أغلقت دفترها ووقفت على قدميها وتحركت بإتجاه السرير. جلست على طرفه ونظرت إلى الكومود الذي بجانبه، وبالتحديد إلى تلك الصورة المقطرة. ظلت تنظر إليها كثيراً، ودون شعور منها سالت دموعها وهي تقول: -كل يوم بفضل أكلمك وأقول لك أنا قد إيه كنت محتاجة وجودك، بس أنت مش هنا. مش عارفة أكرهك ومش عارفة أبطل احتاج لك، على الرغم من إنك أنت سبب كل عذابي.
سمعت طرقات على الباب. مسحت وجهها بظهر يدها وهي تتحرك سريعاً على قدر استطاعتها لتدخل إلى الحمام. فتحت زينب الباب وهي تنادي عليها: -مهيرة أنت هنا يا حبيبتي؟ أجابتها مهيرة من داخل الحمام بصوت حاولت إظهاره ثابتاً: -ثواني يا داده وخارجة. جلست زينب على كرسي طاولة الزينة وهي تقول: -براحتك يا بنتي.
ظلت مهيرة بالحمام تحاول تمالك نفسها. غسلت وجهها وسرحت شعرها ووضعت بعضاً من ذلك الكريم الخاص بالوجه حتى تداري آثار بكائها، حيث أن زينب هي من ربتها وتعرفها جيداً، وسوف تكتشف بكاءها بمجرد النظر إلى وجهها وأنفها الأحمر. خرجت من الحمام وهي تحاول رسم ابتسامة على ملامحها. ولكن زينب شعرت أن هناك شيء ما. سألتها مباشرة دون مراوغة: -أنت كنت بتعيطي ولا أنا بيتهيأ لي؟ ضحكت مهيرة بصدق من قلبها وهي تقول: -لأ، بيتهيأ لك.
وجلست على السرير أمامها. قالت زينب وهي تلوّي فمها: -ماشي، هعديها المرة دي. المهم... تكلمت مهيرة سريعاً قائلة: -أيوه، خلينا في المهم. ظلت زينب على صمتها تنظر إليها بتمعن حتى شعرت مهيرة بالتوتر والقلق. ثم قالت: -أنت امتحاناتك الأسبوع الجاي مش كده؟ لوت مهيرة فمها بشكل طفولي وهي تقول: -أيوه، للأسف. رفعت زينب حاجبها قائلة: -وليه للأسف إن شاء الله؟ هو حضرتك مش بتذاكري ولا إيه؟ ولا شاطرة بس قاعدة ترسميلي فعيون؟
وياريتني عارفة عيون مين دي! ضحكت مهيرة بانطلاق لا يحدث غير مع دادة زينب فقط وقالت: -أولاً أنا مذاكرة كويس جداً. وللأسف لأني هروح الجامعة. والعيون دي أنا نفسي معرفش عيون مين، بس بشوفها كل يوم في الحلم. تنهدت زينب بصوت عالٍ وهي تقول: -أنا بس نفسي أفهم أنت كارهة الجامعة ليه. وقفت مهيرة على قدميها وتحركت خطوتين لتجلس أمام زينب قائلة: -أنت اللي بتسألي السؤال ده يا داده؟ ما أنت عارفة كل حاجة. ربتت زينب
على رأسها بحنان وقالت: -يا بنتي ده قضاء الله، أنت هتعترضي؟ رفعت مهيرة رأسها ونظرت إليها بعينيها الممتلئة بالدموع وقالت: -اللهم لا اعتراض. أنا مش معترضة بس الناس مش بترحم يا داده. إذا كان بابا نفسه لولا أن الناس عارفة أن عنده بنت كان خباني عن كل الناس عشان مفضحوش ويقولوا أن السيد راجي الكاشف عنده بنت عارجة. وضعت زينب يدها على كتف مهيرة وأوقفتها على قدميها ثم وقفت أمامها وضمتها إلى صدرها بقوة وهي تقول:
-سيبك من كل دول. أنت بنتي حبيبتي. أنت أغلى حاجة في حياتي يا مهيرة، أغلى من نفسي يا بنتي. ابتسمت مهيرة بحب حقيقي لتلك المرأة التي ربتها منذ كانت في الخامسة بعد هروب والدتها من والدها. أبعدتها زينب قليلاً عن حضنها وهي تقول: -طيب مش المفروض تعرفي باباكي عشان الترتيبات إياها؟ لوت مهيرة فمها باستياء وهي تقول: -وده سبب تاني يخليني أقول للأسف.
ضحكت زينب على تلك الطفلة لا تفهم سبب خوف مهيرة من سفيان. دائماً تشبهه بالوحش. دائماً تتجنبه. ترجمت أفكارها لسؤال تعلم أنها لن تجد له جواب ككل مرة سألتها عنه ولم تجيبها يوماً، ولكن هذه المرة كانت مختلفة فمهيرة بحاجة للكلام حقاً. -مش ناوية تقوليلي المرة دي كنوع من التغيير يعني، أنت بتخافي من سفيان ليه؟ نظرت إليها مهيرة في حيرة ثم قالت:
-في مرة كنت نازلة لبابا المكتب وكان معاه سفيان. كان بابا بيقوله أن حمايتي أنا أهم من أي حاجة تانية. وساعتها سفيان قاله تحت أمرك. بعدها بدقايق تليفون بابا رن. خرج للفرندة عشان يرد. سمعته ساعتها بيقول: "هم جديد يا سفيان؟ حتة بت لا راحت ولا جت. أنا مش شايفها أكتر من خدامة وتتضرب بالجزمة كمان." قطبت زينب حاجبيها قائلة: -ودي مين دي اللي مغلول منها أوي كده؟ نظرت لها مهيرة باندهاش وغضب وقالت:
-أكيد أنا. مش أنا اللي كان بابا بيوصيه عليها قبل الكلام ده على طول. اقتربت زينب منها وهي تقول بتعقل وهدوء وكأنها تتعامل مع طفل صغير: -مش شرط يا حبيبتي، ممكن يكون بيتكلم عن أي واحدة تانية. وأكيد مش عارف يبرطم قدام الباشا. ضحكت وهي تتحرك باتجاهها وقالت: -إنسي كل ده. هو ما يقدرش يعمل لك حاجة من كل ده حتى لو أنت المقصودة بالكلام. المهم قومي قولي للباشا على مواعيد امتحاناتك. وخرجت وأغلقت الباب خلفها. تنهدت مهيرة بصوت عالٍ
وهي تقول: -أنا أو غيري، هو بيتعامل كده مع البنات. شايفهم خدمين عنده. يارب ابعده عني. وتحركت للحمام لتزيل ذلك الكريم عن وجهها. كان سفيان جالس أرضاً بجانب كرسي متحرك يدلك قدم أمه قائلاً: -أنت عارفة أني بحب أقعد تحت رجلك، بس الشغل بقا أعمل إيه؟ ادعي لي. ربتت أمه على رأسه وهي تقول: -بدعيلك يا حبيبي قلبي وربّي راضيين عليك يا سفيان يا ابن نوال. بس أنت يا حبيبي في قلبي ده مكانك، مش تحت رجلي.
ضحك سفيان بصوت عالٍ وهو يقبل ركبتها القريبة من وجهه وقال: -تشكري يا ست نوال والله. قوليلي بقا الآنسة جودي فين لحد دلوقتي؟ ابتسمت لابنها الغالي الذي يذكرها بوالده رحمه الله وقالت: -كانت مستأذنة مني تنزل هي وزهرة صحبتها يشتروا شوية حاجات. متقلقش، زمنها جاية. ظل سفيان جالس يتحدث مع أمه في أي شيء وكل شيء. كان دائماً يشعر بأنه مقصر في حقها لتغيبه المستمر. فاجأته أمه سائلة: -أخبار مهيرة إيه؟ قطب سفيان
بين حاجبيه وقال باندهاش: -مهيرة؟ وإنتِ بتسألي عليها ليه؟ تكلمت السيدة نوال بقليل من الشرود: -حلمت بيها امبارح. ثم نظرت إلى ابنها التي ترتسم على ملامحه معالم الاندهاش والاستنكار أيضاً، فأكملت هي: -صحيح، أنا مشفتهاش قبل كده. بس أنا حلمت بيها. وبصراحة قلقانة عليها. ظل سفيان ينظر لأمه دون أن ينطق بكلمة. ثم أخفض رأسه ينظر أرضاً يفكر بكلمات أمه البسيطة التي فعلت به الأفاعيل. وفي تلك اللحظة تدخل إليهم عاصفة هوجاء
وهي تقول بمرح وسعادة: -سفيان حبيبي، أنت جيت فعلاً. وارتمت في أحضانه وأكملت: -وحشني جداً جداً على فكرة. ابتسم سفيان بسعادة وهو يقبل أعلى رأسها قائلاً: -وأنتِ كمان وحشتيني جداً جداً على فكرة. ثم ضحك بصوت عالٍ وهو يكمل قائلاً: -هو أنتِ مش هتكبري أبداً؟ لوت فمها كالطفلة وقالت: -لو مدلعتش على أخويا حبيبي ومامتي حبيبتي، هدلع على مين؟ كان سفيان ينظر إليها وهو يبتسم، ولكن عقله سافر لتلك الوحيدة التي لا تجد من تدلل عليه.
أفاق من شروده على كلمات جودي الضاحكة: -والله يا ماما زي ما بقولك كده. الدكتور ده بجد رهيب. بس مش عارفة ليه حسيت إني شفته قبل كده. انتبه سفيان وقال سائلاً: -هو دكتور جديد ولا إيه؟ دي السنة خلاص خلصت. أجابته سريعاً قائلة: -معرفش. أصل دكتور مختار عيان، فا الدكتور حذيفة هيدرس لنا مكانه لحد ما يرجع. بس أنا بجد متأكدة إني شفته قبل كده، فين معرفش. ضحك سفيان على طريقة أخته في الحديث وقال وهو يضرب رأسها من الخلف:
-المفتش كرومبو حضرتك. ضحكت وهي تقول: -لأ، المحقق كونان. ضحك الجميع في سعادة، ولكن قلبه دائماً يذكره بتلك الخائفة دوماً والوحيدة دوماً أيضاً. هز رأسه حتى يخرجها من تفكيره وقال: -طيب يلا يا حضرة المفتش، روحي غيري هدومك على ما أجهز لكم أحلى عشا. قفزت جودي في سعادة وتوجهت إلى غرفتها وهي تهتف بصوت عالٍ: -يعيش سفيان! هو اللي مأكلنا هو!
ضحك بصوت عالٍ وهو يضرب كفاً بكف. ونظر لأمه بسعادة سببها تلك الضحكة الصافية السعيدة على وجهها. أمسك بكرسيها وتحرك بها في اتجاه المطبخ وهو يقول: -وأنتِ يا قمر تعالي معايا بقا عشان تسليني وأنا بطبخ. ضحكت أمه بصوت عالٍ وهي تدعو له قائلة: -ربنا يسعدك يا سفيان وأفرح بيك عن قريب. قطب جبينه ولم ينطق بكلمة، ولكن داخله يتحدث ألف حديث. هو لن يطول حلمه أبداً أبداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!