وقفت أنجا أمام باب غرفة الطبيب الوسيم تسحب نفسًا عميقًا ثم دقت على الباب دقات متتابعة. وما أن أذن لها صوته الرخيم بالدخول حتى دلفت تبتسم بلطف شديد وهي تتفرس ملامحه الوسيمة بابتسامة عذبة ثم قالت: -كيف حال طبيبنا العظيم؟ -بخير سيدة أنجا.. زيارتك لي بمكتبي شرف كبير. ابتسمت أنجا بانتشاء وهي تطالعه وتستمع لطريقة تحدثه اللبقة، تشعر أنها أحسنت الاختيار. تقدمت إلى أن جلست على الكرسي المقابل لمكتبه ثم قالت:
-جئت لأسألك عن تلك الجارية المريضة... ما هو وضعها يا ترى؟ -أي جارية؟ -تلك الحسناء صاحبة البشرة البيضاء. عدّل الطبيب من وضع نظارته فوق عينيه ثم قال: -آه.. جارية الملك. ابتسمت أنجا وهي تبصر ارتباكه... لم تكن نظرتها خاطئة يومًا، وهي تراه يقم بالكشف عليها بعينيه نظرة رجل أعجب بفتاة. تغاضت أنجا عن جملته الأخيرة حين خصها بالانتساب للملك، وقالت عن عمد: -لا أعلم سيد "نيمار" لكني كلما نظرت لها كأنني أراك، يا إلهي!
بينكما تطابق رهيب في الشكل، فأنت أبيض البشرة ذو شعر أشقر مثلها... وعينان خضروتان. ابتسمت وهي تلاحظ تحرك تفاحة آدم الخاصة بالطبيب الوسيم، إذا هي بالفعل أحسنت الاختيار. وقفت عن مقعدها تسأل: -هممم.. لم تخبرني بحالتها. -ليست بخير، تحتاج لرعاية فائقة كما أن حالتها النفسية ليست جيدة إطلاقًا. التوى ثغر أنجا بابتسامة على جانبه ثم تقدمت عدة خطوات وقالت باهتمام واضح:
-لااا.. إن كان ذلك الوضع فأنا أطلب منك وبشكل رسمي أن تشرف على علاجها بل وتلازمها كذلك، فكما تعلم الحالة النفسية هي أهم شيء للعلاج. صمتت لثوانٍ ثم أكملت بمكر: -وبالتأكيد قد وصل لمسامعك محاولاتها الهرب والانتحار.. على ما يبدو أنها غير متقبلة لوضعها وحياتها هنا. دارت حوله وكأنها تحيك خيوطًا لأحدهم وأكملت متنهدة تتصنع الأسى حيالها:
-آآه.. أخشى أن تقدم على الانتحار مرة أخرى، أتعلم أنها فتاة حرة وتحولت بين رفّة عين وانتباهها إلى جارية.. الأمر صعب جدًا دكتور نيمار.. أنت تعلم. راقبت التعاطف والتوتر على ملامحه الوسيمة بابتسامة متسلية بينما يردد: -أعلم أعلم.. لكن... أعتقد أن الملك ي... قاطعته عن عمد مترددة:
-الملك يراها جارية يرغبها.. قل لها سيد نيمار وأسدي لها النصح بدلًا من تمردها الذي لن يفيدها.. فلتعطي للملك رغبته بها بعدها سيزهدها ويمل كما يمل الطفل من لعبة أعجبته ربما وقتهااااا... هاااه.. من يعلم.. ربما تركها وشأنها. تغضنت ملامح الطبيب بضيق شديد وقال: -سيدة أنجا... أنا هنا بصفتي طبيب وفقط، لا أعمل كأغا من الأغوات أو من فرد من الغلمان كي أجلس بجوار الجواري أقرب بينهم ومزاج أسيادهم.
جسدت أنجا علامات الذعر والتراجع على ملامحها بنجاح مبهر ثم قالت معتذرة: -أووه... أعتذر منك دكتور نيمار... كيف قلت ذلك... نعم أنت على حق.. معذرة. تقدمت منه خطوات ثم قالت: -فكرت فقط بأنك شخص مثقف مثلها، ربما يصبح هناك أي لغة حوار بينكما قد تفيدها في مأزقها هذا بدلًا من التفكير في الانتحار ... لكن لا عليك انس أي حديث تفوهت به ... معذرة. ثم خرجت من عنده سريعًا والابتسامة الخبيثة مجتمعة على جانب فمها رفيع الشفة.
في الغرفة الملكية اتكأت رنا على ظهر الفراش وهي تحاول مضغ الطعام بفمها، تغمض عينيها وتلتهمه في صمت والخدم من حولها يتابعونها. دلف الملك بخطى واثقة فانحنى الجميع ينظرون أرضًا. أشار الملك لهم بعينيه فانصرفوا على الفور ملبين أمره. شعرت بالتوتر وها قد عاد معها بمفرديهما. ظلت تنظر له بترقب وبدأت ترف بأهدابها من التوتر والملك يبتسم على هيئتها الطفولية التي مست قلبه. جلس لجوارها وقال: -كيف حال صغيرتي الآن؟ -أفضل بكثير.
صمتت لثوانٍ ثم سألت مباشرة دون مقدمات: -هل تنادي كل جواريك بصغيرتي؟! ابتسم بعذوبة ثم جاوب: -بالتأكيد لا. -لماذا؟ سحب نفسًا عميقًا ثم اقترب منها حتى بات أمام شفتيها، وضع خصلة من شعراتها الشقراء خلف أذنها ثم همس: -لا أعرف. تلعثمت تبلل شفتيها أمام عينيه التي تتفرسها بجوع زاد وهو يرى فعلتها بشفتيها، فلم يتمكن من السيطرة على ما يرغب واقترب يلثم شفتيها بقبلة بطيئة مثيرة. اقترابه منها كان الكارثة بعينها....
كان يقترب وهي تشعر بنواياه.. وضعت خصلة شاردة خلف أذنها وهي تشعر به يميل على ثغرها يقبله بعذوبة. توقف بها الزمن والشعور... قبلتها الأولى سلبت منها.. الغريب أنها لا تفهم ما تشعر به وتجربه. ربما ستفهم فيما بعد لا تعلم، لكن ما هي موقنة منه أنها لن تنسى تلك الرائحة الرجولية التي ملأت رئتيها. ونظرة عينه التي تقطر نشوة واستمتاع بعدما فصل قبلته القصيرة لثوانٍ ينظر إليها مبتسمًا وهو يستشعر عدم رفضها كالسابق.
وما أن أبصر وجهها المشرئب بالحمرة من الخجل حتى تلبسته رغبته وجذبها يقبلها بعمق من جديد. شعر بمقاومة منها ومحاولة إبعاده عنها، فغرس أصابعه في جذور شعرها يتمكن منها أكثر ويمنع ابتعادها... لقد تلابسته شياطين لا يعرفها ولا تعرفه من قبل... كأنه تحول إلى إنسان بوهيمي من أن يمسسها... وكأنه لأول مرة يرى أنثى!!! أخذت تضرب على صدره.... لقد نفذ الأكسجين من رئتيها وهي بحاجة للهواء... أي معتوه هذا؟! هل هو ملك...
إنه رجل بربري لا أكثر، تقسم بذلك. وأخيرًا عاد له رشده وأفاق من سكرته وهو ينظر لها يراها تجاهد في التقاط الهواء... كيف نسي أنها مريضة وكانت موصلة بخراطيم الأكسجين منذ ساعات فقط. شعر بفداحة فعلته وعودة جديدة لخوفها منه، حاول إيجاد صوته ثم قال بلا ترتيب وبدون كياسته المعهودة: -أرى أنك بحاجة للهواء.. ما رأيك في أن آخذك معي لأستنشاق الهواء في مكاني المفضل؟ انصرف من أمامها وذهب يطلب من الحراس تجهيز كل الترتيبات
وهو يسأل نفسه بغضب: -لماذا أبرر لها واللعنة.. أنا الملك. بينما هي في فراشها تضع يدها على عينيها تفكر فيما تفعل وما حدث. ربما هي بحاجة لترتيب أفكارها. دخل عليها الخدم ليساعدنها ومن بينهم سوتي التي نظرت لها باستغراب ثم سألت: -الملك أمرنا نغير لك لبسك... شيفاكي هادية فين تمردك وصوتك العالي. نظرت لها رنا بصمت تام، وجه خالٍ من التعبير ولم تتحدث. فاقتربت سوتي منها مرددة: -شنو يعني راح تتكبري علينا...
هااااه.. عندك حق ما أنتِ عاجبك الملك وهو كمان اللي بيسعى لك وكمان هتغيري لبس الجواري وتلبسي فستان اتعملك مخصوص وتطلعي في نزهة مع الملك.. بس مش عايزة إياكي تعيشي الوهم.. كتير قبلك كانوا في المكانة دي.. الملوك بيملوا بسرعة.. إحنا بالنسبة لهم مجرد تسالي... بلاش تخسري ولاء سوتي ليكي. نظرت لها رنا بجانب عينها ثم قالت بهدوء: -أرجو أنك تساعديني دلوقتي وبس.. مش عايزين نتأخر على الملك مش عايزين نعصبه علينا.
رفعت سوتي حاجبها الأيمن مستهجنة من تغيرها وشرعت تنفذ ما أمرت به، ورنا تترك جسدها لهم يحمموها ويغيروا لها ملابسها بعدما كانت رافضة رفضًا قاطعًا لكل ذلك.... ربما عليها تغيير بعض قوانينها ومبادئها إن أرادت البقاء على قيد الحياة والخروج من هنا. انتهوا من وضع ذلك الفستان الوردي الرائع على جسدها وبدأت مرحلة تمشيط الشعر والتعطير... ابتسمت رنا بحزن... يعتقدون أن صمتها تعالي وتكبر.
لا أحد يفهم أنها قررت الصمت مع مراقبة ودراسة ما يحدث من حولها... خرجت رنا على الملك الذي لم يجاهد في إخفاء الإعجاب الناطق بعينيه وهو يراها بكل هذا البهاء أمامه. ابتسمت هي الأخرى وتقدمت منه تشبك يدها في يده الممتدة لها بترحاب، وقد قررت أن القليل من الصمت والطواعية لن يضر. الصراخ والتمرد لم يجدوا معها بأي نفع بل أوشكا على إزهاق روحها.
نظرت للملك بصمت تام.. ربما على كل أم أن تعلم ابنتها كيف تتلون كالحرباء لتعيش وتحصل على كل ما تريد..... رنا الآن في طور التحول لحرباء.. كلام سوتي عن ملل الملوك لا يفارق أذنيها.. لن يحدث معها.. تقسم ألا تصبح لعبة في يد أحدهم حتى لو كان ملكًا لمملكة ممتدة على مد البصر. جالت عينا راموس على جسدها الغض الذي حكم قماش الفستان وزادها إغواء. إنها ناعمة حد الهلاك قد تصل به يومًا للجنون...
هو بالفعل قد شعر بتهوره حين مسها واقترب منها لأول مرة.. أحكم الغطاء الموضوع حول صدرها يخفي الفستان المكشوف ثم خرج بها باتجاه موكب الحرس الذي سيقوده للمكان المنشود. لمحت رنا أنجا تقف في شرفة وماديولا في شرفة أخرى كلها مطلة على حديقة القصر. سارت مع الملك لموكب سياراته وبعينيها نظرة موعودة غير مفهومة لا معنى لها سوى (ويلكم مني جميعًا) ***
خرج في الليل يهيم في الشوارع على وجهه، وبنهاية المطاف ساقته قدماه لذلك المقهى الذي اعتاد صديقه الجلوس عليه. تقدم بلا سلام أو كلام يجلس لجواره. نظر له صالح بصمت ثم صفق بيديه للصبي الذي تقدم يردد: -أوامر يا كبير. -شيشة المعلم يا حتة وهات له واحد عناب. انصرف الصبي يجهز الطلب فيما نظر صالح لزيدان يردد: -قول قول... شكل الكلام على وجع قلب. نظر له زيدان بتجهم ثم قال:
-وحياة أمك أنا ما ناقصني تريقتك ولا كلامك ده، عندك كلمة حلوة قولها مش عندك اسكت حبة أنا أصلاً مش عايز أتكلم. -لأ واضح.. أنت اتفتحت فيا زي البلاعة وتقولي مش عايز أتكلم. صمت صالح ثوانٍ وهو ينظر له بجانب عينه بينما يسحب أنفاسه من مبسم أرجيلته ثم قال: -ياما قولت لك.. اقطع عرق وسيح دم... هتفضل في وضع التسبيل ده لحد إمتى. كاد زيدان أن يرد لكنه تفاجأ بأحدهم يضع كرسي أمامهم مباشرة ويجلس مرددًا: -الكلاك على نسوان... أموت أنا.
نظرا لصديقهم الثالث والغائب دائمًا ثم قال صالح: -جلال باشا الزيات نزل من قصره وجه يقعد معانا على القهوة في مصر القديمة ده شرف عظيم والله. نظر له جلال بجانب عينه ثم قال: -مش هرد عليك... أنا مابردش على رجالة. -طول عمرك جاي في أي حاجة فيها حريم. -أنا كده فعلاً... الكلام على مين؟ نظر زيدان لصالح ولم يجيب كأنه لن يصرح، فقال صالح:
-لا ده إحنا بنتكلم في العموم يعني وبقوله إن للناس تحب الراجل الناشف المخلصاتي إلي ياخدها يرزعها بوسة تجيب لها ارتجاج. زم جلال شفتيه يتصنع التقزز ثم قال: -بيئة وجلف.. النسوان دول دلع وحنية وإحساسيس حلوة.. إيه اللي بتقولوا ده.. المزة من دول تيجي بهدية... بفسحة... بوكيه ورد شيك وتبقى جنتل مان معاها كده. أشاح صالح بيده يردد بقوة وتعصب: -هو إيه اللي دلع وجنيه وإيه يا أخويا ورد... طب بذمتك دي أشكال تشيل ورد؟
نظر جلال لهيئتهما الضخمة وملامحهم المتجهمة كرجل المذبح ثم ردد بيقين: -لأ. -يبقى تكتم قال ورد قال.. أهو ده اللي كان ناقص. مر الكثير وهو لا يزال لم يعد... وقفت في الشرفة تطلع للشارع.. تراقب المارة علها تراه من بينهم. دلف للداخل بعدما خاب أملها للمرة المئة. رغمًا عنها تذكرت رشا وطريقة حديثها اليوم، لا تعلم لم تشعر بالضيق من تصرفها. وقفت بلهفة دون أن تدري وهي تستمع للمفتاح يدور بباب الشقة.
تقدمت تنوي الاعتذار على جرح لم تقصده... باتت ترى أنه لا يستحق ما يقال عنه.. تنوي الحديث معه لكن... تخشى عصبيته، تتوقع بل هي شبه موقنة أن رد فعله سيكون عصبيًا غاضبًا.. زيدان بالأساس رجل صدامي، حاد الطبع متحفز دائمًا للعراك. ولكن...... اتسعت عيناها وهي تبصره يتقدم منها وبيده باقة ورد حمراء يحملها بيده. يتقدم منها بحرج وتردد... واضح أنه يفعل ذلك لأول مرة. حمحم بخشونة وفاجأها حين قال: -حقك عليا. صمتت برهبة... ماذا؟
هل هو من يعتذر لها. تقدمت منه تقول: -زيدان.. أنا اللي... لم يتركها تكمل جملتها وقاطعها يبتسم: -أول مرة أسمع اسمي حلو كده. بلل شفتيه ثم قال بمهادنة: -حورية.. أنا مش بخوف زي ما الكل فاكر.. يعني.. جربيني. كان يتحدث بحرج كما لو أنه مكسور العين... يتكلم بلا استحقاق أمام حورية المتفاجئة من حديثه. كادت أن تصرخ وتجيبه أنه على العكس تمامًا لكنه لم يترك فرصة كأنه يحفظ الكلام ويخشى أن ينساه فأكمل:
-إحنا مش كنا اتفقنا إننا نبدأ من الأول صح؟ هزت رأسها إيجابًا موافقة، فوضع يده بجيب بنطاله وأخرج منها علبة مخملية زرقاء صغيرة.. فتحها وأخرج منها محبس من الذهب وآخر من الفضة. نظر لها بترقب وسأل بعينين مهتزة: -موافقة؟ هزت رأسها إيجابًا تبتسم.. ارتجع صدره من شدة الفرحة... موافقتها على ارتداء خاتم خاص به تعني الكثير... تناول الخاتم في يد كي يلبسها إياه لكن قاطعه جرس الباب. نظرت له وقالت بحماس: -يالا.
-استني أشوف اللي على الباب الأول. هزت رأسها موافقة وذهب هو يفتح الباب ليبصر أمامه رجل طويل الجذع عريض المنكبين يرتدي بذلة رسمية فاخرة ورائحة عطره القوية عبأت جوانب البيت وعليه ابتسامة لبقة لا يراها إلا على وجوه الممثلين. نظر له زيدان بجهل وجبين مقضب يسأل: -أمر. -مش ده منزل آنسة حورية؟ تقدمت بعدما استمعت تردد اسمها لترى من هذا الذي يسأل عنها. تجهمت ملامحها وهي تردد باستغراب: -أستاذ عاصم؟؟!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!