رمشت أسيل بخجل عندما أنزلها داغر على الأرضية المفروشة بالورود. مما جعل نظراتها تهتز عندما وجدته يتطلع إليها بعشق ورغبة. وصوته الحاني يتمتم: _مش مصدق إنك أخيراً بقيتي في حضني وملكي. تاهت عينيها في بحور عينيه. وقد حاولت بقدر المستطاع طرد تلك المخيلات التي تقتحم رأسها وتجبرها على الابتعاد. لا تريدها أن تعكر صفو تلك اللحظة. أحاط خصرها بذراعيه برقة كأنه يخشى عليها من حدة يديه وقربها منه أكثر. متابعاً بوله:
_عشت سنين بستنى اللحظة دي ولما جات. طافت عينيه على ملامحها وتابع بهمس وعينيه تتلكأ على شفتيها: _خايف أموت على إيديكي من الفرحة. وضعت يدها على فمه وهي تقول بلهفة: _أوعى تقول كده تاني، أنا أموت لو جرالك حاجة. أمسك يدها التي تضعها على فمه وقبلها بحب جارف مغمضاً عينيه متأثراً بمشاعره. عندما تابعت: _أنت عمري اللي بقيت عايشة ومن غيرك أموت. فتح عينيه كي يتوه أكثر في بحور عينيها وتمتم بشغف:
_انتِ حبيبتي يا أسيل من يوم ما شوفتك واقفة بجانب سور السفينة وانتِ ملكتي كل كياني. حاوط وجهها بكفيه وعينيه تنظر لثغرها هامساً أمامه حتى داعبت أنفاسه أنفاسها: _ومن وقتها وأنا بحلم باللحظة اللي تكوني فيها مراتي، كنت بتعذب أوي كل ما أفاتحك في جوازنا وتأجلي. طبع داغر قبلة صغيرة على جانبه وتابع:
_كنت بلاقي صعوبة رهيبة وأنا بتحكم في مشاعري كل ما نبقى لوحدنا، لأنك كنت روحي اللي لازم أحافظ عليها، لأن مفيش حد بيأذي روحه يا روحي. ترقرق الدموع بعينيها متأثرة بكلماته. لكنه منعها: _هشش مش عايز أي دموع الليلة دي، مش عايزين أي حاجة تبوظ فرحتنا. ملس إبهامه على شفتها التي ترتجف وتمتم بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من مشاعر عشق ألهمت قلوبهم: _لو خفتي من الدنيا كلها أوعى تخافي مني لأنك أغلى حاجة في حياتي.
مال عليها ليطبع قبلات خاطفة على جانب ثغرها قبل أن يحتويه بعشق جعل ضربات قلبه تهدر بقوة. رفعت أسيل ذراعيها تضعها على صدره تتشبث بقميصه وتغمض عينيها بقوة. عندما عادت تلك الذكريات بأشدها إليها مما جعل جسدها يرتجف. حاولت بصعوبة السيطرة عليها لكن لم تنجح بذلك. كانت تترقب كل حركة له وكأن تلك اللحظات السعيدة التي تعيشها معه الآن ستنقلب على عقبيها وتجد ذلك الوجه الآخر يدمر كل شيء.
وكأنه شعر بما تعانيه إذ أبعد وجهه عنها يتطلع إلى عينيها بلوعة وتمتم بعتاب ألهب قلبها: _لسه خايفة مني؟ رفعت عينيها إليه فوجدته يرمقها بعينين يغشاها العشق والخوف في آن واحد. خفضت عينيها لا تعرف بماذا تجيب. هي تريده كما يريدها لكن الخوف حقاً يفعم قلبها. لكن استطاع بكلمات مقتضبة أن يهدئها قليلاً وهو يقول بصدق لامس قلبها: _أنا بعشقك. استطاعت كلماته أن تهدئ من روعها وعاد يأسر شفتيها بقبلة متمهلة متأنية حتى استسلمت له.
كان صبوراً إلى أقصى حد عليها ولا يلومها على ذلك. فقد تذكر كل شيء وكيف أنه أخذها بعنف لن يستطيع أحد تحمله. والمرة الأخرى كانت مشاعره متضاربة ما بين أن حبيبته بين يديه وبين استيائه من غدرها به وقد فقد السيطرة على نفسه حينها. مرات عديدة لذا لا يلومها على رفضها الذي يظهر مع كل خطوة تخطوها نحو علاقتهم. فأخذ يمطرها بوابل من الكلمات المعسولة والمطمئنة لها. حتى بالأخير استسلمت له. في غرفتهما.
ظل كلاهما يعدا قطرات المطر التي تتقاذف على زجاج النافذة بسعادة عارمة وهو يحتويها بذراعيه داخل أحضانه على الفراش. ضحكت أسيل عندما زادت القطرات مما جعلها تكسب الرهان. تطلعت إليه بسعادة وهي تجذب الغطاء على وجهها: _كده بقى أنام براحتي. جذب الغطاء عن وجهها وقال بجدية مصطنعة: _أنتِ هتخمنيني من أولها، أنا قولتلك لو زادت هسيبك تنامي بس دي وقفت خالص. زمت فمها بغيظ منه:
_أنا اللي بخمن ولا أنت، وبعدين هي أه وقفت بس زادت قبل ما تقف. تطلع إليها بغيظ منها: _تصدقي بالله أنا غلطان إني وافقتك من الأول على الرهان لأنك عيلة. ضحك داغر عندما وجدها تزم فمها وتقذفه بالوسائد حتى أنه لم يستطيع أن يمنعها: _أنا اللي عيلة ولا أنت يا قليل الأدب. تظاهر داغر بالجدية وأخذ منها الوسادة ليلقيها بعيداً: _قليل الأدب، أنتِ بتقولي لمين كده؟ قالها داغر مدعي الصدمة فقالت بتأكيد وقد توقفت عن ضربه: _ليك أنت.
رفع حاجبيه متسائلاً: _أنتِ قد الكلمة دي؟ هزت رأسها بتأكيد: _آه قدها، هتعمل إيه؟ وجده يتطلع إليها بخبث فهمته وخاصة عندما رد بمكر: _لو على العمايل فأنا هعمل كتير. وقبل أن تلوذ بالفرار من جواره أسرع بجذبها إلى حضنه ليأسر شفتيها بقبلة أطاحت بتعقل كلاهما. حاولت الفرار منه لكنه أحكم قبضته حولها ثم أخذها لعالمهم الخاص. صعد داغر على متن اليخت كي يقوم بتحريكه متجهاً إلى وجهتهم.
فقد نامت أسيل غصباً عنه ولم يريد أن يضغط عليها أكثر من ذلك. شعر بحنين جارف إلى طفله وكم أراد أن يعود ليأخذه معهم. لكن اليخت أو الجزيرة ليس مكان آمن له. سيصطحبه معهم فور عودتهم إلى منزل عمه بالقاهرة وسيظل هناك حتى موعد عودته للعمل. يعلم جيداً بأن عودتهم لذلك المنزل سيكون صعباً على حبيبته وصعباً عليه أيضاً بعد أن عرف ما حدث. لكن عليه ذلك كي تواجه مخاوفها.
فمازالت حتى بعد معرفتها الحقيقة تترقب كل خطوة منه وهي بين ذراعيه. لولا كلمات الغزل التي لم يكف عنها كي يجعلها تهدأ وتنتهي تلك الرجفة التي تنتابها. ابتسم بحب عندما شعر بيديها تحتضن خصره وتضع رأسها على ظهره وتمتمت بخفوت: _وحشتني. ترك تارة القيادة واستدار ليتطلع إليها وتشرق شمسه بابتسامتها التي أضاءت روحه. أبعد خصلاتها عن وجهها وتمتم بعشق: _مش قولتي هنام؟ هزت كتفيها بدلال:
_مجاليش نوم وأنت بعيد عن حضني قلت آجي أنام جنبك على الكنبة زي ما كنت بتعمل زمان. ابتسم داغر للذكرى: _يااا يا سيلا على الأيام دي، كنت بحلم امتى تكوني مراتي. كنت كل ما نجتمع مع بعض لوحدنا كنت بلاقي صعوبة كبيرة عشان أتحكم في مشاعري ناحيتك لو كنت حسيتي بيا وقتها كنت هترحميني. ضحك داغر عندما ضربته على كتفه وتمتمت بحنق: _قليل الأدب.. رفع حاجبيه بمكر: _تااااني؟ جذبته أسيل من أذنه وهي توبخه كطفل صغير:
_اعمل فيك إيه دماغك ديما شمال. تظاهر داغر بالألم وقال: _غصب عني دي حاجة مش بإيديا تقدري تقولي كده مرض بعيد عنك. تركته لتتوجه ناحية الأريكة لتستلقي عليها: _ربنا يشفيك. تطلع إليها بمكر: _هو أنتِ فكرك إني هعرف أشوف قدامي وأنتِ جانبي كده؟ يا تيجي تقفي جانبي يا تنزلي تنامي تحت. استدارت أسيل كي توليه ظهرها وهي تشعر برغبة شديدة في النوم فتثاءبت قائلة: _خلاص مش هخليك تشوفني. وفي لمح البصر انتظمت أنفاسها وغرقت في سبات عميق.
ابتسم برضا ثم ترجل للأسفل ليأخذ لها الغطاء ويضعه عليها. مال ليطبع قبلة حانية على وجنتها وكم أراد في تلك اللحظة أن ينام بجوارها لكن عليه أن يؤجل كل ذلك حتى يصل للجزيرة أولاً. أصبحت العلاقة بين خليل وسيلين مشاركة في كل شيء. متعلل كلاهما بعدم استطاعتهم العودة إلى منازلهم للغداء. فيتناولوا طعامهم معاً في كافتيريا المصنع. وأثناء تناولهم الطعام سألته سيلين كأنها تفتح مجال للحديث: _داغر ومراته أخبارهم إيه رجعوا ولا لسة.
رد خليل بقلة حيلة: _رجع يا ستي وأخد مراته وراحوا يقضوا شهر العسل مفكرش حتى ييجي يسلم عليا، يظهر إن كل ده كنت بربي لغيري. ضحكت سيلين وقالت: _هي دي سنة الحياة مهما كان معاك أولاد بييجي علينا الوقت اللي كل واحد ينشغل بحياته ويديها كل أولوياته. أومأ لها: _يعني اللي خلف في الآخر زي اللي مخلفش. شعرت سيلين بالإحراج وتمتمت معتذرة: _أنا مكنتش أقصد…. قاطعها خليل بصدق:
_صدقيني الموضوع ده عمره ما شغلني من وقت ما مراتي الله يرحمها قالت إن العيب منها وإنها مش هتقدر تخلف وأنا شيلت الموضوع من دماغي وبصراحة داغر في وقتها كان معوضني عن الحرمان ده عشان كده إحنا كمان عوضناه عن حرمانه بأمه وأبوه، عشنا مع بعض أسرة مترابطة، وخصوصاً أنه رفض يسافر مع والده وأصر إنه يفضل معانا. لما مراتي ماتت وعرفت إن العيب كان مني أنا مفرقش معايا ولا حسيت بالذنب لأني محسستهاش لحظة واحدة إني ظلمتها حتى لو بنظرة.
تطلعت إليه بتقدير وقالت باطراء: _بجد أنت شخصية جديرة بالاحترام أوي يا خليل بيه ونادر وجودك دلوقتي. رفع حاجبيه متسائلاً: _مش شايفة إنك مبالغة حبتين؟ هزت رأسها بنفي وتحدثت بثقة: _دي حقيقة أنا شايفاها وواثقة منها. أراد خليل أن ينهي الحديث لأنه حقاً لا يحب ذلك الإطراء وقال بثبوت: _مش هجادلك لإني مش بحب الجدال. على العموم الرسول عليه الصلاة والسلام قال (الخير هيفضل في أمتي ليوم الدين) أيدت حديثه:
_عليه الصلاة والسلام، فعلاً الدنيا لسه بخير طالما فيها زيك. أومأ لها وقام بتغيير الحديث: _الولاد أخبارهم إيه؟ _كويسين الحمد لله ديدا مصرة إنها تدخل شرطة ومعتز رافض بيقولها انتِ بنت وده مجال للشباب مش ليكي انتِ، وبصراحة محتارة. مش عايزة أكسر كلمة معتز عشان مهزقش ثقته في نفسه ويحس إن كلمته مش مسموعة وخصوصاً في سنه ده وبرضه مش عايزاه يكون متحكم أوي في حياتها. تحدث خليل بحكمة:
_الأفضل إنك تقنعي معتز برأي أخته وتتركي الرأي الأخير له بمعنى إن دي رغبتها ومش عايزين ومينفعش نكسر رغبتها بس لو انت مصر تمام، وقتها مش هيقدر يرفض لأنك كبرتيه قدام نفسه وقدام أخته فمش محتاج يثبت كيانه طالما أنتم شايفينه كده. أيدت رأيه بنظرة منها وقد أثبت ذلك الرجل بأنها أحسنت تلك المرة الاختيار. أوقف داغر اليخت أمام الممر بعد رحلة استمرت ساعة.
تطلع إلى تلك النائمة بعشق جارف يتأمل ملامحها التي لا تكتفي عيناه من النظر إليها. تقدم منها ليجثو على ركبتيه بجوارها وملس أنامله على وجنتها فتشعر به تلك النائمة ترمش بعينيها قبل أن تفتحها على تلك العيون التي سقطت صريعة لها فور رؤيتها: _صباح الورد. ابتسمت بخجل من نظراته وتمتمت بشجن: _أجمل صباح صحيت عليه. اتسعت ابتسامته للسعادة الواضحة عليها وقال بحب: _وأنتِ أجمل حاجة شفتها عيني، بحبك يا أسيل.
أغمضت عينيها تحاول الثبات أمام تلك المشاعر التي اقتحمتها بنظراته وكلماته المعسولة. امسكت كفه الذي يملس به على خدها وقامت بتقبيله بحب وهي تتمتم بخفوت: _خايفة يكون كل ده حلم، بس لو حلم مش عايزة أفوق منه. هز رأسه بنفي وتمتم بوله: _لا حقيقة بس هنخليها حقيقة زي الحلم هنعيش مع بعض أجمل لحظات وهعوضك عن كل ثانية عيشتيها بعيد عني.
مال على ثغرها يطبع قبلة حانية بجانب شفتيها قبل أن يأخذها إلى تلك الفقاعة الوردية التي لا يدخلها سواهم. سار داغر على الممر وهو يحتضن أسيل وكأنه يخشى أن تهرب بعيداً عنه ولو حتى خطوة واحدة. صرخت عندما با بغتها داغر بحمله لها وهو ينزل من الممر على الأرض الخضراء. أخفت وجهها في عنقه وتمتمت بسعادة: _أنت مجنون. ضحك داغر بسعادة أكبر وتمتم بتوعد: _هو انتِ لسه شفتي جنان اصبري بس عليا. حاوطت عنقه بذراعيها وتمتم بحبور:
_بحبك يا داغر. _وأنا بموت فيكي يا قلب داغر. صعد درجتين حتى وصل لباب المنزل الصغير الذي استأجره لها ليقضوا به رحلتهم. أنزلها أمام الباب وقال بثبوت: _ثواني. أخذ الشريط الوردي الموضوع على الباب الزجاجي ثم وضعه على عينيها فسألته: _حبيبي بتعمل إيه؟ ربط الشريط بحنو وهمس بجوار أذنها: _مفاجأة يا عيون حبيبك. فتح الباب وقادها للداخل ثم أغلق الباب بقدمه وقال هامساً وهو محتضنها من الخلف: _تحبي تفتحي عينيكي هنا ولا في الأوضة؟
هزت كتفيها بدلال: _وإيه الفرق؟ قربها لصدره أكثر: _لااا الفرق كبير أوي تحبي تجربي. هزت رأسها بنفي: _لأ متشكرة خلينا هنا. طبع قبلة خاطفة على وجنتها قبل أن يرفع الشريط عن عينيها فتتفاجئ أمامها بمنزل صغير بجدران زجاجية وستائر بيضاء سائدة كحال كل شيء به. تطلعت إليه بانبهار وعينيها تستكشف المكان بذهول. كل شيء به باللون الأبيض حتى جدران الغرفة الوحيدة به. وكذلك المدفأة الجانبية.
كما كانت أزهار التوليب البيضاء تحيط المنزل من كل جانب حتى زهور الأقحوان تتراقص مع النسمات الهادئة برائحة اليود. استدارت لتنظر لداغر وتمتمت بعدم استيعاب: _أنا مش مصدقة نفسي معقول الجمال ده؟ ابتسم بسرور عندما لاحظ انبهارها وتمتم بعشق: _وأكتر كمان أنا هعيش بس عشان أسعدك يا عمري. استدارت له لتنظر داخل عينيه التي تسحرها وتمتمت بعيون دامعة: _داغر أنا….. لم تجد الكلمات التي تصف بها امتنانها لكل ما يفعله لأجلها.
رفع داغر أنامله ليتلاعب بخصلاتها وتمتم بوله: _متقوليش حاجة، أنا شايف وقاري في عينيكي كل حاجة، بس لو استمريتي على كده هتهنجي مني لسه قدامك مفاجأت كتير. لفت ذراعيها على عنقه تحتضنه بشدة ولم تستطيع حينها منع دموعها من النزول وهي تشدد من احتضانه. شعر داغر بدموعها على عنقه مما جعله يبعدها عنه بقلق فوجد عينيها تنهمر منها الدموع بغزارة فأحتوى وجهها بكفيه يسألها بلهفة: _مالك يا قلبي بتعيطي ليه؟
أغمضت عينيها كي تتخلص من الدموع المتعلقة بأهدابها وتمتمت بخفوت: _بعيط على السنين اللي ضاعت وأنت بعيد عني. مسح دموعها بابهامه وتمتم بحنو: _قولتلك هعوضك يا عمري لدرجة إني هنسيكي كل لحظة عذاب عيشتيها بعيد عني. هزت رأسها بألم: _خايفة الدنيا تستكتر عليا الفرحة دي. ابتسم لها وهو يقول بثقة: _طول ما أنا جنبك اطمني ومتخافيش من حاجة. عادت لحضنه ليكتنفها شعور الأمان من جديد. كانت تستمع لنبضاته كأنه لحن موسيقي أطرب أذنها.
طبع قبلة متملكة على رأسها ثم تمتم بوله: _هنفضل كده كتير؟ أومأت له دون أن ترفع رأسها إليه: _مش عايزة أسيب حضنك. فقال هو بمكر: _ولا أنا كمان مش عايز أسيبه، بس عايزه بطريقة مختلفة. رفعت وجهها وزمت فمها بغيظ: _أنت منحرف. هز رأسه بنفي: _بصراحة دي المرة الوحيدة اللي غرضي شريف تعبت بس من الوقفة وعايز نقعد على الكنبة. رمقته بشك فهز رأسه بثقة أن تصدقه فقالت: _ماشي هصدقك. أمسك يدها وجلس بها على الأريكة الوثيرة ثم سألها:
_تشربي إيه؟ ميكس ولا بلاك؟ نهضت أسيل: _خليك أنت أنا هعمله. نهض معها وهو يقول بخبث: _خليني أساعدك أصل المكان غريب عليكِ ومش هتعرفيه. رفعت حاجبيها تتصنع الدهشة: _لا والله. أومأ بتأكيد: _آه طبعاً تعالي. جذبها من يدها وتقدم من المطبخ الذي صمم بإتقان في أحد الأركان ثم قال بجدية مصطنعة: _عيبه الوحيد أنه ضيق مينفعش اتنين يقفوا فيه إلا إذا كانوا حاضنين بعض. ضحكت أسيل وسألته: _إزاي بقى؟ _كده.
احتضنها من الخلف ووقف بها أمام الغلاية الكهربائية ليأخذها ويضعها أسفل المياه يتحرك بها وهو يحتضنها بقوة وكأنه يخشى أن يتركها لحظة واحدة. فتحت أسيل نافذة المطبخ التي تطل على حديقة مليئة بالزهور فتداعب نسائم الربيع خصلاتها التي داعبت وجه داغر وهو مازال محتضنها فيغمض عينيه مستمتعاً بعبيرها. الذي يسحره بعطره الآخذ، فقد أصبحت كالخمر كلما ارتوى منه كلما ازداد شعوره بالظمأ.
استدارت بين يديه ليفتح عينيه على تلك العيون الذي أيقن الآن أن عاجلاً أم آجلاً ستكون سبباً في هلاكه. كانت تحدثه وهو غير منتبه لحديثها بل كان في عالم آخر وعينيه تجوب ملامحها بشغف ووله. هي العالم وما به من ملذات. تجمع فقط بداخلها فلم يعد يرغب شيئاً بعد الآن غيرها. توقفت عيناه على شفتيها التي تحركها بالحديث الذي لا يسمع منه شيء.
صب كل حواسه على تلك الحورية المتمثلة أمامه ومن خلفها بحره الهادئ يرسل إليه نسماته برائحة اليود ماراً بطريقه إلى نسمات الياسمين مقتحمين وحدتهم. أخذ نفس عميق من تلك النسائم التي اختلطت برائحة اللافندر التي تنبثق منه. انتهت عند تلك النقطة قوة تحمله ولم يعد يطيق صبراً فمال يحملها بين يديه ودلف بها تلك الغرفة التي تزينت بإتقان للعروس. نهض الطبيب من مقعده بعد معاينته لهايدي. وحازم يمسك يدها بدعم حقيقي.
ساعدها على النهوض ثم أشار لهم الطبيب بالجلوس وقال: _تفضلوا بالجلوس. جلسوا منتظرين حديثه بترقب حتى قال: _دعوني أكون صريحاً معكم، الحالة صعبة لكن علاجها ليس مستحيلاً قد يستغرق بعض الوقت لكن بالنهاية سيكون باستطاعتك الإنجاب. تطلعت لحازم بسعادة وقد بادلها هو بابتسامة متحفظة كي لا يشعرها بأن الأمر يفرق معه. وفي حقيقة الأمر هو يود أن يكون له عائلة كبيرة يعوض بها حرمانه لكن لن يظهر بذلك كي لا تشعر بالحزن. تابع الطبيب:
_ستتابعين معي خلال فترة وجودي بمصر وبعد سفري راسليني بالفحوصات. أومأت هايدي وخرجا معاً من المشفى وقد شعرت بالأمل بعد أن فقدته. قالت بغيظ: _لو كنت عرفتني من الأول كان زمانا معانا أربعة. ضحك حازم وهو يفتح لها باب السيارة: _أربعة مرة واحدة. أومأت له وقالت بحدة محبب: _آه عندك مانع؟ تمتمت بكل ما يحمله بداخله من حب لها: _وأنا أقدر برضو كل اللي نفسك فيه هعمله. احتواها بحب ليقبل رأسها ثم تمتم بمكر:
_أنا بقول نروح البيت أحسن لأني ممكن أتهور دلوقتي. ضحكت هايدي بعلو جعلت حازم يحرك السيارة كي يعود بها إلى منزلهم. في الغرفة. كانت أسيل تضع رأسها على صدره في سكون تام. مما أقلق عليها داغر فسألها: _مالك ساكتة ليه؟ أغمضت عينيها وقد داهمتها ذكريات تلك الليلة والتي علمت جيداً بأن لا شيء مما يفعله سيمحيها من ذاكرتها. ازداد قلقه عندما لم يجد منها رداً فابعد رأسها عن صدره واستلق بجانبه ينظر إليها فيتفاجئ بدمعة سقطت على وجنتها
مما جعله يلتاع عليها: _مالك يا سيلا أنا ضايقتك من غير قصد؟ لم تستطع فتح عينيها ورؤية قلقه عليها في عينيه. لن تخبره حتى لا تقهره أكثر فقالت بكذب وهي تفتح عينيها: _مفيش بس إياد وحشني، وكان نفسي ييجي معانا. يعلم جيداً بأنها لا تخبره الحقيقة لكنه سايرها قائلاً:
_أنا كمان وحشني أوي بس تفتكري المكان ده أمان لطفل عمر سنتين وأنا قولتلك إن وقت ما نرجع هنسافر القاهرة نقضي شهر كمان مع عمي لإني بصراحة قصرت معاه أوي وعايز أقعد معاه لحد ميعاد السفر. رفعت عينيها إليه بصدمة: _سفر؟ أكد داغر: _آه عشان شغلي، ما أنا قولتلك إني رجعتله. ظهر القلق واضحاً عليها وسألته بتوجس: _هتغيب عني كتير؟ زم فمه بأسف: _معرفش، ده بيبقى حسب. اخفضت عينيها بحزن فوضع أنامله أسفل ذقنها يرفع وجهها إليه وقال
بابتسامة يخفف عنها حزنها: _وبعدين يا ستي احنا لسه قدامنا شهرين أوعدك إني هزهقك فيهم وأخليكي تقولي خلاص زهقت منك. ابتسمت وهي تهز رأسها بنفي: _مستحيل أزهق منك. رفع حاجبيه بمكر: _واثقة؟ أومأت له بتأكيد: _واثقة أوي أوي. تمتم ببراءة مصطنعة وهو يجذب الغطاء عليهما: _خلاص بما إنك مش هتزهقي يبقى اتحملي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!