مرت أيام ومهيرة معظم أوقاتها شارده، رغم ابتسامتها الناعمة ومشاركتها لسفيان وجبات الطعام يومياً التي تعدها هي. كان دائماً يمازحها قائلاً: -آه، أكلك يجنن يا مهيرة، عمري ما كنت أصدق أن هيجي عليا اليوم اللي أستمتع فيه وأنا بقوم بدور فأر تجارب. كانت تضحك وقتها وتقول: -كده يعني، أنت مش عايزني أتعلم أطبخ.. طيب هجرب في مين؟ وكان دائماً يقبل يديها وهو يقول:
-جربي براحتك، أنا أطول.. بس بالله عليكي حني على عبدك المخلص وبلاش شطة في الأكل. فتخجل كثيراً وهي تقول: -بلاش الكلام ده يا سفيان.. وبعدين والله أنا بحط حبة صغيرين خالص.. بس أنت اللي مش بتستحمل.. خلاص مش هحط خالص. ضحك بصوت عالٍ على تذمرها الطفولي. ولكنه دائماً يشعر أن هناك شيء ما يدور بداخل عقلها. وقد تمت دعوة السيد عادل والسيدة مريم لزيارتهم يوم الجمعة. ولكنه يشعر أن في شيء آخر تخطط له.
ولكنه سينتظر.. وسيدعمها مهما حدث وسيبقى في ظهرها دائماً. كانت جودي وزهرة يستعدان للامتحانات. كانت زهرة تقضي أسعد أيام حياتها مع صهيب، الذي انفتح معها كثيراً ويعبر عن حبه وسعادته معها في كل وقت ومناسبة. وهي تتصنع الدلال، فيزيد هو من جرعة الحب. ودائماً ما يظل يخبرها أنه آسف وأنه كان غبي ليرفض كل تلك السعادة من قبل. وكل ما تقول له أنها لم ترَ شيئاً بعد يقول لها:
-أنا خدامك ملكك، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه، وأساساً أنا أستاهل. تذكرت ما حدث أمس حين اتصل بها صباحاً يخبرها أنه اتصل بصديقه جواد ودعاه للعشاء هو وزوجته وأن عليها الحضور لتتعرف عليها. رحبت بشدة وارتدت فستاناً من اللون الفيروزي ورفعت شعرها بشكل بسيط. كانت رقيقة جذابة. حين لمحها جواد قال لصهيب: -يا ابن المحظوظة.. إيه يا ابني ده. قطب صهيب حاجبيه قائلاً بعصبية: -في إيه يا جواد؟ هو عشان أنا أعمى هتعكسها قدامي؟
ضحك جواد بصوت عالٍ وقال: -أعاكس إيه يا ابني.. وبعدين أنا لو هعاكس هعاكس مرات أخويا، أنت تعرف أن دي أخلاق صاحبك يا.. يا صاحبي. قال الأخيرة بلوم، فقال صهيب: -يبقى ليه بقا كلامك السخيف ده. ربت جواد على كتف صديقه وهو يقول: -أنا مش بتكلم لا على الشكل ولا اللبس، أنا بتكلم على نظرة عينيها ليك يا صاحبي.. ربنا يخليكوا لبعض يا صاحبي. ابتسم صهيب وهو يقول: -أنا عارف أنها كتير عليا.. ربنا يقدرني وأقدر أسعدها.
كانت تستمع لكلماته مع صديقه وهي في قمة السعادة. حتى قاطعتها ميما قائلة: -كان ديماً كتوماً في الكلية، لكن الشخص الوحيد اللي كان ديماً على لسانه "زهرة عملت زهرة قالت"، وعمره ما قال أنه بيحبك أو في شيء بينكم.. لكن كان كل اهتمامه حاجة واحدة بس، زهرة. نظرت لها زهرة وعلى وجهها ابتسامة سعادة وقالت: -أنا كمان بحبه من صغري.. هو كل حاجة في حياتي.. بس لو هو يتأكد هيرتاح ويريحني. ربتت ميما على كتفها وقالت:
-صهيب راجل معتز بنفسه وكرامته عنده أهم حاجة.. تعرفي أنه قاطع جواد الأربع سنين اللي فاتوا وكان السبب أنه مش محتاج شفقة من حد.. جواد وقتها حاول معاه كتير لكن كانت حالته بتسوء فقرر يبعد ويريح.. وبصراحة عمري ما شفت صهيب بالانفتاح ده قبل كده والفضل في ده كله ليكي. كانت تبتسم ببلاهة. حتى أن جودي كانت تنظر إليها ثم قالت: -أنتِ يا بنتي اتهبلتي؟ بتضحكي على إيه؟ نظرت إليها زهرة بهيام وقالت: -قال لي كلام.. أحلى كلام.
من بعد ما قاله ما هنام. رفعت جودي حاجبيها في اندهاش وقالت: -ده أنتِ بتغني يا شادية.. هو في إيه يا بت؟ ضحكت زهرة وهي تقول: -هنتجوز بعد الامتحانات بشهر.. وقال لي أنه بيحبني.. وقال أني كتير عليه.. وقال.. ضحكت جودي وهي تشير لها بيدها أن تصمت ثم قالت: -ألف مبروك يا حبيبتي وربنا يهنيكي يا رب. وصمتت تنظر إلى الأمام في حزن. ربتت زهرة على كتفها سائلة: -مالك يا جودي؟ هو حذيفة مزعلك ولا إيه؟
ضحكت جودي باستخفاف دون أن تنتبه لذلك الواقف خلفها يستمع لكلماتها التي تنغرس في قلبه مباشرة. ابتسمت جودي وقالت: -أنا مش في دماغه ولا قلبه علشان حتى يفكر يزعلني.. أنا ولا حاجة بالنسباله. ضحكت مرة أخرى بمرارة قائلة: -ده فاكر أن كان في حاجة بيني وبين حازم.. تصدقي؟ طيب إزاي فكر أنه يتقدملي وهو شاكك فيا.. كل يوم بيأكد لي أن أنا مش في باله أصلاً وأن هو عمل الخطوة دي عشان أواب وبس. صمتت. فتكلمت زهرة وهي حانقة:
-بس أنتِ بتحبيه يا جودي من قبل حتى ما يسافر ويتجوز.. حرام تعيشي العذاب ده.. حرام.. وبعدين أنا شفت خوفه عليكي ولهفته يوم وفاة حازم.. وقد إيه كان ملهوف عليكي. لتنظر لها جودي باستهزاء دون رد. صدمة ما يشعر به الآن.. صدمة بكل المقاييس. جودي تحبه من قبل سفره.. لم يكن لها الأب والأخ الكبير والصديق الوفي فقط. هي تحبه كما أحبها. لقد دمر كل شيء بغبائه.. والآن ما زال يجرحها ويؤلمها. لابد أن يعترف لها.. لابد أن يسعدها.
تحرك من فوره وأمسك هاتفه ليتصل بصديقه الوحيد. كانت عائدة للمنزل تسير الهوينى وهي تفكر لما تفعل في نفسها كل ذلك. لماذا وافقت عليه؟ لماذا تعذب نفسها في هوى شخص لا يحبها ولا يراها؟ لماذا تتمنى نظرة من عينيه وهو لم يراها من الأساس؟ تنهدت وهي على وشك الدخول من باب العمارة الخاصة بهم حين فوجئت بتلك اللوحة الكبيرة المعلقة بطول البناية. مكتوب عليها:
"عشقت العسل الذائب في عينيكِ وسلاسل الذهب المنسدل على ظهركِ.. ضحكتكِ التي تحمل قلبي فوق غيمة وردية وتسكنه جنة روحكِ الطاهرة.. عشقت جدالكِ وتعنتكِ.. عشقت جرأتكِ وقوتكِ.. عشقت نفسي حين رأيتها داخل عينيكِ.. أنا أحبكِ.. بل أعشقكِ.. بل أذوب عشقاً وحنيناً.. وأموت في هواكِ." أفاقت من هيامها بقراءة تلك الكلمات لتشعر بالذهول وهي ترى عند باب العمارة سفيان وبجانبه مهيرة وأمها أيضاً. ينظران لها بحب وسعادة.
وفجأة انقطع ذلك الاتصال البصري بحائط بشري ضخم يقف أمامها. ثم يجثو على ركبة واحدة رافعاً يده التي تحمل علبة حمراء بها خاتم ماسي رائع وهو يقول:
-أنا غبي وحيوان وحمار.. أنا اكتشفت أني أغبى إنسان على وجه الأرض.. بس رغم كل ده أقسم بالله العظيم بحبك.. بحبك من وأنتِ شابكة في رجلي في كل مكان وأنتِ بتسألي أسئلة كانت بتجيب لي جنان.. سافرت هربان عشان خفت عليكي مني.. ولما اتجوزت اتجوزتها لأنها شبهك.. جودي أنا بحبك وبتمنالك.. وأنا أهو راكع قدامك طالب ودك.. وطالب كمان غفرانك.. أنا عارف أن بغبائي عذبتك.. وهرضى بأي عقاب بس إلا أنك تبعدي عني.. جودي تقبلي تتجوزيني؟
كانت دموعها تغرق وجهها. هي تحلم ما يحدث الآن.. ليس حقيقة.. ليس حقيقة. ولكن سفيان ومهيرة التي تشجعها وابتسامة أمها المطمئنة. نظرت لذلك الجاثي أمامها وهزت رأسها بنعم دون أن تستطيع أن تنطق بكلمة. ليبتسم في سعادة ويقف على قدميه ليلبسها الخاتم وقبل يدها بحب. ثم نظر إلى سفيان وقال: -بعد إذنك يا صاحبي. وانحنى ليحملها من أسفل ذراعيها ويدور بها وهو يصرخ قائلاً: -بحبك.. بحبك.. بحبك. وهي تضحك بحب وسعادة.
وأخيراً تحقق حلمها وهي الآن بين يدي حذيفة حبيبها وحبيب طفولتها.. يعترف بحبها وبصوت عالٍ وبأكثر الطرق جنوناً. وعلى الجهة الأخرى من الشارع كانت هناك عينان صقريتان تنظر لما يحدث بتركيز شديد تستهدف أحد الواقفين. وفي لحظة خاطفة صوت دوى إطلاق ناري وسقط ذلك الجسد أرضاً وأسفله بركة من الدماء. وأغمضت العينين على صوت صراخ عالٍ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!