الفصل 93 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل الثالث والتسعون 93 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
18
كلمة
8,432
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

تغيرت المودة والإخاء وقل الصدق وانقطع الرجاء وأسلمني الزمان إلى صديق كثير الغدر ليس له رِعاء ورب أخ وفيت له بحق ولكن لا يدوم له وفاء أخلاء إذا استغنيت عنهم وأعداء إذا نزل البلاء يبقون الود ما بقي اللقاء وإن غنيت عن أحد قلاني وعاقبني بما فيه اكتفاء سيُغنيني الذي أغناه عني فلا فقر يدوم ولا ثراء

غدر في لحظة خطيرة، طعن الأخ أخيه الكبير غدراً وتلوثت يديه بدماءه، ما كان عليه أشبه بشخص لا يعي لأي شيء يحدث حوله، عقله تغيب واليد التي كانت تعانق وتربت هي نفسها التي طعنت وغدرت وتلوثت بدماء شخص بريء مثله، تلبسه الشيطان وسولت له نفسه بارتكاب أكبر الجرائم وأكثرهم عقوبة، قتل وقتل والإثنين أشد عقوبة، صغير لم يعلم سوى ما كان يريد العدو أن يعلمه، وحينما حقق مبتغاه فر هارباً حتى لا يتم كشفه.

"جاءها الغدر من أكثر الأشخاص وفاءً لها"

كانت تجلس أمام غرفة كليهما وعبراتها تسقط على صفحة وجهها، لا تصدق ما حدث وما أوصله إليه أخيها الصغير الذي فاجأهم جميعاً بفعلته تلك وأكثرهم كان رفيقه الذي كان يراه أخيه الصغير الذي لم تنجبه والدتها، كلما تذكرت مشهد زوجها الساقط أرضاً غريقاً في دماءه يؤلمها قلبها بشدة، حينما سقط وتقطعت أنفاسه ونزفت دماءه وخارت قواه وسقط الأسد كانت تسقط مملكته معه، سقط وسقطت معه مستسلمة لهفوات الرياح وعواصف الشتاء السقيعة.

أستسلمت لكل شيء حولها معلنة عن رفع رايات الاستسلام أمام الجميع بعد أن رحل حاكم مملكتهم وفارقهم دون سابق إنذار، ويأتي المشهد الثاني لأخيها الذي فاجأهم جميعهم، مفاجأة من العيار الثقيل، حينما قام بطعن نفسه بنفس السكين التي أنهى بها على حياة رفيقه لتكون ضربة أخرى تكسر ظهر البعير، وكأنه أقسم على جعل هذه المملكة في حالة حزن ستدوم لسنوات وليست لعدة أشهر فحسب.

وقبل أن ينهي حياته تماماً ويعطي نفسه الضربة الفيصلية منعه أكثرهم خوفاً وخـ ـشية عليه، أكثرهم أمناً وأماناً بالنسبة إليه، أخيه الكبير والحامي الأول له، منعه أخيه وأبيه وبئر أسراره عن كارثة فجة ستطيح بالجميع إلى الهلاك، ولكن عندما تأتي الضربة الأولى تكون في بعض الأوقات الضربة القاضية للمرء وقد كانت هكذا بالنسبة إليه.

بكت أكثر بعد أن فقدت قدرتها في السيطرة على نفسها أكثر من ذلك وهي تضع يديها على فمها، فما زالت لا تصدق ما حدث حتى الآن وتأمل أن يكون كابوس أسود سينتهي في أية لحظة وستستيقظ منه لتراه يضمها ويطمئنها أنه بخير كالعادة وما هو سوى كابوس أسود وانتهى، ما زالت تأمل أن يكون كابوساً.

جلس "أكرم" بجوارها بهدوء، دون أن يتحدث، فيما أكملت هي بكاءها وكلاهما في عالم آخر بعيدين عن بعضهما البعض، حركت رأسها تنفي ما يجول في رأسها من هذه المشاهد المؤلمة لقلبها لتقول بنبرة باكية:

"مستحيل يكون دا حقيقي، بتمنى كل دا يطلع حلم، لا كابوس، دا أكيد كابوس وهصحى منه وألاقي "يوسف" داخل عليا بيهديني ويقولي دا كابوس يا "بيلا"، مش معقول كل الكوابيس اللي شفتها دي كلها تكون حقيقة، دلوقتي أنا كنت كل كابوس بقوم منه مخضوضة ومرعوبة عليه، أقوله أنا خايفة عليك وهو يكذب إحساسي ويقولي مفيش حاجة أنتِ كويسة وتعبانة شوية، كل حاجة حصلت يا "أكرم" وسايبني لوحدي."

ألـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000500000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000

ولم يخبرنا "سراج" هذا اللعين، تبا. هدّر بها "كين" بنبرة غاضبة ومنفعلة، فيما نظرت هي إلى الجميع، ومن ثم ألقت قنبلتها الثانية في أوجههم قائلة: _الكارثة الثانية أن "شيراز" الآن ستقابلني في منزل مسكون لأمر هام، ويجب علي الذهاب الآن. _"إيميلي" هل جُننتي يا امرأة؟ هل تعلمين ما تقولينه أم أن أحدهم أسقط عصا حديدية على رأسك!

من جديد يهدر في وجهها بنبرة أشد غضباً وعنفاً عن زي قبل، ليتقدم منها بخطى واسعة ثم وقف في مواجهتها وهتف بنبرة حادة وهو يشير إليها قائلاً: _هذه الحقيرة ستقوم باستغلالك بسببها "أديتي" تصارع الموت الآن، و"ويسلي" سيقتلنا جميعاً إن رحلت، وأنتِ الآن ستذهبين إليها بقدميك، ستذهبين إلى الموت أيتها المجنونة، ماذا حدث لكِ "إيميلي".

_سأفعل الصواب يا "كين"، حتى وإن كانت حياتي فداءً لذلك فسأفعل، ثمة صوت بداخلي يخبرني أن أذهب، فلن أخسر شيئاً بعدها، سأذهب ولا أريدك أن تقلق بشأني، سأكون بخير، ولكن هذا من أجل سلامة الجميع يا عزيزي، لا تقلق سأكون بخير. أنهت حديثها وهي تنظر إليه ببعض القلق حينما رأت الغضب والرفض بادياً على معالم وجهه ونظرته، لتيقن أنها ستحتاج إلى بعض الوقت حتى تقوم بإقناعه عن فعل هذا مهما كلفها الأمر. وفي مكان آخر بعيد كل البعد عنهم.

حيث منزل أشبه ما يقال عنه مسكون. ولجت "إيميلي" إلى الداخل وهي تنظر حولها بنظرات ثاقبة مترقبة ما يحدث حولها، حيث المنزل المظلم والمليء بالأتربة والوباء. رأت جسداً يقف بعيداً عن مرماها، لتيقن أنها "شيراز"، ولذلك تقدمت منها بخطى هادئة، وبداخلها صوت يحسها على الإكمال. وقفت خلفها مباشرة لتبتسم الأخرى بعد أن شعرت بها. _كنت أعلم أنكِ ستأتين "إيميلي"، لم تخيبي ظنوني يا امرأة.

نطقت بها "شيراز" مبتسمة الوجه، ثم التفتت إليها بكامل جسدها لتتثنى لها رؤيتها بشكل أوضح. فيما كانت "إيميلي" تنظر إليها وهي حتى هذه اللحظة تجهل سبب مجيئها لمقابلتها وحدها في هذا المنزل الذي أقل ما يقال عنه أنه مسكون. أخذت "شيراز" نفساً عميقاً ثم زفرته قائلة مبتسمة الوجه: _والآن يا عزيزتي، أريد أن أتحدث معكِ وأخبركِ بشيء هام وبشدة، وأنتِ منذ هذه اللحظة المنصتة فحسب، اتفقنا. ***

كان يجلس في محله كما اعتاد، وهم يلتفون حوله يستمعون إليه، وسط غُومة الهواء الأبيض المحيط بهم بسبب لفافات تبغهم وغيره. أخذ نفساً عميقاً من لفافة تبغه داخل رئتيه، ثم زفر بعمق وقال بنبرة جامدة: _كدا فل وياسمين علينا يا جامدين، لا من شاف ولا من دري. الحتة اللي جابها "حديدة" دي عال العال، حبة قد رشة الملح أتحطوا فالعصير، طيروا عقله وخلّوه فالعالم الموازي.

ولسه تحقيق وسين وجيم وحبس، يعني كدا "جعفر" نقدر نقول عليه إن لله وإنا إليه راجعون، الفاتحة على روحه يا رجالة مقدماً لحد ما يجيلنا خبر موته أكيد. وبالفعل قاموا بقراءة سورة الفاتحة على روح ظنوها فارقت الحياة ورحلت عن عالمهم، وكأن حقها رحل معها، وحياتهم ستسير كما يريدون. لا يعلمون أن هذه ما هي سوى بداية جحيمهم، وأن بفعلتهم تلك فتحت عليهم أبواب جهنم أجمع.

مسحوا بكفوفهم على وجوههم فور أن أنهوا قراءتها، ليلتفت "عصفورة" بجسده إلى "حديدة" الماثل على الجهة الأخرى وقال: _المفروض دلوقتي بقى نعمل إيه؟ رَمقه الآخر نظرة ذات معنى، وأبتسم إليه بسمة الذئب الجائع، لينظر أمامه نظرة مليئة بالمكر والخبث قائلاً: _هنعمل كل خير طبعاً، هو إحنا عمرنا ما عملنا حاجة غير الخير، أتفرج يا حبيبي وهتشوف بنفسك إيه اللي هيحصل. على الجهة الأخرى في الحارة.

وصل "رمزي" ليتقابل مع "ثريا" التي خرجت سريعاً من محلها حينما رأته يمر من أمامه لتوقفه بنداءها إليه. فيما توقف هو والتفت إليها بكامل جسده، لتقف هي أمامه قائلة بنبرة مليئة بالخوف والقلق على ولدها الثاني بالنسبة إليها، بعد أن قامت برعايته منذ الصغر واحتوائها إليه حينما كان يتشاجر مع "جميلة" وتقوم بمعاقبته وطرده من المنزل والمبيت في الشارع. كانت تأويه في منزلها بجوار ولدها وتوفر إليه جميع سبل الراحة:

_طمني يا ابني على ابني، هو كويس دلوقتي، أنا عمالة أتصل بـ "حسن" الشبكة مش مجمعة خالص وقلبي واكلني عليه أوي، الساعة داخلة على ١٢ أهي وهيبدأ يوم جديد وأنا معرفش إيه اللي جرى، طمني عليهم هما الاتنين، الدكتور قال إيه ولا إيه اللي حصل. حينها رَحَم قلبها المتأكل على شقيقه وصديق طفولته، وعلى شاب رآه صالحاً وطيب القلب، لا يعلم شيئاً عن الغدر.

قرر تهدئة روحها وإخماد نيرانها بكلماته التي كانت كقطع الثلج الصقيع في فصل الشتاء، يسقط على مشعل النيران يطفئها ويبرد سخونتها: _الحمد لله قدر ولطف، الاتنين خرجوا ودخلوا العناية المركزة، الدكتور قال لازم يفضلوا فيها لحد ما يعدي ٢٤ ساعة يعدوا فيها مرحلة الخطر والأجهزة الحيوية بتاعت الجسم تشتغل بشكل طبيعي وبعدين هيخرجوا. هو بس اللي خايفين منه دلوقتي "بشير".

بداية حديثه أراحتها بشكل ملحوظ، صدر على لين معالم وجهها، ثم عاد الخوف ينهش قلبها بعد أن أخبرها عن خوفهم من هذا الشاب المسكين، لتسأله هي عن السبب بقلب مكلوم لأجله، ليأتيها الرد منه قائلاً بنبرة مرهقة: _خايفين القلب يقف تاني، وقف مرتين مرة هنا ومرة في أوضة العمليات، لو فضل يقف كتير مش هيكون كويس عشانه وهيأثر عليه بشكل ملحوظ. أدعي له يا أم "حسن"، أدعي له لعل ربنا يستجيب دعواتك ويقومه لأخواته اللي قلبهم محروق عليه.

آلمها قلبها حينما استمعت إلى حديثه، لتبادر في دعائها وتضرعها إلى المولى عز وجل الذي هو على كل شيء قدير. زفر هو بعمق، ثم استأذنها وتوجه إلى منزله بعد أن سمحت إليه، وعادت من جديد إلى محلها، ولسانها لا يتوقف عن ترديد الأدعية إليهما. فيما ولج هو إلى شقته ليسمع صوت القرآن الكريم يصدر من الراديو الذي كان يعلو الطاولة متوسط الحجم بصوت الشيخ مشاري. حالة هدوء تسكن المكان، هي الأقرب والأحب إلى قلبه في مثل تلك اللحظات.

نزع حذاءه، ثم توجه أولاً إلى المرحاض يغتسل. فتح صنبور المياه وقام بغرف المياه بكفيه وألقاها على وجهه عدة مرات، كي يستفيق من حالة الكسل والثقل التي اقتحمت جسده دون سابق إنذار، ليكون الشيطان في هذه اللحظة هو البارع والمتحكم به. ولكنه يعلم ذلك جيداً، ولذلك خرج وهو يمسك المنشفة يجفف وجهه وهو يستعيذ بالله.

توجه إلى الغرفة وولج ليرى زوجته تجلس على المقعد وتتلو آيات الذكر الحكيم من المصحف الشريف، ليقرر عدم مقاطعتها، وتوجه يطمئن على صغيرته التي كانت تغط في ثبات عميق، تحلم أحلاماً وردية. ثم بعدها توجه إلى خزانته يخرج ملابس أخرى نظيفة، ليقوم بإغلاق الخزانة ويلتفت إلى زوجته التي أنهت تلاوتها وتركت مصحفها، لتنظر بعدها إليه قائلة بنبرة هادئة: _حمدلله على سلامتك يا حبيبي، اتأخرت أوي.

أقترب منها بخطى هادئة، ليترك ثيابه على الفراش، ثم أنحنى بجذعه العلوي نحوها يلثم رأسها بقبلة حنونة، ثم جلس على طرف الفراش ونظر لها بمعالم وجه مرهقة ومتعبة وقال: _الله يسلمك من كل شر يا حبيبتي، أعمل إيه بس ميصحش أسيبهم في ظرف زي دا، حالتهم صعبة أوي، ووالدته بصراحة وجعت قلبي هي وأخته، حالتهم أصعب ممّا توقّعت.

وواجِع قلبي وقلوب حبابه كلهم معاه بصراحة، أنا سبحان من صبرني فالموقف دا بجد، أنا لحد دلوقتي مستغرب ثباتي دا، مشهد الاتنين مش مفارق دماغي وكأني شايفهم قدامي دلوقتي وصوت صريخ كل واحدة، لا يا "تسنيم" حقيقي صعب. أعتدلت هي في جلستها، ثم ضمت كف يده بين كفيها الدافئتين، تمسد عليه برفق، ثم نظرت إلى وجهه وقالت بنبرتها الهادئة والدافئة:

_ربنا أنزل عليك السكينة في اللحظة دي، وأداك القوة اللي تخليك لسه واقف على رجلك لحد دلوقتي عشان تواسيهم وتطمن قلوبهم التعبانة المرعوبة على ولادهم. إيه يا "رمزي"، هو أنا اللي هقولك يعني يا حبيبي، ما أنت عارف. وبعدين ربنا كبير وقادر على كل شيء، يحيي العظام وهي رميم. ربنا يهون عليهم ويبرد نارهم يارب ويطمنهم عليهم سوى ويرجعولنا بالسلامة تاني، دا من ساعة اللي حصل والحارة ساكتة ومظلمة وكأن ميتها ميت.

والله صدق اللي قال عليهم ولادها. أنهت حديثها وهي تنظر إليه لترى انغلاق جفنيه وتراخي جسده، لتقوم بالضغط على كفه برفق حتى يستفيق، وتعيد حديثها من جديد قائلة بنبرة هادئة: _قوم يا حبيبي خد شاور عشان جسمك يهدى وتعالى ارتاح شوية، أنت مش قادر تسند طولك، كتر خيرك معاهم بقالك ٥ ساعات، وكدا كدا مش مسموح غير بمرافق واحد، يعني كلهم هيرجعوا وهيفضل معاهم واحد بس، ممكن تبدلوا مع بعض عشان برضوا ميبقاش الحمل كله على واحد بس، قوم يلا.

نهضت بعد أن أنهت حديثها تحسه على النهوض، ليخضع لها وينهض وهو يكاد لا يعي لما حدث حوله، فقد خارت قواه وأرهقه التعب وبلغ أشده، لتأخذ هي ملابسه وتتوجه معه نحو المرحاض وهو مستسلماً تماماً لما حدث. وصلا إلى المرحاض ليتركها ويولج مغلقاً الباب خلفه، فيما كانت هي ستولج إلى المطبخ لإعداد وجبة خفيفة يتناولها قبل نومه، ولكنه قاطعها رنين هاتفه الذي صَدَح عالياً في الخارج.

توجهت نحو الخارج لتقترب من الطاولة بخطى هادئة تأخذ الهاتف الذي كان يعلو رنينه، لترى اسم "منصف" يتراقص على شاشة الهاتف، ولذلك لم تستغرق كثيراً وأجابته قائلة: _السلام عليكم ورحمة الله، أيوه أنا، بخير الحمد لله في نعيم الله، هو يعني مبقالوش كتير لسه داخل البيت دلوقتي، تمام حاضر هبلغه أول ما يخرج لأنه بياخد شاور دلوقتي، تمام شكراً يا أستاذ "منصف".

أنهت حديثها المهذب معه، ثم أنهت المكالمة والتفتت تنظر إلى باب المرحاض، وما أخبرت به كان صحيحاً، فقد أخبرها أنه الوحيد الذي سيرافق رفيقيه هذه الليلة، وأخبرها كذلك عن عودة الجميع إلى منازلهم حتى يأتي صبيحة يوم جديد عليهم حافلاً بالأخبار السارة والمبهجة، بعد أن أتعبت القلوب وأرهقت العقول. *** في صبيحة اليوم الموالي.

كان "جاد" جالساً أمام غرفة العناية المركزة ينتظر الاطمئنان على استقرار حالة "بشير" الذي حتى الآن كانت نبضات القلب منتظمة بشكل طبيعي، وقد حمد الله أنه تخطى مرحلة الخطورة وأصبح الوضع فقط مسألة وقت لا أكثر. مسح بكفه على وجهه مستغفراً ربه، ثم انتصب في وقفته وتقدم من النافذة الزجاجية ليرى ابن عمه ورفيق روحه مازال ملتزم الفراش منذ ليلة أمس، لم يتغير شيئاً.

وعلى الجهة الأخرى كان "بشير" على نفس الوضعية، ألا من ولوج بعض الممرضين والطبيب المشرف على حالته بين الفينة والأخرى للاطمئنان على حالته الصحية والجسدية. انتشله من بقعة شروده رنين هاتفه الذي تعالى في جيب بنطاله يعلنه عن اتصال من زوجة عمه، أجابها بنبرة هادئة وقال: _أيوه يا مرات عمي، أنا فالدور التاني يا حبيبتي، أنتِ فين طيب وأنا هجيلك… تمام يا حبيبتي خليكي وأنا جايلك.

أنهى حديثه معها ثم أقفل المكالمة وتحرك لأخذ زوجة عمه التي فقدت الطريق في الوصول إلى ولدها. أقترب منها لتعلو الإبتسامة ثغره قائلاً: _ما أنا قولتلك التاني إيه اللي جابك الرابع بس. أخذ بيدها لترافقه هي في السير قائلة: _معرفش بقى دماغي مش فيا من خوفي عليه طول الليل معرفتش أنام خالص، حاسة إن لو عيني بس غفلت ثانية هيحصل حاجة. و"مها" كانت برضوا زيي بس الحمد لله "سراج" جه وقعد معاها لحد ما نامت غصب عنها.

_هيفوق وهيبقى زي الفل متخافيش عليه، أنا عارف "يوسف" شديد من يومه ومبيستسلمش على طول بيحب يكسب ويكمل، أنا واثق فيه والله وعارف إنه هيقوم ويبقى بخير وزي الفل. هكذا كان جوابه عليها مطمئناً إياها. وحينما وصلا إلى غرفة العناية وجدا الطبيب مع "يوسف" يفحصه بعد أن بدأ يستعيد وعيه تدريجياً.

وحينما وقفت أمام النافذة الزجاجية ورأت جفنيه يتحركان، تهللت أساريرها وتملكتها السعادة وتبدل حالها في طرفة عين، لتعلو الإبتسامة ثغرها وهي تحمد ربها وتشكرها بفرحة بعد أن ألتمعت العبرات في مقلتيها. أبتسم كذلك "جاد" بسعادة كبيرة حينما رأى رفيقه أستيقظ من جديد، وقد رأى الطبيب يحادثه ويطمئن عليه ويقوم بإلقاء العديد من الأسئلة على مسامعه.

ضمها "جاد" إلى أحضانه وهو مبتسم الوجه، وقد تغللت الراحة صدره، ليسمع هاتفه يعلنه عن اتصال هاتفي من زوجة ابن عمه الماثل في الداخل، ليجيبها مبتسم الوجه قائلاً: _أيوه يا "بيلا"، "يوسف" فاق دلوقتي، أيوه والله، والدكتور معاه دلوقتي أهو بيتطمن عليه، ماشي خلي بالك من نفسك. أنهى المكالمة معها، ثم عاد يتابع ابن عمه بعينيه، حتى خرج الطبيب بعد بضع دقائق إليهم، ليقترب منهما بخطى هادئة حتى توقف أمامهما وقال

بنبرة هادئة مبتسم الوجه: _الحمد لله هو كويس وزي الفل وأعضاء جسمه الحيوية اشتغلت كويس أوي وحالته تطورت بشكل ملحوظ من بليل للصبح. هو بس المشكلة الوحيدة اللي هيواجهها هو الجرح، لما يبدأ يلم هيحتاج بس عناية بشكل مستمر، أنا فهمته إنه هيعاني شوية بسببه، بس الحمد لله هو زي الفل أهو، هنبعتله ممرضتين يشيلوا الأجهزة من عليه وهناخده على أوضة عادية.

أطمئن قلبهما عليه، لتشعر "شـاهي" بالراحة الشديدة تغمر صدرها وهي ترى ولدها بدأ يتعافى مما جاله، ومعها "جاد" الذي اعتلت الإبتسامة ثغره وشعر بالإطمئنان على رفيقه. وقبل أن يتركهما ويرحل، أوقفه "جاد" بسؤاله على "بشير" قائلاً: _طب معلش يا دكتور ممكن تطمنا على حالة "بشير" يعني في تحسن زي "يوسف" ولا إيه الدنيا. توقف الطبيب مرة أخرى أمامهما وعدل من وضعية نظارته الطبية وقال بنبرة هادئة:

_في الحقيقة حتى الآن "بشير" حالته لسه مش مستقرة، آه القلب بقاله كام ساعة شغال تمام الحمد لله، بس لسه مازلنا خايفين. في احتمالية القلب يرجع يقف تاني، بس بنتمنى بصراحة إنه ميوقفش لأن دا هيسبب مضاعفات ليه، بس الحمد لله على كل حال، أحسن من ناس كتير، ومن هنا لحد ما الوضع يتحسن هنشوف.

أنهى حديثه، ثم تركهم، لتعود "شـاهي" بنظرها تستقر على ولدها الذي حرك رأسه نحوهما، ليرى السعادة تتقفز من مقلتي والدته وابن عمه، الذي أشار إليه بإبهامه مبتسم الوجه، ليبتسم إليهما أبتسامة واهنة. أبتسمت إليه بحنو، ثم قامت بإرسال قبلة هوائية إليه، ليبتسم إليها برفق من جديد وهو يشعر بتراخي جسده وكأنه تخدّر مرة أخرى. زفر بعمق وأغلق جفنيه، وصوت نبضات القلب نابعاً من الجهاز الماثل بجواره يصدح في أركان الغرفة.

وبعد مرور خمسة عشر دقيقة. وصلت "بيلا" إلى المشفى، ومن ثم توجهت إلى الطابق الثاني حيث غرفة العناية المركزة. وحينما وصلت بخطى واسعة تكاد تكون أشبه للركض، وقفت أمام النافذة الزجاجية لترى فراش زوجها فارغاً. عقدت ما بين حاجبيها ونظرت حولها وهي متعجبة من عدم تواجده بالداخل. _يا ربي هيكون راح فين بس. همست بها وهي تنظر حولها بخوف، حينما جالت بخاطرها الأفكار السوداء التي لا نهاية لها. ولذلك حينما رأت إحدى الممرضات

أوقفتها بنبرة متلهفة: _استني، هو المريض اللي كان هنا راح فين؟ نظرت الممرضة إلى الداخل حيث الفراش الفارغ، ثم نظرت إليها وقالت بنبرة هادئة تطمئنها: _آه قصدك الأستاذ "يوسف عدنان"؟ _أيوه هو. _الأستاذ "يوسف" فاق وخرج كمان وراح أوضة عادية، هتلاقيه فأوضة ٦٥ الدور التالت على إيدك اليمين.

شكرتها "بيلا"، ثم أطمئنت على أخيها أولاً، ثم بعدها ذهبت إلى زوجها بخطى واسعة تزامناً مع ازدياد نبضات قلبها داخل قفصها الصدري، فهي مازالت تخشى عليه ولن تهدأ روحها إلى حينما تراه يتحدث ويطمئنها بنفسه أنه بخير، وأن الخطورة التي كانت تهدد حياته لم يعد لها أثر. ولجت دون أن تطرق على الباب، لتتوجه الأنظار لها منهم، هو الذي حينما رآها أمامه، أطمئن قلبه وهدأت روحه، وخمَدت أصوات رأسه.

فيما طالعته هي بعينين ملتمعتين، ثم أغلقت الباب خلفها وبدأت تقترب منه بخطى هادئة، تراه يبتسم لها حتى تطمئن عليه. بالطبع قرأ ما يخلد في ذهنها، فهي بالنسبة إليه كتاب مفتوح، يستطيع قراءة ما يدور بداخل رأسها وما تفكر به، وكذلك ما تشعر به حينما يحدث شيء ما معهم. نهض "جاد" الذي كان يجلس على الجانب الأيمن له، حتى يترك لها فرصة الاطمئنان على زوجها مبتعداً عن مرماها.

أقتربت منه وجلست أمامه على طرف الفراش، تنظر إليه بعينين ملتمعتين، تراه يجاهد آلامه حتى لا يخيفها، خصوصاً حينما بدأ يبطل مفعول المخدر. فلم تستطع أن تظل بعيدة عنه أكثر من ذلك، ولذلك أرتَمت بأحضانه تعانقه، واضعة رأسها على صدره تنعم بدفء أحضانه التي حُرمت منها دون سابق إنذار. فيما رفع هو ذراعه الأيمن وضمها إلى أحضانه، ممسداً على ظهرها بحنو كعادته، حتى تطمئن أنه مازال بخير، ولم يصبه مكروه.

سمحت لعبراتها بالسقوط على صفحة وجهها وهي تشعر بالراحة قد عادت إليها حينما رأته بخير أمامها. أقترب "جاد" من زوجة عمه، ثم أنحنى بنصفه العلوي نحوها وهمس بجوار أذنها: _مرات عمي "بيلا"، مش لازم تعرف دلوقتي حاجة عن حالة "بشير"، هتتعب مرة تانية ويمكن أكتر من المرة اللي فاتت كمان. لو سألت عليه نقولها إنه كويس وكلها مسألة كام ساعة بس مش أكتر.

حركت رأسها برفق تؤكد على حديثه، ليستقيم هو مجدداً في وقفته، ينظر إلى ابن عمه الذي كان يتحدث مع زوجته ويطمئنها أنه بخير، حتى تهدأ روحها من ذاك العذاب الملاحق إليها دوماً. في حارة درويش. كان "أكرم" يقف أسفل بنايته ينتظر شقيقته التي ستذهب معه إلى المشفى حتى تطمئن على أخيها الصغير.

سمع صوت "فتوح" يعلو يخبر الصبية بنقل أغراضه إلى الجهة الأخرى، حيث المكان المحبب إلى "يوسف" ويفضل دوماً الجلوس به، حتى يستطيع رؤية الجميع ومشاكستهم. _يلا يا ابني أنت وهو أنقل كل الإزاز والحاجات دي هناك كدا خلي الناس تشوف شغلنا، الحمد لله النحس أتفك وربك هيكرمنا من الواسعة. رَمقه نظرة قاتلة بطرف عينه وهو يرى الصبية بالفعل ينقلون الأغراض نحوه، حيث كان هو يقف في ذاك المكان، ليأتيه صوت "فتوح" من جديد يقول:

_على جنب يا رياسة عشان نشوف شغلنا بقى ونشم نفسنا شوية، الحمد لله الحارة نضفت وهديت على الآخر. انتفخت أوداجه وأعلن الحرب على الجميع، وقبل أن يتحرك ويندم على تفوهاته تلك، منعته يد قوية. توقف مكانه والتفت ينظر إلى الفاعل، ليراه "لؤي" هو الذي منعه من فعل أي شيء. شعر "أكرم" بالغضب يتفاقم بداخله، ليسمع "لؤي" يقول بنبرة حادة وهو يرْمقه الآخر بنظرات قاتلة:

_متاكلش هم ولا ترد عليه وتعمله قيمة عشان الأشكال اللي زي دي متستاهلش إننا نضيع ثانية واحدة من وقتنا عشانه. سيبه وخلّي صاحب الرد هو اللي يرد، يلا عشان هو فاق دلوقتي خلينا نتطمن عليه وبعدها نتطمن على "بشير". _بس أنا عايز أرد عليه، عايز أكتمه ابن الـ*** دا كل ما تحصله مصيبة يسوق العوج علينا وإحنا نسكت.

_مين قالك إننا هنسكت، الرد هيعجبك لو كان على رواقة يا باشا، سيبه بس يهوّن هو دلوقتي مع نفسه، مبنردش على الأشكال اللي زي دي دلوقتي. وبعد عدة محاولات، تحرك "أكرم" معه، بعدما اقتربت منه شقيقته على مضض، وهو يرمقه بحقد متوعداً إليه بالويلات حينما يعود برفيقيه إلى الحارة. فيما هاتف "لؤي" صديقه "حسن" وأخبره أن رفيقهم قد استفاق أخيراً، حتى يذهب إليه ويطمئن عليه. ***

كان يجلس في غرفته، الموسيقى تصدح عالياً من سماعة الأذن التي كان يرتديها، يقوم بضرب كيس الرمل القابع أمامه بغل، كعادته. فهذا الشاب الوحيد بينهم أجمع من ورث غلظة أبيه وحدّة طباعه وحبه كذلك للنساء. توقفت الموسيقى بسبب ذاك الاتصال الذي أتاه ليفصله عن متعته واندماجه.

زفر بضيق، وأقترب من هاتفه الذي كان يعلو الطاولة، ليرى المتصل "ناريمان"، تلك الفتاة التي تعرف عليها منذ عدة أشهر في النادي الذي يذهب له دوماً، حينما سكبت عليه كوب النسكافيه الساخن دون قصد منها، ليقوم هو بالصراخ عليها ونعتها "بالغبية الساذجة"، لتحاول هي الاعتذار منه عدة مرات، حتى وافق هو على مضض، ثم بدأت روحه الصبيانية بالظهور، لتبدأ في تنفيذ دورها على أكمل وجه.

نزع قفازيه وألقاها على الأريكة بإهمال، ثم أخذه مجيباً عليها بأنفاس لاهثة قائلاً: _على طول مبوظة مودي وفاصـلة متعـتي، نفسي تتصلي مرة فالوقت الصح، بس هقول إيه غير إنك فصيلة. أتاه ضحكتها التي تعالت على حديثه لتقول بنبرة ضاحكة: _مبقاش "ناريمان السيد" يا أستاذ، أنت بتغلط فيا على فكرة وأنا لن أسمح. _لا هتسمحي عادي. رد عليها بتخابث كعادته، ليأتيه الرد منها حينما قالت: _هنشوف وكلمتي اللي هتمشي يا "أمير"، وريني هتعمل إيه.

المهم مش دا موضوعنا، إحنا خارجين بليل نسهر جاي ولا إيه الدنيا. _طبعاً يا بنتي هاجي، أنتِ بتقولي إيه بس، نتقابل على ١٠. وبعد أن اتفقا سوياً على الموعد، أغلق المكالمة، ثم التفت خلفه ليرى أخيه يقف على باب الغرفة ينظر إليه، كالعادة يعلم ما هو مقبل عليه، ولذلك تجاهمه وتوجه إلى كيس الرمل حتى يكمل ما يفعله.

فيما زفر "نادر" بضيق بعد أن استمع إلى حديثه، ليولج مغلقاً الباب خلفه، وبدأ يتقدم من أخيه الذي عاد يلكِم كيس الرمل من جديد، ليقف بالقرب منه مستنداً على الطاولة خلفه، عاقداً ذراعيه أمام صدره. دام الصمت بينهما، كل ما يسمع صوت الضربات على الكيس. دقائق معدودة مرت، ليقطع "نادر" هذا الصمت قائلاً: _هتفضل طايش كدا لحد أمتى يا "أمير". _حاجة تخصني، خليك فنفسك أحسن.

رده كان وقحاً على الجميع دوماً، لم يحترم من هم أكبر منه سناً، بل يزداد في وقاحته دون أن يوقفه أحدهم عن فعل ذلك. تغاضى "نادر" عن ذلك حتى لا يقتله، وقال بنبرة باردة: _طب أعمل حسابك إنك هتيجي معايا بليل. _ود ا أمر بقى يعني، وجب عليك تأمر، وجب عليا الطاعة ليه، شايفني خدام عندك. أشعل فتيلة غضبه في لمح البصر، ليتحرك "نادر" بحركة شبه عنيفة يوقفه عن ما يفعله، ليدفعه بحدّة طفيفة بيديه قائلاً بنبرة حادة:

_آه يا "أمير"، وجب عليك الطاعة إذا كان عاجبك. حافظ الآخر على توازن جسده، ليقف أمامه الند بالند، ينظر إليه ويتحداه بقوله الحاد كذلك: _وأنا مش مجبر على حاجة وكله بكيـفي، ومش هروح فحتة، أنا عندي خروجة بليل مش فاضيلك. _لا تفكـس خالص للخروجة دي، عشان أخوك أهم منهم، بقاله يومين مرمي فالمستشفى بين الحياة والموت، وأنت قاعد حاطط إيديك فالميـة الباردة.

التمرّد هو لعبته المفضلة دوماً، ولذلك أتخذه موضع دفاع إليه، ليقف أمام أخيه يصرخ به قائلاً: _أخويا! صدقت نفسك ولا إيه يا نادر؟ ولو هو أخويا أنا مالي بيه، ما يولع يا عم. دا إحنا لسه عارفينه من أسبوع، بقى أخويا اللي من أبويا؟ مش مجبر أروح لحد. خرّجني بره الليلة دي، أنا طاوعتك المرة اللي فاتت بكيفي، بس مش كل مرة هتسلم الجرة. مش هييجي أهم من صحابي. عايز تروح روح أنت، كفاية إني سمحتلك تديهم فلوسنا. أخرس.

صرخ بها تزامنًا مع صفعه إليه بقوة، ليحوم الصمت المكان فجأة بعدها بينهما. الصدمة والتفاجؤ من أمير، الذي كان متفاجئًا بشدة، والغضب الشديد من نادر، الذي طفح به الكيل مع هذا الشاب الطائش الذي لا يقدر عليه أحد في هذا البيت. لحظة جنونية تلـبسته تخفي معها ما سيحدث بعدها، وما هو رد هذا الشاب الطائش على أخيه الكبير، الذي كان يود في هذه اللحظة قتله أو تأديبه مرة أخرى حتى يشعر بغيره ويقدر أوجاعهم وحزنهم.

مرحبًا بالخلافات واختلاف الآراء، ومرحبًا بالمشكلات والصرخات، فقد حان دورك لتولي مهمتك المفضلة بينهما. "حينما تشتد الرياح وتقتلع الأشجار.. وحينما يتمرد الشاب ويخرج عن طوع أخيه.. وجب عليه الضغط على زر الإنذار وإيقافه عن أفعاله قبل فوات الأوان."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...