ابتلعت فرحة ريقها بخوف وهي تنظر في عيون فهد الغاضبة. وجدته ينظر لها بغضب ويتناقل ببصره بينها وبين حمزة الواقف خلفها. كادت أن تتحدث، لكن حمزة سبقها وهو يتحدث بعفوية: "كيفك يا خوي، لساك واصل؟ اياك اتأخرت جوي." نظر له فهد بغضب مكتوم ولم يجبه، فقط جذب فرحة من يدها بعنف وراءه. مما جعل حمزة يتحدث بحدة وهو يلحقه: "استني يا فهد، جولي في إيه ومش بترد عليا ليه عاد."
كان يتحدث بالكثير، ولكن فهد تجاهله تمامًا. فقط تركه وذهب وهو ممسك بيد فرحة بقوة ألمتها. صعد أمام الجميع، مما جعلهم يستغربون تجاهله لهم وجذبه لفرحة بتلك الطريقة، وخاصًا يسرا التي كانت تنظر لهم بقلق. أما سلمي، فكانت تجلس وتضع قدمًا فوق الأخرى ببرود وتبتسم بشماتة وهي تتحدث بصوت خافت: "بالشفا يا فرحة." ثم نظرت لحورية وأكملت: "فاضل يسرا بس ويجي دورك يا هه اختي."
دخل فهد غرفته وأغلق الباب وراءه بقدمه ودفع فرحة إلى الأريكة بعنف. فتحدثت وهي تبكي بنحيب: "فهد، والله العظيم أنت فاهم غلط، صدقني مش اللي أنت بتفكر فيه. اسمعني بس وبعدين اعمل اللي أنت رايده." لم يجعلها تكمل حديثها، حيث أنه رفع يده وصفعها على وجهها بشدة مما جعلها تتألم. واقترب منها وهو يتحدث بغضب أعمى: "أنا مش جلتلك متقعديش في مكان هو موجود فيه؟ كنتو في المنضرة لحالكم بتعملو إيه؟ ليه بتعملي أكده؟ عايزة توصلي لإيه؟
فهميني." تحدثت فرحة بانهيار وهي تضع يدها على وجهها مكان الألم: "والله ما كنت أعرف إنه هيجي يا فهد، اسمعني للآخر. وحياة أغلى حاجة عندك أنا مظلومة." نظر لها فهد مطولًا وأغمض عينيه بعنف، فهو شعر بصدقها. فتح عينيه ثانيًا وتنفس بعمق ثم جلس بجانبها وهو يتحدث بحدة خفيفة: "اتحدتي، أنا سامعك. بس أوعاكي تكدبي عليا يا فرحة، عشان ساعتها مش ضامن حالي." هدأت فرحة قليلًا وظلت تتحدث بسرعة: "خيتك سلمي هي السبب، والله العظيم."
استغرب فهد، لكنه لم يقاطعها لتكمل وظل ينظر لها ليستشف ما إذا كانت تنطق بالصدق أم تكذب.
"أنا كنت قاعدة معاهم تحت مستنياك وكنت جلقانة عليك عشان اتأخرت. جاتلي سنية وجالتلي إن في واحدة رايداني في المنضرة. سبتها وروحت أشوف مين دي ورايدة إيه مني، ولما روحت ملجتش حد. وجيت آخرج لجيت حمزة داخل. اتخضيت جوي والله يا فهد ما كنت بفكر في حاجة ساعتها غير فيك. كنت خايفة تيجي وتشوفنا وتضايج. وحمزة ساعتها لجيتُه بيسألني أنا بعتُه ليه. واتصدمت أما جالي إني بعت سنية تشيعله عشان رايداه. وفهمت إنها لعبة من خيتك سلمي عشان تيجي وتشوفنا سوا وتكرهني أكتر."
واقتربت منه وأمسكت يده وأكملت ببكاء حاد: "والله يا فهد ده كل اللي حصل. بس أنا مروحتش هناك بخطري، صدقني. حتى اسألي سنية، ولو إني عارفة إنها هتكدب عشان خايفة من سلمي." ظل ينظر لها فهد مطولًا، فقلبه يخبره أنها صادقة، وخاصًا أن مظهرها كان يرق له القلب. تمنى لو يستطيع أن يطاوع قلبه ويأخذها بأحضانه ويخبرها أنه يصدقها، ولكن كرامته تأبى ذلك. سحب يده منها بهدوء وتوقف وهو عازم على اكتشاف الحقيقة التي ستظهر كل شيء. فتحدث بهدوء:
"جومي اغسلي وشك ويلا بينا ننزل تحت، وأنا هعرف بطريقتي إذا كنتي صادجة ولا كدابة." حركت فرحة رأسها بإيجاب وتركته ودخلت إلى الحمام. وخرجت بعد قليل ووجدت فهد يقترب منها، فخافت ورجعت للوراء خطوة، فقد تخيلت أنه سيضربها. وهو لاحظ ذلك، فلعن نفسه في سره لأنه جعلها تخشاه لهذه الدرجة. فتحدث بهدوء: "متخفيش، أنا بس هعدلك الحجاب."
حركت فرحة رأسها بإيجاب واستسلمت له وهو يهندم لها حجابها. وظلت تنظر إلى وجهه فقط ومستمتعة بلحظة قربه هذه ورائحة عطره التي باتت تعشقها وتشعرها بالأمان. فور أن انتهى، حتي نظر لها فوجدها تنظر له بشرود، فابتسم رغما عنه عليها وكان شبه متأكد أنها أصبحت تعشقه فعلًا مثلما قالت. فهي تنظر له نفس النظرة التي كان يطالعها بها دائمًا، ولكنها كانت تتجاهله. اقترب منها أكثر وتحدث بصوت عالٍ قليلًا:
"فرحة، أنا خلصت من بدري. أنتي هتفضلي مبحلقة فيا أكده كتير؟ فاقت من شرودها على حديثه وتوترت واحمرت وجنتاها خجلًا من حديثه، فقالت بخفوت: "آسفة." ابتعد فهد قليلًا وتحدث بتحذير: "فرحة، تفضلي قاعدة جاري ومتجوميش إلا لما أقولك. أنتي واعية لحديتي ولا لا؟ أجابته فرحة بتوتر: "حاضر والله."
وتحركت أمامه لتخرج، ولكنها تفاجأت به يتوقفها بصوته. فوقفت ونظرت له فوجدته يقترب منها ويشبك يده بيدها. فنظرت له وقلبها ينبض بعنف، ولكنه تجاهلها وأخذها وخرجوا وهو على وجهه شبح ابتسامة. فهو لاحظ نظراتها، لكنه تصنع الجمود، ولكن بداخله سعيد لأنها قريبة منه.
دخل مراد البيت ووجد الجميع يجلسون معًا باستثناء فهد وفرحة. ووقع نظره على حورية التي تجاهلته تمامًا، ولكنها لا تنكر أن قلبها نبض لأجله فور دخوله. اقترب مراد منها بعدما حيا الجميع وجلس بجوارها وهو يتحدث بخفوت: "وحشتيني." احمر وجهها من الخجل وحاولت تمالك نفسها أمامه وأجابته ببرود قاتل: "وده من امتى عاد؟ واقتربت منه وأكملت: "ياريت بلاش الطريقة دي يا مراد عشان خلاص معدتش تاكل معايا." استغرب مراد وتحدث وهو ينظر بعينيها:
"قصدك إيه بطريقتي دي يا حورية؟ وبعدين إحنا مش اتفقنا تديني فرصة؟ ابتسمت حورية بسخرية وأردفت: "قصدي انت فاهم زين يا واد عمي. وبالنسبة للفرصة، فأنا موعدتكش بحاجة من الأساس، وإلا كنت نفذت وعدي." واقتربت من وجهه بثقة وأكملت: "إني مش زيك كداب وخاين." نظر لها مراد بصدمة وتحدث بحزن: "بس أنا مخونتكيش يا حورية." أجابته هي بانفعال ودموع تلمع بعينيها:
"لا خنتني يا مراد، خنت ثقتي فيك. جلت لي إنك انت أماني وكنت أول واحد يتخلى عني. كنت حاسة إني مكشوفة وسطهم وأنا قاعدة جارك وحاسة إني جليلة. كنت محتاجاك تطمني وتجولي إنك معايا ومش هتهملني عشان مش شبهك ولا شبههم. بس انت جللت مني لما خليت واحدة تحضنك قدامي، خليتني أحس إني ولا حاجة." ثم مسحت دمعة هربت من عينيها وأكملت:
"وجلت لك إنك سندي وراجلي اللي بتحامي فيه، وكنت أول واحد يجرحني ويهيني قدام الخلق. كنت مستنياك والست دي بتجرحني وبتجرح كرامتي إنك تجفلها وتجولها إن دي مرتي ومتتحدتيش معاها أكده. بس للأسف خيبت أملي فيك. ودلوقتي طالما مكنتش الإنسان اللي أتمناه ويملا عيني، يبجى تطلقني بهدوء ومن غير مشاكل يا واد عمي، لأني معدتش رايداك."
مراد كان يستمع لحديثها وهو مغمض العينين، فقط يسمع ويشعر بكل كلمة كأنها سهم يصيب قلبه. تمنى لو يعود الزمن للوراء ليصلح ما أخفقه، ولكن للأسف. فتح عينيه اللتين لمعت بهما دموع الندم، وقام هو الآخر ووقف أمامها وتحدث بحدة خفيفة خلاف ما بداخله من بركان ثائر:
"اسمعيني كويس يا بنت عمي، أنا عارف إني غلطت وغلط كبير وعارف إن ثقتك فيا بقت معدومة وعارف إني أستاهل أي عقاب، بس كله إلا الطلاق. لأني مش هطلقك يا حورية، انتي مراتي ومش هتنازل عنك أبدًا. انتي فاهمة؟ أنا ما صدقت لقيتك ومش بالسهولة دي هتخلي عنك. ومتفكريش إن بعد كلامك ده هضعف وأطلقك، تبقي غلطانة. لأنك لسه متعرفنيش، وأنا هعرف إزاي أرجع ثقتك فيا تاني." وتركها ورحل.
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهها بعدما ذهب وشعرت بالسعادة لتمسكه بها بعدما قالت له ذلك الحديث القاسي. وابتسمت بخبث وهي تنوي على الكثير عقابًا له على ما اقترفه بحقها. وقاطع تفكيرها صوت فهد: "ومين جدك يا بوي بجي عندك بنته تاني كيف الجمر؟
نظرت سلمي بصدمة لفهد الذي يهبط الدرج محاوطًا فرحة بيديه وعلى وجهه ابتسامة جميلة. فشعرت بالحقد والغيظ وهي تراهم سويا، فقد توقعت أن فهد سوف يقتلها بسبب رؤيته لها مع حمزة أخاه بمفردهم. وظلت تفكر فيما حدث فوق غيرته هكذا. جلس فهد وبجانبه فرحة التي اتصدمت عندما وجدته يحاوطها بيديه ويضمها لصدره وهما جالسان. فاخجلت كثيرًا من فعلته تلك أمام عائلتهم. أما عرفان، فابتسم فور أن رآهم هكذا وحمد الله في سره على رؤيتهم سعداء.
كانت فرحة تنظر لسلمي بغيظ بسبب ذلك الفخ الذي أوقعتها فيه وظلت تتوعد لها بالكثير. وعاودت النظر ليسرا التي كانت تسألها بعينيها عما حدث منذ قليل. فأجابتها فرحة وهي تلوي فمها وتنظر تجاه سلمي وكأنها تخبرها أن تلك الحية هي السبب. ففهمت يسرا وشهقت بخفوت مما قد حدث بسبب سلمي. وقاطع نظراتهم لبعض فهد الذي تحدث لفرحة بصوت عالٍ نسبيًا: "بجولك يا فروحتي، جومي اعمليلنا عصير من يدك الحلوة دي."
ابتسمت فرحة بخجل من حديثه وبداخلها شعرت بالاستغراب. فكيف يطلب منها وهما بالأعلى أن تظل بجانبه ولا تتركه، والآن يطلب منها أن تحضر عصيرًا؟ قامت بهدوء وتركتهم ودخلت. وبعد قليل، قامت سلمي هي الأخرى بهدوء، مما جعل فهد يبتسم بسخرية. فهو خطته تدور مثلما رسمها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!