الفصل 17 | من 40 فصل

رواية جبل النار الفصل السابع عشر 17 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
24
كلمة
3,752
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

فتح داغر عينيه على ألم شديد في معدته ورغبة شديدة في التقيؤ. كانت الدنيا تلتف به وضربات قلبه متسرعة بطريقة تدعو للقلق. انتبه لما حوله فيجد نفسه مستلقي على الأريكة في حديقة منزلها. ازدادت رغبته في التقيؤ فاعتدل مسرعًا ليتقيأ ما بجوفه وقد زاد الأمر بألم حاد في رأسه. انتهى أخيرًا وقد شعر بروحه تنسحب منه. ماذا حدث، وأين أسيل؟ وما الذي جاء به إلى هنا؟ نظر لملابسه وازار قميصه المفتوحة. بحث عن هاتفه فلم يجده.

دلف للداخل فيجد هاتفه ومفتاح سيارته على الطاولة لكن لا أثر أيضًا لأسيل. اتصل عليها فيجد هاتفها قيد الإغلاق. أخذ مفاتيح سيارته وخرج من المنزل. عليه أن يتواصل معها كي يعرف لماذا رحلت. قاد سيارته وهو بتلك الحالة وألم رأسه لا يرحمه حتى أن الرؤية أمامه أصبحت مشوشة. قلبه يتألم لا يعرف لماذا لكنه يتألم يشعر به يعاتبه. على ماذا؟ قاد سيارته بسرعة ليصل إليها عليه أن يعرف ماذا حدث ولما ذهبت قبل أن يصل عمه.

كان الطريق لمنزل والدها يشعر به بعيدًا وكلما اقترب كلما شعر ببعده أكثر حتى رأها تمر بسيارة أخيها على الجانب الآخر مستندة برأسها على الزجاج. استدار بسيارته مسرعًا كي يصل إليها فتصطدم بشاحنة قادمة خلفه وتنقلب به وكان اسمها آخر ما نطقه قبل أن يفقد وعيه. توقف سليم بسيارته على جانب الطريق ثم ترجل ليخرجها من السيارة وهي مستسلمة تمامًا. ليس فقط استسلام لمصيرها ولكنها أيضاً قد أنهكت فلم يعد باستطاعتها شيء سوى الرضوخ.

جذبها من ذراعها ووقف بها على حافة المياه وجعلها تجثو أمامه ينظر إليها بسخط. لم تردعه دموعها التي كانت من قبل تحرقه. ولا شيء سوى العار الذي جلبته لهم. فقام بوضع قدمه على ظهرها كي يدفعها عندما رددت اسمها. "ماما." شعر بنصل حاد يخترق قلبه عندما نطقت اسمها وتذكرها وهي ترحل من المنزل بعيون باكية وتوصيه على أخته. صك على أسنانه بغضب وهو يحاول طرد تلك الذكرى من رأسه وهم بقذفها لكن قدمه ظلت ثابتة ولم تطاوعه.

حاول وحاول لكن لا فائدة فقام بكل غضب بركل الرمال فيتطاير حولهما ويسمح لمشاعره لأول مرة بالانطلاق وأخذ يصرخ بعلو صوته. يصرخ ويعلو صوته حد البكاء. هنا انتهى كل شيء وانتهى ثباته وانتهى ذلك الشخص حاد المشاعر ولم يعد باستطاعته التظاهر بالجمود أكثر من ذلك. ترك لنفسه العنان كي يخرج مكنوناته التي تراكمت بداخله عبر تلك الأعوام. سقط جاثياً على ركبتيه رافعاً رأسه للسماء وصرخاته تدوي في كل مكان.

يريد أن يقتلع من داخله ذلك الألم الذي ظل يتضاعف ويتضاعف حتى وصل لزروته. استيقظ حازم على صوت هاتفه. وكذلك هايدي التي فتحت عينيها بتثاقل وهي تسأله. "مين اللي بيتصل في وقت زي ده." تناول هاتفه من على المنضدة وقال بحيرة. "تلقاه حد من المستشفى." اندهش عندما وجده رقم سليم فأعتدل في فراشه وأجابه. "السلام عليكم." رد سليم بهدوء. "أنا مستنيك في… تعالى بسرعة ومن غير ما تعرف حد." أغلق الهاتف دون أن يستمع رده فسألته هايدي.

"مين يا حازم؟ رد وهو ينهض ليبدل ملابسه. "دي حالة متابعها وتعبت شوية." أبدل ملابسه وخرج متوجهاً إلى حيث ينتظره سليم والقلق ينهشه. توقف عندما وجده واقفًا ينظر إلى البحر بشرود. ترجل من سيارته وتقدم منه يسأله. "خير يا سليم إيه اللي حصل؟ استدار سليم لينظر إليه بوجوم وقال بثبوت.

"هتلاقيها في العربية خدها وشوف لها أي مكان تعيش فيه وبكرة الصبح هتكون دادة أمينة معها، مش عايزها تظهر قدامي لأي سبب من الأسباب لأني لو صادفتها هقتلها." لم يحتاج حازم لفطنة كي يعرف مغزى حديثه. تطلع إلى السيارة فيجدها مستندة برأسها على النافذة في سكون تام. عاد سليم لينظر إلى تلاطم المياه أمامه، لا يريد أن يراها وهي ترحل دون عودة. لن يغفر لها خطيئتها حتى لو كانت دون إرادته. تقدم حازم من السيارة بمشاعر متضاربة.

عتاب تارة وحنق تارة أخرى. يعلم جيدًا كم هي بريئة ونقية لكن وضعت في غابة من الذئاب وعندما سقطت في جحرهم نهشوها بكل قسوة. فتح الباب ومد يده والعجيب في الأمر أنها لم ترفض وترجلت معه باستسلام تام. لم يستطع رؤية ملامح وجهها من تلك الكدمات التي أخذت جزء كبير من وجهها. وتلك الدماء التي بجانب رأسها قد جفت مكانها. أخذها بداخل سيارته وانطلق بها إلى منزلهم القديم.

أوقف سيارته واستدار لينظر إليها فوجدها مغمضة عينيها فظن أنها غفت مكانها. ترجل هو وتوجه إليها ليحملها لكنه تفاجأ بها تصرخ وتدفعه بعيدًا عنها. أمسك يدها يحكمها كي لا تؤذي نفسها لكن فعلتها تلك جعلت جسدها يشتد بشدة ثم تشنج وأخذ جسدها يهتز بقوة جعلته غير متحكم بها. جعلها تستلقي على المقعد الخلفي كي يستطيع التحكم بها أكثر. لكن شعر بالقلق عندما زادت حالتها سوء وأصبح جسدها ينتفض أكثر. لذا كان عليه الذهاب بها إلى المشفى.

عاد سليم إلى المنزل بنفس الوجوم. توجه إلى غرفتها يطرقها فتفتح هي مندهشة من مجيئه إليها وسألته. "فين أسيل؟ أوعى تكون عملت فيها حاجة." لم يتركها تندهش كثيرًا واندفع داخل الغرفة يقلب في أغراضها. سألته بحيرة وهي تقف أمامه تمنعه. "انت بتعمل ايه؟ ماينفعش كدة ياريت ترد عليا وتقولي فين…" قاطعها بأن نحاها من أمامه وأخذ يقلب حتى وجد ما يبحث عنه هم بالخروج لكنها وقفت أمامه تمنعه. "انت اخدت البطاقة بتاعتي ورايح فين؟

دفعها مرة أخرى من أمامه وخرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه كي لا تخرج وراءه. توجه إلى مكتب والده حيث ينتظره. نهض حسين فور دخول سليم وسأله. "عملت إيه؟ رد بكل فتور. "خلصتك منها، زي ما هخلصك مني أنا كمان." قطب جبينه مندهشًا وسأله. "يعني إيه مش فاهم؟ "يعني من بكرة هسافر أمريكا أمسك الفرع اللي هناك ومش هرجع تاني." وقف حسين أمامه بكل هدوء وكأن من أبلغه بقتلها الآن لم تكن ابنته. "ليه؟ انت كنت رافض تمسكه."

رد سليم بهدوء رغم النار المشتعلة بداخله. "مبقاش في سبب يخليني أفضل يوم واحد في البيت ده، أنا مش طالب منك غير إني أمسك الفرع ده وأستقل به." تركه وخرج من غرفة المكتب متجهاً لغرفة أمينة التي جلست تبكي على حال ابنتها. دلف سليم بعد أن طرق الباب فسألته أمينة بخوف. "أوعى تكون طاوعت ابوك وعملت فيها حاجة؟ رد بثبات. "جهزي شنطتك عشان هتسافري الصبح اسكندرية عند حازم." لم يكمل باقي حديثه وخرج من الغرفة ومن المنزل بأكمله.

لن يظل به ساعة واحدة بعد رحيلها. في المشفى. أسرع الجميع إلى حازم عقب دخوله بأسيل والتي لم يهدأ تشنجها منذ عشر دقائق. دلفت غرفة الطوارئ وتركها حازم معهم. ولم يعد يتحمل قلبه رؤيتها بتلك الحالة. ظل واقفًا أمام الطوارئ ولم يبالي باتصالات هايدي ولا أمينة التي لا تعرف ماذا حدث. لأن يعلم جيدًا بأن سليم لن يستطيع فعلها لكن أيضًا لم يخبرها أين مكانها. خرج الطبيب بعد وقت طويل فأسرع إليه حازم يسأله. "خير يا دكتور مراد."

تطلع إليه الطبيب بامتعاض وقال باتهام. "أنا مضطر يا دكتور حازم إني أقدم بلاغ بالحالة. البنت متعرضة لضرب مبرح وخاصة في الرأس وده هيكون سبب في مشاكل كتير بعد كده." حاول حازم تهدئة الطبيب وقال بكذب. "دي أختي وللأسف كانت راجعة من شغلها وجماعة حرامية طلعوا عليها وضربوها لما رفضت تديهم الفلوس اللي معاها، وانت عارف لو بلغنا الشرطة هتبقى شوشرة على الفاضي." لم يقتنع الطبيب بحديثه لكنه وافق بحق زمالتهم وقال.

"بس انت كده بتدي الناس دي الفرصة عشان يكرروها. على العموم هي مش هتفوق دلوقتي لأنها أخدت مهدئ قوي وربنا معاها." مسح حازم بيده على وجهه وقد حمد ربه بأنهم لم يكتشفوا أمر الاغتصاب. في مشفى أخرى. انقلبت المشفى رأسًا على عقب فور دخول داغر والذي انتهى به المطاف بعد عملية جراحية استمرت أربع ساعات إلى غرفة العناية المشددة. وقف خليل بقلب ملتاع أمام النافذة الزجاجية يتطلع إليه بقهر.

لم يخرج من الدنيا سوى به بعد أن رفض السفر مع والده واختاره هو. ذلك العوض الذي ملأ فراغه يضيع منه الآن. بكى كما لم يبكي من قبل. أسند رأسه على الزجاج وهو يدعي ويتضرع إلى الله أن ينقذ ابنه الوحيد. وفي مشفى أخرى. كانت مستلقية على السرير دون حراك فقط أنفاس تدخل وتخرج ما عدا تلك الرؤى التي تتقاذف عليها بكل قسوة. تكرار وتكرار وصرخات تناجي من يسمعها. ولكن لا من مجيب.

فينتهي ذلك السكون بعد فترة ويتشنج جسدها تلك المرة بأشد وأعنف. تجمع الأطباء في غرفتها يحاولون السيطرة عليها لكن تلك المرة لم تهدأ إلا بعد محاولات عديدة. واشرقت شمس الصباح. سلامًا على عزيز قلبٍ أشرقت الشمس بروحه. فتفيض الروح ترفرف في جنبات الشوق لعل ذلك الحبيب يسمع نداه. ينادي ويستغيث بروحها ولكن لا من مجيب. مرت أيام وكل واحدٍ منهم في عالمه الخاص. كلاهما بعتاب حارق ألهب مشاعرهم.

حركات واهنة ضعيفة لكنها طمأنت الجميع لعودته. أما هي فترفض بشدة العودة لواقعه. لا تريد. عليها أن تظل كما هي ترفض العودة لتلك الحياة القاسية. وقلوب أخرى أبت الرضوخ لقسوة الحياة ومجابهة بشجاعة. قامت وعد بوضع ملابسها داخل الحقيبة تحت نظرات شهد الباكية. "هتمشي تروحي فين بس هو إحنا لينا مكان يتاوينا." ردت وعد وهي تغلق الحقيبة. "بلاد الله واسعة وبعدين الناس اللي هشتغل عندهم ناس كويسين متقلقيش عليا."

"بس أنا مش فاهمة إيه اللي خلاكي فجأة كده تصري إنك تسيب الشغل هنا، الأول أسيل هانم اللي سافرت من غير حتى ما تودعنا وبعدها دادة أمينة ودلوقتي إنتي." "معلش هي دي سنة الحياة." "بس أكيد هاجي أزورك، وأول ما الظروف تتعدل معانا ناخد شقة ونستقر فيها." رن هاتفها فقامت بإخراجه من حقيبتها فتفاجئت برقم سليم. لم تجبه وقامت بغلقه لقد انتهى كل شيء بينهم. ودعت صديقتها وخرجت من المنزل فيوقفها صوت رسالة لابد أنها منه.

قامت بفتحها وكان محتواها. "أنا مستنيكي بره اطلعي." أغمضت عينيها بيأس وقررت أن تسير في طريقها دون الالتفات له. خرجت من البوابة الحديدية فوجدته يقف بسيارته بالقرب من المنزل. سارت في طريقها ولم تلتفت له. عليها الهرب من ذلك الجحيم. لن تعود له بعد ما حدث. أجفلت عندما وجدته يقود السيارة تجاهها مما جعلها تسرع الخطى هربًا منه.

وكلما تقدم منها كلما زاد ركضها حتى أسرع ليقطع عليها الطريق فحاولت تجاوزه لكنها لم تستطع عندما ترجل من سيارته وتوجه إليها فصرخت به قبل أن يقترب منها. "انت عايز مني إيه؟ دنا منها يجذبها من يدها ليتوجه بها إلى السيارة وهو يغمغم. "امشي من سكات." رفضت التحرك قيد أنملة وقالت بانفعال. "مستحيل آمن على نفسي مع واحد قاتل زيك."

تحول ذلك الوجه الفاتر إلى فوهة بركان على وشك الانفجار تراه لأول مرة مما جعل الخوف يزحف لقلبها عندما غمغم من بين أسنانه. "مش هقولها تاني امشي معايا من سكات." جذبها بقوة وهي تحاول الفرار من قبضته ثم أدخلها السيارة بالقوة وأغلقها خلفها ثم توجه لمقعده وانطلق بها. "انت موديني على فين؟ لم يجيبها وظل ينظر إلى الطريق أمامه فعادت تسأله بانفعال. "رد عليا." رمقها سليم بنظرة غاضبة وغمغم بسخط. "صوتك ما يعلاش."

لم تخف بل تصدت إليه وهي تتابع بقوة. "لأ هيعلى، أنا خلاص سبت الشغل عندكم ومبقاش ليك أي صلة بيا وخاصة بعد ما قتلت أختك بإيدك." صاح بها هادرًا. "متجيبيش سيرة الموضوع ده تاني انتي فاهمة." ردت بتحدي أشد وهي تراه يظهر أمامها على حقيقته. "لأ مش فاهمة والموضوع ده أصلاً مش هيخرج من جواك وصورة أختك وانت بتقتلها هتفضل قدام عينيك لحد آخر لحظة في عمرك." لم يستطع إنكار حديثها، عليه أن يبقي الموضوع قيد الكتمان لأجل سلامتها.

انعطف سليم حتى توقف أمام بناية شاهقة ثم غمغم دون النظر إليها. "انزلي." تطلعت للأمام وقالت بعناد. "مش هنزل إلا لما أعرف أنا جاية هنا ليه؟ ترجل هو ثم توجه ناحيتها ليفتح الباب وينزلها بالإجبار. حاولت التملص منه لكنه أحكم قبضته عليها وجذبها لداخل البناية. دلف المصعد وهنا جذبت ذراعها من قبضته وصاحت به. "انت جايبني هنا ليه وعايز مني إيه، اخرج بقى من حياتي." ظهر وميض عشق بعينيه ولمحة من الرجاء ثم تمتم بغصة.

"انتي اللي اقتحمتي حياتي وأنا متعودتش إني أمشي على هوى حد، دخلتيها يبقى تتحملي النتيجة." لم تفهم معنى حديثه وقبل أن تسأله توقف المصعد وعاد يجذبها ثم توقف بها أمام أحد الأبواب وقام بوضع بطاقته فينفتح الباب حينها. هم بالدخول بها لكنها هزت رأسها بخوف وتمتمت بوجل. "انت جايبني شقتك ليه؟ تطلع إليها لحظات وقد أخمد ذلك البركان الثائر بعينيه وتمتم بشجن. "متخافيش." رفضت أن تستسلم لذلك الشغف الذي رأته بعينيه وتمتمت برفض.

"إزاي مخافش وكل حاجة بتعملها بتخليني أخاف منك أكتر." ازدادت قضبة جبينه وتمتم بحنو. "لو خفتي من الدنيا كلها مينفعش تخافي مني." جذبها لتدخل معه بكل سهولة رغم رفضها وأغلق الباب خلفهم ثم جعلها تقف قبالته وتمتم بثبوت عندما أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وقال بأمر. "بصيلي." ظلت على عنادها مما جعله يمسك ذقنها يجبرها على النظر إليه وقال بحزم. "المأذون جوه ومعاه الشهود هنكتب الكتاب وبكرة الصبح هنسافر."

اتسعت عينيها بذهول من حديثه حتى ظنت لوهلة أنها أخطأت السمع لكنها تأكدت عندما تابع. "هنسافر من غير رجعة متفكريش في يوم من الأيام ترجعي هنا تاني." قطبت جبينها بحيرة وسألته باحتدام. "وأنا إيه اللي يجبرني أوافق وأنا مفتقدة الأمان معاك؟! عادت فوهة البركان تشتعل من جديد وتمتم بحزم مبطن بالتهديد. "الموضوع هيتم سواء برضاكي أو من غيره، بلاش تخليني أعملها بالإجبار. ادخلي الأوضة دي غيري هدومك عشر دقايق وتكوني جاهزة."

تركها ودلف الغرفة حيث يجلس المأذون والشهود. تم عقد القران وطلب المأذون حضورها كي تمضي على العقد أمامها. استأذن منهم وذهب إليها كي يستعجلها وما إن طرق الباب حتى فتحته وظهرت أمامه بتلك الثوب الذي اختاره خصيصًا له. ولكن لم يتخيل أن تكون بكل ذلك الجمال أمامه. وقد أضفى اللون الأبيض سحرًا خاصًا عاكس لون خصلاتها السوداء.

أشاحت بعينيها بعيدًا عنه، لم تتقبل تلك الزيجة لكنها تعلم جيدًا بأنها لن تتحمل بعده ولن تتحمل أن تعيش وحيدة بدونه. نعم تبغض أفعاله وخاصة ما فعله مع أخته وقتله لها، لكن ماذا تفعل تلك الضعيفة التي لا مأوى لها في تلك الغابة السوداء. "متخافش أنا موجودة مهربتش." التزم الصمت لبرهة وهو يخترق عينيها بعينيه يبحث عن نظراتها الواهنة التي كانت ترمقه بها فلم يجد لها أثر. وجد عينين حادة وكأنها لم تعرف الحب يومًا. فرد بصوت ثابت.

"مين قالك إنك ممكن تهربي مني، لو في بطن الأرض هوصلك." أشار لها باتباعه فوجدت المأذون يطلب منها الإمضاء. كم أرادت أن تمزق تلك الوثيقة وتلقيها في وجهه لكن ماذا بعد. سيرحل ويتركها وحيدة تنهش بها ذئاب البشر. بيد مرغمة مدت يدها تأخذ القلم وبدأت بكتابة اسمها بجوار اسمه. بارك لهما المأذون وانصرفوا جميعًا وتركها وحيدة معه. ماذا ينتظر منها؟ هل ينتظر أن تكون زوجته قولاً وفعلاً. وهام إن ظن ذلك.

لن تسلم نفسها لذلك القاتل مهما ترجاها. همت بالذهاب لغرفتها لكنه أوقفها قائلاً. "استني عندك." توقفت وعد وهي تدير وجهها بعيدًا عن مرمى عيناه التي تكاد تلتهمها. "هتباتي هنا النهاردة والساعة تسعة الصبح تكوني جاهزة كل حاجة محتاجاها هتلاقيها في الشنط." استدار ليخرج من المنزل لكنها تلك المرة من أوقفته. "انت رايح فين؟ أجاب دون أن ينظر إليها. "هرجع الفيلا عشان محدش ياخد باله من حاجة."

"وهي دي بقى الحياة اللي عايزني أعيشها معاك؟ استدار ليجيبها وقد عاد فتوره. "حاليًا معنديش غيرها لكن كل حاجة هتتغير لما ييجي الوقت المناسب." قطبت جبينها وهي تسأله. "على أساس إني هقبل بالحياة دي؟ "للأسف مفيش غيرها قدامك." تركها وخرج من المنزل غير عابئ بندائه. لقد فعل كل ما بوسعه لأجلها لذا عليه الآن أن يفعل كل ما بوسعه لأجل نفسه. عاد إلى منزله متجهاً لمكتب والده فيجده جالسًا بجبروت لم يراه بأحد من قبل.

وكأنه لم تقتل ابنته الوحيدة بل ظهر أمامه بأنها عار وحلت عن كاهله. لذا تقدم منه بنفس جبروته وتحدث بجمود. "أنا مسافر الصبح وعايز توكيل عام قبل ما أسافر." عاد حسين بظهره للخلف وسأله باقتضاب. "ليه؟ "لأني مش ناوي أرجع هنا تاني وهستقر هناك." نهض حسين من مقعده وتوجه إليه ليقف أمامه. "وايه اللي خلاك مرة واحدة كده تتخذ قرار زي ده؟ "دي حاجة أحب أحتفظ بها لنفسي، التوكيل يكون جاهز بكرة الصبح قبل ما أمشي."

أسرعت شاهي بالتخفي خلف أحد الأعمدة قبل أن يخرج سليم متجهاً إلى غرفته. فقد آتتها فرصة أخرى للخلاص من سليم أيضاً. دلفت المكتب فتجد حسين حائرًا يفكر في حديث ابنه. أغلقت الباب خلفها وتقدمت منه كي تبخ سمها بداخل أذنه. "سوري يا حبيبي بس سمعتكم بالصدفة وبصراحة أنا مع سليم في اللي طالبه منك." تطلع إليها بحيرة وتابعت هي بدهاء.

"الفرع ده محتاج لمجهود جبار عشان يقدر يقف على رجليه وده اللي عايزه سليم، عايز حاجة تشغله عن إحساس الذنب اللي جواه من جهة أخته. وأنا بفضل إنه يفضل هناك وكمان تكتم طمعه بأنك تكتبله الفرع ده باسمه بحيث لما تنفذ وعدك ليا بإنك تكتبلي البيت باسمي يبقى ملوش حق يعترض ولا إيه؟ علم ما تود الوصول إليه وأنها تحاول بشتى الطرق أن تجعله يتنازل عن باقي أملاكه لها وهنا سيضع ابنه تحت رحمتها وهذا لن يسمح به لذا تعامل بنفس دهاءها.

"أنا وعدتك لما ييجي الوقت المناسب هنفذ طلبك." شعرت باللوع في حديثه وقالت باندفاع. "بس انت وعدتني لما أخدت فلوسي عشان تعمل بيها الفرع إنك هتكتبه باسمي ودلوقتي انت هتسيبه لابنك." جلس حسين على مقعده وتمتم بعدم اهتمام. "طول ما أنا عايش هتبقى النسبة العليا باسمي بس متقلقيش لما أموت هكون مأمنلك كل حاجة." كتمت شاهي سخطها مجبرة فإن عاندت أمامه ستكون الخاسرة الوحيدة الآن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...