الفصل 9 | من 34 فصل

رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل التاسع 9 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
20
كلمة
7,867
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

أنصدمت في ذلك الجسد الصلب، فكادت أن تقع، ولكن يده كانت الأسرع لتمسك بها. سرعان ما استقامت فوراً، بقلب ينبض للحياة. تسارعت دقات قلبها، بلعت ريقها بخوف. رائحة ذلك العطر الذي توغل وسكن قلبها. تذكرت تلك الرائحة جيداً. أغمضت عيناها بألم. استدارت ببطء شديد وخوف وتوتر في آن واحد. اتسعت عيناها عندما لم تجد أحداً. لمع الدمع في عينيها الجميلتين. أغمضت عيناها بأنين الألم والوجع. ومن ثم تمتمت في ذاتها:

"إيه يا لمار، ده مجرد عطر عادي، أي حد ممكن يحطه. لا بس لمسته، لما انخبطت في كتفه اللمسة دي مش غريبة عليا." ليخبرها عقلها: "فوقي بقى من أوهامك دي، كفاية عذاب، مفيش حاجة بترجع زي ما كانت أبداً." استدارت صاعدة سيارتها، وانطلقت بسرعة فائقة. أما هذا المجهول، هرول فوراً بعيداً عنها، حتى لا تراه. اختبأ خلف أحد الحوائط، واستند بجسده عليه، وهو يتأملها. لا شك أن قلبه تحطم، ولا شك أن روحه عانقت روحها. فهل وصل لها سلامه؟

ظل متأملاً لها، حتى غابت عن نظره. استدار مغادراً، حتى صعد الطائرة. ليجلس على مقعده وهو يحرر أزرار قميصه ويجلس بإريحيه. لمح صورة لمار، على ذلك الهاتف. فنظر بطرف عينه للجالسة بجواره، تهبط دموعها وهي تتطلع للصورة. ظل هو الآخر يتطلع للصورة باشتياق، حتى أقلعت الطائرة. ارتجفت أواصرها.. وصرخة بخوف مع ارتفاعها. سرعان ما تمسكت به وهي مغمضة العينين. تأملها جيداً، تأمل عيناها المغمضتان، رقة عاطفتها. ظل يتأمل بها بهيام.

فتحت عيناها، لتتلاقي مع عيناه القاتلة، التي أذابتها. تسارعت دقات قلبها بقوة، وشعرت بالخجل. نظرت ليدها الممسكة بيده. رفعتها ببطء وخجل شديد وهي تقول ببراءة: "آسفة، مكنتش أقصد." رأت بؤرة عيناه تتحول كالجحيم. ابتعلت ريقها بخوف، وأبعدت نظرها عنه. تعمدت عدم النظر إليه. فغلبتها عيناها، فخطفت نظرات إليه وإلى جسده الرياضي وعيناه القاتلة وشعره المصفف بحرافية. عضلات جسده، بذلته السوداء. رفعت الموبايل وتأملت صورة

لمار وهي تتمتم في ذاتها: "ليه مجيتيش، كان نفسي أشوفك، وحشتيني." أم هو كاد أن ينفجر بجوارها، وهو يرى صورة معشوقة فؤاده ونصفه الآخر بين يديه. فماذا تفعل معها؟ ومن تكون؟ وما تريد؟ لمار وجدت نفسها لا إرادياً أمام مقابر الشرقاوي. هبطت من سيارتها بألم وملامح يكسوها الوجع والعذاب. تطلعت بالمقابر بنظرات ثابتة، واطالة النظر. أغلقت عينيها وتوجهت للدخول للمقابر. بخطوات بطيئة جداً

وتشاور ذاتها: "أدخل أم لا". قدماها كأن أصابهما شلل، فكانتا غير قادرتين على التخطي إلا بمجهود عظيم منها. توقفت أمام الباب. كورت قبضة يدها بغضب ولكمت الجدار بجوارها وهي تقول بغضب: "لا لا مش هستسلم دلوقتي، مش هدخل، مش هزوركم. وعدت نفسي مش هجي غير لما آخد بتاركم وقرب أووووي." "كبتت الدمع

بعينيها بصعوبة وأكملت: مستحيل أبكي، مش بنت عز الدين اللي تبكي قبل ما تحقق هدفها، وهحققه يعني هحققه. مسمحتش لدمعي ينزل يوم ما شفتهم بيندبحوا قدامي، فمستحيل أنزله دلوقتي." رفعت عيناها لمقبرة والدها وقالت: "بنتك بقت زي ما وعدتك قوية وصلبة، بقي الكل بيعملي ألف حساب. هدفعهم التمن غالي كلهم، وهريح قلبك، وهعرف مين كان السبب في موتك، مش جون." (قالتها عندما تذكرت جملة اللواء سليم) طالت النظر، ومن ثم استدارت وتوجهت حيث عملها.

*** يتحدثون بينما هي شارده في من عشقه القلب. اشتاقت لصوته، وطافت ابتسامته الجذابة ذاكرتها، وشردت في ملامح وجهه. لم تشعر ولم تسمع تلك التي تناديها: "ريم يا ريم، سرحانة في إيه؟ ولكن أين هي في دنيا الأحلام الوجع، في دنيا معشوق الفؤاد، الذي عيناها لا ترى سواه. كلما أغمضت عيناها رأته. فاقت لوقعها على هزة قوية من هالة وهي تصيح: "ررررريم! ريم بزعر: "في إيه بس، مين مات؟ تعالى صوت ضحكاتهم (هالة وبسنت) . فقالت هالة وهي تحاول

كبت ضحكاتها على زعرها: "محدش مات، يخرب بيتك، شارده في إيه ومش معانا." كادت أن تجيبها، فقطعها طرق على الباب. توجهت هالة لفتحه وهي تلوي فمها، فقالت بقلق عندما رأت الغضب يحتل ويسكن ملامحه: "أحمد، ادخل مالك، في إيه؟ دلف أحمد للداخل دون كلمة، وعيناه ثابتة بها الجحيم والغضب. تسارعت أنفاسها وازدادت دقات قلبها وهي تستمع لخطوات حذاءه. دلف للداخل ونظر لها مطولاً بنظرات ثابتة.

ارتجفت أواصرها وهي ترى غضبه الهالك، فهذه أول مرة تراه بهذا الغضب القوي. نظرت إليه بخوف. بسنت نظرت إليهم، فعلمت أنهم يريدون التحدث، فخرجت مغلقة الباب خلفها لتلهو مع عمرو وهالة بفرحة من قلبها الذي وجد ملجأه.

أطال الصمت بينهم، وألتقى أعينهم ببعضهما. ابتلعت ريقها الجاف بخوف، بينما رأته يقترب وصوت حذائه فقط من يعلو بالغرفة. وقف أمامها فتبخر غضبه. عيناها أهلكته. أنها تلك العيون التي غرق بها، ولم ينجو، فأصبح أسير لهما. جلس على قدميه أمامها وأطال النظر إليها وهو يتأملها بهدوء ليرى العشق بعينيها. ساد الصمت بغرابة، إلا من دقات قلبهما التي تدق بصوت عالٍ. حاول التحدث ولكن لم يعرف كيف يجمع الكلمات التي تاهت أمام عينيها، وذلك الشعر الحريري الذي صفن به ووجهها المستدير. قال بجهد

في الكلام بنبرة هادئة: "تتجوزيني." وضم يدها ليحتضنهما بين يديه. شعرت وكأنها بحلم جميل صعب المنال. لمعت دموع الفرحة بعينيها. سرعان ما تبدلت لأننين الوجع والألم، وهي تظن أن لا يمكنها أن تفرح أو تشعر بسعادة، وكأنها ارتكبت خطأ صعب الغفران. أطالت الصمت، فعاود سؤاله: "تتجوزيني يا ريم؟ فتحت عينيها بمحاولة لكبت دموعها، فلم تستطع، فهبطت مسرعة دون توقف. أرادت أن تحتضنه وأن تضمه لتشعر بالأمان، فهو الوحيد من يشعر قلبها بالأمان.

نظرت بثبات كاذب وقالت بحب: "حبيتك وأنت أول وآخر واحد أحبه، وقلبي مفيهوش حد غيرك. حبيتك وعرفت معنى كلمة حب، حبيتك رغم إني حاولت محبكش، بس اللي بيحب حد لازم يضحي عشان سعادته، وأنت سعادتك مع واحدة أحسن مني. وأنا هفضل أحبك وهتفضل روح قلبي، هتفضل الحضن اللي نفسي أستخبى فيه من الدنيا والناس." (تعالى صوت بكائها)

"حبيت رجولتك النادرة في زمانا ده، وحبيت خوفك عليا، وغلاستك واهتمامك بيا. والله أنت الوحيد اللي قدر يخرجني من كل اللي أنا فيه من بعد لمار. بس أنا انكتب عليا أبعد عنك وأعيش وحيدة بين أربع حيطان في سجن مقفول هو قلبي عشان حبك." (شورت على قلبها ببكاء حارق وتابعت)

"حبك حبك وهيفضل طول عمره حزين مشتاق لضمة منك تشعره بالأمان، لصوتك ليحتويه، لكلماتك عشان تصبرني، لإيدك عشان تمسكني وتخرجني للنور. هعيش حياتي في عذاب ووجع وقهر وكسرة من شوقي وحنيني واشتياقي ليك. هعيش على أمل ربنا يجمعني بيك يوم القيامة، هعيش على أمل أن أنساك، وعارفة إني مش هنسـاك. هعيش في أوضة حالكة السواد بين أربع حيطان وهكون مشتاقة أطلع للنور."

وضعت يدها على وجهها، ببكاء مزق قلبه وحطمه لأشلاء ودموعه هبطت. فكيف تظن به ذلك؟ كيف تظن أنه لاجل قدميها، وأنها لا تمشي سيتركها؟ كيف لها أن تظن أن يوجد جسد يفارق الروح ويبقى حياً؟ كيف تظن أنه يمكن أن يبعد عنها لحظة واحدة؟ لماذا لم تعلم أنه سيكون لها تلك القدمين التي تمشي بهما؟ أنه سيضعها بعينه لترى العالم بهما؟ كيف تظن أنه غير مستعد ليعطيها قدمه دون تفكير؟

مسح الدمع المتساقط من عينه، أبعد يدها ورفع وجهها، واحتضنه برفق قائلاً بصدق: "أنا أهوووه، أنا الحضن اللي مستحيل يبعد عنك. أنا اللي هشيل أوجاعك وهمومك وهحطها بقلبي وهبدلك السعادة بس. إزاي تفكري إني ممكن أسيبك عشان رجلك يا عبيطة؟ أنا هحطك في قلبي وهكون رجلك اللي تمشي بيها. مستحيل أتخلى عنك." ابتسم بمرح وقال:

"عايز أحقق أحلامي معاكي أنتِ وبس. هطبخلك أنا كل يوم قبل ما أنزل على الشغل وهحاول أفضي نفسي عشان أقعد معاكي أكتر وقت ممكن. هشيلك بين إيديا وهوريكي العالم كله وأدور بيكي لأي مكان عايزة تروحيه. عايزك أم عيالي وتجيبيلي عيال كتير شبهك حلوين كده. أنا رجلك يا ريم اللي همشي بيهم." استمعت إليه بفرحة وسعادة لا توصف وقلبها يترنم فرحاً. سرعان ما صاحت به:

"بس أنا منكتبليش أحلم، أنا انكتبلي الحزن والوجع والعذاب. بس الأيام والمواقف حرمتني أحلم. أنا الحزن والألم والوجع والعذاب عشقني عشان كده مش سيبني وساكن ومالك قلبي. السعادة والأفراح بيني وبينه حجاب مستحيل يتشال. أنا مبقتش أعرف يعني إيه الفرحة. مش عشان رجلي يا أحمد، مش عشان إني مشلولة، فيه سبب تاني لو عرفته مستحيل تتجوزني." اتسعت عيناه بصدمة، فما هو ذاك الشيء؟ "امال طيب؟ أجابته ببكاء وحرقة قلب:

"لو عرفت هتبعد عني. مش عايزة أخسرك ولا تبعد عني ولا تحرمني من شوفتك! أحمد بسخرية: "أبعد إيه؟ وبصدق وهو يحتضن وجهها وينظر لعيناها بعمق: "أنا دايب فيكي؟ قلبي ملكك لوحدك. ونبي قولي فيه إيه تاني مخبياه عليا؟ مش هسيبك أبداً، اطمني! هبط الدمع يشق طريقه على وجهها. أخفضت رأسها أرضاً وقالت بأنين محمل بعذاب الكون: "مسألتش نفسك قبل كده ليه أهلي رموني وكانوا عايزين يقتلوني؟

لأني أنا مش بنت. أنا في حد اغتصبني وأنا راجعة من الشغل." رفع عيناه بغضب جامح وظل ثابت لبعض الوقت حتى استقام مغادراً الغرفة. رفعت عيناها وظلت تبكي بهستيريا، فدلت هالة وبسنت وعانقها بقلق يهشم قلبيهما عليها. ظلت تبكي حتى رددت:

"مشي يا هالة، وقفيه قوليلوا كان غصب عني، مش ذنبي والله ما ذنبي. أنا بس كنت راجعة من شغلي وركبت تاكسي خدني حتة مقطوعة ولقيت شابين تانيين هجموا عليا. للأسف طلعوا أصحاب الشغل عشان رفضته يتجوزني. أنا حاولت والله حاولت أبعد وضربتهم، بس ضربوني لما فقت." صرخت بوجع: "كانوا واخدين روحي، بس هو عادها. قوليلوا يرجع." انصدمت هالة وبسنت ونظرا إليها بعيون مليئة بالدموع، فكيف تحملت ذلك. تابعت بألم وكأنها تخرج وجع قلبها كي يستريح:

"أهلي سبوني ورموني عشان كلام الناس. عارفين كنت هموت كافرة ورميت نفسي تحت عربية، بس شوفوا اتشليت، بس ممتش. ممتش ليه؟ ليه أعيش في العذاب ده." وضعت هالة سبابتها على فمها لمنعها للكلام وضمتها بقوة: "كل ده حاصل وإنتي محكتليش، كل الوقت ده كاتمة في قلبك عشان كده دايماً شارده وفي دنيا لوحدك، ليه كدا ليه."

لحظة وهي تبكي بهستيريا وببكاء ممزق للقلب، فالدنيا غدرت بها غدر شديد وما ذنبها، ولكن رب الأرباب عوضه قريب وجميل وسيأتي على الأكيد دنيا وأخرى. استمعت لصوت خطواته مرة أخرى، رفعت عيناها إليه بأمل وفرحة، واندهاش من الجميع. تقدم إليها دون كلمة وحملها وغادر تحت دهشتها ودهشة الفتيات اللاتي أسرعوا خلفها. ظلت أنه تركها ولن يعود؟ ظنت أنه سيعاقبها لذنب ليس لها دخل فيه؟ ظنت أنه تركها؟

لكنها لا تعلم أنه ولج قلبها دون استئذان ليهديه الحب والعشق والسعادة؟ لم تدري أن أتى ليبدل حزنها سعادة؟ وأنه ولج قلبها ليملئه سعادة الكون؟ وأنه سيكون العوض من الله، وأن تلك الدموع ستنتهي على الأكيد. خرج بها بثبات وهو لا يعير كلماتها وصراخها أي اهتمام. فتح باب سيارته، وأجلسها برفق وأغلق الباب فوراً، ولم يجيب على كلماتها وصراخها. لحقت به هالة أمام نافذة السيارة وانحنت عليه فقالت بغضب: "أحمد، بتعمل إيه؟ وخدها على فين؟

لمار لو عرفت... قاطعها بنظرة حادة، بها الهلاك. أشعل سيارته وانطلق بعيداً. ظلت تبكي بحرقة وخوف وهي ترى غضبه، حتى وقف فجأة. كادت أن تصطدم رأسها، فوضع يده يمنعها وهو يسندها. ابتعد عنها وهو محتضن وجهها ليهدأ، وهي تبكي بحرقة بجواره، فصاح فجأة: "بس بقا، كفاية عياط! ارتجفت من صوته فكتمت صوت شهقاتها، ودموعها تهبط بغزارة وهي تنظر إليه. رفع يده ومسح دمعاتها، ونظر لعينها وقال بحب وبحة رجولية مميزة: "ممكن مشوفش دموعك دي تاني؟

إنتي مش عارفة هي بتعمل فيا إيه؟ دي بتقتلني! عارفة يعني إيه؟ لما بشوف دموعك ببقى مش مركز في أي حاجة، غير في طعنات قلبي اللي بتصرخ." رجع خصلات شعرها خلف أذنها وهو يبتسم لها بحب وتأمل وشرد بها. حتى قالت هي بتساؤل: "وخدني على فين؟ فأجاب سريعاً: "خايفة؟ فهزت رأسها بـ"لا". ابتسم لها بحب وحنان وأشعل سيارته وغادر، وظل طول الطريق يخطف لها النظرات.

توقفت السيارة، فهبط متقدماً نحوها وحملها برفق وحنان، وهي مستمتعة بذلك. وضعت يدها حول رقبته وهي تتأمله. شعر بشرودها به فقال مازحاً: "إيه حلو لدرجة؟ فأجابت كالمتغيبة: "جداً وحنين جداً." ابتسم بحب وقال مصنعاً الغضب: "اقفلي أم بوقك ومتبتسميش ولا تضحكي." تعالى صوت ضحكاتها، على غيرته الواضحة.

كان يخطي بها لداخل مكاناً ما، وكل من به ينظر إليها ويتهمس، ومنهم من يحسدها. خبأت وجهها بكتفه، وهي تخبئ عيناها عن العالم، حتى سمعت لصوت شاباً يقول: "أحمد بيه، تعال اتفضل، وكله اترتب زي ما حضرتك طلبت." ليجيبه بتلقائية ونبرة حادة لم تعتادها: "تمام. اياك حد يجي." قال مؤكداً: "أكيد يا فندم، متقلقش." هبط بها الدرج، رفعت عيناها لتنظر له، عندما شعرت أن لا يوجد أحد وهمست بإذنه: "أحمد، أنت واخدني فين؟

ابتلع ريقه بصعوبة ليتحكم بذاته، وهو يستمع لاسمه، يترنم برقة من فيهِ. نظر إليها برقة وأشار لها بعينه. شعرت بالنور فجأة. نظرت حولها، وإذا بها بمكان لم يكن تتخيله بأحلامها. نظرت للمياه التي تحيطهم بفرحة تلمع بعينيها. دارت عيناها المكان. فهمس بحب: "عجبك؟ فقالت بهمس ورقة: "جداً. إيه المكان ده؟ فقال وهو يضعها برفق على ذلك المقعد الذي تحوطه المياه: "لما بحب أهرب من نفسي، ومن العالم، وأكون مخنوق، باجي هنا. المكان ده بتاعي."

ابتسمت بفرحة لأنه شاركها مكانه المخصص الذي لا أحد يعرفه. جلس بجوارها قليلاً، وطال الصمت بينهما إلا من نظراتهم المتعلقة بعشق، وضربات قلبها التي تزداد من الحين للآخر. استدار بوجهه وضغط على "زر" بجواره، فانفتح ذلك السد، الفاصل بين المياه والمقعد، وتحرك بهم ذلك المقعد يجوب المياه ولونها الساحر وهواء المميز وهدوئها الخلاب. شعرت بتحرك ذلك المقعد وهو يدور بهم، حتى تمسكت بيده بزعر وهي تنظر حولها. لم يستطع منع ابتسامته،

ضغط على يدها: "متخافيش، أنا جنبك." يا الله من تلك الكلمة، التي تبث لقلبها الأمان، وتشعرها بأنها في عالم الأحلام، مع فارسها الذي تمنته دائماً. فهل سيدوم ذلك الحب أم سينتهي؟ في رحلة لا عودة؟ ابتسمت بعشق وهي تتأمله بهدوء، فقال: "جبتك هنا في مكان هادي عشان تحكي براحتك وتهدي كده، وتكون أول لحظتنا، وأول بداية لطريقنا، في أكتر مكان بحبه وبستريح فيه، ومبقاش مكاني بس، دا بقا مكاننا من أول ما حبيتك."

نظرت للأرض بحزن، والفرحة التي بوجهها تلاشت تماماً، فقالت بدمع مهدد بالنزول: "أحمد، أنت سمعتني بدري أنا قولت إيه؟ "قولتي إيه؟ قالها بعصبية، فرفعت عيناها إليه وقالت بدمع يلمع بالعين: "أحمد، أنا... قطعها باحتضان يدها، واستدارته لها، وقال: "إنتي إيه؟ إنتي حبيبتي، وأم عيالي، ومراتي إن شاء الله." نظرت إليه وقالت بتمني: "ياريت!!! يبدو أنك مسمعتش كويس أنا قولت إيه؟ يا أحمد أنا مش ليك! ضغط على يدها بتملك، واقترب

منها وقال بعشق يملأ القلب: "ليا وملكي، وسمعتك بدري قولتي إيه، ولمار حكتلي كل حاجة. وأنا عايزك، عايزك أنتِ وبس، واللي حصل قدر ومكتوب، والحمد لله كلهم خدوا جزاهم، وبشكر مليون مرة الفتاة المقنعة عشان جابتلك حقك، دي جبّارة." رفع يده وقبلها بحب ونظر بعمق لعينها: "مش هتجوز غيرك أبداً، وقلبي ملكك أنتِ وبس. وميهمنيش الماضي، دا فات وانتهى. اللي يهمني دلوقتي أنتِ وبس وسعادتك."

رفع يده من على الطاولة التي أمامه "فقد كانت دائرية محيطة بالأريكة وتتوسطها طاولة داكنة اللون" وأخذ علبة صغيرة فتحها، وجذب الخاتم برفق. مسك يدها وآتي أن يلبسها إياه، حتى أبعدت يدها سريعاً. وهي تقول: "لا... مسك يدها مرة أخرى غصباً عنها، ووضع بها الخاتم بابتسامته الرجولية وقال: "مش بأخد إذنك على فكرة. إنتي هتكوني مراتي وأم عيالي."

امتلأت عينيها بالدموع، وابتسمت بصدق. شعرت بالتوقف، فوقف هو وحملها برفق، وخطي بها لتلك الحديقة الخيالية المليئة بالورود والأزهار ذات الألوان المتعددة. خطي بها، وجالت عيناها المكان بفرحة لا تصدق وبفرحة عارمة. *** لمار بمكتبها تراجع وتدرس باهتمام ذلك الملف. استمعت لطرق الباب، فأذنت للطارق بالولوج. رفعت عيناها وابتسمت ابتسامة صافية. فقال عم عبده وهو يضع القهوة: "القهوة بتاعتك يا بنتي." أفردت قائلة:

"تسلم إيدك يا عم عبده، شكراً." عم عبده: "العفو يا بنتي، لو عزتي أي حاجة قوليلي." "حاضر، لو عايزة حاجة هقولك." غادر وعادت هي لتتابع عملها باهتمام دقيق، وهي مستندة بذراعيها على المكتب. رفعت القهوة لترتشف منها القليل ووضعتها، حتى استمعت لطرق الباب مرة أخرى. رفعت عيناها وكادت أن تجيب، حتى دلف فهد مسرعاً ووجهه لا يبشر بالخير: "الحق يا لمار، أدهم." انقبض قلبها، ونهضت بخضة: "ماله أدهم؟ في إيه؟ فرد بتلقائية:

"أدهم في حد أطلق عليه رصاص من شوية وهو حالياً في المستشفى." توقف قلبها لوهلة. أتخسر أحد آخر؟ ما بها تلك الحياة أخذت منها الأحبة وها هي تعاود أخذهم؟ انقبض قلبها وتوقف عن الخفقان. نظرت إليه بعيون خائفة وقالت بوهن وتلعثم: "هو كويس؟ هو فين؟ رد مسرعاً وهو يهرول للخارج: "تعالي معايا."

ذهبت خلفه، بقلق وخوف وقدمها تسير بهم بجهد عظيم، فشعرت أنها شلت عن الحركة. صعدت السيارة بجواره، وانطلق بها مسرعاً، حتى وصل إلى المشفي. أخذها لغرفته، و وقفا بالانتظار. أخذت الطرق ذهاباً وإياباً بتوتر وارتباك وقلق وخوف. حاولت كبت دموعها بمهارة، وتجاهد أن تبقى ثابتة، وقلبها تحطم وتمزق إرباً. وفهد واقف بثبات يقرأ معالم وجهها وحركتها ليعرف ما بقلبها. حتى استدارت إليه وقالت: "حصل امتى كل ده ومين اللي ضرب عليه؟ ارتبك

بخوف وهو يقول بارتباك: "أصل هو... أنجده من هلاكه، صوت الدكتور وهو يقول: "إنت تبع المريض؟ أجاب فوراً: "آيوة." فتقدمت لمار وقالت بقلق ينهش قلبها: "هو كويس؟ سرعان ما أغمضت عيناها، خوفاً من أن تسمع ما لا تطيقه. فقال: "حالته حرجة وخسر دم كتير." قطع كلامه عندما دفعته بقوة، وهرولت للداخل، بخوف يحتل قلبها. وجدت بعض الممرضات، فصاحت بهم بغضب هالك: "برا... انصاعوا إليها وهرولوا للخارج بخوف.

جذبت إحدى المقاعد وجلست بجواره وهي تحتضن يده بين يديها، وتتأمل وجهه بحب، وعيون لمع بها الدمع. نظرت لدماءه المغلفة ملابسه ووجعها قلبها وانقبض قبضه شديدة. شعرت أن روحها تكاد أن تخرج منها. قالت بدموع: "أدهم حبيبي قوم عشاني، متستسلمش! والله ما هرحم أي حد كان سبب رقدتك كده. رد عليا بقى؟ أنا مش متعودة أشوفك كده! فين أدهم اللي كان دايماً يزعقلي؟ فين عصبيتك؟

ورغم كل ده كنت بشوف حنية لا مثيل لها في عينيك. متستسلمش يا حبيبي واوعي تسبني لوحدي، ممكن أموت. مش هستحمل فراق حد تاني، قلبي مش هيستحمل فراق." قطع كلامها ولوج الدكتور وهو يشير لها: "اخرجي لو سمحتي، إنتي كده بتعطلينا." نهضت رمقته بنظرة حب مطولة، واستدارت لتغادر، ولكن تركت قلبها لأجله. خرجت من الغرفة وجلست بإهمال على أقرب مقعد، فقدميها لم تعد تحملها.

اختلس فهد بعد النظرات إليها، وجد الدمع متحجر بعينيها الحادتين التي لا تليق بهما الدموع. شعر بتأنيب الضمير وهو يراها لأول مرة ضعيفة هكذا. مر بعد الوقت، وخرج الطبيب وطمأنهم عليه. شعرت أن روحها رودت إليها. أغمضت عينيها بحمد، ونهضت مسرعة لأقرب مرحاض، أسرعت للمياه وهي تنثرها بقوة على وجهها مرة تلو الأخرى، حتى استقامت ونظرت لذاتها بالمِرآة، وحادثت ذاتها:

"ياااه اتغيرت أووي، حاسة إني مش عارفة نفسي، مش أنا نفس الطفلة اللي كانت حياتها غير دي، دي مش حياتي." وخرجت مسرعة حتى لا تتذكر ما هي به من أحزان وهموم وأوجاع وروحها المحطمة، وكي لا ترى معانات ذاتها. بينما فهد ولج للغرفة بصراخ: "أنا إزاي أسمعلك وأعمل كدا بسببك؟ لمار بقت ضعيفة. أنا لوهلة حسيت نفسي مش عارفها، مش هي دي لمار البنت الصلبة اللي محدش يهزها، ياخي دي كأنها جبل وانهد. ياريتني ما بعتك في أم التمثيلية البايخة دي."

أدهم اعتدل: "اهدأ بس خلاص، أنا وصلت للي عايزه. المهم إنها متعرفش حاجة." انفتح الباب على مصرعيه بقوة جعلته ينكسر. نظر أحمد بصدمة هو وفهد ولجمتهم الصدمة. صَفقت لمار بحرارة وهي تقترب منهم: "تمثيلية حلوة ما شاء الله." اقتربت من أدهم الذي وقف سريعاً وهربت الكلمات من فيهِ. هوت على وجهه بصفعة تلو الأخرى. أما فهد خرج تاركاً لهم الغرفة. جذبته بقوة من ياقة قميصه ورمقته بنظرات نارية كادت أن تحرقه:

"مبحبكش وهتدفع التمن غالي على عملتك." ودفعته بعيداً وخطت بثبات للخارج. سرعان ما ركض خلفها ولحق بها، وأمسك يدها بإحكام. ونظر لعيناها بعمق: "بتكدبي عليا ولا على نفسك؟ متاكد إنك بتحبيني زي ما بحبك." نظرت إليه بحب وأبعدت عينها عنه، حتى لا يفشي أمرها وتفضحها عيناها: "مش بحبك." أمسك وجهها ونظر بعينيها مطولاً وهمس: "بتحبيني."

أومأت مؤكدة ذلك وهي ترى انهلاك قلبها على يديه، ودلف عشقه لحصون قلبها المتين. شعرت بالنار تصهر قلبها فقربه المهلك وتسارعت دقات قلبها وهي تنظر لعيناها، حتى فاقوا من عشقهم على صوت فهد: "إنتوا هنا بتحبوا في بعض، وأنا بموت من الخوف منك؟ تعالى صوت ضحكاتها. أدهم بغيظ: "امشي من وشي يا هادم اللذات." اقترب منهم بمرح وقال بزعل وحزن مصطنع، وهو يلكم أدهم بخفة على كتفه:

"بقا كده يا خاين تاخدني لحم وترميني عضم، أروح فين أنا وابنك اللي في بطني؟ تعالى صوت ضحكاتها من قلبها لأول مرة. جاءتها السعادة على أمل أن تتغير حياتها وأن ذلك "الأدهم" هو العوض الذي سينسيها ما مرت به. ولكنها لا تدري أنه سيهديها التعاسة والوجع ويأخذ ما تبقى من روحها ويرحل. ركض أدهم خلف فهد الذي انطلق فوراً ضاحكاً. جذب لمار من يدها وهو ممسكها بتملك فقالت: "أدهم يلا نرجع المكتب، فيه ملف لازم أدرسه كويس." فرد بتلقائية:

"عارف، خطف الأطفال! مش كده؟ ردت سريعاً: "آيوة." فأجاب: "يلا ندرسها مع بعض." ذهبا سوياً لمكتبها وظلا يدرسون الملف باهتمام حتى قالت بتساؤل: "أدهم، أنت عملت إيه في قضيتك؟ مسكت كامل؟ فرد بتهكم محمل بالغضب: "لا، فلت مني بس هجيبه." أشارت له ومن ثم تابعت عملها حتى دوى هاتفها بالنغمة المحببة لقلبها ونهضت بفرحة مبتعدة وهي ترفع الهاتف: "حبيب ماما، وحشتني." "لو وحشتك كنتي جيتي شوفتيني؟ قالها إياد بتذمر. فردت بحب:

"يا حبيبي عندي شغل مهم وقضية طالع عيني فيها، أخلصها وأفضالك عمري كله." إياد بحزن: "يا ماما، إنتي بتوحشيني." فردت بصدق: "والله أنت بتوحشني أكتر، بس هانت وهنبقى سوا قريب. يلا هقفل دلوقتي، ولما يجي بابا قولوا يكلمني؟ إياد: "حاضر، سلام." وجدت مكالمة فيديو فردت بغضب وهي ترى ذلك الوجه، الذي وضع مسحيق كـ "الجوكر". ضحكت بشدة وهي تقول: "شكلي وحشتك عشان ترن." فرد قائلاً بضحكة ساخرة:

"أبداً، بس حبيت أطمن عليكي وأشوفك، أصلك مش باينة على الشاشة ليكي فترة." فردت بخبث: "متقلقش، قريب أوووي هنتقابل، دا وعد. عد مني دلوقتي، أيامك لأنها قربت تخلص." وأغلقت ثم ألقت بالهاتف من يدها بغضب بغير اكتراث. خلصت مع أدهم العمل، وأوصلها للمنزل. بالسيارة جاءت أن تهبط فمسك يدها قائلاً بهمس أذب قلبها: "هتوحشيني." ابتسمت بخجل وجذبت يدها برفق وقالت: "خلي بالك من نفسك." أدهم بابتسامة عاشقة: "حاضر." كادت أن تهبط فاستدارت

قائلة بتزمر طفولي: "مش هتقول خلي بالك من نفسك زي ما قولتلك؟ حرك رأسه نافياً. فاغتاظت بحده: "عن ما تقول." وجاءت أن تهبط فمسك يدها جعلها تعود مرة أخرى لمكانها: "طب حتى اسأل ليه؟ ردت بتهكم وبسمة ساخرة: "ليه؟ فردد بهمس وهو يتأملها: "لأني دي مهمتي أنا، إني أخلي بالي منك." نظرت بحب وقالت: "أنا ماشية، تصبح على خير." فأجاب: "وإنتي من أهلي."

تتبعها بعينه حتى غابت عن نظره، فقاد سيارته إلى منزله، وما إن دلف للداخل قبل والدته من جبينها وقبل يد والده وجلس جوارهم. فقالت هدى بلهفة مشتاقة: "بتشوف لمار؟ هي كويسة؟ ابتسم بحب لها وقال: "هي كويسة والله يا أمي، وقريب هجيبها ومش هتفرقك أبداً." ردت وهي تتمنى أن ما تشعر به حقيقة: "يعني قصدك إيه؟ نهض بثبات وهمس: "هتبقي مرات ابنك قريب." وتركها في دهشتها وولج غرفته. ابتسمت هدى بسعادة لا توصف ظاهرة بملامح وجهها.

نظرت لزوجها وقالت: "سمعت قال إيه؟ فرد بفرحة: "آيوة، عشقهم لبعض ملهوش حدود من يوم ما شافها وابنك واقع." *** لمار ولجت فوجدت أحمد والفتيات يتهامسون ويضحكون فقالت بمرح: "بتضحكوا على إيه؟ ضحكوني معاكم." سلمت على الجميع. وبعد ذلك قال "أحمد" بتوتر: "أنا عايز أقولك حاجة." أشارت له باهتمام ليكمل فقال: "عايز أتـجوز ريم، بحبها." وجد عيناها تتحول للجحيم فنهض بخوف وقال:

"أهدأ بس، أنا قصدي بقول إني ماشي، الوقت اتأخر، حب إيه وكلام فاضي إيه." تعالى صوت ضحكات الفتيات. أما ريم نظرت إليه بغضب فهمس لها: "معلش، أصلك متعرفيهاش لما بتتحول." رمقته لمار بغضب، وقالت بغرور قدم فوق الأخرى: "اقعد." انصاع لها، فقالت بغضب: "هو حد يجي يتقدم لحد من غير ميعاد؟ ولا هي بوابة من غير بواب؟ وبعدين تعالى هنا، هي ملهاش كبير تستأذنه قبل ما تاخدها وتخرج؟ أحمد بتلعثم: "مين قالك؟

فنظر بتوعد للبنات، الذين حركوا رؤوسهم بـ"لا". فقالت لمار: "يلا يا يلا، اه من هنا، عندنا سفر الصبح بدري." رد بمشاكسة: "إيه ده، بتطرديني؟ شغل وكمات سفر، شكلي مش هتجوز." تعالى صوت ضحكات لمار فردت بحب: "تخلص المهمة دي وأجوزكم." اقترب منها بسعادة الأطفال وقال: "قولي والله، طب احلفي، أخيراً؟ نظرت له لمار وهي تلوي فمها بسخرية وهمست لريم: "متأكدة إنك عايزة المجنون ده." رأت الحمرة تكتسي ملامحها. فأجاب هو:

"دي ديبة فيا، حتى هي اللي اتقدمتلي وطلبت إيدي." رمقته ريم بنظرة نارية. فصاحت لمار به: "مفيش جواز، ويلا بقا هوّينا." أحمد وهو يلوح بيده: "لا، أهوو ماشي يا أختي." تقدم خطوات وعاد مرة أخرى بمرح وقال لريم: "هتوحشيني." قذفته بالوسادة التي بجوارها وقالت "لمار": "قدامي كدا يا حيوان، طب وربنا لنفخك في التدريب." أحمد وهو يغادر: "لا يا أختي، الطيب أحسن." وغادر بفرحة وضحكة من صميم قلبه على هزارهم.

بعد المحادثات بينهم، هالة وضعت الطعام برفقة بسنت، وأكلوا جميعاً. لمار ولجت غرفة "عمرو"، قبلته بحب، وذهبت لغرفتها. جلست بحيرة وهي تفكر، في قضيتها. يعني إيه خطف أطفال؟ يعني إيه يسرقوا أعضاءهم وبعد كده يرموهم؟ إزاي قدروا يقتلوا أرواح بريئة بالشكل ده؟ دي كفاية ابتساماتهم وضحكهم؟ يعني إيه يحرقوا قلوب الأمهات والآباء على أبنائهم؟ جالهم قلب يعملوا كده إزاي؟ لا دول أكيد معندهمش قلب أصلاً؟ وعشان إيه؟ عشان فلوس.

كنت مستندة برأسي على الأريكة، رفعت رأسي وأغمضت عيني بألم، وسرعان ما هبط الدمع يشق طريقه على وجنتيها كالشلالات، وهي تقسم بداخلها أنها ستنتقم من كل شخص كان له يد في ذلك. زفرت بضيق، أزاحت دموعها سريعاً، عندما استمعت لطرق الباب. ولجت بسنت بابتسامة وهي تقول: "إنتي صاحية؟ انعدلت "لمار" وهي تقول: "أه يا حبيبتي، تعالي." جلست بجوارها وهي تقول: "هنسافر بكرة الساعة كام؟ همست بتعب: "لا يا حبيبتي، إحنا هنسافر، إنتي لا! بسنت:

"ليه بقا، ده شغلي؟ لمار: "محدش قال غير كدا؛ خفي الأول وابقي أحسن." بسنت ابتسمت بوجع: "حاضر." لمار ربتت على كتفها وهي ترى الوجع والكسرة بعينها: "إنتي كويسة؟ فردت ببكاء حارق وكأنها كانت منتظرة تلك الكلمة لتنفجر:

"لاااا، أنا مش كويسة، هو وحشني، أنا مش تعبانة جسدياً، أنا تعبانة من فراقه، تعبانة عشان هو وحشني ونفسي أشوفه، ونفسي أطمن عليه، قلقانة عليه وعايزة أعرف طب هو كل ولا لا، بردان ولا حران، طب مفتكرني وبيشتقلي زيي ولا لا، عايزة أسمع بس صوته، وحشنييي اوي يا لمار." ضمتها لمار برفق فهي تعلم جيداً وجع الفراق ووجع القلب ووجع فراق الأيام. هبطت دموعها سرعان ما أزاحتهم سريعاً وقالت وهي تمسد على خصلاتها: "ابكي، ابكي."

ظلت بسنت تبكي حتى غفت على كتفها، وكأن هي فقط من تزيح همومها عنها. فالجميع يرمي حمولته وأثقاله عليها ولا يدرون ما بقلبها، وكيف لها تتحمل كل ذلك. لا بد أن كثرة الوجع جعلتها لا تشعر بشيء. دثرتها جيداً، وخرجت من الغرفة. دقائق وعادت وبيدها فنجان قهوة، ترتشف به. وقفت أمام النافذة نظرت للنجوم وهمست بهدوء ودموع متحجرة:

"وحشتوني أووووي، وحشتني يا بابا. وااااه يا أمي، من بعدك مش لاقية حد أشكي له همي. ليه سبتي بنتك للهموم ولدنيا تجبني وتوديني زي ما هي عايزة؟ ليه يا ماما؟

ياررررب أنا مش قريبة منك أه، بس إنت عارف إني عمري ما جيت على حد وديما بنصر المظلوم، ديما بقف سند مع الكل، وإنت عارف إني مليش حد، فمتتخلش عني. اديني الصبر واقويني عشان أقدر أكمل الطريق، يارب ده طريق صعب أوووي، يارب اديني الصبر لحد ما أجيب حقهم، وأنا متأكدة إنك هتخدلي حقهم برضو. يارب أنت عالم إني وحيدة في الدنيا وإني أضعف ما يكون على وجه الأرض، بس أنا قوية بيك إنت وبس، إنت بس اللي ليا، وحشوني أوي يارب. أنا مش عارفة هو تمني الموت صح ولا لا، بس أمنيتي الوحيدة، إنك تأخد روحي شهيدة وترزقني منزلة الشهداء. يارب وحدك عارف إني مش برضه بظلم ولا بخاف من الموت وإني راضية بكل حاجة. ألهمني الصبر يارب وساعدني، دول أطفال بريئة، خليني أرجع قلبهم وكن معي."

أشرقت شمس صباح اليوم التالي ولكنها لم تشرق على قلب "لمار" فما كانت الشمس أن تشرق حتى كانت هي مجهزة شنطتها وجهزت نفسها. دوى صوت هاتفها معلناً عن مكالمة من "ابني" حتى أشرقت ابتسامتها على وجهها وهي تقول: "حبيبي، صاحي بدري ليه؟ إياد بنبرة زعل: "كنتي هتمشي من غير ما تودعيني؟ ولولا بابا زيد ما قالي مكنتش هعرف." لمار بضحكة: "حبيب ماما زعلان منها؟ إياد بطفولة: "لا، أنا مش بقدر أزعل من ماما حبيبتي." لمار بحب:

"إنت اللي حبيبي وروح قلبي." إياد: "إنتي هتسافري دلوقتي يا أميرتي." وعلى تلك الجملة تلاشت ابتسامتها وهي تتذكر تلك الكلمة وذلك الآخر الذي رحل وشردت بوجع وهي ترى وجهه أمامها وتلك الكلمة تخرج من فمها كأنغومة عشق. كانت تلك الطفلة جالسة وتشاهد التلفاز حتى جاءها صوت ذلك الشاب الذي يدلف من الخارج: "وأميرتي صاحية بدري ليه؟ كشرت بطفولة وهي تعقد فمها: "وانت مالك؟ فصاح وهو يركض إليها ويحملها: "بقا كدا...

دفشها "بحمام السباحة" وهو يضحك بقوة. خرجت وهي تشتعل غضباً وظلت تضرب به بشدة حتى احتضنها وشل حركتها بمهارة وهو يقول: "واو، أميرتي الصغيرة بقيت تتعلم بسرعة وبقيت أشطر مني." رفعت رجلها بغضب سرعان ما هوت على رجله بركلة قوية وهي تركض للداخل. تأوه بألم وهو يمسك رجله سرعان ما ركض خلفها. انصدمت بأحد ما. رفعت عينها لتجد والدها: "بابا، يا بابا الحق ابنك عايز يضربني." حملها برفق وقال بسخرية: "ابني برضه؟ ولا إنتي اللي ضربتيه؟

نظرت له ببراءة وهي تجول بعينيها على أخيها فقال بتوعد: "ماشي، ماشي." نزلها برفق فقال: "همشي أنا عشان طلبوني في المديرية، وإنتي تدربي مع أخوكي؟ فقالت بفرحة: "يسسس." فقال هو بضحكة: "يلا يا أميرتي المجنونة." فاقت لواقعها على هزة بسنت فحركت يدها بـ "مفيش حاجة". وخرجت من الغرفة وهي تقول: "إيوووود، مين قالك الكلمة دي؟ إياد: "أنا افتكرتك نمتي. كلمة إيه؟ لمار: "أميرتي." إياد: "محدش قلي، إنتي أميرتي فعلاً." لمار:

"حبيبي متقولهاش ليا تاني." أجاب بحزن: "ليه؟ إنتي محبتيش الاسم ده؟ فردت: "لاااا، يلا سلام عشان اتأخرت." واغلقت سريعاً وهي تزفر بوجع. رأت ريم شارده بضيق ودموعها تهبط بغزارة. هلعت إليها بخوف: "ريم مالك؟ بتعيطي ليه؟ فأجابت ببكاء: "حاسة إن أحمد هيحصله حاجة." فأجابت لتطمئنها: "وأنا معاه، مفيش حاجة ممكن تحصله." مسحت لها دموعها.

ساندتها لتجلس على كرسيها وخرجت بها. وجدت هالة قد أعدت لها الطعام، فرفضت وتحت إصرار الفتيات أكلت. جاء أحمد واتوا أن يخرجوا حتى أوقفها صوت عمرو الذي احتضنها بشدة وهو يقبلها بعمق ويقول لها: "هتوحشيني، متغيبيش وتعالي بسرعة." مررت يدها على وجهه وقالت بابتسامة هادئة: "حاضر." خرجوا الفتيات ودعوا لمار، وودع أحمد ريم بمصافحتها فقط. هالة جاءت أن تجذب المقعد وترحل بها، فشعر أنها تسحب قلبه من جذوره، وتشد روحه. فجذب المقعد:

"لحظة بس." أومأت برأسها وتركته. نظرت إليه ريم بعيون بها الدمع. جلس أحمد مقابل لها ومسك يدها وبدمع قال: "مش عارف هرجع ولا لا، بس لو مرجعتش تأكدي إني بحبك ومستحيل كنت هحب غيرك، وعايزك لو جرالي حاجة متنسنيش لحظة وادعيلي، وابقي زوريني ومتوقفيش حياتك، هااا." احتضن وجهها وهو يمسح لها دموعها. فضمته بقوة وهي ممسكة بجاكته وتقول: "متروحش، حاسة إن فيه حاجة هتحصل، متبعدش عني، متسبنيش." انخلع قلبه لفعلتها وبكائها.

أبعدها عنه برفق وقال: "هرجع، هرجع عشانك وعشان أعوضك، ادعيلي." وذهب بعيداً عنها حتى لا ينهار أمامها وقلبه منقبض بقوة. ترك يدها وظلت يدها تشاور له أن يرجع ويمسكها وهي تبكي حتى جاءتها هالة وبسنت لتهدئها. كأنها تعلم أنها رحلة لا عودة. فتلك الروح العاشقة تشعر بنصفها الآخر. ذلك الخفقان الذي ينبض بنار مشتعلة تصهر القلب تخبرها أن هناك أمراً ما. رأت الفراق وهو يذهب تمزق قلبه. ألا يكفي أنها وجدته أخيراً ليرحل؟

وكم الفراق قاسٍ على قلوب المحبين. تودع الحبيب المسافر الذي سيأخذ القلب معه. ذلك القلب الذي نبض فقط بوجوده، ويأخذ الروح التي أحياها بنفسه، ليترك خلفه قلباً لم يعد قلبه يخفق ونبضه توقف. هل سيعود؟ أم أنه سيذهب في رحلة لا عودة؟ تلك الغصة التي احتلت قلبها جعلتها مؤكدة أن هناك شيئاً سيحدث. بعد ساعات وصلت "لمار" برفقة أحمد وأدهم.

بذهب لمنزل أهل أحمد الذين رحبوا بها بشدة لمعرفتهم السابقة بها. وظلت لمار تخطط في أي مكان ممكن يتم الاختطاف. وباليوم التالي تجمعت مع أحمد وأدهم وقالت له: "أحمد، عايزة أروح المركز." أحمد: "تعالي نروح، مفيش مانع، بس ليه حابة تروحي؟ إحنا لسه معرفناش حاجة." فردت بمكر: "لاااا، دي تصفية حساب." فقال أدهم: "هنروح دلوقتي." لمار: "أيوة." استأذنت من جد "أحمد" ورحلت معه. ركبا سيارة أجرة تحتوي على عدد لا بأس به. وصمت الصمت بينهما.

أدهم ويفكر فيما تفكر وتخطط لمار ولا يدري ماذا تنوي فعله؟ وأحمد قلق لما تخفيه هي بقلبها وخائف عليها بشدة. هو يعلم أن تلك المهمة سرية جداً حتى أنهم جاءوا على أساس قضاء عطلة، هذا ما أخبروا الجميع به. ورغم أن تلك المهمة بينهم فقط، إلا أن القلق ينهش قلبه عليها!!!

أم هي كانت تنظر من النافذة التي بجوارها بشرود غريب. فاستدارت أمامها. سرعان ما امتلك الغضب عيناها، وكورت قبضة يدها بعصبية. اتسعت عيناها التي تحولت للجحيم المميت، وتهجمت ملامحها بشدة وغضب لا مثيل لها. شعر "أحمد" بها فابتلع ريقه بخوف وهو لا يدري ما بها. لا بد أن هناك ما رأته لتغضب هكذا. من ينظر لعيناها لمات مكانة من حدتها. نظرت في مرآة السائق وهي ترمقه بالنار وقالت بحده وصوت جهوري مميت: "أوقف."

نظر لسائق لعيناها فأصابه الفزع من هول كم الهائل من الغضب. فوقف مسرعاً. استقامت بحده وفتحت باب السيارة بغضب حتى كاد ينكسر وسرعان ما جذبت ذلك الشاب من ياقة قميصه وألقته أرضاً بقوة و…… يا ترى ما سبب غضب لمار لهذا الحد؟ من ذلك الشاب وماذا ستفعل به لمار؟ ما المخبأ لها في تلك القضية؟ هل هي الخيط الذي سيصلها لقاتل والديها؟ أم أن تلك القضية وعصبيتها ستكلفها الكثير لتخسر شخصاً كان يعتبرها والدته؟

ما مصير أحمد من تلك العملية التي سيواجهها؟ هل قلق ريم مؤكد أم لا؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...