ساد الصمت طوال الطريق، بينما أكتفى نوح برمق أفنان بطرف عيناه من آن لآخر. "أنا هنزل اجيب السمك خليكي هنا." "ماشي." أردف نوح ثم غادر السيارة لتتأفف فور خروجه. يصدح صوت رنين هاتفها في المكان لتجدها مريم، شقيقة نوح. "ألو أيه يسطا عاملة أيه." "أيه يا أفنان، أنتوا قدامكوا كتير." "يعني، نوح نزل يشتري السمك وأنا في العربية." "اه ما أنا عرفت أنك مش معاه." "أنتي كلمتيه." "اه ولاقيته متعصب.. هو حصل حاجة."
"اه.. هحكيلك لما أجي إن شاء الله." قالت أفنان لتحاول إنهاء المكالمة سريعا، دون أن تسرد ما حدث. "طيب، متتأخروش وخلي نوح يسوق على مهله." "أي أوامر تانية." "لا شكرا."
هكذا انتهت المكالمة وعادت أفنان للإنتظار حتى يأتي نوح. أرادت تشغيل أغنية عن طريق وصلة السيارة 'AUX' لكنها لم تجدها في موضعها. وسرعان ما تذكرت أن نوح دائما يضعها داخل 'التابلوه' لأنه لا يحب تركها متدلية حينما لا يستخدمها. أخذت أفنان تعبث في التابلوه حتى سقطت صورة صغيرة. إلتقطتها من الأرضية وهي تنظر إلى ما بداخلها لتجد.. صورتها وهي طفلة! "يا ابن اللذينة دي الصورة دي مش معايا أنا شخصيا.."
تمتمت بها وهي تنظر إلى الصورة حيث كانت ترتدي فستانا ورديا وقد رفعت خصلات شعرها على هيئة 'قطتين'. وتعود تلك الصورة إلى يومها الأول في الروضة. عاد نوح إلى السيارة وهو يحمل في يده العديد من الأكياس، وبمجرد أن رأى الصورة في يده اضطربت معالمه قليلا. "جبتيها منين." "لا هو أنا اللي المفروض اسأل جبت الصورة دي منين." "وقعت من ماما في مرة فقولت اشلها معايا عشان متضعش." "أنت بتألف." "اه.. كنت محتفظ بيها عشان شكلك كان كيوت."
"ومازلت متنكرش." أردف بغرور ممتزج بالمزاح ليبتسم نوح ابتسامة صغيرة ثم سرعان ما اختفت. "أوعي تفتكري أن عشان هزرنا أني هعدي حوار الزفت اللي اسمه رحيم." لم تعلق على ما قاله، وبالرغم من أنها تشعر بالحنق تجاه رحيم لما فعله، لكنها شعرت بضيق حينما سبه نوح، وهي لا تدري سبب ذلك. "طب اتحرك بقى عشان نلحق نوصل قبل ما السمك ما يبرد."
في مقر الشركة، صعد رحيم إلى الطابق الثاني بعصبية شديدة بعد أن غادرت أفنان. لا يعلم سبب غضبه المبالغ فيه.. ما مشكلته بأن تركب السيارة برفقة ذلك نوح؟ لا يدري.. لكنه يشعر أنه ليس بالصواب أن يراها برفقة ذلك الشاب. توجه نحو المكتب الذي يجمع جميع 'الدكاترة' الذين يقومون بعملية التدريب بحثا عن أنس، ليجدهم مجتمعين ويأكلون بطريقة عشوائية. يرمقهم رحيم بغضب وهو يردف: "هو أنا مش قولت مشوفش المنظر ده جوا المكتب تاني!
"مالك يا رحيم في أيه." "اسمي دكتور رحيم! قال رحيم وهو يرفع إبهامه أمام 'دكتور' أيمن بنبرة تحذيرية. "أنا عايز اعرف أيه المشكلة." "المشكلة أن المنظر ده المفروض يبقى في الكافيه تنزلوا تاكلوا وتشربوا لكن مش في مكان الشغل! "أحنا أسفين يا سيدي." "انتوا هيتخصملكوا على فكرة! "ده على أساس أيه." سأل أحدهم بإنفعال ليقترب منه رحيم بحركة فجائية ثم يصفع يده على المكتب بجانب الآخر وهو يقول بغضب: "على أساس أني رحيم حامد البكري!
في تلك اللحظة اقتحم أنس الحجرة وهرول نحو رحيم وهو يحاول أن يدفعه برفق نحو الخارج. "رحيم.. رحيم، اهدى بس تعالى برا." "معلش يا جماعة حصل خير." "لا مش معلش! سيبه يضرب دماغه في الحيط! قال رحيم قبل أن يغادر المكان نتيجة لجذب أنس له نحو الخارج. أخذه أنس إلى مكتبه. "خد أشرب مياه." "معدنية." "مش وقته تناكة يا روح.. طنط." أردف أنس بمزاح لينظر نحوه رحيم بحده ثم تظهر ابتسامة جانبية على وجهه. "كنت أوڤر أوي." "بصراحة اه!
هو أيمن مستفز بصراحة بس الحوار مش مستاهل يعني! "لا مستاهل! أردف رحيم بعصبية ليرد عليه أنس بسؤال قائلا: "كل ده عشان بياكل في المكتب بطريقة عشوائية مقززة يعني." "بص If he is acting like an animal then he should be treated like one! 'إن كان سيتعامل كحيوان إذا يجب معاملته كواحد'." "يا ابني عيب كده! هو حيوان اه بس عيب برضوا! أنت عمرك ما اتعاملت مع حد كده.. أيه اللي مقريفاك بقى." "اللي أيه." سأل رحيم بتعجب ليصفع
نوح وجهه بيده ثم يقول: "يا ابني هو أنت العربي بتاعك ميح خالص كده. قصدي أيه اللي مزمزاءك مخليك تقف للناس على الواحده كده." "!!! نظر نحوه رحيم ببلاهة شديده ليقهقه أنس ثم يقول: "لا أنت محتاج درس في اللغة! هبقى أعلمك، المهم قصدي أيه اللي معصبك كده مخليك ماشي تخبط في الناس كلها." "لا متعلمنيش أفنان هتعلمني.. لا! أفنان لا!!! كان يتحدث رحيم بلطف ثم سرعان ما تذكر ما حدث ليمتعض وجهه. "قول كده بقى.. أنت متخانق مع البت دي."
"اه متخانق ومسمهاش بت.. هي ليها اسم على فكرة." "خلاص يا سيدي، عشان متخانق مع أفنان يعني." "اه اتخانقت معاها، عشان الهانم بتقولي أنها مبتركبش العربية مع حد غريب وفي الآخر ألاقيها راكبة العربية مع الحيوان اللي اسمه نوح ده! تحدث رحيم بحنق قبل أن يخرج من إحدى جيوبه علبة سجائر فاخرة وقدّاحة. "دكتور نوح.. ده انسان محترم أوي." "أنس.. اعتبر نفسك مرفود." "يعم بهزر معاك! بس الشهادة لله مشوفتش منه حاجة وحشة!
"وأنا مالي تشوف ولا ماتشوفش! قال وهو يشعل لفافة التبغ ليهرول نحوه أنس ويأخذها من يده. "أنت عبيط! مينفعش تدخن هنا، تعالى ننزل تحت، ولا أقولك تعالى نمشي من الشركة اصلا." "يلا أنا مش طايق اقعد في المكان ده." أردف رحيم وهو يزفر بضيق قبل أن يدس لفافة التبغ في جيبه مره آخرى. "كنت هقولك تعالى نقعد في حتة كده تروق أعصابك بس احنا الصبح." "اروق أعصابي أني اروح بار؟ أنت عبيط يا أنس." "أنا مقولتش بار اصلا." نظر نحوه رحيم بطرف
عيناه قبل أن يقول ساخرا: "على فكرة أنت صديق سيء خد بالك." "متبقاش تكلمني تاني، عمتا، تعالى نروح البيت ونطلب غدا ونشوف حوار أفنان اللي مضايقاك ده." وصل كلاهما إلى المنزل وقام أنس بطلب الغداء من إحدى المطاعم الشهيرة. "يعني أنت مشكلتك أنها راكبة العربية مع نوح ولا أنها راكبة عربية مع راجل عمتا." "الأتنين." "طب ما هو.. هي تعرف نوح ده منين اصلا." "وأنا هعرف منين يعني. كل اللي أعرفه أنه بيشرحلها في التدريب زيها زي أي حد."
أوضح رحيم بضيق ثم أخرج لفافة التبغ التي كان يحتفظ بها في جيبه ليشعلها ثم ينفث دخانها بضيق. "لا بس من طريقتهم كده تحس أنها أكيد عارفاه." "مش عارف بقى.. المهم أني اتخنقت معاهم! "يا غبي! بتتخانق ليه. أنت مالك اصلا." سأله أنس بنبرة جدية ليلكمه رحيم بخفة في كتفه. "احترم نفسك! وبعدين أنا مكنتش شايف قدامي وكنت متغاظ! "ألطم على وشي! هو أنت لحقت تحبها عشان تغير عليها." "أحبها أيه بس أنت عبيط يا أنس. هو أنا لحقت أعرفها اصلا."
"طب ما تقول نفسك! "أنا بي اتضايقت أوي ومعرفش ليه.. المهم أني دلوقتي مضطر اصالحها.." "ليه هو أنت عكيت أوي." "اتعصبت عليها جامد وعليت صوتي قدام الناس.." "مبدأيا، أنت محتاج تعتذرلوهم." أومأ رحيم موافقا على ما يقوله أنس ثم انتبه لما قاله الآخر ليسأله مستفسرا: "لا ثواني كده.. مين هم." "يسطا صحصح معايا هيكون مين يعني. أمي. أكيد أفنان ونوح." قال أنس بنفاذ صبر لينظر نحوه رحيم بتجهم ثم علق قائلا: "ده على جثتي!
أنا اعتذر. أنا هصالح أفنان بس. أفنان بس إيه؟ ده أنت بوظت نص علاقاتك النهاردة. اردف أنس بسخرية وهو يقهقه لينظر نحوه رحيم بإمتعاض ثم يضحك هو الآخر قائلاً: أنا عمري ما كنت قليل الذوق بالشكل ده في حياتي. أتفق. So دلوقتي إحنا محتاجينك تصالح أفنان، زمايلنا في الشغل، ونوح. تحدث أنس بنبرة جادة وبصوت مسموع ثم خفض صوته حتى صار أقرب إلى الهمس حينما ذكر اسم نوح.
أهم حاجة أفنان.. ودي بقى أصعب واحدة فيهم دي ممكن تطلع Pocket knife تعورني بيها يا عم. إيه؟ Pocket knife؟ اسمها مطواة يا سطا! علق أنس ساخراً لينظر نحوه رحيم بإشمئزاز ثم يقول: أنا بس محتاج أكل وبعدها نخطط بقى هصالح أفنان إزاي. في منزل خالة أفنان، وصل نوح وأفنان أخيراً وهما يحملون عدة أكياس تحوي الطعام. فتحت لهم مريم الباب لتستقبلهم وهي تتمتم: أخيراً! حمدلله عالسلامة. فضوا الحاجة في السريع بقى عشان ميتة من الجوع.
قالت أفنان وهي تضع الأكياس على طاولة الطعام، بينما كانت ملامح وجهها طبيعية تماماً، بينما كان الضيق واضحاً على معالم نوح. مالك يا واد في إيه؟ حصل حاجة في الشغل؟ سألت والدته لتزدرد أفنان ما في فمها ببطء قبل أن تجيب عوضاً عنه: مفيش يا خالتو.. أنا وابنك شدينا مع بعض في الطريق.. العادي يعني. نظر نحوها نوح بإبتسامة صغيرة لأنها أجابت بدلاً منه. إيه ده مزعله ابني ليه يا أفنان؟
أنا يا خالتو.. ده يزعل بلد.. وبعدين بصراحة هو بيعمل حوارات على كل حاجة. والله انتوا ظالمينه. صدرت هذه الجملة من ميرال بالطبع لينظر نحوها نوح بإمتنان ثم يقول: الوحيدة اللي بتنصفني في القاعدة دي.. هي وخالتو طبعاً. يلا ناكل بقى ونبقى نرغي بعدين. علقت مريم لتخرج ميرال من شرودها، فقد كانت تتأمل نوح بشكل واضح. هاه؟ آه يلا. يا بت أنتي منبقاش مفضوحة كده. همست مريم في أذن ميرال وهي تضع الأطباق. أنا عملت إيه؟ عملتي إيه في إيه؟
ده أنتي ناقصك ثانية كمان وتطلعيله صورة ٤×٦. أردفت مريم بسخرية لتضربها ميرال بخفة وهي تقول: دمك خفيف أوي ما شاء الله. يلا يا بنات ابدأوا أكل.. أفنان سيبي تليفونك وقولي بسم الله يلا. تومئ أفنان وهي تفعل شيئاً أخيراً في هاتفها قبل أن تغلقه. وما فعلته هو وضع رقم رحيم في القائمة السوداء ‘Black list‘، فهي لا تريد أن تتحدث إليه مجدداً ولا تريد أن تمنحه فرصة للاعتذار. هي مش خالتو قالتلك سيبي التليفون؟
ما أنا سبته يا نوح هو أنت كفيف ولا إيه؟ سخرت منه أفنان لينظر نحوها بإمتعاض ثم يهمس قائلاً: مسحوبة من لسانك. عارف يا نوح لو خليتك في حالك ربنا هيكرمك. هنا صمت نوح والجميع وانتبه كلاهما للطعام الذي أمامه لكن مريم كانت تنظر نحو أفنان من آن لآخر بلوم، فهي دائماً ما تقوم بإحراج شقيقها حتى ولو كان يمزح.
انتهت الليلة سريعاً وعادت أفنان برفقة والدتها وشقيقتها إلى منزلهم. اتجه نوح نحو غرفته فور أن عاد إلى المنزل مجدداً، بعد أن قام بإيصالهم إلى منزلهم بواسطة سيارته. بقولك إيه يا نوح.. ما تفكك من أفنان. إيه يا بنتي ده مش تخبطي قبل ما تدخلي! وبعدين أفكني منها إزاي يعني مش فاهم؟ يعني أفنان حبيبتي وعلى عيني وراسي بس هي مش مناسبة ليك. وده ليه إن شاء الله؟
عشان انتوا تفكيركوا غير بعض خالص.. حتى مواصفات فتاة أحلامك نصها متنطبقش على شخصية أفنان. تحدثت مريم بصدق وهي تجلس على سرير شقيقها. طز في الصفات كلها. أنت وأفنان على طول بتتخانقوا وكأنكوا مولودين فوق روس بعض. طب ده اللي بيحبوا بعض بجد هما أكتر ناس بيتخانقوا، وبعدين مفيش أجمل من الخناقات اللي من النوع ده.
غلط يا نوح.. لما تحب حد المفروض تحس معاه بالإرتياح والتفاهم والمودة مش الخناق والزعيق وجو الروايات الرخيص ده.. الحب احتواء.. تشابه.. سكن.. هل أنت شايف أن أفنان سكن ليك؟ صمت نوح لثوانٍ وهو يفكر فيما قالته شقيقته، إن كلامها صحيح بنسبة كبيرة لكن كلامها وإن كان حقيقي لن يستطيع منعه من الإنجذاب نحو أفنان.
عندك ميرال مثلاً.. هادية، مش عنيدة، ومتفاهمة ومش معنى كده إنها معدومة الشخصية بالعكس هي ليها شخصية وأراء وطموح ولكنها أعقل وأهدى من أفنان. يادي ميرال.. ليه كل ما نجيب سيرة أفنان تتكلمي عن ميرال؟ عشان ميرال هي الأنسب ليك! وأنتي عرفتي منين؟ ليه بتحكمي أن في حد أنسب بالنسبالي من أفنان في حين أن أنا وأفنان لسه مدخلناش في علاقة أصلاً؟ عشان باين من الأول يا نوح! باين أنك لو ارتبطت بأفنان فالعلاقة دي هيبقى مصيرها الفشل!
أنت بتأڤوري أوي وبتكبري المواضيع، مكنتش كام كلمة سخيفة اللي قولناهم لبعض عشان تعملي التحليل العميق ده كله! تقدر تقولي إيه اللي حصل خلاك أنت وأفنان تتخانقوا النهاردة؟ يعني بزمتك هي محكتلكيش؟ وحتى لو حكتلي أنا عايزة اسمع منك أنت. واحد مغرور معانا في الشركة بيتخانق معاها عشان ركبت معايا العربية! اتجنن في دماغه! سرد نوح ما حدث بإختصار بينما نظرت نحوه مريم بإنتباه. وأنت عملت إيه؟ اتخانقت معاه طبعاً وخدت أفنان ومشيت.
شكل أفنان دي هتضيعلك مستقبلك! تحدثت مريم بنبرة ساخرة لكن تحمل في طياتها بعض الجدية. تضيعه يا ستي.. براحتها. قضت أفنان اليوم التالي في منزلها حيث جلست هناك تراجع ما تم شرحه في الأيام السابقة في الصباح الباكر محاولة إبعاد رحيم وما حدث عن رأسها. أرسل لها نوح بضع رسائل يتناقش فيما حدث بالأمس أيضاً. أفنان ينفع أعطلك؟ سألت ميرال فور اقتحامها للغرفة. أرغي يا ست ميرال. هو أنتي هتزعلي لو خرجت مع نوح؟
سألت ميرال بينما تعبث في أحد أغراضها متجاهلة النظر نحو أفنان مباشرة. أكيد لا.. عادي يعني براحتكوا. تحدثت أفنان بينما مازالت تنظر في الملاحظات الموضوعة أمامها، لكنها انتبهت لما قالته مجدداً لتردف: لا ثواني كده.. هتتقابلوا ليه؟ هتتكلموا في إيه يعني؟ هتفرق معاكي؟ لا بس المهم متجيبوش سيرتي. وهنجيب سيرتك ليه؟ عشان نوح مبيتكلمش غير عليا.
أردفت أفنان لتشعر ميرال بغصة في حلقها، تسأل نفسها داخلياً لما دائماً ما ينصب الإهتمام نحو أفنان وليس هي؟ لا مش هنتكلم عليكي يا محور الكون، هي الساعة بقت كام؟ تمانية ونص، وهتنزلوا إمتى بقى؟ سألت أفنان بنبرة أشبه إلى التحقيق لتجيبها ميرال بنبرة طفولية: ملكيش دعوة. أحسن مش عايزة أعرف. أنتي مش نازلة الشغل ولا إيه؟ لا نازلة بس عندي ميتينج الساعة عشرة مش دلوقتي. طب بصي.
كادت أفنان أن تتحدث لكن قاطعها صوت جرس الباب، لتنظر نحوها ميرال بتعجب وهي تسأل: مين هيجي بدري كده؟ مش عارفة.. ممكن البواب يكون بيلم الزبالة؟ طب قومي شوفي. لا أنا مش فاضية أنا هكوي، يلا اخلصي قبل ما ماما تصحى. تأفأفت أفنان واتجهت نحو الخارج على مضض شديد. أخذت تبحث عن أقرب إسدال صلاة أو خمار لكنها لم تجده. يصدح صوت الجرس مجدداً، فتصيح أفنان بعصبية. ثانية واحدة.
وجدت الإسدال أخيراً، لكنها عانت حتى استطاعت ارتدائه بصورة صحيحة. تفتح الباب لتجد الفراغ يصرخ في وجهها. أهي مزحة سخيفة من أبناء الجيران؟ اتجهت أفنان خطوتين نحو الخارج وكادت أن ترفع صوتها وهي تسب أبناء الجيران الذين لم يحظوا بالتربية قط لكن قدمها اصطدمت في شيء صلب. خفضت عيناها لترى ماهيته هذا الشيء.
‘أصيص‘ زرع تحوي زهور اللڤندر ذات اللون الأرجواني الساطع والرائحة المحببة للنفس. وقد ألفت الزهور بشريطة أحمر اللون وقد تم طيه على هيئة ‘فيونكة‘ ويحمل كارتاً صغيراً. حملت أفنان أصيص الزرع وهي تتأمل مظهره المبهج وتحاول أن تنزع الكارت منه. ‘To the sweetest girl in the whole world.. Afnan.‘ ‘لألطف فتاة في العالم بأكمله..
لمعت عين أفنان وهي تنظر إلى ما كُتب بخط يد رائع وبحروف إنجليزية متشابكة. قبل أن يستوعب عقلها ما يحدث، وجدت هاتفها يُنير مُعلناً عن وصول رسالة على برنامج الواتس أب. كانت الرسالة من رقم مجهول: "قبل ما تفكري ترمي الهدية أو ترفضيها، اعرفي إن دي هدية كاعتذار عن اللي حصل. أنا آسف جداً على اللي عملته ده. أنا مش عايزك تزعلي مني. جبتلك زهرة شبهك، مبهجة، ريحتها للنفس، ريحتها مميزة ومحبوبة من الكل زيك بالظبط." -رحيم البكري.
أخذت أفنان تقرأ بأعين شبه دامعة، تلمع من السعادة، بينما تلمس الزهرة بيد مرتجفة. كيف تسبب في ثورة المشاعر تلك بفعله هذا؟ كيف استطاع أن يجعلها تنسى سبب الغضب والخصام بهذه السهولة؟ بقدر ما شعرت أفنان بالسعادة وكأن قلبها على وشك أن يطير خارج صدرها، إلا أنها شعرت بالقلق. بالقلق من مدى تأثيره عليها. آه، من موجة المشاعر تلك. "إيه ده اللي في إيدك ده؟ " سألت ميرال بفضول وهي تنظر نحو الزهور. "لافندر...
" همست أفنان وهي تقرب الزهرة من أنفها لتستنشق عبيرها. "لأ، ما أنا واخدة بالي إنها لافندر. جبتيها منين يعني؟ "رحيم... " أردفت أفنان، ثم اتجهت نحو السلم، لعله هو من أحضرها، ولعله لم يرحل بعد. "لاقيتيه؟ "لأ... "أومال عرفتي منين إنه هو؟ "عشان هو بعتلي مسدچ. أنا أصلاً كنت عامله له بلوك. بس هو يعني عرف يوصلي، وهو أصلاً عرف البيت منين؟ " تحدثت أفنان بعبارات متداخلة وجمل غير مفهومة. نظرت إليها ميرال ببلاهة ثم قالت:
"أنا مش فاهمة حاجة، بس لو رحيم اللي عمل كده، دي حركة جامدة أوي بجد." "هو رحيم. محدش يعرف يعمل حاجة حلوة كده غيره." "إيه ده إيه ده؟ ده أنتي عينيكي بتطلع قلوب." "بس يا فيصيلة، روحي. روحي شوفي وراكي إيه." قالت أفنان وهي تدفع ميرال نحو غرفتهم. ضمت أصيص الزرع وهي تبتسم بلطف، ثم اتجهت نحو الشرفة التي توجد داخل حجرتها لتضع أزهارها في الداخل. "هنسيب بقى مذاكرتنا وحياتنا ونقعد جنب الزرعة."
"طب بذمتك، لو نوح جابلك لبانة مش هتفضلي جنبها طول اليوم؟ " سألت أفنان بخبث. كسا الحمرة وجه ميرال وتردف بتوتر: "أنا نازلة. يلا باي." ودعتها ميرال لتعود أفنان إلى الشرفة مجدداً، وهي تتأمل زهور اللافندر خاصتها وتفكر هل يجب عليها الرد على رسالته؟ أم تجاهلها حتى تقابله بالغد؟ قررت في النهاية أن تجعله يجلس على أعصابه حتى الغد. لكن ترى ما الثوب الذي سترتديه؟
قررت في النهاية ارتداء الثوب ذاته الذي ارتدته في أول مقابلة لهما في حي الزمالك. في صباح اليوم التالي، قررت أفنان الذهاب باكراً، لعلها تصادف رحيم قبل تواجد الجميع. توجهت إلى الداخل، وبمجرد وقوفها قرب الاستقبال، تخللت أنفها رائحة عطره المميز. لذا اقتربت من الموظفة سائلة: "هو دكتور رحيم وصل؟ "آه، وقاعد في الكافتيريا." "تمام، شكراً."
اتجهت إلى الكافتيريا بعد أن تأكدت أن مظهرها مرتب. كان يجلس على إحدى الطاولات بحيث يعطي ظهره لها. اقتربت منه بهدوء لتجلس في الكرسي المقابل لخاصته وتردف: "أنت عارف إن فيه ناس بتقول إن الملكة كليوباترا كانت بتستخدم اللافندر كتير أوي." انتفض رحيم من مقعده فور رؤيتها، بينما لمعت عيناه بقوة حينما رأى الثوب الذي ترتديه ولون الوشاح المميز. ابتسم بتوتر ثم قال: "واضح إن كل الملكات بيحبوا اللافندر."
"يخربيت الفصلان. إيه التلزيق ده يا رحيم؟ " سألت بازدراء، ثم قهقهت لرؤية تعبير وجهه المنصدم وهو يسأل قائلاً: "أنا قولت إيه غلط؟ "مقولتش مقولتش. عالعموم يعني شكراً يا سيدي عالهدية وخلاص، قبلت اعتذارك. بس لو اتكررت تاني يا رحيم، همسح بكرامتك الأسفلت." أردفت، لينظر نحوها بابتسامة لطيفة، ثم سرعان ما تختفي لتتحول تعابير وجهه إلى الازدراء مما قالته.
"ماشي يا ستي. هي مش هتتكرر تاني عشان مش من الأدب إني أرفع صوتي على حد ولا أتدخل في حاجة متخصنيش." "أشطر كتكوت والله." قالت وهي تضحك، ليضحك هو الآخر وهو يعلق: "كتكوت كتكوت. المهم إني شاطر." "صح. المهم، أنا عندي سؤال كده، كفضول يعني." "أكيد، اتفضلي." "ليه مجبتش الورد في بوكيه؟ ليه أصيص زرع؟ مش بتنك، والله، بس بحاول أفهم وجهة النظر."
"عشان البوكيه يومين وهيدبل وهتنسيه. لكن الأصيص هترويه والورد هيفضل يكبر ومش هيدبل، وكمان هيفضل موجود قدام عينك. وهتفتكريني بيه." تحدث رحيم بصدق وهو ينظر إلى داخل عينيها، بينما تجنبت هي النظر إلى عينيه. نظراته تشعرها بالتوتر.
"وجهة نظر حلوة أوي. أجمل حاجة يا رحيم إنك بتعمل الحاجة بإحساس وتفكير عميق، مش بصورة عشوائية." تحدثت وهي تتجنب النظر إليه، لكنها لمحت ابتسامة كبيرة ارتسمت على وجهه. لذا وجهت نظرتها إليه. السعادة تزين وجهه وكأنه لم يسمع كلمات غزل كتلك من قبل. "أنتي عارفة، من زمان مسمعتش حد بيقولي إني بعمل حاجة مميزة أو مختلفة. أنتي بس اللي بتقوليلي." "بجد؟
ناس معندهاش نظر. عمتاً، متزعلش، كل لما تحتاج تسمع كلام إيجابي، أنا هقولك." قالت بلطف ممتزج بالحزن، تأثراً بما سرده رحيم. لتتسع ابتسامته ويعلق قائلاً: "أنتي وجودك في حد ذاته طاقة إيجابية. بتعملي روح للمكان." "أنا بعمل كل ده؟ عالعموم، أنت لسه مشوفتش حاجة، ده أنا هبهرك." علقت بمزاح وهي تقهقه، لكنه نظر نحوها بنظرة جادة وابتسامة صغيرة وهو يقول: "وأنا واثق إنك هتبهريني."
"طب.. عن إذنك بقى.. هطلع عشان متأخرش." أردفت بارتباك وهي تلوح له، ثم غادرت المكان بعد أن أخذت نفساً عميقاً، مستنشقة رائحة عطره، وهي تفكر للمرة المليون: كيف يستطيع التأثير عليها بهذا الشكل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!