لم يكن السيد إدوارد دي فلور بحاجة إلى القوة الجسدية ليفرض إرادته على قصره الواسع. فقد فهم منذ شبابه، من أروقة بلاط الدوقية القديمة، أن السلطة الأذكى لا تمارس بالصراخ، بل بأن يستسلم لك الخصم وهو يظن أنه ما زال يملك اختياره. وعندما ظهرت آثار عطر الأثير، الذي ابتكرته راما دي فلور، في أرجاء قصره، لم يعترض السيد، ولم يواجه، بل ترك الخدم يغترفون من عبيره، ويشربون من عبقه، ويتبعون أثره كفئران مهرولين خلف قطعة جبن.
لكنه، بخبث أرستقراطي نادر، حصل على قنينة من العطر ذاته. ومع أنه أدرك خطورته، فقد استهواه أن يروّض الأداة ذاتها التي صنعها غيره. استدعى العطار العجوز فلوران، الذي كان يعرف أسرار العطور القديمة المنسية، وأمره بتحوير تركيبة الأثير. لم يغير السيد في العطر سوى مقدار ضئيل جداً —قطرات مضاعفة من "فيتيسيا المرقّطة" ممزوجة بنقطة واحدة من زيت "سيليكا الظلال" المقطر ثلاث مرات.
ثم أضاف لمسته الخاصة: قطرة من مستخلص "إيلينورا الغامقة". هذه الإضافة لم تغير الرائحة، بل غيرت ما بعد الرائحة. لم تعد الأثير تمنح المستنشقين خدرًا لذيذًا وسلطانًا خفيًا، بل صنعت أثرًا عكسيًا. "تجرد النفس من نزقها… وتجعلها تبحث عن وليّ جديد تدين له بالخضوع." دون أن تدرك راما، بدأ السيد في توزيع هذه النسخة المحرفة من عطر الأثير بنفسه دون إعلان.
في البداية، أمر بأن يرش بها أغطية الأسرة، ثم الستائر الثقيلة، ثم مسكات الأبواب الخشبية. شيئًا فشيئًا، بات العطر في القصر كله. وأغرب ما في الأمر، أن الخدم الذين اعتادوا الانجذاب نحو راما، صاروا —بلا وعي —يتحلقون حول السيد. في الممرات، إذا مر بهم، اتسعت عيونهم، وارتجفت شفاههم، كأنهم رأوا سيدًا آخر، وتلهفت نفوسهم نحو مرآه.
حتى في أماكن الاستراحة، راح بعض الخدم يتحدثون عن السيد بنبرة مزيج من الخوف والافتتان. "كأن صوته يريحك… كأن حضوره وحده يُسكن قلبك." حتى لو نهرهم، أو سخر من تقصيرهم، كانوا يزدادون تعلقًا، كأن الإهانة نفسها تحمل رائحة خفية. بهدوء، بدأ السيد في تعمد الظهور أكثر. لم يكن يجلس طويلاً في جناحه كما اعتاد، صار ينزل إلى الرواق، يمر ببطء بين طاولات الخدم أثناء تناولهم طعامهم. ينحني أحدهم… ثم آخر… ثم يصمت الجميع لمجرد مروره.
أما راما، فلاحظت أن الخدم لم يعودوا يستشيرونها كما قبل، ولا يبتسمون تلقائيًا لرؤيتها، بل صارت حركاتهم أمامها أقرب إلى المجاملة الثقيلة العادية. بدأت راما تشعر بشيء يتبدد، لكنها لم تفهم. ما لم تكن تعرفه أن ملكية الخدم انتقلت —تمامًا —إلى السيد. فالنسخة الجديدة من عطر الأثير، جعلت العقول تبحث، لا شعوريًا، عن منبع القرار، وقد تجرع السيد ترياقه، وأدار اللعبة لصالحه.
حتى أن لارينا، كبيرة الخدم الصارمة، كانت أول من رضخ. لم تكن تلتفت لكلام راما كثيراً بعد الآن، وتفضل انتظار أوامر السيد، الذي كان —بدهاء —يدعوها إلى مكتبه كل مساء ليشرح لها "كيف يُدار البيت بعقل لا بعطر." وبقيت النسخة الجديدة من العطر حبيسة القصر، تتسرب بهدوء في أروقة النوم، والممرات السفلية، وعلى جوانب السجاد، وفي بطانة الستائر، تُفرغ النفوس من نزقها… وتملأها بولاءٍ جديد.
أصبح الخدم، ينفذون أوامر السيد بلهفة مرضية. يتحركون نحو صوته قبل أن يتمم الكلمة. يبررون كل قسوته بينهم بعبارات غريبة: "إنه يعرف الخير لنا." "صوته يريح الروح." راما، التي اعتادت أن ترى التوق في عيونهم نحوها، باتت تقابل بأعين خاملة، كأنهم ينظرون عبرها لا إليها.
وفي كل ليلة، كان السيد يجلس في غرفته، يكتب في دفتر أسود صغير ملاحظاته. لقد أحب أن يخضع له الخدم، لكنه أحب أكثر أن يخضعوا له بإرادتهم. لقد وجد متعة حقيقية في إذلال شرذمة منحطة بعينه تزحف تحت أقدامه لتريحه. لقد أعجبته الفكرة وهو يشهد تحطمهم كل ليلة مثل القطار السريع الذي يتبارى المسافرون بإلقاء أنفسهم تحت عجلاته.
تخلى عن حذره وحيطته وعزلته وبدأ ينزل إلى رواق القصر ويجلس إلى جوار المدفأة بينما الخدم من حوله يؤدون مهامهم كأنهم غير موجودين. لقد كان وسط الصخب كله ولا يكاد يسمع صوت.
وحدها راما التي كانت ترمقه بعيون حذرة، لم ير في عيونها ذلك الخضوع الكلبى لإشاراته. وكان السيد طويل البال ويعرف كيف يستمتع بصيده وضحاياه. لقد ترك لها الباب مفتوحاً، إما أن تركض وتلقي بنفسها تحت قدميه، أو الطريق الآخر أن تتحدى السيد بنكهة عطر أقوى، حتى مع احتمالية القبض عليها بتهمة صناعة العطر التي باتت محرمة إلا بأذن السيد.
توقعت راما أن تشن على غرفتها حملة خلال يوم أو يومين، لذلك أخفت قوارير العطر داخل الحديقة بين الأشجار. لكن الحملة لم تتم، ولم يحضر أي حارس إلى غرفتها كما توقعت. كانت راما تعرف أن السيد يعرف أنها المتهمة بصناعة عطر الأثير، لكنها لم تعرف أبداً السبب في ترك السيد الباب مفتوحاً لها. لطالما فكرت: لماذا لا يحطمني السيد؟ كيف لم يهجم على غرفتي حتى الآن؟ ماذا ينتظر؟ لماذا يتركني حرة كل هذا الوقت؟
على مدار أسبوع، توقعت راما هجمة عسكرية على غرفتها تفتش وتبحث عن قوارير العطر، لكن ذلك لم يحدث، والسيد لم يستدعها لغرفته ولم يطلبها. لقد تركها السيد حرة لسبب لا تعرفه حتى الآن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!