الفصل 28 | من 31 فصل

رواية فراشه في جزيرة الذهب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
21
كلمة
2,968
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

خطوات مرتجفة متوترة من أقدامهن الواهية نحو طريق غير معلوم بالنسبة لهن. هن فقط يتبعن رجل عريض المنكبين ضخم الجثة يرتدي نظارة شمسية في عز الليل. حتى وصلن أخيراً أمام غرفة. لاحظوا توقف ذلك الضخم عندها. دق على الباب دقة فأخرى ثم فتح لهن الباب كعلامة على طلبه الدخول دون أن يتفوه بحرف. لتنظر له فوقية وهي تمس شفتيها متسائلة: -هو إيه يا أختي الصم والبكم اللي إحنا فيه ده؟ بيتنا تشدقت فوزية: -هو إحنا رايحين على فين؟

ومالهم بينا الناس دي أصلاً؟ وبدأ ثلاثتهن يتطلعن حولهن بتفقد للغرفة الفخمة الواسعة. سع مبالغ فيه ومؤثثة بأثاث كلمة راقي قليله على وصفه. ثم ظهور رجل من باب جانبي يرحب بهم مردداً: -أهلاً وسهلا. نورتوا. لكنه لم يلقى رداً سوى ثلاث وجوه واجمة. ليقول: -اتفضلوا. -نتفضل فين يا عين أمك؟! كان ذلك صوت فوزية التي أردفت مستمرة: -إحنا فين وجايبنا هنا ليه؟ إحنا عايزين نفهم. -مش أنا اللي جايبكم يا حاجة.

-يسمع من بوقك ربنا يا ضنايا. بس أنا لسه ما حجتش، فممكن أقتل قتيل وأطلع أحج لربنا فيغفر لي. رمش الرجل أهدابه حينما فطن لتعديدها المبطن ليردف: -قتل ليه بس؟ ده إحنا عايزينكم في خير. وأصلاً مش أنا اللي طالبكم. فسألت فوقية: -أمّال مين يابني؟ ما تخلصنا. عيب كده، أنت من دور عيالنا. كل هذا ورنا صامتة تشاهد بترقب ما يحدث وقلبها لا يبشرها بخير. كأنها متوقعة سبب تواجدهم هنا، تاركة المهمة على خالتها فوزية وأمها إلى حد ما. شعر

الرجل بالخطر فأسرع يقول: -في شخصية مهمة جداً وحساسة طالبة تقابلكم. عشان كده طلبناكم هنا في السفارة. إنحبست أنفاس رنا مع جملته الأخيرة. بينما نفخت فوقية بضيق وضربت فوزية باطن يدها بكف الأخرى المسطحة على معدتها وهي تردد: -اللهم طولك يا روووح... يارب نخلص. لينفتح الباب ويدلف راموس ببهاء أمامهم. فتتسع عينا رنا وهي ترى رعبها وكوابيسها تتجسد أمامها. إذا كان معها... لقد اقتحم منزلها بل غرفة نومها...

هو قادر على الإتيان بها لعنده أينما كانت وكيفما كانت. لأول مرة تشعر رنا بالرعب والخوف تجاه أحدهم. كانت دوماً شجاعة مقدامة ومبادرة. وجه راموس يمثل لها حياة العبودية واستباحة حرمة مفاتن الجسد التي لم تعشها إلا عنده بأمر منه. بدأت تتراجع في خطواتها لا إرادياً للوراء وقد شحب وجهها. نظرة الرعب في عيناها له كانت تقتل الفرحة بداخله. ليس لأنه ملك، بل لأنه رجل أحب فتاة ترتعب كلما رأته.

أثنى تلك الفكرة من باله وحاول التحدث مردداً بصوته الملكي الرخيم. ليترجم لهن الرجل المتوسط معهم: -أهلاً وسهلا بكم. تفضلوا. -هو كمان مش بيتكلم لغوتنا؟ ده إيه المرار الطافح ده؟! فرفع راموس إحدى حاجبيه يسأل: -ماذا قالت؟ -لا شيء سيدي. إنها ترحب بك كذلك. وابتسم الرجل ليقترب منه راموس خطوة فأخرى كأنه تهديد خفيف وقال محذراً:

-انتبه. فأنا لا أنصحك بمعاودة الكذب عليّ أو خداعي. صار لي فترة وأنا أتعلم العربية خصوصاً مرادفات اللهجة المصرية. وقد طلبت مترجماً لتسهيل الأمر عليهن ليس إلا. ولأني لازلت لا أعرف كل المصطلحات المصرية، سأمرر فعلتك تلك كونها أول مرة. حسناً؟ أبتلع الرجل لعابه بخوف تحت أنظارهن ورد: -حسناً جلالتك. -جيد إذاً. أخبرهم لماذا طلبتهن. التف الرجل نحوهن ثم بدأ في التحدث. ***

هددته لأكثر من مرة أنها والله ستصرخ وتجمع الجيران إن لم يرتجع ويذهب من حيث جاء. لكنه كان مستمراً في تفكيك أزرار قميصه وقال بتصميم: -صوتي بسرعة. هو ده المطلوب وهتبقي وفرتي عليا كتير. -زيدان. صرخت بها هلعاً وهي تراه يخلع حذائه بسرعة ويميل ليأتي الدور على السروال. وهذا خطر. -يا نهار مش فايت... إنت بتعمل إيييييه؟! -هقولك حالا. ألقى سرواله أرضاً بإهمال وفتح لها ذراعيه يقول: -تعاليلي بقا يا مراتيي يا حلوة أنتي.

أتسعت عيناها رعباً وتحفزت كل خلاياها. فبدأت تبتعد وتستعد للهرب منه. لكنه لاحقها يتتبعها. فحذرته تناشد أي ذرة تعقل بداخله: -أعقل يا زيدان. -وانتوا خليتوا فيا عقل أنتي وأمك؟ -يا زيدان كفايه فضايح. -فضيحة كمان بقا عشان خاطري. -أنت إيه اللي جرالك؟ أنت ماكنتش كده. -هي جت عليا يعني؟ ولا لازم الفضايح تتعملي؟ ما أعملها أنا مرة يمكن الحال يتصلح. -إنت أكيد اتجننت. تمكن منها أخيراً وجذبها لعنده مردداً: -وأنا مين جنني؟

مانـا كنت بعقلي. مش أنتي؟ بس يظهر أن العقل الزيادة غلط. الموضوع لازمه شوية جنان على شوية فضايح. عايزك بقا تصوتي وتلمي علينا الجيران وأنا بتهجم عليكي. يلا. إستشعر إرتجافها فرق قلبه وسأل بينما يمرر يده على خدها المستدير الذي يعشقه: -أنتي خايفة مني يا حوريه بجد ولا إيه؟ -إحنا اتطلقنا خلاص وأنا... قاطعها قائلاً بتأكيد: -أنتي لسه في عدتي وأنا عايز أرجعك قبل ما فرصتي تخلص. الشيخ قالنا كده. مش أنتي كنتي معايا وسمعتي بنفسك؟

-بس... -مابسش. أمك هي اللي مانعاني عنك. فقولت مابدهاش بقا. هي لازمها فضيحة عشان ترتجع. -أنت جبت الأفكار دي منين؟ عمر ما دي كانت دماغك ولا أفكارك. -من صالح. ثواني وابتسم ثم أكمل مستغرباً: -عمر دي ما كانت أفكاري؟! على أساس إنك كنتي واخدة بالك مني أصلاً؟! ده لولا عملة محمود كان زمانا لسه بينا بعد السما والأرض. ليزيد من ضمه لها ويقول بتصميم:

-بس أنتي خلاص بقيتي نصيبي وبتاعتي وهتفضلي بتاعتي مهما حصل. عايزك بقا تصوتي على قد ما تقدري. عشان أمك تسمعنا. ثم جذبها لعنده حتى تلاحمت أنفاسهم. بنظرة طويلة من العين للعين أعقبها فقدان التماسك وإنسحاب العقل. وردد بهمس: -وحشتيني. قالها قبلما يميل بهدوء شديد وتتناغم بشفتيه مع شفتيها التي لم ترفضه. وكان بعدم رفضها له ذ وحلاوة انفجرت بداخله أنعشت روحه بل أعادتها وأعادت له ثقته المسلوبة. حورية الآن معه غير رافضة.

باستشعاره تناغمها واستقبالها لقبلته ومبادرته نسى نفسه ونسى خطته وأين هو. لا يشعر بما يدور حوله ولا هي. رغم شعورها بيده التي ترفع عنها المنامة القطنية ذات الحمالة الواحدة لتقف بين ذراعيه دون شيء يحجبها عنه. وبصيص من صوت العقل يناديها لتهمس: -زيدان. ماما مش هنا.

لكن زيدان لم يكن ليسمع أو يدرك. فقد جاء حافظاً دون فهم لينفذ ما خططوا له. ولم يحسب حساب لعدم دخول والدتها عليهما في التو. وها هو يفقد ثباته وتركيزه أمام جمال حورية المهلك. رجل ومعه زوجته الحورية التي سهر الليالي يتمناها ويترقب إعادتها له قبل انتهاء العدة. وها هي أخيراً أصبحت بين ذراعيه. كيف سيتركها؟ بالتأكيد لن يقدر على المقاومة.

فكان جسده وقدميه كذلك روحه تهفو لأن يسقط معها على الفراش ويسكت صوت العقل والشوق والرغبة. سيسكتهم جميعاً ويتحدث هو معها. *** ذهبت محاولات المترجم في تبسيط الموقف سدى. تلك السيدة صعبة صعبة صعبة. ربما شقيقتها أقل منها خطراً في لذاعة اللسان. لكن والله إن نظراتها قاتلة. وكأن الرب قد أودع بعينيها ما انتقصه من لسانها. وراموس غير مهتم. غير بنظرات حبيبته المرتعبة. ولم ينتبه لأحد دونها. إلا بعدما وقفت فوزية

بتأن تردد واحدة واحدة: -يعني الجدع ده جاي عايز يتقدم لبنتنا؟ -آه. -آه؟! جاك أواا أما يأويك. -What?! هتف بها راموس متحفزاً بعدما انتبه لها بسبب تصرفها الملحوظ. ثم أردف مهدداً: -ترجم ما قالته حرفياً دون تلاعب. فقال رجل بنبرة باكية: -ماذا أخبرك سيدي؟ فما قالته ليس له ترجمة حرفية. لكن للحقيقة هي تسبني. تراجع راموس بغضبه بعض الشيء كونها لم تسبه هو. بينما أكملت فوزية:

-أنتو الاتنين عمالين بترطنوا كده تقولوا إيه في ليلتكم الي مش فايته دي؟ اقترب الرجل منها محذراً يقول: -اهدي يا ست فوزيه. ما يصحش كده. عيب. -عيب؟! عيب؟! هو انتو تعرفوا العيب بقا؟ جايبين تلات نساوين شحن في العربية ولا التلاجات وتقولوا أصل في واحد عايز يتجوز البت؟ -طب وفيها إيه بس يا ست؟ -فيها إننا مصريين يا حبيبي. وبناتنا مابتتجوزش برا. هو إحنا سالكين مع المصري في محاكم الأسرة؟ لما نروح نتجوز واحد يودينا محاكم بلده هو.

-احممم.... طيب يا ست فوزيه. شكلك لسه مش مقدرة الموقف الي واقف يخطب أيد بنت أختك ده ملك. -حصلنا الرعب يا حبيبي. اتسعت عينا الملك وهو لم يصله المعنى الواقعي لحديثها. لكن هزة رأسها ورقبتها الساخرة جعلته يفطن استهزائها الواضح به وبشخصه.

تنقلت عيناه بين تلك السيدة ذات اللسان السليط والسيدة الأخرى صاحبة النظرات القاتلة. وبين رنا. التي تجمع الاثنان يتذكر كيف كانت نظراتها تقتله من شراستها وقوتها. ربما كانت من أهم ما جذبه لها بخلاف لسانها الحاد الذي لم يكف عن السب والإعتراض. على ما يبدو أنها قد ورثتهم منهما. ليحاول التحدث قائلاً: -اسألها علام الاعتراض. حمحم الرجل بخوف وهو يلتفت نحو تلك السيدة الشرسة. ثم سألها. لتصفق بيديها غضباً وسخطاً بينما تهتف:

-هو البعيد بجح؟! انتو جايبين البكاسة والملاحة دي منين عشان تجيبونا لحد عندكم لأجل ما تطلبوا إيد بنتنا؟! ولا نكونش ساكنين في الشارع ولا على رجل جنابه نقش الحنة. ولا يكونش مستقل بينا، شوف يا ابني أنا مش هتكلم كتير، اللي عايزنا ييجي يدق بابنا، غير كده ماتلاقيش. فاهم كلامنا؟ الجدع ده وهتعرف تترجم له، ولا نجيب لكم انتوا الاتنين مترجم في ليلة أبوكوا المقتدرة دي. وقف الرجل مبهوت لا يسعفه الرد أو الصد أمام لسان تلك المرأة،

بينما تأهب جسد راموس وسأل: -هل ذكرت سيرة والدي الملك؟ -بتقول حاجة يا الدلعدي؟ ضرب الرجل وجهه بكفه، بينما سأل الملك: -What's the meaning of edlaady? -إحنا هنمشي ولا مش هنمشي في الليلة دي؟

اقترب الرجل من فوزيه وفوقية يحاول تهدئتهم والتحدث إليهما، بينما راموس يراقب رنا المتراجعة للخلف، لا تشترك نهائيًا في الحديث بعيونها الجميلة، خوف وهلع، تتحاشى تلاقي العين معه. فوقف من مكانه وأخذ يتقدم منها بخطوات متمهلة حتى وصل لعندها ووقف أمامها يحاول الحفاظ على مسافتها الخاصة بعدما تيقن من خوفها الذي قطعه. طالعها مبتسمًا ثم قال: -اشتقت لكي ولبسمتك الجميلة منذ مدة لم أراها. ألم تشتاقي لي؟

قوبل سؤاله بالصمت التام، بل كانت تنظر أرضًا متجنبة النظر لعينيه. -ارفعي رأسك. أمرها بصوت رخيم، لكنها لم تلبي، ليفعل من جديد ولكن قال: -ارفعي رأسك رنا.

رفعت رأسها على الفور متفاجئة من نطقه لاسمها الصحيح. كان لما فعله معنى كبير، مبهج وعميق. هو لم يناديها ميرورا كما فعل وهي جارية عنده. لم يطمس هويتها كما تعمدوا سابقًا. بل ناداها رنا معترفًا، ومعتزًا باسمها وكينونتها، يطلب منها أن ترفع رأسها على عكس ما كانوا يلزمون به الجواري. هي تتذكر جيدًا كيف كانت ستنشق لمجرد أنها لم تقف منحنية لشقيقة الملك.

هو يخبرها ببساطة شديدة قدر ما استطاع أنه لم يعد يراها جارية وأنها ما عادت جارية.

شقت ابتسامة خفيفة فمها الصغير، وكم كان لذلك وقعًا قاسيًا ومحزنًا على قلب الملك الذي لم يدرك بشاعة ما عاشته بمملكته إلا الآن، عندما تبسمت لمجرد اعترافه باسمها وعدم فرض هوية أخرى عليها. ما جرى نبه الملك على الحقيقة المرة، وهو أن الفتاة الوحيدة التي أحبها قد تعرف عليها في ظروف سيئة جدًا. والحقيقة الأمر هو أن ما عاشته في مملكته يعتبر أسوأ أيام حياتها على الإطلاق، ليعلم أن طريقه معها طويل طويل جدًا.

لكنه استدرك بهوت وجهه وحاول مجاراة الموقف، ليبادلها الابتسامة بأخرى، ثم مد يده كي يلتقط يدها ببراءة مفرطة لأول مرة بحياته، وهو يقول بحنان: -اشتقت لكي كثيرًا يا رنا ولم أطيق الابتعاد. ألم تشتاقي لي؟ لينتبه على صوت تلك السيدة وقد تدخلت: -ما نجيب بقا شجرة تضلل علينا واتنين لأمون... ايدك جنبك يا حبيبي... أنت موقف واحد يشاغلنا وجاي هنا تتلزق وتستفرد بالبت ليه؟ شايفها سايبة ولا مفكرنا داقين عصافير؟

بينما راموس يجاهد كي يخفي ابتسامته وهو يضحك على انفعالات هذه المرأة رغم عدم فهمه لكل كلامها، لكن ردود أفعالها تصيبه بالضحك وهو يرغب بالحفاظ على تجهم وجهه كنوع من أنواع الاعتراض على تماديها مع جلالته. لكنه غير قادر فضحك... وأسرع الرجل المترجم متدخلًا يقول: -ياستي أبوس إيدك ورجلك انتي ليه مش عايزة تدركي إنك واقفة قدام ملك. -الملك لله يا حبيبي وأنا الولا ده مش داخل دماغي. ضرب الرجل على رأسه يردد ببهوت: -الولا ده...

روحنا في داهية. -تروحها لوحدك الداهية دي، أنا ماحدش له سلطان عليا... قال ملك قال... إنهي ملك ده اللي يقف يزنق في البنات... بص أنا جبت آخري وأختي ضغطها واطي... وعظيم بيمين لا نكون ماشيين من هنا وقتي... مش عايزة أسيب عليكم لساني. لم يمكنه التماسك... لقد ضحك الملك بل انفجر... وقد فهم معظم كلامها وتهديدها أنها لم تتكلم وتخرج ما بجعبتها بعد. فقهقه عاليًا وقال: -كل هذا ولم تتحدث؟ هل كل نساء بلدتكم هكذا؟

كنت أظن أن رنا وحدها كذلك. ليهز الرجل رأسه قائلًا: -كلهن سيدي، كلهن... حتى أني أقسم لك أن تلك السيدة هي نسخة طبق الأصل من جدتي لأبي التي تعدت الخامسة والثمانون من عمرها، ما زال لسانها كما هو ويدها لا تكف عن ضرب مؤخرة عنقي. لقد فعلتها البارحة سيدي ولم تبالي بالمكانة العلمية التي قد وصلت لها، وحينما ذكرتها بمكانتي وقربت لها عيب يا جدتي، ذكرتني هي كيف كنت أتبول على قدمها...

تحفظ الأعداد والأرقام ومازالت تدير تجارة جدي وتعطي الأوامر للعمال. إنها رهيبة يا سيدي... النساء في بلدنا رهيبات. ضحك الملك على ما تفوه به من شدة ضغطه، بينما قالت فوقيه: -لو خلصتوا كركر مرمر اللي انتوا فيها دي، شوفوا لنا عربية توصلنا. الساعة عدت 11، عيب كده، خلوا عندكم شوية نخوة ولا مافيش؟ -بينها كده... مافيش... شكله مستقوي القلب بسلطته مفكرنا هنسكت... إيه قولك بقا يا أنا يا أنا في الليلة دي لما نشوف هنروح ولا لأ.

هز الرجل رأسه بيأس، يعلم تمام العلم أنها لن تصمت، وكذلك الملك الذي ضحك مبهورًا بتلك الشخصيات التي قابلها بتلك البلاد. انفلتت خيوط اللعبة من يده... لم يقدر على التماسك... فقد جاء لفصيحه ليتحول الأمر إلى شيء آخر. هي كانت الأنهى والأقوى لما انتبهت على وضعهما وانتبهت على استجابتها له. إلى هنا وكانت نقطة الحسم... وأدركت... هي لا تريد الانفصال عنه... عليها العودة له ولبيتها، فذلك أفضل بكثير من أن يدخل بها في بيت والدتها.

وانتفضت مبتعدة عنه وهي تستشعر خلعه لآخر قطعة قماش كانت ترتديها. ربما هنا فقط تنبه زيدان وخرج قليلًا من سحر النشوة العجيب ليدرك أنها بأحضان بعضهما مستجيبات دون ستار في الفراش، ولكن ببيت والدتها. بلل شفتيه وهو يلاحظ تمسكها بالملائة تحجب نفسها عنه وهي تنظر أرضًا، خجلًا من نفسها على استجابتها رغم وضعهم الراهن، ليقترب منها وهو يضع خصلة من شعرها الناري خلف أذنها، ثم يقبل وجنتها الساخنة بخفة قائلًا:

-ارجعي معايا يا حورية بيتنا... أنا عايزك ومحقوق لك... مش حلوة في حقك ولا حتى حقي لو عملنا كده هنا في بيت أمك... تعالي معايا ولو خايفة من أمك أنا هتصرف معاها. رفعت أنظارها له مترددة، فقال مهددًا يمازحها: -هتلبسي هدومك وترجعي معايا على بيتنا دلوقتي ولا أعمل عملتي معاكي دلوقتي وإحنا وضعنا حرج أصلًا. ضحكت بخفة، فقال: -ضحكت يعني قلبها مال... شوفتي عشانك زيدان بقا يغني. نظرت له بصمت فتشجع قائلًا:

-حورية هو أنا ما قولتكش قبل كده إني بحبك؟ -تؤ. -عشان حمار... تلاتة بالله العظيم أنا حمار... لا أنا تلات حمير في بعض... إزاي واحد يبقى معاه بنت حلوة وتهبل زيك كده ويطلقها بس والله أنا عملت كده عشان مابقاش جابرك عليا عشان لو رجعتي ترجعي بمزاجك بس أنا اللي. طربوش ومدب ومش بتصرف صح. ألقى كلامه دفعة واحدة دون ترتيب أو تزويق، وهي تناظره بابتسامة. فأضاف: -أنا بحبك يا حورية، بحبك قوي، وعمري ما هحب حد زيك.

ذابت في حلاوة اعترافه واتسعت ابتسامتها. فاقترب منها وهو يرى التقبل والرضا من اعترافه في عينيها. وكاد أن يقبلها، لكنها نفضته عنها وتقول: -ده بأمارة الورشة اللي بقت بتشغل بنات؟ -أنتي المقصودة يا حبيبة زيدان. ضحكت بخجل بعدما ناداها بحبيبة زيدان، في حين أكمل: -وبعدين مش عاجبك لميني؟ أنا كل فترة كده بحتاج للي يشكمني. تعالي معايا البيت واشكمي المعلم زيدان اللي مطوته معملة على وشوش ملايين. إيه رأيك؟ ضحكت تهز رأسها وقالت:

-موافقة. وصل للحي بتردد شديد، ولكن رسالة والده الحاج شداد كانت مقلقة. فترجل من سيارته الجديدة التي اشتراها من أرباح الفيديوهات، ثم دلف للداخل. ودق الباب لتفتح له رشا مستغربة: -محمود؟! -أبويا فين؟ بتعملي إيه عندنا؟ -جيت أساعد مرات عمي. -من إمتى حنيتكم دي؟ قاطعهم شداد الذي قابله بوجه متجهم:

-شرفت يا حبيبي، يا ألف بركة. ده أنت رقم تليفونك بقى مهم ومن الأسرار العظمى بقى. كل ده عشان أعرف أوصل لرقم تليفون ابني. مخبي نفسك ليه؟ -وأخبي نفسي ليه؟ -ده أنا بأمسك بقى. قلب محمود النظر بين والده ورشا، ثم قال: -جرى إيه يا حاج مش كده. فتأهب شداد يقول: -إيه مش عاجبك عشان عليت صوتي عليك؟ إيه قولك بقى إني هعمل الأكتر من كده؟ هتتصرف وتتكتف من إيديك ورجليك وتنحبس في أوضتك لحد ما تقول حقي برقبتي.

ثم اقترب منه بضربة كف مردداً: -ده عشان طمعت في شقة أخوك واستحليت شقاه. ناوله آخر وأكمل: -وده عشان اشتغلتنا كلنا وسافرت يوم فرحك. -وده عشان حورية، وده عشان أخوك اللي مارحمتوش. ثم بدأ يكيل له اللكمات وهو يقول: -وده عشان طلعت ديوث وواطي مش بتصون العرض والشرف. يا بن ميتين الكلب يا وسخ. أنا هربيك من أول وجديد وهتتحبس في أوضتك لحد ما تقول حقي برقبتي يا خسيس يا واطي.

صوت شداد كان عالي متزامن مع صراخ محمود المستجير بألم، وفردوس التي لا تستطيع التدخل، ورشا المصدومة بخوف شديد. فاجتمع سكان المنطقة أسفل بيت الحاج شداد يتداولون ما يجري، بينما زيدان غارق في اللذة مع حوريته لا يرى ولا يسمع. وبالليل عادت فوزية تساند شقيقتها ورنا يترجلن من السيارة الفارهة التي أقلتهم من عند السفارة للحي. ولاحظن تجمهر الناس حول بيت الحاج شداد. فأوقفت فوقية أحدهم تسأله: -في إيه هناك يا واد يا مجدي؟

إيه اللي جرى؟ -بيقولك الحاج شداد جايب محمود وعمله كمين وحالف لا يعلم الأدب. لتسحب فوزية نفس عميق وقالت بشماتة وصدر رحب: -على الله يعرف يربيه، يمهل ولا يهمل. ثم نظرت لشقيقتيها وقالت: -انتوا هتيجوا تباتوا معايا النهاردة، مش عايزة رفض. أنا مش حمل مناهدة.

أستجاب لها كل من فوقية ورنا وتحركت بعدما انتهى واختفى الصوت من عند منزل شداد وبدأ التجمهر ينفض. فصعدن كذلك للبيت وفتحت فوزية الباب لتتفاجأ بزيدان يخرج من غرفة وحيدتها وهو يغلق أزرار قميصه بينما يصفر مدندناً. ضربت على صدرها تقول: -ليه الي جايبك هنا بمنظرك ده وكنت بتعمل إيه جوا؟ هز كتفيه يقول ببرود: -أبداً. لاقيت حورية اتأخرت عندكم، قولت أعدي أخدها. مش كده يا حوريتي. -حوريتك؟!

لتصدم وهي ترى حورية تخرج من غرفتها وعيناها أرضاً. لكنها تحمل حقيبة ملابس كبيرة والجواب واضح. لتضحك فوقية، بينما هتفت فوزيه: -ضحك على عقلك ياختي، أكلك البالوعة؟ فعقب زيدان معترضاً: -بالوظة؟! بقا القمر ده يأكل بالوظة؟ ده يأكل مانجا، مهلبية، قشطة. -والله وزيدان بقى يعرف يتكلم. مال يحمل حقيبة حورية ثم قال:

-كان نفسنا نسهر معاكم، بس عندنا كلام كتير محتاجين نخلصه في البيت. سلام. ابقوا تعالوا زورونا، ممكن نفتح لكم عادي. سلام عليكم. يلا يا حوريتي. ثم سحب حورية معه، لكنها لم تتحرك وبقت واقفة كأنها تخشى والدتها. التي قالت: -مالك متخشبة في مكانك زي ما تكوني مستنية موافقتي مثلاً؟ ياختي ده أنتي لابسة ومحضرة شنطتك. روحي ماتتكسفيش روحي. الباب يفوت جمل. -جمل. مشكورين يا حماتي. سلام.

ثم أخذ حورية وغادر، وهو الآن فقط يستطيع التنفس بارتياح. وتقدمت فوزية تغلق خلفهم الباب. وما إن أغلقته حتى ضحكت معلقة: -ربنا يهدي سرهم.

بينما في القصر جلس راموس أمام الجهاز الذي سجل لقاءه برنا وأسرتها. يعيد مشاهدة ما دار بينهما، يوقف كل ثانية الفيديو يبحث ويستقصي عن المعنى الحقيقي لكل كلمة قيلت باللقاء. وهو يضحك ما إن يصل لشيء ما، ثم يعاود المشاهدة وهو يفكر في أيامه القادمة بعدما دخلوا حياته الملكية بطريقتهن تلك. على ما يبدو أن الأيام القادمة تحمل في طياتها الكثير من العجائب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...