إني منهم إني بحب تفكيرهم والمظاهر الكدابة اللي بيهتموا بيها، أنا معنديش مانع أبدًا أنزل آكل على عربية فول، أو أقف في مطبخ أعمل أكلة بحبها، مش معنى إني غنية ومعايا فلوس يبقى أتقيد وأمشي على نمط الأغنياء، ليه نبقى كلنا نسخة واحدة مكررة وشبه بعض! رجع بظهره مسترخيًا على كرسيه وهو يناقشها ولأول مرة يجد نفسه راغبًا في المناقشة، هو الذي يأمر دومًا ويُطاع دون جِدال، لكن حديثها ممتع ويدفعه عنوة لمناقشتها:

_بس الناس مقامات، يعني الفقير بيقف على عربية الفول لأنه معندوش اختيارات تانية ودي حياته، لما الغني يعمل زيه يبقى فين الاختلاف.. مين هيدخل المطعم، لما كلنا نقف في المطابخ ونطبخ بنفسنا الشيفات اللي ده شغلهم ومصدر رزقهم هيعملوا ايه وقتها!؟ تركت طعامها واعتدلت لتكن في مواجهته وهي تقول:

_الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان أفضل أكل له القديد اللي هو اللحم المجفف، والخبز.. وكان لبسه عباية عادية زي باقي الناس مش من حرير ولا مطرزه بالدهب، كان بينام في الجامع وأحيانًا تحت الشجرة اللي بيستظل بها، مش في قصر… الحقيقة إن الغنىَ عمره ما كان سبب للعيشة المرفهة بزيادة، الناس بس اللي بوظت المعايير.. فبقى الشخص بيتقاس غناه من عيشته، ومقولتش منجبش طباخين ومقولتش مندخلش مطاعم، بس احنا بنقيد نفسنا إن مينفعش نعمل ده، رغم إنه عادي لو يوم صحيت وحبيت أنزل أفطر على عربية فول، ولا أقف أعمل طبخة.. لكن طبعًا تِبعًا للأتيكيت دي جريمة.

ورده كان ظاهرًا لتعجبه من تفكيرها وهي يقول: _أنا متفاجئ.. ودي حاجة مبتحصلش. انعقاد حاجبيها وضحوا انتظارها لتوضيح لمعنى جملته، فاكمل: _أنا في العادة ببقى قاري اللي قدامي فأي رد فعل بيصدر منه بكون متوقعه، لكن أنتِ غير… باعترف إن ردود افعالك بتفاجئني، وبعترف بردو إن دي حاجة زعجاني. _أنا مش غامضة اوي كده! ايه اللي متوقعتوش مني وعملته؟

_كله.. من أول اعترافك إنك ملكيش علاقة عاطفية بمازن، لحد الآن.. متوقعتش إنك عندك خلفية دينية مش بطالة، يعني.. قطع حديثه ممرًا نظره عليها بمغزى وأكمل: _طبعًا ده زائد وجودك في لندن لفترة طويلة. أومأت برأسها متفهمة:

_تقصد استايل لبسي ووجودي في لندن أوحولك إني شخصية مليش في الدين أصلاً وده آخر حاجة ممكن اهتم بيها، لكن خليني أقولك إن رغبة الشخص وإرادته هي دايمًا الغالبة، يعني لو الواحد بيطلع حسب البيئة اللي حواليه مكانش طلع من قبيلة قريش أقوى فئة مؤمنة اتمسكوا بدينهم رغم كم العذاب اللي شافوه، مكانش ابن سيدنا نوح طلع كافر، و مكانتش زوجة سيدنا لوط بقت مع قومها ضده، أمثلة كتير اوي بتأكد لنا إن خِصال الشخص باختياره مش مفروضة عليه.

أومأ برأسه مؤيدًا حديثها ولكنه بالطبع لن ينطقها قولاً. _بابي أنا شبعت. مسد بكفه على الشعر الصغير بلطف ورفع صوته مناديًا “صفاء” التي أتت على الفور: _خدي تيم يغسل إيده. أردف الصغير متحمسًا: _وبعدها هلعب بالpuzzle شوية، ok؟ _ok يا حبيبي. وبعد انصراف الصغير وقف هو الآخر مستعدًا للرحيل ولكنه قال لها قبلاً: _اعملي حسابك هتكلمي مازن بكره. لوت فمها بامتعاض بعد انسحابه ونظرت لارجاء المكان بملل قائلة: _ايه الزهق ده بقى!

_كويس إنها عرفت تتواصل معاك، مكناش عارفين نوصلها. قال “مازن” براحة: _وكانت هتضطرني اتواصل مع حد قطعت علاقتي بيه من سنين. _مين ده بقى؟ نظر له ساخطًا: _ريح نفسك مش هقول. سأله بضجر: _هو سر! رد ببرود: _اعتبره كده. تغاضى عن هذا السؤال وسأله آخر: _طب قولي أنتِ تاعب قلبك مع شاهين ليه؟ يا بني الراجل ملهوش ملف أصلاً! يعني في نظر القانون معلهوش غبار، وأنتَ مُصمم إن شغله شمال ومجرم!

وسايب قضاياك ومركز معاه، أنتَ عارف لو اللواء شم خبر إنك بتجري ورا واحد وسايب القضايا اللي مُكلف بيها هيكدرك ازاي… مش بعيد يديك جِزا شهر، أنتَ بتخاطر بوظيفتك يا مازن. تحولت ملامحه للغضب، وجز على أسنانه بقوة كادت تكسرها وهو يقول: _لو مقابل إني أحبسه فانا معنديش مشكلة. سخرَ “مدحت” منه وهو يقول: _طب فُض الشراكة اللي بينكوا الأول، قبل ما تحبسه ويحجزوا على أملاكه، وطبعًا الشركة هتضيع. نهض واقفًا ينظر من نافذة

المكتب وقال بغضب مكبوت: _ياريتني أقدر، لكن الشراكة بينا مش بس في الشركة، في الشركة وفي أرض الساحل وفي فيلا التجمع.. وللأسف الموضوع مش في إيدي لوحدي عشان أفض الشراكة. نهض “مدحت” يجاوره وقال ناصحًا: _ما ربنا يهديك يا مازن وتتكلم معاه بهدوء، مش يمكن كل اللي في بالك ده أوهام؟ مش يمكن ملوش في الشغل ده أصلاً؟ يا بني احنا مامسكناش عليه هفوة! نفسي أعرف ليه متأكد إنه شغال في السلاح. التف له وقد ضاق ذرعه من ضغطه عليه:

_خلاص بقى يا مدحت، كفاية كلام عنه ده بيعفرتني. طالعه “مدحت” بشك وهو يقول: _مازن اوعى يكون كل ده انتقام منه للي حصل زمان؟ ونظرته له كانت مبهمة، ولم يعقب، ليزداد شك “مدحت” حول الأمر، ويزفر انفاسه باختناق وحول الحديث لطرف آخر يقول: _طب قولي أنتَ متأكد إن البنت كويسة؟ أجابه باقتضاب: _لا مش متأكد. هز رأسه بضيق: _من الأول انا مكنتش موافق على الفكرة دي، وبعدين أنتَ خدعتها وفهمتها إن الموضوع رسمي.. قاطعه معقبًا:

_مانا قولت للواء وكان على عِلم… قاطعه “مدحت” هو الآخر يقول:

_أولاً اللواء وافق في الأول إنك تتبع شاهين لأنك أكدتله إن وراه بلاوي، لكن اللواء بعدها على طول بلغك توقف كل حاجة لما اداك القضية الجديدة وقالك تركز فيها وتشيل موضوع شاهين من دماغك، ثانيًا كل دي مجرد شكوك مفيش حاجة رسمي، ثالثًا أنتَ خدعتها مرتين.. مرة لما فهمتها إنه مجرم ومطلوب من العدالة بس مفيش دليل، والتانية لما سرقت الفلوس عشان ترغمها توافق على القضية وتقبلها… رفع كفه يضعه على كتف “مدحت” وابتسم

ابتسامة لم تصل لعينيه: _يا مدحت الحرب خدعة، عشان تكسب لازم تتنازل شوية عن الفضيلة وتلعب بكل الوسايل المتاحة، مش مهم أبدًا تكون نزيه في اللعبة قد ما مهم تكسب في النهاية. حدقه “مدحت” لبعض الوقت قبل أن يقول آسفًا: _مبادئك غلط يا مازن، وصدقني عمرك ما هتكسب المكسب الحقيقي بمبادئك دي. وأزاح كفه منصرفًا من أمامه، ليهز رأسه بلامبالاة وهو يتجه لمكتبه ليكمل متابعة عمله دون الاهتمام بحديث صديقه. _حضرتك طلبتيني يا هانم؟

قالتها” مستكة” وهي تقف خلف “فيروز” التي التفت بعد أن أخذت نفسًا عميقًا لتُصدم “مستكة” حين رأتها مرددة بصدمة: _فُلة!! اقتربت منها “فيروز” بعدما اتجهت للباب واغلقتة لتقول بهدوء: _مستكة احنا لازم نتكلم. جرت نظرات “مستكة” فوقها بذهول واضح، وفور إفاقتها منه قالت: _إش إش ايه الشياكة دي كلها؟ بتعملي ايه هنا يا فُلة؟ وايه النضافة دي؟

حدقتها “فيروز” بتردد كبير، فهي ليست واثقة من شعورها تجاه “مستكة” ونظرتها بها، هل ستصون الود والعِشرة أم ستنقلب عليها وتكون كارت إضافي ضدها؟ _انا اتورطت في مصيبة، ولما عرفت إنك شغالة هنا قولت مفيش حد غيرك هيساعدني. وتحت نظرات “مستكة” الذاهلة لِمَ تسمعه أوضحت لها” فيروز” طبيعة الأمر، ولا مانع بالقليل من الكذب!

_هو هددني، وده ضابط يعني مقدرش أقف في وشه، لما شافني في الإشارة قالي على اللي عاوزه رفضت طبعًا بس هددني لو ماوافقتش هيلبسني قضية، معرفتش اتصرف وخوفت، فاضطريت أوافق. وبالطبع لم تخبرها بعرضه للأموال وقبولها بها! _وبعدين؟ _جيت هنا ورموني تحت ليلة كاملة شوفت فيها سواد، وبعدها شاهين ده طلعني واضطريت أقوله إن مازن زاققني عليه بس غيرت في الموضوع شوية، فهمته إني غنية وعندي فلوس وبيني وبين مازن مصلحة عشان كده قبلت.

سألتها مستغربة: _وليه ماقولتيش الحقيقة؟ أجابتها بثبات: _خوفت، خوفت يعرف إني فقيرة وبت غلبانة فيدوس عليا زي التاني، قولت أبين له إني بنت ذوات زيهم عشان ميستقلش بيا. وحديثها مُقنع! مرت دقائق من الصمت قطعته “مستكة” تقول: _أنتِ لازم تطلعي من بينهم، دول مش هيسموا عليكِ يا خايبة. نظرت لها “فيروز” باستفسار وسألتها: _يعني أنتِ معايا؟؟ حدقتها بسخطٍ، ولوت فمها متشدقة: _بلا خيبة هو أنا عندي حل تاني!

أنا اه مابحبكيش، واه مبرتاحلكيش، وبينا مصانع الحداد، بس ده كله كوم وكونك بنت حتتي وجمعتنا دِكة واحدة في الفصل وأمك اللي ياما ساعدت أمي الله يرحمها كوم تاني، يعني أكيد مش هسيبك لقمة طرية للبهوات، وخصوصًا بقى وانا عارفه وشايفه هم يقدروا يعملوا ايه. نظرت لها “فيروز” ممتنة قبل أن تطلب منها: _معاكي تليفون؟ محتاجه أعمل مكالمة؟

اخرجته على الفور، لتأخذه “فيروز” وتطلب رقمًا تحفظه جيدًا، ووضعته على أذنها منتظرة الجواب الذي آتاها سريعًا، فقالت: _انا فيروز. وعلى الجهة الأخرى انتفض واقفًا يهتف بحذر: _ايه يا فيروز عرفتي تجندي حد من الخدم؟ ولم تجيب سؤاله، بل قالت: _الدار أمان يا مازن يا بيه، أنا لوحدي. وقد كانت إشارة واضحة له ب….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...