أخبريني كيف يُمكنني الإفصاح عن ذلك العشق الذي تغلغل إلى داخلي واحتل كل ذرة من كياني دون أن أمس كرامتي أو أخدش كبريائي؟ كيف أخبرك بأنني أشتاق لعالم لم يُخلق به سواك. أنت وعيناك وابتسامتك التي أضاءت ظلام قلبي. فتمهلي وأرفقي بقلب لم يُبصر النور إلا على يديك. وإن كان المنطق يأبى الإفصاح عن الهوى. فالقلب بات عاشقًا حتى الثرى. لا تُجَابَه القوة إلا بالقوة، ولا تُقهر المرأة إلا بالمرأة.
قد تكون تلك المقولة قاسية قليلًا، ولكن ليست أقسى من أن يقف كبرياء المرأة بينها وبين العشق، خاصة إن كان عشق رجل مثله. لا يقبل بالهزيمة ولا يعرف أنصاف الحلول. أكثر ما يثير جنونه العصيان، خاصة حين يكون أول من استسلم. فحينها يمتزج عشقه بكبرياء عاصف لا يقبل المقاومة. فإما الاستكانة بين أحضانه أو الذوبان في بحور هواه. وإن اختارت التمرد فليكن بين جنبات صدره، وهذا أقصى ما هو مسموح به.
برقت عيناها حين سمعت ذلك الصوت الأنثوي يناديه برقة تليق كثيرًا بصاحبة العينان الزرقاء الصاخبة كجمالها. الذي جعل دقاتها تتقاذف غضبًا ذو نكهة مؤلمة حين وجدته يلتفت إلى تلك المرأة. ومن ثم قال بنبرة مشتاقة قبل أن يغادر السيارة للترحيب بها: "مروة! ما أن خطت أقدامه خارج السيارة حتى اندفعت المرأة تعانقه بشوق كبير، قابله تحفظ من جهته. ولكن لشدة حنقها لم تلحظه، فقد أعماها غضب مقيت جعلها تترجل من السيارة دون وعي.
وعيناها معلقة بذلك الثنائي الذي بدا وكأنهما يعرفان بعضهما تمام المعرفة. مروة بشوق: "سالم. إيه الصدفة الجميلة دي؟ سالم بحبور: "هي صدفة جميلة فعلًا. عاملة إيه؟ مروة بجرأة: "قبل ما أشوفك ولا بعد ما شوفتك؟ ارتسمت ضحكة عريضة على محياه حين سمع باب السيارة يفتح من جهتها، فأراد اللعب قليلًا إذ قال يشاكسها: "هو في الحالتين انتي زي القمر." صدحت ضحكة عالية من ثغرها الجميل قبل أن تقول بدلال: "سالم الوزان بيعاكسني أنا كده هتغر!
سالم بمزاح: "لا اتغري براحتك! لم تتحمل الوقوف دقيقة واحدة ورؤيته مستمتعًا بالحديث مع تلك المرأة التي لا تعرف من تكون ولا تريد معرفتها. جل ما تريده هو انتزاع عيناها الفاتنة تلك من محجريهما حتى تبعد سهامها اللعينة عن مرماه. إنكوت بنيران لم تعهدها سابقًا. شعور مقيت يجعل دقاتها تتقاذف بين ضلوعها في حرب طاحنة تهلك أنفاسها التي تخرج من أنفها على هيئة نيران ملتهبة تحرق رئتيها دون رحمة.
وأسنانها التي كانت تصرخ ألمًا من فرط ضغطهم بهذا الشكل في محاولة لابتلاع غضبها خوفًا من أن تلتفت متوجهة إلى تلك الأفعى شقراء الشعر زرقاء العينين وتقوم بنزع رأسها من فوق جسدها حتى تشعر بالراحة. سحبت نفسًا طويلًا لتثبط نوبة البكاء التي كانت على وشك الانفجار في أي لحظة، وظلت على حالها لدقائق كانت كساعات وهي تتظاهر بالنظر لواجهات المحلات الزجاجية، ولكنها في الحقيقة كانت مغمضة عيناها.
وجهها يعكس مدى عذابها الذي تشعر به والذي جعلها في وادٍ آخر، حتى أنها لم تلحظ توقفه بجانبها لثوانٍ، وتلك البسمة الصافية المرتسمة على ثغره. والتي كانت أشد اتساعًا بقلبه الذي كان يشفق عليها من ألم الغيرة الذي لا يرحم. ولكن لا بأس، فلتشعر بشيء بسيط مما يعتمل بصدره حين رآها بتلك الملابس. قرر انتزاعها من براثن العذاب وقال بصوت مميز يشوبه بعض المكر: "الفستان عاجبك قوي كده؟
اللعنة على صوته الذي يرسل ذبذبات حسية تسري في سائر جسدها الذي ينتفض بقوة الآن، ولكنها كانت بارعة في إخفاء تأثيره عليها. لذا فتحت عيناها الصافية رغم كل شيء، والتفتت تناظره بهدوء يتنافى مع ضجيج قلبها، ورسمت ملامح الشجن فوق قسماتها الجميلة، وقالت بصوت متأثر: "مش قوي. بس فكرني بذكريات مكنتش حابة افتكرها."
بلمح البرق انقلب عالمه رأسًا على عقب، فقد كان يظن بأنها تتلظى بنيران الغيرة، وها هي تصدمه بأنها غارقة في ذكريات يعلم أنها كانت مع غيره. خفقة وجلة ضربت بعنف فؤاده، فأصبحت حتى دقاته تؤلمه. ولأول مرة بحياته يرغب في صفع امرأة. فأظلمت عيناه وارتسمت بها نظرة جوفاء قاسية أخافتها للحظة. فأرادت الهرب من نيران كانت هي من أشعلتها، لذا توجهت إلى باب المحل وهي تقول: "في كام حاجة عجبتني هدخل أشوفها."
لم يُجبها، إنما اكفهرت تعابيره بشكل مريب، وقد أيقن في تلك اللحظة بأن طريقهما لازال طويلًا. وقد كان هذا درسًا قاسيًا جعله يعلم بأن كل النساء لا يجب اللهو معهن. سمعت صوت الباب يُفتح، وعلمت بوجوده خلفها، فقد كان حضوره آسرًا وهيبته طاغية ورائحته التي أصبحت تروق لأنفها كثيرًا وينتشي بها سائر جسدها الذي تخشب حين سمع صاحبة المحل وهي تتوجه إليه بترحاب كبير: "أهلًا. أهلًا سالم بيه."
لم يُجبها، إنما هز رأسه وهو يضع يديه بجيوب بنطاله خشية أن يقوم بكسر عنقها. فقد استنفذ كل ذرة مقاومة لديه حتى لا يقوم بهزها وإخراج تلك الذكريات اللعينة من رأسها. ولكن لا بأس، سيعرف كيف يمحيه، ولكن بطريقته. كانت عيناه تطوف كل شيء حوله دون أن يظهر على ملامحه أي شيء، ولكن ذلك لم يعق تلك المرأة التي كانت تتعمد الدلال وهي تقول: "أنا حقيقي مش مصدقة نفسي إني واقفة قدام حضرتك. المحل حقيقي نور بوجودك."
امرأتان في نفس الساعة تحومان حوله، كان هذا أكثر من قدرتها على التحمل. لذا التفتت بعنف غير مقصود، وعينان تشتعلان غضبًا، لتتفاجأ به يعطيها ابتسامة ساحرة وهو يقول بتحفظ: "شكرًا لذوقك." اقتربت فرح منهما وهي تقول بنبرة بها بعض الترفع: "في كام حاجة عجبتني عايزة أجربها." "آه. طب ثواني هشوف حد من البنات يقف معاكي! هكذا حدثتها المرأة بلامبالاة، بينما صبت كل اهتمامها عليه، والتفتت إليه تقول بلطف زائد:
"حضرتك تؤمرني بأيه يا فندم؟ انتفخت أوردتها غضبًا من تلك الحثالة التي عملتها بلامبالاة، بينما تناظره وكأنها سوف تلتهمه، وذلك الوغد الذي يرسم أجمل ابتساماته أمامها وكأنه يريد إغاظتها! ستُريه ذلك المعتوه الأبله المغرور الوسيم الذي يستهلك جميع أحاسيسها في آن واحد لدرجة تجعلها تشعر بالتعب دون أن تقوم بفعل أي شيء. فقط يكفيها مشاهدته هو ومعجباته الغبيات. أخرجها من شرودها حين سمعته يقول بلطف: "يا ريت تشوفي الهانم عايزة إيه."
"إيه ده هي الهانم معاك؟ هز رأسه، فتقدمت فرح تقف بجانبه وهي تقول بتهكم: "تخيلي! "أنا والله معرفش. طب أقدر أساعد حضرتك بأيه. شاوريلي على اللي عاجبك وأنا هجبهولك بنفسي." شعر بها تقف بجانبه، وقد كان وجهها محمرًا بشدة ويبدو بأنها غاضبة بشكل كبير. ولهذا واصل العزف على أوتار حنقها إذ قال موجهًا نظراته لها: "تمام يا آنسة فرح اختاري اللي تحبيه. المدام بنفسها هتبقى معاكي! آنسة فرح!! الآن يناديها بهذا اللقب وكأنها لا تعنيه!
ارتسم تعبير مندهش ممزوج بغضب واستنكار جعلها ترفع إحدى حاجبيها وهي تناظره. بينما هو رسم الاستمتاع على ملامحه، وعيناه الماكرة التي كانت ترسل تحديًا مبطنًا لها. ولكنها سرعان ما أدركت لعبته وقررت مجاراته. لذا التفتت إلى السيدة التي كانت مندهشة من نظراتهم التي توحي بالكثير، والتي قطعها فرح حين أشارت إلى أحد الأركان وهي تقول بترفع: "في هنا كام حاجة عجبتني عايزة أشوفهم." السيدة باحترام: "عيوني. يا فندم اتفضلي."
رسمت فرح ابتسامة سمجة على ملامحها وأوشكت على السير خلفها، فوجدت قبضته التي امتدت تمسك برسغها وصوته الآمر حين قال: "مش محتاج أقولك إنه لو معجبنيش مش هتلبسيه." بكل ما تملك من لطف التفتت تناظره وهي تقول بسخرية: "مش محتاجة أقولك إني مش هاخد رأيك أصلًا! من المفترض منه أن يغضب، ولكن على العكس كان يبتسم على ملامحها وحديثها. فكل شيء تفعله يروق له، وهو الذي لم يكن أحد يجرؤ على معارضته خوفًا من بطشه.
لتأتي هي تفرض سيطرتها على قلبه الذي يشتهي تحديها وعنادها وحتى غضبها. وهنا صدحت حقيقة قوية أمام عينيه وهو أنه واقع لتلك المرأة وبشدة. استطاع الآن التخلص من كل القيود والاعتراف بأنه يحبها. بل يعشقها. يشتهي كل شيء بها وكأنه جائع منذ زمن، وهي ألذ ما رأى بحياته. *** كانت تقود سيارتها بأقصى سرعة، ولم تكن تبالي بصراخ الناس من حولها ولا تلك الأصوات الصاخبة لأبواق السيارات حولها.
فقد تكالب عليها كل شيء: ألمها، غضبها، وكبرياؤها المدهوس. فأخذت تبكي كل شيء يؤلمها، تبكي كما لو لم تفعل من قبل. حتى أن صوت بكاءها تحول إلى صراخ وصل إلى مسامع ذلك الذي كان يلاحقها بكل ما أوتي من قوة، وبداخله يرتعب من أن يحدث لها أي شيء. ولكن فجأة أظلم كل شيء من حوله حين شاهد سيارتها التي انقلبت في الهواء وهبطت بقوة على الطريق أمامه. فأوقف سيارته وهرول مسرعًا إلى تلك السيارة التي تحطمت وانقلبت على رأسها.
وما أن رأى تلك المكومة بداخلها حتى خرج صوت من أعماق قلبه الذي صرخ قائلًا برعب: "حلااااااا! قبل ساعة من الآن ترجلت حلا من سيارتها وتوقفت أمام باب الجامعة، وهي تنظر إليها لا تعلم هل تدخل أم لا؟ لا تعرف شيئًا في هذه البلاد سوى تلك الجامعة التي لا تملك بها أي أصدقاء. لا تعرف أين تذهب ولا مع من تتحدث؟ فكبرياؤها مجروح بشدة. ولأول مرة يُغضبها الحديث مع سما صديقتها الوحيدة. حتى أنها أرادت الهرب منها ومن كل شيء.
وها هي تقف الآن وحيدة منبوذة، لا تملك إنسانًا واحدًا في تلك الحياة تُخبره عن وجعها الذي تقطر من عيناها على هيئة فيضانات حفرت وديان الألم فوق خديها. للمرة الثانية يتكرر مشهدها المهزوم أمامه. فها هي تقف تنظر إلى الفراغ بعينين تقطران ألمًا وملامح يكسوها الحزن الذي تغلغل إلى داخله بشكل كبير. لا يُنكر إعجابه بها منذ المرة الأولى التي رآها. ولكنه الآن يشعر بالألم الكبير لحزنها هذا.
ولذلك قرر الحديث معها وعدم تركها فريسة للألم هكذا. ما أن خطى خطوتين تجاهها حتى تفاجأ بها ترتد إلى الخلف وتعاود الصعود إلى سيارتها. وقد بدا أنها على شفا الانهيار، والذي تجلى في قيادتها المجنونة. فدب الذعر بقلبه وأطلق الريح لقدميه حتى يلحق بها. فصعد إلى سيارته وبلمح البرق كان خلفها يحاول بشتى الطرق الاقتراب منها وهو يصرخ عل صوتَه المرتعب يصل إليها، ولكن دون جدوى.
وفجأة أظلم كل شيء أمامه وهو يرى سيارتها تنقلب أمامه بهذه الشكل المروع. بعد عدة ساعات كان يقف أمام غرفة العمليات المحتجزة بها تلك التي حملها من داخل السيارة المحطمة. ودماؤها تسيل على يديه وداخله يشعر بالألم يعتصر صدره بشدة وكأنها شخص يعرفه منذ سنين. لا يعلم الكثير عنها، ولكن كان يشعر بأنها بطريقة أو بأخرى قريبة منه للحد الذي يجعله يتضرع إلى الله بأن تخرج سالمة من هذا الحادث المروع. خرج الطبيب من الغرفة،
فهرع إليه يسأل بلهفة: "طمني يا دكتور هي عاملة إيه؟ الطبيب: "الحمد لله شوية كسور وجروح، وكنا خايفين يكون في نزيف داخلي بس اطمنا إن الوضع تحت السيطرة." زفر بارتياح من حديث الطبيب الذي قال مستفهمًا: "حضرتك تقربلها إيه؟ احتار بما يجيب، ولكن في النهاية قرر قول الحقيقة: "أنا دكتور وهي طالبة عندي، والحادثة حصلت قريب من الجامعة وأنا اللي جبتها على هنا." أومأ الطبيب قبل أن يقول بعملية:
"خير ما عملت. الحمد لله ملحقتش تنزف كتير وده طبعًا في صالحها." تحدث قائلًا بارتياح: "الحمد لله إنها بخير. أقدر أشوفها وأطمن عليها؟ "المفروض إن إدارة المستشفى تكون كلمت أهلها وهما اللي يقرروا. يعني حضرتك مش قريبها، وأكيد أنت فاهم الحرج." ياسين بتفهم: "فاهم يا دكتور. شكرًا لذوقك." "العفو. عمومًا هي نص ساعة وهتتنقل أوضة عادية. عن إذنك." لم يكد يتنفس بارتياح اطمئنانًا عليها حتى أتاه اتصال كان يتمناه بشدة، فأجاب بلهفة:
"أيوا يا سعد طمني؟ المتصل على الطرف الآخر: "عايز الحلاوة يا ياسين. جبتلك عنوان بنات عمك." *** كانت تدور حول نفسها بغضب كان أساسه الخوف! خوف من أن تكون معه بمفردها، وخوف من كلماته السامة التي تنحر قلبها بكل مرة. وخوف على صغيرها من عدم تحملها لكل ما يحدث معها فيكون هو الضحية. وخوف من مشاعر غريبة تجتاحها تجاهه. كانت تمقته، فما الذي حدث حتى صارت تمقت الظروف التي وضعتها في تلك المواقف أمامه.
تكره كونها مذنبًة في عينيه، وكان هذا الشعور لا يروقها أبدًا. وللمرة التي لا تعرف عددها تتمنى لو أن تلك الأشهر الماضية لم تمر عليها. تتمنى لو أن شاحنة دهستها قبل أن تذهب إلى الجامعة في ذلك اليوم. ولكنها تعود نادمة حين تنظر إلى بطنها المسطح والذي يحوي روحًا بريئة تأمل بأن تكون هي المرممة لجراحها الغائرة. لا تعلم ماذا عليها أن تفعل. هل تهرب أم تواجه؟ هل تبتعد أم تقترب؟
لا تعلم ماذا تخبئ لها الأيام، ولكنها خائفة كثيرًا من الغد ومن المستقبل. فبعد ما حدث لها لم تعد تثق حتى بنفسها التي باتت عبئًا حتى عليها كما قال. فبالرغم من قساوة كلماته، ولكنها كانت صحيحة. وبالرغم من أنه وقف إلى جانبها البارحة وأخذ لها حقها من شقيقته البغيضة تلك، إلا أنها ما زالت خائفة منه وبشدة. ارتجف قلبها ذعرًا حين سمعت ذلك الطرق على باب حجرتها، وتسارعت أنفاسها وهي تتقدم بخطى سلحفية لتقول بصوت مرتعش: "مين؟
اطمأنت قليلًا حين سمعت صوت أمينة التي قالت: "أنا الحاجة أمينة يا جنة. ممكن أدخل." تنفست الصعداء وفتحت الباب وهي تنظر إلى أمينة باستفهام، فهي آخر شخص توقعت رؤيته خاصة في الصباح. ولكنها شعرت بالراحة حين رأت تلك البسمة البشوشة على ملامحها، فأجبرت شفتاها عن الإفصاح عن أخرى هادئة حين قالت: "أهلًا يا حاجة. اتفضلي."
بالفعل دلفت أمينة للداخل وتوجهت إلى الأريكة الموضوعة في منتصف الغرفة، بينما اضطرت جنة إلى إغلاق الباب والتوجه بتؤدة إلى حيث تجلس. فامتدت يد أمينة تشير إليها بأن تجلس بجانبها وهي تقول بلطف: "تعالي يا جنة اقعدي جمبي." أطاعتها جنة بصمت، بينما بداخلها تشعر بالرهبة. ولاحظت أمينة ذلك، لذا قالت بمزاح: "ماتخافيش، إحنا ما بناكلش بني آدمين." ابتسمت جنة رغما عنها وجلست بجانبها دون التفوه بحرف، لتفاجئها أمينة التي تحولت
نظراتها للحيرة حين قالت: "ليه يا جنة؟ اندهشت من سؤالها وتجلى ذلك في استفهامها: "هو إيه اللي ليه؟ "ليه أنقذتي حياتي؟ تفاجأت من حديثها وقالت بزهول: "هو أنا كان ممكن أعمل حاجة غير كده؟ أمينة بهدوء: "آه. كان ممكن تقفلي الباب وتمشي ولا كأنك شفتيني. يعني بعد اللي الكلام اللي قولتهولك والأذى اللي سببتهولك... قاطعتها جنة باندفاع يحوي غضبًا كبيرًا:
"ده عند ربنا. الأذى اللي سببتهولي ده عند ربنا. لكن أنا مقدرش أشوف إنسان بيموت ومساعدهوش." آلمتها كلماتها بشدة، فقد أشعرتها بمدى حقارتها سابقًا معها. وقد تجلى ألمها في كلماتها حين قالت: "مفكرتيش لحظة." قاطعتها للمرة الثانية: "أبدًا، ولو رجع بيا الزمن هعمل كده تاني حتى لو كنتي عاملة فيا إيه! أنا مش ملاك ولا حاجة، وهبقى صريحة معاكي، أنا معملتش كده عشانك، أنا عملت اللي اتربيت عليه."
"تقصدي تقوليلي حتى لو انتي وحشة أنا مش زيك! جنة بلهفة: "أنا مقصدش كده والله." تلك المرة قاطعتها يد أمينة التي ارتفعت توقفها عن الحديث وقالت بابتسامة هادئة: "عارفة إنك متقصدِش." سحبت نفسًا عميقًا قبل أن تتابع: "أنا شايفة إن أنا وأنتي محتاجين ناخد فرصة نعرف فيها بعض أكتر. هكون ممتنة ليكي لو تقدري تتجاوزي سوء الفهم اللي حصل بينا ونبتدي من أول وجديد." تفاجأت جنة من حديث أمينة، ولللحظة لم تعرف ماذا تجيب.
ولكن ذلك الرجاء في عين تلك العجوز جعل قلبها يلين، فابتسمت بهدوء قبل أن تقول برقة: "فرح دايما تقولي مترديش إيد اتمدتلك بالسلام." ابتسمت أمينة براحة من جملتها البسيطة وقالت بمزاح: "فكريني أشكر فرح على الحكمة الجميلة دي." ابتسمت جنة على جملتها، فتحدثت أمينة قائلة بترقب: "أنا سمعت إنك رايحة النهاردة للدكتور تطمني على وضع الجنين." جنة بحماس: "آه فعلًا. النهاردة مفروض يقولي على نوع البيبي وهيغيرلي الفيتامينات كمان."
ارتسم على ملامح أمينة رجاء صامت، ولكنها لاحظته بالرغم من لهجتها المحرجة حين قالت: "متنسيش أول ما تيجي تطمنيني. ربنا يطمنك عليه ويجيبه بالسلامة. ابن الغالي." عند ذكر الغالي الراحل سقطت دمعة من طرف عيناها تحكي مقدار الوجع المدفون بصدرها. فشعرت جنة بالشفقة عليها، وفجأة طرأ على بالها فكرة لتدخل السرور على قلب تلك العجوز، وأيضًا لترد الصاع صاعين لذلك الهتلر اللعين الذي يهدد أمنها وسلامتها. لذا قالت باندفاع:
"لو تحبي تيجي معايا أنا معنديش مانع." فورًا تبدلت معالم أمينة من الحزن والألم إلى الفرح والسرور الذي تجلى في لهجتها حين قالت بلهفة: "بجد يا جنة. أنا ممكن أجي معاكي؟ جنة بابتسامة جميلة: "طبعًا ممكن تيجي. يعني لو مكنش المشوار هيتعبك." أمينة بلهفة: "لا يتعبني إيه. ده هو ده اللي هيريحني. قوليلي انتي معادك إمتى هناك؟ نظرت جنة إلى ساعتها التي تشير إلى الواحدة وقالت: "تقريبًا بعد ساعة من دلوقتي." أمينة
بلهفة وهي تنهض من جلستها: "طب حلو هروح أخلي مروان يستنانا كان عايز يروح يفسح ريتال نروح إحنا كمان معاه. يلا هقوله على بال ما تجهزي." "لا أنا جاهزة من بدري." أمينة بحبور: "طب يلا بينا ننزل سوا." وبالفعل خرجت مع أمينة إلى الخارج وهي تستند على ذراعها حتى وصلا إلى الدرج. ولكن خفقة قوية ضربت يسار صدرها حين لمحته يصعد الدرج.
ولأول مرة تنظر إلى ملامحه التي تفاجأت بمدى وسامتها وتناسقها مع بشرته الخمري، ولحيته الكثيفة التي كانت تزين وجهه بشكل كبير. ولكن تبقى عيناه المخيفة التي دائمًا ما يكون لونها بلون الجحيم الذي يرهبها بشكل كبير. فشتتت نظراتها لكل شيء حولها حتى أنها لم تستطع النظر إليه حين تحدث مع والدته: "عاملة إيه دلوقتي؟ أمينة بحنان: "الحمد لله يا حبيبي. أحسن كتير."
حانت منه التفاتة بسيطة لصاحبة الشعر الحالك السواد كظلام الليل، يضاهيه بحر عيناها الأسود اللامع، والذي يناقضه بشرة حليبية يزينها خدان شهيان كالتفاح الناضج، وثغر! لم يسمح لعقله بالتمادي أكثر، فيكفيه ضجيج قلبه الذي كان يقرع كالطبول. فصب اهتمامه بأكمله على والدته وقال بحنان يتنافى مع طبيعته الدائمة معها: "الحمد لله يا حبيبتي. أنتي رايحة على فين كده؟ أمينة بحبور: "رايحة أنا وجنة للدكتور معاد متابعتها النهاردة."
تجمدت الدماء في أوردتها وبرقت عيناها التي كانت تنظر أمامها مباشرة حين سمعت حديث أمينة تكمل: "مشوفتش الواد مروان، أصله كان خارج يفسح ريتال هنخليه يوصلنا في طريقه وبعدين يبقى يعدي ياخدنا." اندفعت الدماء إلى أوردته وسرت كالنيران الذي شعر بها تحرق أحشاءه، وتلونت حدقتاه باللون الأحمر القاني وهو ينظر إليها. فوجدها تنظر أمامها بصدمة غير قادرة على النظر إليه. وما أن أوشك على الرفض القاطع أتاه صوت مروان خلفه والذي قال بمزاح:
"أنا أهو يا مرات عمي. حسيت إنك محتاجاني فجيت جري." أمينة بلهفة: "ابن حلال والله. عايزك تاخدنا معاك البلد عشان معاد الدكتور بتاع جنة كمان ساعة." كان مروان يشعر بشيء منذ البارحة في نظرات سليم لجنة، وقد تأكد حين التفت رآه يناظرها بتلك النظرات الجحيمية. فأراد أن يلعب على أوتار غيرته حتى يلقنه درسًا قاسيًا، فقال بمزاح:
"بس كده. دانتي تأمري. دانتي لو طلبتي كبدتي تشوحيها عالغدا ما أخرهاش عنك يا مرات عمي. دا تحت أمر الست جنة هانم. يا سلام. عنيا. أوديكم وأجبكوا وأفسحكوا كمان لو عايزين." كانت في تلك اللحظة تتمنى لو أنها قذيفة من السماء تسقط على رأس ذلك الثرثار فيصمت للأبد. فكلما كان يتحدث كانت نظرات ذلك المجنون تزداد احمرارًا وتتقد غضبًا وملامحه تتوحش أكثر، حتى ظنت بأنه سوف يبتلعها الآن. ولكن أمينة التي شددت على يدها وهي
تتابع النزول قائلة بمزاح: "لا يا شيخ إيه الجدعنة والشهامة دي كلها. طب ورينا بقى هتفسحنا فين." كانت اللحظات الأشد غضبًا في حياته. لأول مرة يشعر بأنه يريد تحطيم كل شيء حوله حتى تخور قواه. ما هذا الغضب الهائل الذي اجتاحه كطوفان يود إغراقها به حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة. نعم يفضل أن يقتلها في تلك اللحظة حتى تشفي نيران غضبه المتقدة داخل صدره. لأول مرة بحياته يصمته الغضب.
لم يستطع فعل شيء سوى العودة بخطوات ملتهبة إلى مكتبه وقام بإغلاق الباب خلفه بقوة لا يعرف من أين أتته. أخذ ينظر داخل أرجاء الغرفة بجنون، يشعر بأن هناك شيئًا سيخترق رأسه من الأعلى. ستنفجر عيناه من فرط الضغط الماثل فوقهما. هناك لحظة فارقة بينه وبين أن يخر صريعًا جراء غيرة هوجاء قد ينفجر رأسه بسبب عدم احتمالها.
وبلمح البرق وجد نفسه يفرغ كل تلك الشحنات المريعة في ذلك المقعد الذي قام بحمله وإلقائه في آخر الغرفة ليصطدم برف كبير يحمل عددًا لا بأس به من الكتب والمجلدات. والتي سقطت مرتطمة بالأرض جراء هذا الهجوم الكاسح ليصدر ذلك الارتطام صوت قوي جعل من في الخارج ينتبهون. مما جعل أمينة تقول بلهفة: "إيه يا ولاد الصوت ده؟ علم مروان ما حدث، وقد صدقت تكهناته، لذا اقترب من أمينة وأخذ يدها من بين كفوف جنة وقال بمزاح:
"متاخديش في بالك، دا طور هايج في عنبر ستة. أنا عايزك تركزي معايا يا أمونة عشان هعملك حتة بروجرام إنما إيه عنب هيفكرك بأيام الشقاوة." لكزته أمينة بكتفه وهي تقول بتوبيخ: "بس ياد يا أبو لسانين أنت. أنت إيه لسانك ده متبري منك. وبعدين إيه أمونة دي. اسمي الحاجة أمينة لو كان عمك عايش وسمعك بتدلعني كده، كان شال رقبتك من مكانها." مروان بتهكم: "الصلاة على النبي. أنا كده عرفت الطور طالع لمين."
أوصلها مروان إلى باب السيارة الخلفي وفتح لها الباب وساعدها بالصعود بجانب ريتال التي كانت في انتظارهم. وألتفت يوجه أنظاره إلى جنة التي كانت تسير خلفهم، فقام بفتح الباب الأمامي لها وهو يقول ساخرًا: "اتفضلي حضرتك شرفي عربيتي المتواضعة." أطاعته جنة التي كانت تعاني من نوبة هلع داخلية حين سمعت صوت التحطيم القادم من غرفته. ولم تلاحظ تلك النظرات النارية التي تراقبهم من النافذة، والتي لو كانت طلقات لأردتها صريعة في الحال.
بينما التقمها مروان الذي قال بتحسر: "دانا باين هشوف في البيت ده أيام سودة. يا خسارة شبابك اللي هيضيع يا مروان." *** خيم الظلام وكانت تجلس بغرفتها تحتضن وسادتها التي كانت رفيقة لياليها الحزينة المكللة بدموع لا تنضب أبدًا. كم شعرت بأنها وحيدة منبوذة محرومة من كل ملذات الحياة التي تحيط بها من كل جانب. شعرت بأن ما مضى من حياتها كان هراء. كانت تظن بأنها تمتلك كل شيء: المال والجمال والصداقة والحب!
ولكن بلمح البصر انقلب كل شيء. فمن ظنته حبيبًا هو من أذاقها مرارة الغدر والهجر، والأصعب أنه تركها لأجل أخرى. وهذا جل ما تحتمله أنثى بحياتها. فالطعنة لم تطال القلب فقط بل اخترقت كبرياءها فأدمته. فبعد ما خسرت لأجله كل شيء، تركها لأجل تلك الفتاة الفقيرة التي عاش لها ومات معها. والآن هي تحمل طفله واسمه، بينما هي تتجرع مرارة الغدر والألم معًا.
والأدهى من كل ذلك أنها خسرت صديقها الذي لطالما كان ملجأها الآمن، والذي كانت تتجرد أمامه من كل أقنعتها وتشكو هجر والديها العزيزين. والذان من أكبر وأهم الأطباء بمصر. يهتمان بمرضاهم أكثر منها. يهتمان بمستقبلهم المهني أكثر منها، يتركوها تتجرع ألم الحرمان بينما ينشغلان بمداواة آلام الآخرين. لازالت تتذكر حديثها البارحة مع والدتها حين كادت أن تتوسل إليها بألا تسافر لذلك المؤتمر اللعين وتبقى معها.
"ماما أنا محتاجالك أوي. بليز خليكِ معايا. متسافريش." اقتربت منها منال تربت على خديها بلطف وهي تقول: "بطلي دلع يا ساندي، انتي مبقتيش صغيرة. وكمان انتي عارفة إن دا مستقبلي. يرضيكِ أبوكي يسبقني؟ ساندي بإرهاق: "يا ماما أنا تعبت من المنافسة اللي بينكم طول الوقت دي. هيجرى إيه لو هو راح المؤتمر وأنتي لأ." منال بحدة:
"هيجرى كتير يا ساندي. أنا كنت بحفر في الصخر عشان أوصل للمكانة اللي وصلتلها دي. كنت حامل فيكي وبحضر للدكتوراه، وكان ربنا يعلم بيا وبتعبي. وهو مكنش بيسأل على حاجة ولا على حد، ومع ذلك مقدرش يتغلب عليا. ودلوقتي بعد ما وصلت لكل ده أسيبه بقى يسبقني ويتفوق عليا." أنهت جملتها وتوجهت إلى حقيقتها تتابع تحضيرها. فتوجهت إليها ساندي تقول بألم وحقد: "طب وأنا. أنا فين من كل ده؟ مبتفكريش فيا خالص." منال بغضب:
"أنتي عندك كل حاجة تتمناها أي بنت في سنك ومش محرومة من حاجة. وبعدين ده بدل ما تشجعيني انتي اللي جايه تقفي في وشي. مش بعيد يكون هو اللي باعتك عشان تعملي الشويتين دول، مانا عرفاه وعارفه حركاته." استقرت كلمات والدتها القاسية في منتصف قلبها فمزقته إلى أشلاء. ألم تلاحظ كل ذلك الألم في مقلتيها والذي يلون ملامحها. ألم تلاحظ رجفة الخوف في نبرتها.
هي حتى لم تلتفت إلى تلك الظلال السوداء التي تحيط بعينيها ولا شحوب لونها الذي أصبح يحاكي الموتى. نحول جسدها الذي كان يضج بالأنوثة سابقًا. كل هذه الأشياء الكارثية لم تلحظها لا بقلب الأم ولا بعين الطبيبة. لهذه الدرجة هي لا تراها؟! عند هذه النقطة قررت أن تمحوها من حياتها تمامًا هي ووالدها الذي لا تتذكر متى جمع بينهم آخر عناق.
والآن قررت أن تلجأ لأكثر شخص كان يهون عليها كل هذا العذاب، كان نورها في أحلك الأوقات ظلمه ومخدرها في أكثر اللحظات ألمًا. رفعت هاتفها وبأنامل مرتعشة قامت بالاتصال به وازدادت ضربات قلبها وتسارعت أنفاسها. فمع كل جرس كان يخترق مسامعها كانت عبراتها تزداد هطولًا حتى كاد بكاءها يتحول لصراخ. لم يكن يسمعه ولكن كان يشعر به. وككل مرة يهزم أمام قلبه، أمسك الهاتف ليضغط زر الإجابة فيصل إليه بكاءها الحاد. فخرجت الكلمات
مرتعشة من بين شفتيه: "مالك. في إيه؟ ساندي ببكاء مرير: "عُدي! كان في نطقها لاسمه استغاثة استشعرها قلبه الذي صرخ مرتعبًا: "فيكي إيه؟ لم تكد تجيبه حتى انفتح الباب ودخل منه شخص كان ينتظره. وحين سمعت صوته مرحبًا به شعرت بإعصار خوف هائل اجتاح سائر جسدها. "ألف سلامة يا عدي؟ هكذا تحدث سليم ما أن دخل إلى الغرفة. فتسارعت أنفاسه بشدة حين رآه، ولكن تحكم في نبرته إذ قال: "الله يسلمك يا سليم باشا." على الطرف الآخر خرج صوتها مرعبًا
وهي تقول: "ده سليم الوزان يا عدي صح؟ أجابها بكلمة واحدة قاطعة كنصل سكين حاد نحر قلبها: "صح." هنا صرخت بقوة وبكل ما تمتلك من طاقة: "أبوس إيدك لا يا عدي لاااااااااااا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!