الفصل 19 | من 23 فصل

رواية في قبضة الاقدار الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
25
كلمة
10,465
وقت القراءة
53 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

إن كنت تبحث عن أسباب لتبتعد عني فلك هذا! أنا شخص متبلد الشعور، لم يعد شيء في الحياة يجذب انتباهي. ممتلئ بالفراغ الذي يجعلني أشعر بصدى دقات قلبي يتردد داخلي فلا أبالي. لا أنتظر شيئاً من الحياة ولم أعد أمتلك ما أقدمه لأحد. لدي القدرة على التخلي عن أي شيء، فلا تراهن على قلبي. فقسوته تفزعني أحياناً. لا أعرف متى تسرب كل شيء من قلبي ليصبح خاوياً بتلك الطريقة!

ولكني استيقظت ذات يوم على طعنة نافذة اخترقت أعماق روحي، محدثة ثقباً كبيراً عاجزاً للآن على إصلاحه. فهل تقبل بشخص اهترأ قلبه وثقبت روحه؟! كانت ترتعب وتشعر بألم حاد يعتصر معدتها بعنف، ولم تكن تشعر بشيء مما يدور حولها. ولأول مرة بحياتها لا تلتفت لملابسها غير المهندمة، فقد كانت تلتقط ما تقع يدها عليه لتستطيع الذهاب بأقصى سرعة إلى المشفى حتى تمنع تلك الكارثة من أن تحدث!

وبلمح البرق التقطت هاتفها ومفاتيح سيارتها التي استقلتها، وبأقصى سرعة كانت تقود إلى أن وصلت. وما أن همت بالخروج منها حتى تفاجأت برنين هاتفها، فوجدته عدي. فأسرعت بالإجابة قائلة بلهفة: "عدي." عدي بجفاء: "قابليني في شقة المقطم كمان نص ساعة." ساندي بذعر: "عدي ارجوك طمني وقولي إنك مقلتش حاجة لسليم الوزان." عدي بقسوة: "مقولتش. قابليني في الشقة بقولك." تنفست الصعداء قبل أن تقول:

"أنا في المستشفى، كنت جايلك. مسافة السكة وهكون عندك." عدي بأمر: "أنا لسه في المستشفى. هغير هدومي وهلم حاجتي وهنزلك." "مؤمن معاك؟ عدي بنفاذ صبر: "لا.. أساساً اتخانقت معاه." "طب أنا جيالك. استناني دقيقة وهكون عندك." "اركني العربية عند باب المستشفى اللي ورا، ومش عايز مؤمن يشوفني وأنا خارج." أغلقت الهاتف وفعلت ما أمرها به، وتوجهت إلى غرفته فوجدته يقوم بجمع ملابسه.

فتولت المهمة بدلاً عنه، وقد كانت تراقب ملامحه التي كانت قاسية على غير عادته، فتابعت ما تفعله بصمت إلى أن أنهت جمع كل شيء. فتفاجأت به ينزع حقيبته من بين يدها وهو يقول آمراً: "يلا." لم تتفوه بحرف، بل تبعته حتى وصلا إلى السيارة، وتفاجأت منه حين انتزع مفاتيحها قائلاً بأمر: "أنا اللي هسوق!

تسلل الخوف إلى قلبها، ولكنها لم تفصح عن شيء، فدائماً كان أكثر من أخ بالنسبة لها، وكان صدرها الحنون وسط كل صدمات الحياة التي كانت تتعرض لها منذ أن أبصرت هذا العالم. كان يقود السيارة بأقصى سرعة يمتلكها، ويداه تقبض بعنف فوق المقود حتى كاد أن ينتزعه. ولكنه لم يكن يرى أمامه سوى خذلان وقهر وعذاب ونبذ لطالما تعرض له طوال حياته. كانت ذكرياته السيئة تمر أمام عينيه كشريط سينمائي يعاد للمرة الألف بنفس التفاصيل ونفس الشعور.

شعور مرير قاس لا يشبه أي شيء في هذه الحياة. شعور الخذلان قاس مرير لا توازي مرارته أي شعور آخر. فهو يشبه طفل صغير ألقت به والدته أمام أحد الملاجئ في ليلة باردة كالصقيع، مرتسم بعينيها وهي تنظر إلى عينيه، وبكل تجبر تخبره أنها لم تعد تريده! بينما هو يواصل نحيبه وتوسله لعله يلامس اللين في إحدى زوايا قلبها الذي لسوء حظه لم يكن يعرف له سبيلاً أبداً.

وصلا إلى الشقة في وقت قياسي جراء قيادته المتهورة التي لم تكن ترهبها، فهي اعتادتها معه، بل كانت تعشقها كثيراً لدرجة أنها افتقدتها كما افتقدته في الفترة الماضية! "انزلي! أمرها بنبرة جافة قاسية تشبه ملامحه، فطاوعته دون الحديث إلى أن وصلا إلى باب الشقة الذي قام بفتحه بعنف أخافها. ولكنها تابعت الصمت وظلت في مكانها تجاهد ضربات قلبها التي تتقاذف رعباً بداخلها. بينما هو يقف أمام النافذة معطياً إياها ظهره، حين طال الصمت

قطعه صوته البارد حين قال: "ادخلي واقغلي الباب وراكِ! ولا خايفة؟ أخيراً خرج صوتها مهتزاً حين قالت: "لا. هخاف من إيه؟ أغلقت الباب خلفها وتقدمت تقف في منتصف الغرفة. فقام بالالتفات إلى أحد الزوايا والتي بها خزانة كبيرة، قام بفتح أحد أبوابها وأخرج منه إحدى سجائره المحشوة بمادة مخدرة وقام بإشعالها. فوجدها تتقدم منه غاضبة: "انت مش ناوي تبطل القرف دا؟ تمتم بسخرية:

"لا ازاي. طبعاً هبطله. أنا بس بلف سيجارة عشان أعرف أركز معاكي." تراجعت خطوة للخلف وهي تقول بتوجس: "تقصد إيه؟ ارتسمت ابتسامة على ملامحه لم تصل إلى عينيه، التي كانت قاسية تشبه لهجته حين قال: "قوليلي بقي. لسه مستنية إيه من عيلة الوزان؟ غمغمت بخفوت: "أبدا. أنا هستنى منهم إيه؟ "اومال ليه منعتيني أقول لسليم على الحقيقة؟ ماتقوليليش إنك خايفة منه! ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بنبرة متحشرجة: "وهتستفيد إيه لو قولته؟

عدي بسخرية: "لا مش أنا اللي هستفيد. على الأقل هكشف الظلم عن الغلبانة اللي إحنا سلمناها تسليم أهالي دي." ساندي بغضب دفين: "مين دي اللي غلبانة؟ دا أنت اللي غلبان. دي حية عرفت تلف حوالين رقبة حازم لحد ما وقعته على جدور رقبته. ومكفهاش كدا. دي كمان بعدته عننا، ولا نسيت؟ سحب نفساً قوياً من سيجارته امتزج مع وجع كبير احتل يسار صدره، بينما عيناه ما زالت قاسية حين قال: "ومكفكيش كل اللي عملتيه فيها؟ دانتي حتى بنت زيها!

مصعبتش عليكي؟ ساندي بحنق: "مصعبتش عليا! عدي بسخرية مريرة: "أنا مستغرب ليه؟ إذا كان حازم اللي عملتي كل دا عشانه، كنتي السبب في إدمانه! خرج صوتها مجروحاً قاسياً: "عشان كان يستاهل! صدمه قوة إجابتها، فقال بمرارة: "قد كده انتي وحشة! تعرفي أنا كنت مفكرك بتحبي حازم وعايزة تنتقمي لكرامتك، بس أنا دلوقتي متأكد إنك محبتهوش." كانت المرارة تقطر من لهجتها الساخرة حين قالت: "لا والله. وإيه اللي خلاك متأكد بقي؟

"عشان أنا أكتر واحد عارف يعني إيه تحبي حد لدرجة إنك تبديه على نفسك! تقبل تموت من الوجع لمجرد إنك تشوفه فرحان! شعرت بأن كلماته تأتي من جرح عميق تجلى واضحاً بعينيه، لذا قالت بدهشة: "عدي. أنت في حد في حياتك؟ قهقه بصخب تماماً كصخب وجعه الذي يملأ قلبه في تلك اللحظة، مما جعل ذهولها يزداد. ولكنها التزمت الصمت إلى أن انتهى من نوبة ضحك كانت أبعد ما تكون عن الفرحة، وأجابها بتهكم: "تخيلي آه. في حد في حياتي!

لا تعلم لما تضاعف الغضب بداخلها للحد الذي جعلها تصرخ قائلة: "لا والله. ويُاترى بقى عرفت تختار أنت كمان ولا دورت في الزبالة وطلعت واحدة تحبها! ابتسم بسخرية تجلت في نبرته حين أجابها: "تعرفي إن دا أدق وصف ليها! صرخت بغضب لا تعلم كنهه: "انتوا جرالكم إيه؟ بتعملوا ليه كدا. مش كفاية البلوة اللي بلانا بيها حازم. لا وانت كنت بتلوم عليه! لبست زيه. ويُاترى الهانم بقى حامل هي كمان ولا لسه ربنا مكرمهاش!

كان يناظرها بذهول لم يستطع إخفاءه، ولكن سرعان ما تحول إلى اشمئزاز تجلى في نبرته حين قال: "اللي يسمعك يا ساندي يقول إنك مثال للشرف والأخلاق. طب والله أقنعتيني." صاحت بغضب وكبرياء: "دا غصب عنك. أنا عمري ما حد لمس مني شعرة واحدة. وأظن أنت أكتر واحد عارف كدا."

قالت جملتها الأخيرة بنبرة أقل حدة، بينما هربت بنظراتها للاتجاه الآخر، ولم تدري أي نار أشعلت بصدره، فانتفضت عروق يده من شدة ضغطه عليها، وقد طفح به الكيل من تلك الساقطة، فقال بكل ما يملك من غضب: "كنت... كنت مفكر إنك كدا فعلاً. بس اتضح لي بعد كده إنك أقذر واحدة شفتها في حياتي. وإني حبي ليكي كان عاميني عن حقيقتك." ارتسم الذهول على ملامحها جراء إهانته واعترافه، الذي جعلها تقول بصدمة: "انت بتقول إيه؟

برقت عيناه وقست ملامحه، ولكن لم يجبها، بل اتجه إلى هاتفه. وقام بالعبث به قبل أن يضغط على زر ليأتيه صوت حازم وهو يقول بسخرية: "معلش يا رجالة مش هقدر أسهر معاكم النهاردة، أصلي كنت سهران مع ساندي امبارح سهرة صباحي. بس البت دي إيه طلعت جامدة طحن يخربيتها! أغلق عدي التسجيل الصوتي، وقد برقت عروق رقبته حتى كادت أن تنفجر من شدة غضبه. بينما كانت الصدمة والذهول من نصيبها، حتى أنها شعرت للحظة بأن تلك الكارثة قد أخرستها.

بينما هو تقدم منها بخطى سلحفية وهو يقول بلهجة قاسية تشبه كثيراً ملامحه وعيناه التي كانت جاحظة، فبعثت الرعب في أوصالها: "بحب حازم يا عدي. اتخرست وكمكمت وجعي في قلبي ومفتحتش بقي. حازم سابني يا عدي، خدلي حقي. حاضر. جبتلك حقك تالت ومتلت. جنة دي السبب في كسرة قلبي يا عدي. حاضر. ورتها أسوأ أيام حياتها. ودمرت حياتها ومستقبلها. عايزة أعرف أهل حازم بيعملوها إزاي يا عدي. حاضر!

خدت مؤمن وروحت وعملت نفسي معرفش حاجة خالص. عايزة أشوه صورتها قدام أهل حازم يا عدي. حاضر! روحت لسليم وقولتله إن هي السبب في إدمان حازم وإنها حقيرة وشمال وضيعت مستقبل أخوه. عايزة أفضحها يا عدي. حاضر! خليت واحدة تروح تصورها في المستشفى عشان تفضحها في جروب الجامعة. مفيش حاجة طلبتيها مني مقولتش عليها حاضر. بس جه الوقت بقى اللي آخد حق كل حاجة عملتهالك يا ساندي. أنا ليا حق فيكي. وجه الوقت عشان آخده."

أنهى كلماته واقترب منها بعينين يرتسم بهما الجنون تماماً كأفعاله، حين قام بشق كنزتها إلى نصفين فظهر لباسها الداخلي. بينما هي وكأنها كانت فاقدة للنطق، حين كان يتفوه بكلماته التي سقطت فوق رأسها كمطرقة قوية. ولكن ما أن رأت جنونه وشعرت بيده القاسية تجردها من ملابسها، حتى أخذت تصرخ بقوة وتقاومه بشدة. ولكن هيهات، فقد كان كمن فقد آخر ذرة تعقل لديه، وقام بدفعها بعنف حتى سقطت على الأرض الصلبة.

وقبل أن تعي ما يحدث، قام بدفع رأسها بقوة حتى فقدت الوعي. ولم يلاحظ الدماء التي انتشرت أسفلها منبثقة من جرح كبير يتوسط رأسها من الخلف. وقد أعماه نشوة الغضب الممزوج بعشق جارف حطم حياته. وحين أوشك على التقاط شفتيها، شعر بركلة قوية أصابت رأسه فاطاحت به إلى آخر الغرفة. وصوت جهوري يقول: "بتعمل إيه يا حيوان!

توقفت السيارة أمام قصر الوزان، وترجلت منها جنة التي توجهت إلى باب أمينة وقامت بفتحه وهي تناظرها بلطف يخفي بداخله الكثير من التعاطف على تلك السيدة التي حتماً لن تستطيع احتمال سماع ما حدث. لذلك حاولت التعامل معها بحنان وتجاهلت ما حدث سابقاً، فقد كانت تعتبره جزءاً من عقابها لما فعلته بنفسها. "هاتي إيدك يا حاجة أمينة." هكذا تحدثت جنة بلطف وهي تمد يدها إلى أمينة، التي كانت جميع تصرفات جنة تزيد من تأنيب ضميرها.

وقد ارتسم اعتذار صامت في عينيها، فهمته جنة على الفور، فابتسمت بهدوء. وبادلتها أمينة البسمة بأخرى ممتنة، ومدت يدها واستندت عليها حتى خرجت من باب السيارة. وتوجهت للداخل. وأثناء مرور جنة بمروان الذي كان يقف واضعاً يده في جيوب بنطاله، وقد بدا على وجهه الامتعاض الذي تحول إلى حنق حين سمع جنة تقول: "مروان استناني هنا عشان عايزة أقولك على حاجات تجبهالي من بره وانت جاي." كانت تتحدث بوداعة ولطف، جعلوا أمينة تقول بلهفة:

"وماله يا حبيبتي. هات يا ابني كل اللي هي عايزاه يا مروان." رفع إحدى حاجبيه حين رأى ابتسامة خبث تزين محياه، وقال من بين أسنانه: "وماله، ما أنا العبد اللي جابوه من سوق العبيد." جنة ببراءة: "بتقول حاجة يا مروان؟ مروان بتهكم: "بقول عنيا. إحنا عندنا كام جنة؟ يعني دي هي واحدة بس، وده طبعاً من حسن حظنا." ابتسمت جنة وتوجهت للداخل مع أمينة، بينما قام مروان بالالتفات إلى ريتال وإمساكها من مقدمة فستانها وهو يقول بحنق:

"بت يا ريتال، شايفة الشبر والنص اللي اسمها جنة دي، عايزك تطلعي عينيها النهاردة تكفري سيئاتها، سامعة ولا لا؟ ريتال بصدمة: "إيه يا عمو الكلام النوتي اللي أنت بتقوله دا؟ مروان بحنق: "نوتي إيه الله يرحم أبوكي. بت انتي هرزعك بالقلم على عينك. بقولك عايزك توريها النجوم في عز الضهر. استجدعي مرة واحدة مع عمك." زفرت ريتال بعدم تصديق وقالت ببراءة: "أنت ليه شرير كده يا عمو مروان؟

دي جنة دي جميلة خالص وطيبة، وكمان اتفقنا إنها هتحكي لي حواديت كل يوم بالليل." مروان باستنكار: "يعني عشان كام حدوتة تبعيني؟ وبالنسبة للشيكولاتة اللي بدفع فيها دم قلبي دي ولا بتأثر فيكي خالص. ماشي يا ريتال، خليكي فاكراها." ريتال بملل: "أيوه ما جدو اللي بيديلك فلوسها أصلاً، وهو قالي كده، وبعدين مانت بتاكل نصها وقرب يطلعلك كرش."

لم يتثن له الرد حين تفاجأ بضحكات جنة التي كانت على مقربة منهم، بعد أن أوصلت أمينة إلى غرفتها وتوجهت للأسفل للحديث مع مروان والاطمئنان على حلا. فسمعت جملة ريتال الأخيرة واقتربت تناظره بنظرات شامتة، فنصب عوده يناظرها بلا مبالاة، فقالت ساخرة: "بتحرج نفسك مع طفلة صغيرة ليه. عايزة أفهم؟ "وتفهمي ليه، خليكي في نفسك. واحد وبنت أخوه بتحشري نفسك ليه؟ هكذا أجابها هازئاً، فقالت بتهكم:

"عشان ريتال صاحبتي، وأدخل في كل حاجة تخصها، صح يا ريتال." ريتال بلهفة: "صح يا جنة." امتدت يد مروان تعبث بشعر ريتال وهو يقول بحنق: "أصيلة زي اللي خلفوكي يا ريتال." ثم وجه أنظاره إلى جنة وهو يقول بنفاذ صبر: "انجزي قولي عايزة إيه أجبهولك، ماهو أنا الشوفير بتاع جنابك." جنة بتكبر: "انت تطول أصلاً؟ مروان بسخرية: "أطول إيه، انتي أساساً مش باينة من الأرض! خلي حد غيرك يتكلم عن الطول يا شاطرة."

اغتاظت جنة من سخريته منها، وقد عادت لها روحها القديمة في المزاح حين قالت بسخرية: "مش أحسن ما أبقى طويلة وكرش؟ ضيق مروان ما بين عينيه ونظر إلى عينيها التي يرتسم بها التحدي، فمن يراها يظن أنها طفلة بعمر ريتال لم يمس قلبها وجع ولم يطل جسدها أذى. فتابع شجارهم المزعوم قائلاً: "آآآه، تقريباً دا حقد عشان أنا bodybuilding وكده. اممم فهمت. معلش يا جنة، ماهو مش سهل على الإنسان يتولد أوزعة. أنا عاذرك." جنة بحنق:

"مش هرد عليك. عشان أنا أكبر من كده. المهم طمني على حلا. حادثة إيه اللي عملتها دي." برقت عين مروان وهو ينظر إلى ريتال قائلاً بتوتر: "ريتا يا روحي. ما تطلعي أنتي فوق أحسن ما تبردي." أطاعته ريتال على الفور، فتوجه بانظاره الحانقة إلى جنة وهو يقول بغضب: "دا تحديداً اللي ماكنتش عايزك تقولي قدام ريتال. ليه؟؟ عشان فتنة وخمس دقايق وهتلاقي البيت كله عرف." ارتبكت كثيراً وقالت بتلعثم:

"والله ما كنت أقصد. بس أنا كنت عايزة أطمن عليها." "متقلقيش هي كويسة واحتمال كبير بكرة نجيبها أنا وسليم ونيجي على البيت." جنة بارتياح: "طب الحمد لله. ربنا يشفيها ويطمنكم عليها يارب." كاد أن يتحدث، فالتقمت عيناه تلك التي تناظرهم بغضب كبير، بينما تتوجه إليهم، فقال مسرعاً: "عايزك دلوقتي تدخلي على جوا وتخلي بالك من مرات عمي، وأوعي ريتال تقولها حاجة. وأنا هبقى أكلمك سلام."

قال جملته الأخيرة بنبرة أعلى، حيث تصل إلى مسامع التي اقتربت منهم، فلم يعطها الفرصة للحديث، بل استقل سيارته وانطلق بها متجاهلاً نداءاتها المتكررة. وحانت منه نظرة جانبية في المرآة التي أظهرت صورتها الغاضبة بشدة، وقد أشعره غضبها هذا بالسعادة، وقد كان هذا أول شيء يسعده من تلك الفتاة التي سممت حياته لسنوات.

على نحو آخر، كان سليم يهرول في المشفى حاملاً تلك التي فقدت كل صلة تربطها في الحياة، وكأن روحها أرادت الاستسلام والصعود إلى بارئها. فلم تكن تحرك ساكناً، وقد أثار ذلك القلق بداخله. فبالرغم ما عرفه عن كل خطاياها، ولكن شهامته أبت عليه أن يترك امرأة في محنة، وألا يقسم لو كانت في وعيها لأعطاها نصيبها من العقاب الذي تستحقه.

كانت الدماء تغلي في عروقه حين تذكر تلك المؤامرات التي نصبتها هي وذلك المعتوه عدي حتى يوقعوا تلك البريئة في شباكهم، وهو بكل غباء ساعدهم. عودة إلى وقت سابق. خرج سليم يتبعه عدي، وتوجهوا إلى الحديقة الخلفية، وحين توقف سليم، بادر عدي قائلاً: "أنا مش مصدق يا سليم بيه اللي بيحصل دا؟ سليم بعدم فهم: "هو إيه اللي بيحصل؟ عدي بانفعال: "البنت اللي اسمها جنة دي! معقول هتعيش هنا." سليم باختصار: "مانت سمعت كلام سالم وعرفت السبب!

حاول بث سمومه في عقل سليم حين قال بتخابث: "ويُاترى اتأكدت من الكلام ده وإن الطفل ده ابن حازم... قاطعه سليم بعنف حين قال بصرامة: "عدي! مش عايز لخبطة في الكلام! كل كلمة هتقولها هتتحاسب عليها، ودي أرملة حازم، أي كانت ظروف جوازهم، فهي حالياً حامل في ابنه اللي هو ابننا، فخلي بالك من كلامك! ابتلع ريقه بصعوبة وحاول حبك مؤامرته حين قال بحزن مفتعل:

"اعذرني يا سليم بيه. بس حازم كان صاحبي ويعز عليّ أشوف الإنسانة اللي ضيعته عايشة وبتتمرغ في خيره، وكمان شايلة اسمه." سليم بخشونة: "تقصد إيه؟ لم تفصح ملامحه سليم عن شيء، ولكن عدي لمس الاهتمام في نبرته، لذا واصل خطته الدنيئة وقام بإخراج هاتفه وعبث به قبل أن يظهر بعض الصور الفوتوغرافية لجنه وهي تقف مع إحدى الشباب، وفيديو آخر وهي تعطيه إحدى العلب المغلفة والتي تبدو كهدية وعلى وجهها ابتسامة عذبة.

وبعد ما انتهى مقطع الفيديو، تحدث عدي بحزن: "دا وليد الجلاد، أكتر واحد كان بيكره حازم وكان في بينهم مشاكل دايماً. الهانم كانت مزقوقة عليه وهي اللي خلته يدمن، وكانت معاه يوم الحادثة، والله أعلم عملت إيه خلا دي تبقى نهايته." عودة إلى الوقت الحالي.

كان يقف أمام غرفة الطوارئ ينتظر خروج الطبيب حتى يعلمه أي عقاب قد نالته تلك الأفعى التي لولا تلك الحالة التي هي بها لكان أردها قتيلة في الحال، وخاصة حين تذكر حديث عدي قبل ساعة من الآن. قام سليم بركله في رأسه ركلة قوية أطاحت به، وأنقض عليه وأخذ يكيل له اللكمات وهو يسبه بشتى أنواع السباب الذي يعرفه. بينما عدي كان مستسلماً ولم يقاومه، بل على العكس، أخذت عبراته تنهمر بقوة على خديه. وحين زمجر سليم صارخاً:

"قوم خليك راجل واقُف قصادي. ولا مبتعرفش غير تتشطر على بنات الناس." خرج الكلام متقطعاً من بين شفتيه المتورمتين: "ج... جنة. مظ... مظلومة. كل. اللي. قولتهولك. كان. لـ... لعبة. مني. أنا. و... وسـ... ساندي." لكمة قوية نالها الحائط خلفه، وقد كانت إحدى محاولاته للتخفيف من حدة غضبه الذي إن أطلق له العنان سيقوم بحرقهم جميعاً. أخيراً خرج الطبيب من الغرفة واتجه إلى حيث سليم الذي تساءل بغضب: "حصلها حاجة؟ الطبيب:

"لا الحمد لله لسه زي ما هي، بس طبعاً في آثار اعتداء على جسمها. والمفروض إننا نعمل محضر. دي محاولة اغتصاب." سليم بالمبالاة: "اعمل اللي أنت شايفه صح." الطبيب: "وأنا هخلي المستشفى تتواصل مع حد من أهلها." سليم باختصار: "أنا هبلغهم." و بالفعل غادر سليم المشفى وهو يمسك هاتفه محاولاً الوصول إلى إحدى والديها. وبعد عدة محاولات أتاه صوت والدتها، فباغتها سليم قائلاً بفظاظة: "بنتك موجودة في مستشفى (...

اتعرضت لمحاولة اغتصاب. لو عندك وقت ابقي روحي شوفيها." "انت بتقول إيه يا مجنون أنت." تجاهل صراخها وقال بصرامة: "اللي سمعتيه." "مين معايا؟ سليم باختصار: "سليم الوزان." للمرة الثانية تتقابل مع تلك المرآة الصاخبة بكل شيء. ملامحها وجمالها ووقاحتها. فقد كانت تتحدث برقة تميل إلى الغنج، ونظراتها قوية نافذة لا تعرف الخجل. وقد أغضبها ذلك، إضافة إلى رِقته في التعامل معها، والذي قلما تراه يتعامل به مع أي شخص آخر.

وما يزيد من وقود غضبها هي أنها مجبرة على الصمت وارتداء قناع اللامبالاة أمامه، وتحمل نيران قوية تحرق أحشاءها من الداخل. "مانتي عرفاني ماليش في جو الحفلات دي." اقتربت منه وقالت برقة: "بس مع الوقت الناس بتتغير وقناعاتها بتختلف، ولا أنت مش مؤمن بتطوير الذات؟ ابتسم سالم قائلاً بنبرة ذات مغزى: "بس مبادئهم بتفضل زي ما هي." تجاهلت مغزى حديثه وقالت بفخر وهي تنظر حولها:

"طب مش هتقولي إيه رأيك في الديكور وتنظيم الحفلة. أوعى تقولي مركزتش زي كل مرة." حانت منه التفاتة سريعة على المكان حوله قبل أن يقول باختصار: "كويس." مروة بدلال: "سالم." سالم بفظاظة: "بما إنك مؤمنة بالتطوير، فعايزك تشتغلي أكتر على نفسك، عشان بفكر أخليكي تنظميلي حفلة مهمة أوي قريب." برقت عيناها من حديثه الذي أغضبها في البداية، ولكن تغلب الفضول على الغضب، وقالت بلهفة: "حفلة إيه؟ كعادته اختصر حديثه في جملة واحدة باردة:

"لما يجي وقتها هتعرفي." كانت تعلم بأنها لن تصل معه إلى أبعد من ذلك، فابتسمت بتذمر وهي تنظر إلى فرح التي كانت من الداخل كبركان ثائر قابل للانفجار في أي لحظة، على عكس صفاء ملامحها الخارجية، إلا من بريق خاطف في عينيها كان يوحي بالكثير. فتحدثت مروة بلطف زائد: "مش هتعرفينا ولا إيه؟ التفت يناظرها بنظرات حائرة، فلأول مرة يشعر بالتشتت والحيرة، لا يعلم بما يجيب.

يقف أمام سؤالها ولا يدري ماذا يقول، فقبل لحظات وضع كل شيء بين يديها وسلمها زمام الأمور، وقبل بقلب غير راضٍ أن يجعلها هي من تقرر مستقبلهما معاً. والآن لا يريد إقحامها عنوة في علاقة قد ترفضها مستقبلاً. استغرق الأمر ثوانٍ قبل أن يقول بلهجة جامدة: "فرح... "خطيبته! هكذا خرجت الكلمة من بين شفتيها مندفعة، وقد انفجر بركان غيرتها. من تلك التي كان المكر يغلف نظراتها التي كستها صدمة قوية، حين سمعت كلمتها.

ولكن الصدمة الكبرى كانت من نصيبه، فإعلانها هذا يعني الكثير له ولقلبه الذي كانت دقاته تضرب جوانبه بعنف. لا يستطيع تصديق أنها أعلنت انتماءها له. هل يعقل أن تفعل بها الغيرة كل هذا؟ كان يعلم أن خلف قناع الجمود الذي ترتديه طوال الوقت، أنثى حقيقية مفعمة بالشغف، وأن ذلك البرود الظاهري يخفي خلفه نيران متقدة تنبعث من عينيها في تلك اللحظة، والتي ستظل محفورة في ذاكرته طوال حياته.

وقد قرر أن يجعلها ذكرى لا تُنسى، حين امتدت يده تمسك بيدها التي كانت ترتجف من صدمتها لهول ما تفوهت به. ولكن أتت كلماته لتحول صدمتها إلى زهو وانتصار: "آه يا فرح حرقت المفاجأة وقالتلك حفلة إيه." مروة بعدم تصديق: "تقصد حفلة خطوبتك؟ الكلام دا بجد؟ اغتاظت فرح من حديثها واستفهامها، وكأنها لم تصدقها، وقد ارتفع الأدرينالين بدمائها، وأوشكت على إعطائها رداً لاذعاً. ولكن ضغطة قوية من يده أوقفتها عن الحديث، وتحدث قائلاً بخشونة:

"أنتي شايفة إيه؟ تحمحت مروة بحرج وقالت بذهول لم تستطع إخفاءه كلياً: "و دا من إمتى؟ يعني محدش قال حاجة. أنا على تواصل دائم مع... قاطعه حديثها بصرامة انبعثت مع عينيه أولاً وتجلت في نبرته حين قال: "لسه محدش يعرف حاجة. بس فرح قالتلك عشان عارفة إنك قريبة من العيلة." مروة باندهاش: "إيه دا هي فرح كمان عارفة صِلتي بالعيلة؟ سالم بنبرة ذات مغزى: "مفيش حاجة فرح متعرفهاش."

كان هناك حديث صامت يدور بين نظراتهم، وقد أغضبها هذا بشدة، وقد مارست أقصى درجات ضبط النفس حتى لا تنفجر بوجهيهما. ولكنها اكتفت بإيماءة من رأسها لتلك الفتاة حين هنأتها بكلمة مقتضبة: "مبروك! لم تكلف نفسها عناء الرد، بل ترفعت عن الإجابة، وأعطتها إيماءة بسيطة وابتسامة صفراء جعلت الدماء تفور في رأسها. وبعد ذلك تحدث سالم قائلاً بفظاظة: "متهيألي في ناس بتسأل عليكي جوا. روحي شوفيهم." ابتلعت حرجها وقالت بتكلف:

"آه. حاضر. فرحانة إني شوفتك. عن إذنكم." لم يتكلف عناء الرد عليها، بل اكتفى بهزة بسيطة من رأسه. وحين غادرت، تحدثت فرح بتوتر: "أنا صدعت. هطلع أوضتي عشان أرتاح شوية قبل المؤتمر بكرة، عن إذنك." لم تنتظر لسماع إجابته، وانطلقت نحو الداخل تشق طريقها بين الجموع في محاولة من الهرب من نفسها، ومما تسببت به بفعل غيرة هوجاء تملكتها كمس شيطاني أطاح بكامل تعقلها.

وبينما هي تمر بين الراقصين، وجدت يد قوية أحكمت اعتقال خصرها وأدارتها بقوة لتجد نفسها تقف في مواجهته وجهاً لوجه. وقد كان هناك نظرة تحدي كبيرة ترتسم بعينيه، مصحوبة بارتفاع إحدى حاجبيه، وكأنه ملامحه تقول: "إلى أين تهربين؟ كانا يتوسطا حلبة الرقص، يحيط بهما الناس من كل جانب، وقد جعلها هذا تحترق خجلاً، فأحنت رأسها تتحاشى النظر في عينيه اللتين كانتا تخترقانها في أشد لحظاتها ضعفاً.

ولكنه فاجأها حين وضع إصبعه أسفل ذقنها يرفع رأسها لتواجهه قائلاً بخشونة: "ارفعي راسك! خرجت الكلمات من بين شفتيها مهتزة: "سالم، إحنا مفيش حاجة بتربطنا عشان نرقص مع بعض بالشكل دا." سالم بفظاظة: "و بالنسبة للي لسه قولناه من شوية؟ فرح بتوتر: "حتى لو قولتي كده، ده برضو ميديكيش الحق إنك ترقصي معايا. الخطوبة مش رابط شرعي." تجاهل حديثها وخفف من قبضته حول خصرها، حتى أن يديه كانت تحاوطها دون تلامس، وقال بجفاء: "هربتي ليه؟

"مهربتش! تحدث بفظاظة ونفاذ صبر: "كذابة يا فرح، وبلاش تلاوعيني! زفرت بتعب قبل أن تقول بإرهاق: "انت عايز توصل لإيه؟ "اللي قولتي من شوية دا؟ كانت تعلم أنه لم يمرر ما حدث، لذا قاطعته تنفي عن نفسها شبه رغبتها القوية في الاقتراب منه: "ده حديث عابر عشان يبرر وقوفنا مع بعض لوحدنا! تحدث بلهجة محذرة: "بلاش تختبري غضبي عشان حقيقي مش هيعجبك! رفعت رأسها تنظر للأعلى، وهي تشعر نفسها محاصرة من جميع الجهات.

فهو قد أعطاها الفرصة كي تقرر، وهي كالغبيه انساقت خلف غيرة هوجاء وضعتها في هذا المأزق. ولكنها أخيراً قررت الوقوف على أرض صلبة معه، لذا غمغمت بخفوت: "موافقة! ارتفع إحدى حاجبيه باستفهام، أغضبها، لذا أخذت نفساً قوياً قبل أن تقول بلهجة حانقة: "موافقة. على جوازنا." ارتسم تعبير خاص على ملامحه لم تستطع تفسيره، فقد اختار الصمت، بينما تولت عيناه المهمة.

فقد كان نظراته تطالع ملامحها بتروٍ، وكأن هناك حديث خاص بينه وبين كل شبر بها. كانت نظرات خاصة مفعمة بأشياء كثيرة لم تستطع تفسيرها، وكأنه يخبرها أي شعور يمتلك نحوها! ولكن لسوء حظه وحظها، كانت تظن أنها نظرات منتصرة. فقد ظن كبرياؤها الجريح بأنها رهان ربحه الأسد الذي للأبد، وأنه يشعر بالغرور والسلطوة لكونه استطاع النيل منها. ولذلك رسمت قناع الجمود فوق ملامحها وهي تقول:

"بس أنا محتاجة شوية وقت. يعني أأقلم نفسي على وجودك في حياتي، وأحاول أتقبل الفكرة نفسها." أعاده حديثها إلى نقطة الصفر مجدداً. فها هي هواجسها اللعينة تفسد أجمل لحظاته معها. فلو انتظرت للحظات، لكان أخبرها أي شعور مميز يشعر به نحوها. لكنه تجاهل غضبه وابتلع جمرات أحرقته، وقال بخشونة: "قدامك لبعد ولادة جنة، وبعدها هنحدد معاد الجواز." ارتسمت الصدمة على ملامحها، وما أن أوشكت على الاعتراض، حتى قاطعه قائلاً بفظاظة:

"جواز الخطوبة والكلام الفاضي دا مش بتاعي. هنتجوز على طول. وده شيء غير قابل للنقاش." كانت هناك عينان يرتسم بهما الصدمة والغضب في آن واحد. وقد أيقنت بأن الأمر خطر للغاية، لذا توجهت للخارج وقامت بإجراء مكالمة هاتفية. وما أن أجاب الطرف الآخر، حتى قالت بتحذير: "لو فعلاً عايزة تلحقي اللي فاتك، يبقى تيجي بأقصى سرعة. الوضع هنا غاية في الخطورة. وافتكري إني حذرتك."

في التاسعة صباحاً، وبعد طريق دام ساعتين يملؤهما الترقب والأمل في ألا يعود خائباً هذه المرة. أخيراً وصل إلى المنزل المنشود، فترجل من سيارته وتوجه إلى البناية التي من المفترض يقطن بها بنات عمه. وبعد دقائق، كان يقف أمام باب الشقة وقام بطرق الباب عدة طرقات وانتظر للحظات وتابع الأمر مرة تلو الأخرى إلى أن يأس من أن يفتح له أحد. وقد تيقن بأنه لا يوجد أحد بالداخل.

فزفر بغضب، ولكن تفاجأ بذلك الصوت خلفه والذي كان لإحدى الجارات التي خرجت لدى سماعها صوت طرق قوي على الباب. فابتسمت إليه بود قبل أن تقول: "صباح الخير يا ابني." ياسين بلطف: "صباح النور." السيدة: "انت مين وبتخبط على الشقة دي ليه؟ "مش دي شقة الحاج محمود عمران؟ السيدة: "آه فعلاً، بس الحاج محمود مات من زمان واللي عايش هنا جنة وفرح بناته." ياسين بلهفة: "آه، طب أنا كنت جايلهم. هما مش موجودين ولا إيه؟ ناظرته السيدة

بشك قبل أن تقول بفظاظة: "اعذرني يعني، وانت جاي عايز جنة وفرح ليه؟ دول بنات وعايشين لوحدهم و... قاطعه ياسين بحنق، فقد ضاق ذرعاً بأسئلتها: "أنا قريبهم يا حاجة." قام بوضع هويته أمام ناظريها لتشعر السيدة بالحرج وهي تقول: "أهلاً بيك. اعذرني اللي مايعرفك يجهلك. بس دول زي بناتي وأنت عارف يعني! ياسين بنفاذ صبر: "لا ولا يهمك. ياريت لو تعرفي مكانهم أو هيرجعوا إمتى تعرفيني."

"الصراحة أنا معرفش هما فين بالظبط، بس فرح من قيمة شهرين كده قالتلي إنهم مسافرين تبع شغلها ومتعرفش هيرجعوا إمتى." زفر بحنق حين سمع إجابتها، ولكن تجاهل غضبه وقال بود مفتعل: "طب معلش حضرتك مش معاكي رقم حد فيهم؟ صمتت السيدة لثوانٍ قبل أن تقول: "لا الصراحة مش معايا." لا يعلم لما شعر بأنها تكذب عليه، لذا قال بحنق: "متأكدة؟ السيدة بتأكيد: "آه متأكدة وأنا هكذب عليك ليه؟

أومأ برأسه قبل أن يشكرها بكلمات مقتضبة ومن ثم غادر وهو يلعن حظه العاثر، وخاصة حين وجد هاتفه يضيء باسم والدته، فزفر بحنق قبل أن يجيب، فوجدها تصرخ قائلة بلوعة: "الحقني يا ياسين أبويا بيموت! ما أن تأكدت السيدة من مغادرته، حتى قامت بالاتصال على هاتف فرح الذي كان مغلقاً، فقد أغلقته أثناء حضورها المؤتمر برفقة سالم الذي بدأ هادئاً بشكل غريب منذ الصباح.

وطوال اليوم الذي بدأ طويلاً لا ينتهي، فقد انتصف النهار، وأخيراً استطاع التخلص من الصحافة وأضواء الكاميرات التي رافقتهم طوال اليوم. وما أن خرجوا من إحدى القاعات، حتى قامت فرح بفتح هاتفها، فوجدت جنة قد هاتفتها كثيراً، وأيضاً رقم جارتهم، فقطبت فرح جبينها باندهاش. ولم تلبث حتى وجدت جنة التي كانت تعاود الاتصال بها، وما أن فتحت الهاتف، حتى أتاها صوت جنة المتلهف: "إيه يا فرح فينك؟ طول اليوم فونك مقفول." فرح بطمأنة:

"معلش يا جنة طول اليوم في شغل. طمنيني عليكي." "أنا كويسة الحمد لله. اطمنت على البيبي والدكتور قالي إنه ولد." قالتها جنة بسعادة، شاركتها إياها فرح التي قالت: "يا روحي.. فرحتيني أوي. ربنا يجيبه بالسلامة." "يارب يا فرح. طمنيني أنتِ هتيجي إمتى وحشتيني أوي." فرح بحنان: "وأنتي كمان والله. احتمال كبير بكرة إن شاء الله." جنة بإندهاش: "بكرة. إزاي؟ هو سالم بيه ميعرفش اللي حصل لحلا ولا إيه؟ فرح باستفهام: "هو إيه اللي حصل لحلا؟

قصت جنة ما حدث على مسامع فرح التي شهقت بصدمة وقالت بلهفة: "طب هي عاملة إيه دلوقتي؟ "الحمد لله أحسن. يعني مروان لما كلمته الصبح طمني وقال إنهم هيجيبوها وييجوا، والمفروض إنهم مش هيقولوا حاجة قدام الحاجة أمينة عشان ميخضهاش، ولما توصل هيقولولها إنها وقعت وكسرت إيدها ورجليها." فرح بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ربنا يشفيها يارب. طب طمنيني الحاجة أمينة عاملة معاكي إيه؟

"والله يا فرح مش هتصدقي بتعاملني أحسن معاملة." فرح باندهاش: "وده من إمتى؟ "لا ده موضوع طويل. لما تيجي هحكيهولك. المهم طمنيني عليكي." أخذت الفتاتان تتبادلان أطراف الحديث. وما أن لمحته فرح قادماً بهيبته وهيمنته التي تبعث شرارات قوية تجتاح سائر جسدها محدثة ذبذبات قوية بداخلها، حتى أغلقت الهاتف مع جنة. وما أن وصل إليها، حتى قال بخشونة: "أخيراً خلصنا." جاء صوتها قلقاً على غير عادتها:

"سالم.. في حاجة حصلت وكنت عايزة أقولك عليها." تبدل جموده إلى قلق كبير ارتسم بعينيه وتجلى بلهجته حين قال: "حصل إيه؟ أنتِ كويسة؟ حد ضايقك؟ اهتز قلبها بقوة داخلها حين لمست اهتمامه الكبير، ولكنها لم تزد من قلقه، بل تابعت بخفوت: "أنا كويسة. الموضوع ميخصنيش. دي حلا... قاطعه سالم بخشونة: "مالها حلا؟ فرح بتمهل: "عملت حادثة… بس اطمن هي كويسة، شوية كسور بسيطة."

تجاهل حديثها وقام بإجراء عدة اتصالات، منها للاطمئنان عليها، ومنها لترتيبات عودتهم بأقصى سرعة. وفي أقل من ساعتين، كانت تستقل الطائرة بجانبه عائدين، وقد كان متجهم الوجه وعيناه جاحظة يرتسم بها الجمود. وقد ذكرها ذلك بيوم الحادث المشؤوم. فوجدت نفسها تحادثه بلهجة رقيقة مطمئنة: "اطمن. إن شاء الله هتبقى كويسة." التفتت عيناه تناظرها بغموض لم تعرف كنهه، ولكن جملتها جعلت ملامحه ترق قليلاً، وبددت قتامة عينيه.

وبعد لحظات من الحديث الصامت بين عينيهم، أومأ برأسه وتمتم بخفوت: "إن شاء الله." أن لا تجد أحد يحارب من أجلك في هذه الحياة، لهو شعور قاس ذو نكهة مريرة يشبه وحشة نبات صبار حزين يخشي الجميع عناقه. كانت سما تدور بغرفتها كالمجنونة، ترفض كل ما يحدث حولها. فرؤيتها لتلك الفتاة برفقة مروان كان أكثر ما يمكن احتماله، فقد كانت تتحدث معه كما لو أنهم أصدقاء قدامى، وقد قضوا اليوم بأكمله سوياً.

بينما هو يعاملها أسوأ أنواع المعاملة، ولا تعلم السبب. تشعر بالنبذ من جانب الجميع، وكأنها نبات شيطاني لا يرغب أحد بالاقتراب منه. فلا يزال حديثه يرن بأذنيها حين هاتفته تطمئن على حلا التي لم تعد إلى البيت حتى وقت متأخر، فأجابها بفظاظة: "حلا عملت حادثة وإيدها ورجليها اتكسروا وهتبات في المستشفى النهاردة. أتمنى إنك تكوني فرحانة باللي عملتيه." شعرت بالألم يعتصر قلبها ندماً على ما فعلته في صديقتها الغالية بغبائها.

وخرجت الكلمات حزينة منكسرة من بين شفتيها: "مروان ارجوك بلاش أسلوبك ده، أنا هموت من القلق عليها. ارجوك لو بتقول لي كده عشان توجعني، أنا فعلاً هموت من تأنيب الضمير." مروان بسخرية مريرة: "إيه دا عندك ضمير زينا؟ وده من إمتى؟ صرخت بانهيار نابع من قلب محترق: "حرام عليك بكل أسلوبك ده. بقولك هتجنن عليها. أقولك أنا جايه بنفسي أطمن عليها." صرخت بها غاضباً: "أياكِ!

أياكِ يا سما تخرجي في وقت زي دا، وإلا هاجي أكسر دماغك، فاهمة ولا لأ." صدمها رده، ولكنها كانت تريد الاطمئنان على حلا، لذا قالت بتوسل: "طب حاضر، هسمع كلامك. بس طمني على حلا." مروان وقد لانت نبرته قليلاً: "كويسة زي ما قولتلك. كسر في إيدها ورجلها وكدمات بسيطة. الحمد لله ربنا سترها." تنفست الصعداء حين سمعت حديثه، ولكنها تابعت برجاء: "طب ممكن أسمع صوتها." مروان باختصار: "نايمة." لم تسنح لها الفرصة للحديث، فقد تابع بسخرية:

"على فكرة مرات خالك متعرفش، ابقى روحي قولي لها بقى عشان يجرالها حاجة وتبقى كملت، ما أنا عارفك بتموتي في عمل الخير قدام عنيكي." شعرت بإهانة كبيرة اخترقت أعماق فؤادها من حديثه، وتجلى ذلك في نبرتها التي بحها الألم حين قالت: "شكراً إنك طمنتني على حلا. واطمن مش هقول لحد حاجة. أنا مش وحشة أوي كده." شعر بأنه آلمها، ولكن لم يكن بيده، فقد تجرع بسببها شتى أنواع الألم وأقساها. لذا خرج الكلام من فمه رغماً عنه:

"أما أشوف إذا كنت هقدر أثق فيكي ولا لأ." أجابته بحنق: "أنا مش واثق فيا، إنما الست جنة اللي واقف تتساير معاها هي اللي ممكن تثق فيها، مش كده؟ لا يعلم لما شعر بالسعادة من حديثها، لذا تابع مشدداً على كل حرف تفوه به: "جنة، يا ريت الناس كلها زي جنة. دي الواحد يثق فيها وهو مغمض. مانتي شفتي حازم باع الدنيا كلها واختارها هي. سلام."

كانت كلماته تتراشق في قلبها كالأسهم النارية التي كانت تحفر مكانها ألماً لا يحتمل، جعل العبرات تنساب بغزارة من مقلتيها. وصار صوت نحيبها يعلو كالأطفال. وقد كانت همت تراقب ما يحدث بقلب منفطر على فلذة كبدها التي خسرت ثقتها بنفسها، وخسرت ثقتها بالجميع، وانطفأ بريق عينيها وبهت شبابها، حتى أن مقلتيها لم تعودا إلى لونها الطبيعي. فدائماً تلونهم حمرة الوجع الناتج عن بكائها طوال الليل.

وقد جعل كل هذا نيران الغضب والحقد تملأ رئتيها، وقد قررت أن تذيقهم بعضاً مما أذاقوها إياه. وقامت بالتوجه إلى المطبخ، فوجدت الخادمة تعد الفطور على إحدى الصواني، فسألتها: "الفطار دا لمين؟ الخادمة باحترام: "دا لـ جنة هانم. الحاجة أمينة أمرت إننا نطلعهولها أوضتها." لمحت همت كوب العصير الموضوع أمامها على الصينية، فحولت أنظارها إلى الخادمة وهي تقول بأمر:

"طب روحي اسألي الست أمينة إذا كان حد هينزل على الفطار ولا البيت هيتحول لفندق وكل واحد هيفطر في أوضته." شعرت الفتاة بالحرج، ولكنها أطاعتها وهرولت إلى الأعلى. بينما هي أخذت تنظر حولها، ترى إن كان هناك أحد يراها أم لا. وحين تأكدت من أن لا أحد بالجوار، قامت بإخراج شريط من الحبوب من إحدى جيوب ثوبها وأفرغت أكثر من نصفه في كوب العصير وقامت بتقليبه جيداً. ووضعت باقي الشريط بمكانه. ولكنها فجأة تجمدت بمكانها حين سمعت ذلك الصوت

الصغير يأتي من خلفها: "إيه يا نانا انتي بتحطي إيه في العصير؟ تجمدت همت بمكانها وسرعان ما تنفست الصعداء وقامت بالالتفات تنظر إلى ريتال بحنق أتقنت إخفاءه، وأشارت لها بالاقتراب، فأطاعتها الطفلة واقتربت منها. فحاوطتها همت بحنان تجلى في نبرتها حين قالت: "هقولك على سر خطير. بس توعديني إنك متقوليش لحد." تحمست الصغيرة وهزت رأسها بقوة، فقالت همت بتخابث:

"مش طنط جنة كانت عند الدكتور والدكتور قالها إنها ضعيفة ومبتأكلش وأداها فيتامينات وأدوية عشان النونو الصغير. وعشان هي متعبة ومش بتسمع الكلام ومش بيعجبها طعم الدوا، فإحنا اتفقنا نحطهولها في العصير من غير ما تعرف عشان تخف وتبقى كويسة هي والنونو. بس أوعي تجيبي سيرة لحد أحسن يبطل يشرب العصير هو كمان لو عرف." انبهرت الفتاة بحديثها وقالت بحماس:

"حاضر مش هقول حاجة خالص، بس هو ينفع إن كلنا بدل ما نشرب الدوا اللي طعمه وحش ده نحطه في العصير." "آه طبعاً ينفع." هكذا أجابتها همت، قبل أن تؤكد عليها مرة أخرى بضرورة عدم إخبارها أحد. فوعدتها الفتاة وهرولت للأعلى. وخرجت همت من المطبخ مسرعة تتلفت حولها حتى لا يراها أحد. واستقرت في غرفة الجلوس، لتأتي الخادمة وتحمل الصينية الكبيرة وتتوجه إلى غرفة جنة وتقوم بطرق الباب.

فأذنت لها بالدخول، وكانت تقوم بتنشيف خصلات شعرها بعد أن أخذت حماماً منعشاً للتو. واستأذنت الخادمة للخروج. وهي في طريقها للمطبخ، أوقفها نداء الفتاة الصغيرة. فاقتربت منها الخادمة تقول بلطف: "أهلاً يا أمورة." ريتال بأدب: "أهلاً بحضرتك. ينفع أطلب منك طلب؟ "طبعاً. اتفضلي." قامت ريتال بإخراج علبة كبيرة تحتوي على أقراص فيتامينات قد وصفها لها الطبيب حتى تعزز من ذاكرتها وتقوي مناعتها.

ولكنها كانت تكره تناول العقاقير كثيراً، لذا أعطتها للخادمة وهي تقول ببراءة: "ممكن تحطيلي الفيتامينات دي في العصير عشان أنا بكره طعمهم أوي والدكتور قال عشان أكبر وأبقى شطورة لازم آخدهم." الخادمة بلطف: "للأسف يا ريتا الفيتامينات دي لازم تاخديها وتشربي بعدها ميه، مينفعش تدوب في العصير." ريتال بعناد: "لا ينفع. جربي بس." "يا حبيبتي مينفعش أنا عارفة بقولك إيه." ريتال بحزن:

"لا ينفع، ونانا همت هي اللي قالتلي كده لما شفتها بتحط الفيتامينات لجنه في العصير عشان هي زيي مابتحبش طعمهم." الخادمة بإندهاش: "عصير إيه وفيتامينات إيه؟ "العصير اللي إنتي لسه مطلعيهولها فوق دلوقتي." هنا صدح صوت قوي من خلفهم: "جـ... جنـ... ـة... كانت على وشك الارتشاف من عصير الفراولة المفضل لديها، وما أن أوشكت على وضعه فوق شفتيها حتى سمعت اسمها يتردد في الأرجاء.

فالتفتت لتجد سليم الذي اقتحم باب غرفتها بلمح البرق، وقام بالاقتراب والإطاحة بكوب العصير الذي كانت تمسكه، مما جعلها تتراجع بقوة للخلف حتى كادت أن تقع. ولكن أتت يداه وأمسكتها بقوة تمنعها من السقوط. لحظات ذعر، هو يناظرها برعب حقيقي ارتسم بعينيه وتجلى في نبرته حين قال: "شربتي من العصير دا؟ حاولت الحديث ولكن اختفى صوتها، فلم تستطع إجابته، فقط هزت رأسها نافية.

فخرجت منه زفرة ارتياح، ولأول مرة ترى عينيه تناظرها بتلك اللهفة وهذا القلق، ويداه التي تمسك برسغها بقوة آلمتها. ولكنها للحظة لم تجرؤ على الحديث، فقد كانت دقات قلبها تتقاذف بعنف جراء ما حدث. وجاءت كلماته التالية لتزيد من صدمتها حين قال: "اياكِ تشربي أو تاكلي حاجة من إيد الخدم تاني." أخيراً استطاعت إخراج صوتها الذي كان مهتزاً بفعل الخوف والصدمة والألم أيضاً: "هو في إيه؟ لا يعلم بماذا يجيبها ولا كيف يبرر لها فعلته تلك.

ولكنه حين سمع حديث الصغيرة عن تلك الحبوب المزعومة والتي من المؤكد أنها ستؤذيها هي والصغير، لم يستطع التحكم في نفسه وهرول بأقصى سرعته حتى يمنع حدوث أي شيء سيء لها. ولهذا لم يفسر شيئاً، بل قال بخشونة: "اسمعي اللي قولتهولك من غير أسئلة كتير." تركها بغتة والتفت يغادر دون أن يتفوه بحرف واحد. وقد كانت شياطين الجميع تلاحقه.

وحين وقعت عيناه على تلك التي كانت ترتجف من رؤيته بهذا الشكل، وخاصة وأن عيناه كانت مسلطة عليها من بعيد كنسر جارح يوشك بالانقضاض على فريسته، مما جعلها تتراجع إلى غرفة الجلوس تحاول التظاهر بأن شيئاً لم يحدث. ولكن جاء صوت الباب الذي أغلقه سليم بقوة أصدرت صريراً قوياً جعلها تنتفض في جلستها. والتفتت لتصطدم بعينين بلون الجحيم الأحمر القاني، الذي جعلها ترتجف في مكانها.

مع كل خطوة كان يقترب منها، وصوت أنفاسه الهادرة يقطع السكون حولهم. فأخذت تتراجع للخلف ودقاتها الهادرة في سباق عنيف آلمها. ولكن جاء صوته العاصف ليجعلها تشهق بعنف: "إزاي جالك الجرأة ترتكبي جريمة بشعة زي دي؟ شهقة قوية خرجت من جوفها جراء صراخه الذي جعل جسدها يقشعر، وخاصة حين تابع بقسوة: "واحدة زيك وفي سنك قادرة تتحمل ذنب عظيم زي دا." حاولت تجاوز هلعها منه ونفس تلك التهمة البشعة عنها، إذ قالت بتلعثم: "ذ... ذنب إيه؟

إيه اللي انت تقصده بكلامك دا؟ صرخ هادراً بها: "أنتي عارفة. هته استعبطيني؟ أنا مش قادر أتخيل إنك ممكن تعملي كدا. إحنا يا عمتي عايزة تخلصي علينا إحنا. مش كفاية اللي حصل لحازم. متوجعتيش على قهرتنا وحرقة قلب أمي عليه. ده إحنا كنا بنعتبرك زيك زي أمنا. انتي اللي تدبحنا بالشكل دا." كانت لهجته تقطر ألماً وحسرة، لاقت صداها بقلبها الذي كان هو الآخر متشبعاً بالألم والحسرة على فلذة كبدها. فصرخت من بين قطراتها:

"وابنتي اللي دبحتوها كلكم من غير ما تصعب على حد فيكم! من أول أخوك اللي علقها بيه طول عمرها ورماها وراح دور على غيرها. وأمك اللي من بعد ما الست هانم شرفت وهي مبتبصش في وشها، إلا اللي رحتوا جبتوها وقعدتوها وسطنا وبتعاملوها زي البرنسيسات قدام بنتي اللي قلبها محروق عشان حامل في ابنه. عارف سما حاسة بإيه؟

سما اللي طول عمرها متربية معاكم هي وشيرين. سما بتموت بالبطيء. بتدبل زي الوردة كل يوم. خايفة أفتح عليها باب أوضتها ألاقيها ماتت من كتر القهرة. بنتي اللي اتدفنت بالحياة ولا عمر حد هيفكر يرتبط بيها بعد ما الناس كلها كانت عارفة إنها خطيبة أخوك وفجأة يشرف ابنه. فكرت فيها الناس هتبصلها إزاي؟ ولا هتقول عليها إيه؟ كان يتابع حديثها الذي يمزقه من الداخل.

فقد كانت محقة في الكثير من الأشياء، وبسبب كل تلك الأحداث الصاخبة تناسوا أمر تلك الفتاة البريئة التي كانت تلهو وتلعب بجانبهم وكبرت على أيديهم، والآن تموت بسببهم. وبدلاً من أن يكونوا بجانبها وسندها في هذه الحياة، أصبحوا السكين التي تنحر عنقها دون رحمة. تجاهل كل ما يشعر به وقال بقسوة: "كل دا ميديش الحق إنك تقولي طفل بريء ملوش ذنب في أي حاجة حصلت." همت من بين دموعها:

"عندك حق. بس مفيش حد عنده أغلى من أولاده في الدنيا. وخصوصاً إني مبقاش عندي غيرها، ما أختها الكبيرة مبقتش عارفة أشوفها. حتى دي كمان هتضيعوها مني. ما تقولي يا سليم ده مش ظلم برضه؟ تجاهل منحنى الرد لتتابع هي جلده بسوط كلماتها:

"انتوا ظالمين أوي يا ولاد أخويا، ومش انتوا وبس انتوا واللي ربتكوا. اللي جت تعرض بنتي عليك عشان بس تبعدك عن ست الحسن والجمال لما حست إنك بس مهتم بيها، وكأن سما دي رخيصة ملهاش أهل ولا ليها لازمة. استبن لأولادها. سما اللي كل ذنبها إنها اتولدت لقت نفسها يتيمة وأجبرتها الحياة تعيش وسط ناس معندهاش رحمة زيكوا. أنا مش آسفة يا ابن أخويا، انتوا تستاهلوا بحرق قلبكوا ألف مرة على عمايلكوا في بناتي."

اختتمت حديثها وخرجت مهرولة للأعلى تسبقها عبراتها تتركه خلفها، ذلك الذي أهلكه الألم للحد الذي جعله يسقط بقوة على المقعد خلفه، ولأول مرة بحياته يشعر بهذا الكم من القهر والعذاب، ولا يوجد ما هو أصعب من قهر الرجال. استيقظت حلا من ثباتها العميق على يد حانية تتحرك بخفة على وجهها وصوت كانت تحتاجه كثيراً يحادثها بحنو: "الأميرة النايمة صحيت أخيراً؟ فتحت عيناها على مصرعيها وأشرق وجهها حين رأت وجه شقيقها الأكبر.

فهطلت العبرات من مقلتيها بقوة وامتدت يدها السليمة تعانقه بكل ما أوتيت من قوة، وبادلها هو العناق بأقوى منه، فقد كان أخ بنكهة أب. على قدر قسوته يأتي حنانه، على قدر جموده وبروده، ولكن لم يكن يتحمل أن تمسها نسمة هواء. كان أشقاؤها الثلاثة بمثابة درع حامٍ لها يجعلها تشعر بالأمان من وحشة هذا العالم. وحين فقدت حازم، شعرت بأن عالمها اهتز وانقلب رأساً على عقب.

وبعد أن تجاوزت صدمة فقدانه، أصبح الآخران هما حياتها بأكملها، لذا كان أقل شيء منهما قادراً على كسرها. وقد لمس هذا سالم، لذا تركها تخرج مكنونات صدرها على هيئة عبرات غزيرة آلمته كثيراً. ولكنه لم يعلق بشيء وانتظر حين تنتهي من نوبة نحيبها. وقد كان كل هذا يحدث أمام فرح التي تراجعت بخطوات بطيئة إلى الخارج لتترك لهم حرية التعبير والحديث.

وجلست على أحد المقاعد، وما لبثت أن ترتاح قليلاً حتى وجدت رقم جارتها الثرثارة التي هاتفتها كثيراً، لذا زفرت بقوة قبل أن تقوم بإعادة الاتصال بها. وما أن تحركت حتى جاء ياسين الذي كان استقرت حالة والده الذي يقطن إحدى الغرف في الطابق الأعلى. وحين اطمأن على استقرار حالته، شعر بحاجة ملحة لرؤيتها والاطمئنان عليها، لذا توجه إلى غرفتها. وما إن أوشك على الدخول حتى أتاه اتصال هاتفي كان ينتظره، فأجاب بنفاذ صبر: "أيوا يا سعد؟

سعد على الطرف الآخر: "بحاول أوصلك من الصبح يا ابني. انت فين؟ ياسين بحنق: "أبويا تعب جداً، بالإضافة إني روحت على العنوان اللي ادتهولي لقيتهم مسافرين بقالهم أكتر من شهرين. شفت الحظ." "أوف بقى. طب وهتعمل إيه؟ ياسين بغضب: "مش عارف، وأبويا حالته بتسوق كل يوم عن يوم، وأنا عامل زي المكتف مش عارف أعمله حاجة." صمت سعد لثوانٍ قبل أن يقول بتفكير: "طب اديني يومين كده، في فكرة في دماغي يمكن توصلنا لحاجة." ياسين باستسلام:

"تمام. شوف وكلمني." أنهى مكالمته، وما أن أوشك على طرق الباب حتى تفاجأ بصوت أنثوي خلفه: "لو سمحت ممكن تتحرك من قدام الباب شوية عايزة أدخل؟ تراجع ياسين خطوتين وهو يقول بحرج: "آه معلش آسف. اتفضلي." فرح بلطف: "لو حضرتك كنت هتدخل اتفضل." ياسين بحرج: "لا خلاص، أنا بس كنت عايز أطمن على آنسة حلا. ممكن آجي في أي وقت تاني عادي." لا تعلم لما شعرت بأن ملامحه ليست بالغريبة عليها، فطال تحديقها به لثوانٍ قبل أن تقول:

"هو حضرتك تعرف حلا منين؟ "أنا ياسين عمران. معيد في جامعة قناة السويس، وحلا طالبة عندي." يتبع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...