مرت الأيام وكل منهم في وادي سحيق لا يستطيعون الخروج منه. يتظاهرون بالقوة وأن ما حدث ولى وانتهى، لكن ذلك أبعد بكثير. فقلوبهم تلتهب شوقاً إلى بعضهم البعض رغم قسوتهم. عاتب كل منهم الآخر من القلب للقلب، حتى تعبت القلوب وسيطر العقل على كل مشاعرهم ليحل محلها الانتقام. وكلما ازداد الشوق كلما ازداد الكره بداخلهم حتى وصل ذروته، ثم تحول إلى رغبة في الثأر. بدأ الحمل يظهر عليها فبدأت تتدرى أكثر كي لا يلاحظ أحد حملها.
"حور" تلك التي أخذت اسمها فلا تريد أن تدنسه، لذا كان عليها أن يظل الحمل طي الكتمان. فقط تكتفي بالجلوس قليلًا في الشرفة ثم تعود مسرعًا حينما تهاجمها الذكريات، وتتنفس بعمق وتخرجه متمهلًا. هكذا أخبرتها الطبيبة النفسية التي وصى بها عاصم عليها. أما هو فقد زهد كل شيء وتصالح مع ظلامه، لكن لم تترك صورته مخيلته لحظة واحدة. حاول بشتى الطرق أن يخرجها، لكن قلبه العاصي تشبث بها يأبى الرضوخ له وأعلنها مستسلمًا أن لا ملجأ له سواها.
ما زال عاشقًا ولن يرضخ لسطوة عقله. جاء موعد تدريبه والذي أصر عليه عمه كي يشغله قليلًا. حاول الرفض، لكن هو يريد الاعتماد على نفسه فقد أصبح واقعًا وعليه الرضا به. دلفت الفتاة وهي تضع حقيبتها على الأريكة التي يجلس عليها، وقد كان خافضًا رأسه يستند بمرفقيه على ساقه. "صباح الخير مستر داغر." رد داغر باقتضاب ومازال على وضعه. "صباح الخير." علمت من هيئته بأنه لا يريد التحدث وأن تبدأ عملها مباشرة. بدأت الفتاة عملها.
"أين وضعت حقيبتي؟ رد داغر بثبوت. "على يميني بمقدار خطوة واحدة." عادت هي خطوة للوراء دون أن تصدر أي صوت. "وأنا؟ "ابتعدتِ عنها خطوة واحدة بعد أن كنتِ بجوارها." ابتسمت لفطنته وتعلمه السريع. "لقد تعديت المرحلة الأولى في وقت وجيز. هل أنت مستعد للمرحلة الثانية؟ أومأ لها مستسلمًا فقالت بروية. "إذا علينا الخروج من الغرفة." رفض داغر قائلًا. "لن أخرج خارج هذه الغرفة."
"لكن لابد من ذلك، لن تظل داخل تلك الغرفة للأبد، عليك الخروج من تلك الدائرة التي وضعت نفسك داخلها. لقد أخبرك الطبيب أن حالتك الآن نفسية وليست طبية، فعليك أن تساعد نفسك كي تخرج من ذلك الظلام الذي أحاطك." تمتم داغر وهو على وضعه. "لم تعد للحياة أهميتها." جلست الفتاة على المقعد قبالته وقالت برتابة. "من قال ذلك، هل معنى فقدانك لشخص عزيز أن يجعلك بذلك اليأس!
الحياة لا تقف عند أحد، إذا اختارت هي البعد فكن مثلها واختار الصمود، ومع الوقت ستكون ماضيًا عابرًا مر يومًا بحياتك. قم معي وابدأ أولى خطواتك خارج هذه الغرفة ولا تسمح لشيء أن يهدم ذلك الجبل الشامخ، كن كجبل النار لا يستطيع أحد إطفاءه." وافقها مجبرًا ليس لطوي صفحات الماضي ولكن كي لا يشكل عبئًا على أحد بعد الآن. خرج من الغرفة ثم واصلت الفتاة عملها.
"عليك أن تخلع حذاءك، بما أنها المرة الأولى سيساعدك ذلك باكتشاف المكان أفضل." فعل ذلك، وبدأت ترشده كيف ينزل الدرج بعصاه وكيف يقيس الدرجات مع كل درجة، وكذلك الصعود. تدرب على كل شيء حتى الأنفاس التي تخرج ممن بجواره، هل رتيبة تكون عادية أم لاهثة أم مرتبكة. حتى الخطوات وكل شيء متعلق بالحياة من حوله. انتهى تدريبه مع انتهاء مدة حملها وجاء موعد ولادتها. كانت ولادة عسيرة أرهقتها واستغرقت وقتًا كبيرًا.
شعرت بوحدة قاتلة ولم يخفف من حولها من حدتها. فمن تحتاج لوجودهم لم تجد أحدًا منهم، بل تخلى عنها الجميع. لم تستطع أمينة ولا هايدي تعويضها في تلك اللحظة. لم تحتاج لغيره، تريده في ذلك الوقت معها، لا أحد غيره يستطيع التخفيف عنها. ستغفر وتسامح فقط يعود، فليعود من حاربت الكون لأجله، من تحملت ويلات العذاب لعشقه. صدحت صرخة قوية باسمه، وبعدها أعلن الصغير خروجه للحياة.
وفي ذلك الوقت كان داغر يشعر بغصة مؤلمة حادة بقلبه لا يعرف سببها. يشعر بها تناديه، تستغيث به، لكن أين؟ وضع يديه على أذنيه ربما يخفف من ذلك الصوت الذي اقتحمه فجأة وكأنها بجواره. يشعر بقلبه الملتاع يئن ألمًا ولا يعرف سببًا لذلك. يصرخ بدوره باسمها يناشدها أن تعود، هي وحدها من لا يخجل من إظهار ضعفه أمامها. وهو الآن في أكثر أوقاته ضعفًا. جثى بركبتيه على الأرض وسمح لنفسه بالانهيار. يصرخ ويصرخ ويناجيها أن تعود.
سيغفر بدوره ويسامح فقط تعود. ولم يدري شيئًا عن حالة عمه وهو يسمع صرخاته ولا يستطيع الاقتراب منه. يرفض أن يواسيه أحد حتى لو كان عمه. وانزوى ذلك اليوم داخل غرفته ولم يستطع أحد إخراجه من تلك الحالة. دلف عاصم الغرفة فيجد أسيل تحمل طفلها بين ذراعيها تتطلع إليه بشرود. "عاملة إيه يا حور دلوقت؟ رفعت عينيها إليه وابتسمت له بامتنان. "الحمد لله أحسن، متشكرة أوي يا عمي مش عارفة لولا وجودك كنت عملت إيه."
جلس على المقعد بجوارها وقال. "بصراحة لو حد يستاهل الشكر ده فهو حازم، أنا معملتش أي حاجة تذكر جنب اللي عمله." التزمت الصمت ولم تجيبه، فقال عاصم. "ها مقولتيش هتسميه إيه؟ عادت تنظر لطفلها الذي تمسك بقبضته الصغيرة إصبعها وتمتمت بحزن. "على قد ما وجوده خفف عني كتير على قد ما تعبني وهزني وأنا حتى مش عارفة أسجله زي أي طفل، بفكر أسجله باسم بابا بس خايفة يعرف بأي طريقة ويكتشف إني لسة عايشة، وفي نفس الوقت مش هينفع أسيبه كده."
تحدث عاصم بعقلانية. "يبقى تعملي اللي العقل بيقول عليه وتروحي لأبوه تعرفيه، على الأقل يسجله باسمه ولو بعقد عرفي وبعدها كل واحد يروح لحاله." تطلعت إليه بوجل وقد اهتزت نظراتها وعادت إليها ذكريات حاربت كي تنساها. ارتعش جسدها وبدأت الدموع تتجمع بعينيها وهي تهز رأسها برفض. "لأ... مستحيل."
"بس انتِ مجبرة يا أسيل مش عشانك عشان خاطر ابنك، من حقه يكون له اسم وعيلة. مش بقولك ارجعيله، كل اللي بقوله إنك تروحي لأبوه وتعرفيه إنه له ابن ولازم يحمل اسمه." "ممكن يرفض." قالتها بقلب ملتاع، لكن عاصم نفى بثقة. "مستحيل أب يشوف ابنه ويرفضه. على العموم فكري كويس وخلي ابنك مصلحته فوق الجميع." تركها وخرج من الغرفة فيصادف خروجه دخول أمينة وهايدي التي تحمل الطعام بيدها. "معلش يا حور آخرنا عليكي."
مسحت دموعها سريعًا وتظاهرت بالابتسامة. لهايدي التي لم تتركها لحظة واحدة وظلت بجوارها. قالت بامتنان. "مأخرتيش ولا حاجة أنا اللي تعبتك أوي." أخذت أمينة الطعام من يدها وقالت. "تعبك راحة يا بنتي متقوليش كده." أخذت هايدي الطفل من يدها وقالت. "سيبيلي أنا القمر ده واتغدي أنتِ." تطلعت أسيل للطعام وقالت برجاء. "أرجوكِ يا دادة مليش نفس بلاش تغصبي عليا." ردت أمينة بإصرار. "مش هينفع لازم تاكلي أنتِ ما أكلتيش حاجة من امبارح."
تحدثت هايدي بحزم. "لازم تاكلي يا حور عشان خاطر ابنك." وافقت أسيل على مضض وتناولت القليل ثم أصرت على عدم إكمالها. أخذت هايدي تشرح لها كيفية التعامل معه وهي شاردة في حديث عاصم. لا تعرف ماذا تفعل، هل توافقه وتذهب إليه لأجل طفلها؟ لكن ماذا إن رفض الاعتراف به؟ سيزيد ذلك من بغضها له وربما وقتها يهدأ ذلك القلب الملتاع لمعذبه وتنطوي تلك الصفحة للأبد. أعادها لشرودها حازم الذي دلف مرحبًا بالجميع. "السلام عليكم." رد الجميع.
"وعليكم السلام." تابعت هايدي. "ممكن أعرف حضرتك كنت فين كل ده؟ رد وعينيه تتطلع إلى أسيل. "معلش كانت في حالة صعبة ومكنش ينفع أسيبها. عاملة إيه يا حور دلوقت." ابتسمت له بامتنان. "الحمد لله أحسن." تطلع لهايدي وتحدث بجدية. "هايدي خدي الولد اكشفي عليه واتأكدي إن كل أموره تمام." شعرت هايدي بأنه يود التحدث مع أخته لذا قررت تركهم وخرجت به من الغرفة. "حاضر يا حبيبي بعد إذنكم." خرجت هايدي وتطلع إلى أسيل يسألها.
"ها يا أسيل فكرتي فاللي قولتلك عليه؟ قررت أمينة تركهم كي لا تخجل أسيل من وجودها رغم رفضها لذلك القرار الذي اتخذه ابنها. ليس لأنها ترفض أسيل لكن لأجل زوجته التي لم يرى منها سوى كل خير. خرجت أمينة وتطلعت أسيل إليه بعرفان.
"شوف يا حازم أنا فتحت عينيه على الدنيا دي لقيتك قصادي. كنت بتعوضني عن جفاء سليم معايا حتى قسوة بابا كنت بتعوضني عنها. لما كنت بعيط محدش كان بيواسيني غيرك عشان كده كبرت وأنا شيفاك أخ، كنت بتمني إن الإنسان اللي هأرتبط به يكون زيك، بطيبتك بحنيتك بقلبك الكبير بس بصراحة صدمتني لما جيت صرحتني بمشاعرك. كان لازم أرفض لأن مينفعش البنت تتجوز أخوها، ولا حتى النهاردة ينفع." "بس أنا لسه بحبك."
"وأنا لسه شيفاك حازم أخويا، وبعدين أنا حبيت هايدي واتعلقت بها قوي ومستحيل أكون سبب في دمار حياتها. أنا لسه محتاجالك ويمكن النهاردة أكتر من أي وقت، أنا وابني محتاجين لوجود أخ نعتمد عليه مش أكتر من كده. ابني مش هيتسجل غير باسم أبوه، أنا قررت أروح وأعرفه بوجوده عشان يسجله وبعدها هاخده وأسافر إيطاليا ومش هرجع هنا تاني." حاول الاعتراض. "بس... قاطعته أسيل.
"ده قراري الأخير ومش هغيره، ارجوك يا حازم ساعدني وبلاش تقف قصادي لأن مبقاش ليا غيرك." طرق الباب ودلفت هايدي وهي تطمئنهم بابتسامة حاولت بها إخفاء مشاعرها وهي تعيد الطفل لأسيل. "اطمني يا حور ابنك زي الفل ربنا يخليه." تطلعت لحازم الذي لم يلاحظ نظرات العتاب بعينيها وقالت. "ها يا حبيبي هنروح دلوقت ولا إيه، الدكتور طمنا وقال إننا نقدر نروح." أومأ لها وقال. "ساعديها تغير هدومها وأنا هشوف الدكتور قبل ما نمشي." بعد مرور شهر.
وقفت سيارة الأجرة أمام المنزل الذي شهد على لحظات لم تمحيها السنين. هنا قضت أسعد أيامها وتغنت كثيرًا بعشقهم. لم تتخيل يومًا أن تأتي إلى ذلك المكان بتلك الطريقة، بل كانت تحلم بأن تأتيه بثوب زفافها وهي تحمل كعروس وليس طفلًا بيدها آتية كي تتضرع له بالاعتراف به. انتبهت على صوت السائق يسألها. "هستنى حضرتك ولا أمشي." فكرت قليلًا ثم قالت. "استنى متمشيش." أومأ لها السائق وهمت بالترجل لكن لم تقوى على ذلك.
لا تملك القوة لمواجهته، لن تستطيع الدخول ورؤيته. عليها الهرب الآن قبل أن تراه أمامه. تطلعت لطفلها الذي أخذ يبكي كأنه يعترض على ذهابها. مما جعلها تزدرد جفاف حلقها بصعوبة ثم تمسكت بطفلها وترجلت من السيارة وقد ازدادت وتيرة دقاتها. تقدمت من المنزل بأقدام واهنة حتى وصلت للبوابة الكبيرة. تفاجئت بالحارس يخرج منها وسألها. "في حاجة يا هانم." حاولت أسيل البحث عن صوتها فخرج مهزوزًا وهي تسأله. "كنت جاية أسأل عن كابتن داغر."
تعجب الحارس من سؤالها. "بس داغر بيه مسافر من فترة طويلة أوي." ظنت أسيل أنها رحلة عمل لذا سألته بتوجس. "متعرفش هيرجع امتى؟ هز رأسه بنفي. "حقيقي معرفش بس مظنش إنهم هيرجعوا دلوقت." اندهشت لصيغة الجمع التي يتحدث بها ثم سألته مستفهمة. "هما مين؟ "هو وخليل بيه الاتنين سافروا من سنة تقريبًا ده كل اللي أعرفه لأني مستلم الشغل جديد." تركها الرجل وعاد للداخل فتجمعت الدموع بعينيها وأخذت تنظر إلى المنزل بضياع.
فقد فعل فعلته ولاذ بالفرار. استدارت لتمضي وقد أقسمت أن تنتقم منه يومًا أشد انتقام. فقط يعود وستعمل بكل الطرق على إسقاطه. عودة للحاضر. انتبه داغر لصوت الباب ليعيده لواقعه. وحاول أن يظهر صامدًا بعد تلك الذكريات التي داهمته. قام بوضع البوصلة في موضعها داخل الخزانة لكن لم ينتبه جيدًا فتسقط علبة أخرى بالخطأ كانت بجوارها. انتبه لسقوط شيء ما فقام بتحسس مكان الأخرى لكن لم يجدها. يبدو أنها من سقطت على الأرض.
مال على الأرضية وأخذ يتحسس بيده يبحث عنها، عليه أن يجدها، لا يجب أن تراها. أخذ يتحسس الأرضية يبحث عنها بيده حتى استطاع إيجادها. أغمض عينيه براحة لم تدوم طويلًا عندما وجدها فارغة. إذا لقد سقط ما بها. ضغط أكثر على أسنانه وكره عجزه الذي أوصله لتلك المرحلة من العذاب. واصل تحسسه لكن لا أثر له. لكنه لم ييأس، عليه أن يجده بأي شكل. لكنه انتبه لنفسه عندما لامست يداه قدمها حينها أجفل وشعر بكم ضآلة لم يشعر بمثلها من قبل.
هاجت أعصابه وبدأت عينيه الرمادية تتحول لسحب محملة بالغيوم وفمه الحازم يتشنج من شدة غضبه. ثم غمغم بلهجة حازمة أخفى منها مدى سخطه. "اطلعي برة." رمقته أسيل بنظراتها المتشفية وقد أصبح أمامها ذليلًا لعمائه. انفعل أكثر عندما لم يسمع خطواتها وهدر بها ساخطًا. "قلتلك برة." كان صوته تلك المرة يحمل غضب الدنيا بأكمله مما جعلها ترمقه باستخفاف وخرجت من الغرفة.
شعور بالرضى تظاهرت به لكنها تعلم جيدًا بأن ذلك القلب الخائن يئن ألمًا عليه وعلى ما وصل إليه. انسحبت بهدوء كي لا يشعر بها، يكفي ما رأته حتى الآن. عليها أن تنتقل لخطتها الثانية وبعدها سيكتمل انتقامها وترحل من تلك البلد دون عودة. عادت أسيل إلى المنزل في وجوم تام. لا تعرف ما سبب تلك الغصة التي تشعر بها. مؤكد بأنها ليست لأجله. اندهشت أمينة من عودتها مبكرًا فتقدمت منها لتجلس بجوارها تسألها. "إيه يا أسيل اللي رجعك تاني."
أسندت رأسها على ظهر الأريكة وقالت بإرهاق. "حسيت نفسي تعبانة شوية قلت أروح أرتاح." طلعت إلى وجهها الشاحب وسألتها بقلق. "انتِ أخدتي العلاج الصبح؟ وضعت يدها على رأسها وتمتمت بألم. "مبقاش بيجيب نتيجة، عايزة أروح للدكتور تاني وأطلب منه يغير العلاج." اعتدلت لتلتفت حولها تبحث عنه. "اومال فين إياد؟ "لقيت جسمه دافي اديته دوا للسخونة ونام." انقبض قلبها بقلق وقالت بلهفة. "طيب اتصل على هايدي تيجي تشوفه."
"كلمتها وهي اللي قالت اديله دوا للسخونة متقلقيش." نهضت أسيل بقلب لهيف. "مقلّقش إزاي أنا هدخل أشوفه." دلفت الغرفة مسرعة فتجده نائمًا في فراشه قامت بحمله والتأكد من حرارته فوجدتها ليست طبيعية. دلت أمينة خلفها وهي تقول. "يا بنتي قولتلك كويس بتقلقيه ليه بس." شدت أسيل من احتضانه وصورة والده وهو منكب على الأرض لا تترك مخيلتها فتمتمت بحزن وهي تتطلع إليها بقلق. "بس جسمه لسه سخن." "لسه أخد الدوا دلوقتي ملحق يعمل مفعول اطمني."
حاوط ابنها عنقها بيديه الصغيرة ووضع رأسه على كتفيها بإعياء. "انتِ متأكدة إنها سخونة بس، أنا بقول أكلم هايدي تيجي تشوفه أحسن." "اطمني هي قالت لما تخلص الشيفت بتاعها هتعدي تطمن بنفسها." جلست على الفراش وهي مازالت تحتضنه وهو غافي على كتفها وشعور بالذنب يكتنفها. مهما وصل تعبه لا تستطيع الخروج به من المنزل وتنتظر مجيء هايدي التي حقيقة لا تتأخر عنه وتعامله كطفلها. تنهدت بتعب وقالت. "حاسة بذنب كبير أوي من ناحيته."
"وبعدين معاكي يا أسيل هتفضلي محملة نفسك الذنب لحد امتى، أنا اتخدعت فيه زيك بالظبط مش لوحدك وبعدين هو نصيبه من الدنيا كده." "مش عارفة هيفضل لحد امتى كده مش عارفة أسجله." "ما حازم... قاطعتها أسيل بإصرار. "قلت لأ هو ملوش ذنب يتحمل غلطة غيره ارجوكي بلاش كلام في الموضوع ده تاني." "خلاص تروحي لأبوه وتعرفيه." تنهدت أسيل وسألتها. "وإن أخده مني هعمل إيه وقتها." "ميقدرش يعملها."
"مين قالك كده، اللي زي ده ممكن يعمل أي حاجة لأن الخيانة في دمه. كنت فاكرة إني هعرف انتقم منه بس اكتشفت إني أضعف من كده بكتير، وأضعف من إني أقف قصاده، والآخر طردني." لحت صوره أمامها. "أو يمكن عشان لقيته عاجز قدامي فقلت عدل ربنا مفيش أفضل منه، بس مقدرش أجازف وأعرفه إنه له ابن." سألتها أمينة. "يعني خلاص هتسيبي الشغل عنده." أومأت أسيل وهي تنظر لصورته المصغرة. "خلاص معدش له لزوم." ربتت أمينة على ساقها وقالت بسرور.
"كده أفضل سيبي الملك للمالك هو اللي هياخدلك حقك وانتي في مكانك. يلا نيمي ابنك ونامي جنبه شوية." أومأت أسيل ووضعت ابنها في فراشه ونامت بجواره. أخذت تحسس على وجنته الناعمة وتدقق في تفاصيله التي لم تترك شيئًا من أبيه. هل هذا عقاب آخر أن يظل بحياتها حتى بعد خروجه منها؟ لكن من قال أنها استطاعت إخراجه من داخلها. واهمة إن ظنت ذلك. فمنذ أن وقعت عينيها عليه وعاد القلب ينبض من جديد.
فكلهما حاولت إخراجه نظرة واحدة لطفلها تعيد إليها ذكريات لا تنسى. في منزل. دلت فايزة غرفة ابنتها فتجد أنها مازالت نائمة. "هايدي هتفضلي نايمة كده؟ مش هتروحي المستشفى؟ نهضت هايدي بتكاسل وتمتمت. "لأ أخدت إجازة النهارده كمان، حاسة بتعب شديد أوي." "ده أكيد من الحمل، قومي افطري معايا وخلينا نتكلم شوية." كانت هايدي تتلاعب بطعامها تمثل فقط بأنها تأكل ولم يخفى ذلك على والدتها فسألتها. "انتي ناوية على إيه يا هايدي."
رفعت عينيها عن طبقها. "اعمل إيه في إيه؟ "في جوزك اللي مصر على رأيه." ابتسمت بحزن عميق وقالت بعدم اهتمام. "مش فارقة." "يعني إيه مش فاهمة؟ تركت الملعقة من يدها وأجابت. "يعني وجودي في حياته زي عدمه، كنت مجرد زوجة بتلبي احتياجاته وخلاص بس الزوجة دي جابت آخرها ومبقتش بحس معاه بالأمان فالأفضل لها إنها تنسحب بهدوء وتخرج من حياته بكرامتها." لم تقتنع برأيها.
"بس يا هايدي انتي بقالك خمس سنين متجوزين عمرك ما شكيتي منه وكنت بشوفكم مبسوطين أوي مع بعض." لاح الحزن بنظراتها.
"ده اللي كنت بضحك على نفسي بيه وأقول كفاية إنه بييجي آخر الليل ينام في حضني أنا مش واحدة غيره. بس طلعت غلطانة لأن غيري هي اللي مالكة كل جوارحه مش بس قلبه. وصل إنه ينطق اسمها وهو في حضني يعني وهو معايا فاكرني. هي تدحرجت دمعة على عينيها وتابعت. وفوق كل ده رافض يخلف مني، أكيد من جواه بيفكر لو قدر يوصل لحبيبته هيبقى الخلاص من طفلين أفضل من ثلاثة." مسحت دمعتها وتابعت. "عشان كده أنا مش هنزل الحمل ده ومش هرجعله."
"بس أنا شايفة إنك بتظلمي حازم لأنه مش بـ... قاطعتها هايدي بفتور. "لو سمحتي يا ماما الموضوع ده منتهي مش عايزة كلام فيه، أنا بقالي خمس سنين بقول بكرة يرجع ومينفعش أهد بيتي بإيدي، بس هو اللي هده بإيديه. الحل الوحيد قدامي هو الطلاق غير كده لأ." ضربت فايزة على صدرها. "طلاق؟! انتي اتجننتي؟ هزت رأسها بتأكيد فقالت فايزة باستنكار. "لأ انتي شكلك اتجننتي فعلاً."
"لأ يا ماما متجننتش كل الحكاية إني عايزة أحافظ على اللي باقي من كرامتي." انفتح الباب ودلف منه فريد وهو يقول. "اتفضل يا حازم ادخل." نهضت هايدي لتتوجه إلى غرفتها لكن والدتها أمسكت رسغها تمنعها. "عيب مينفعش تسيبيه وتمشي." شدت يدها ودلفت لغرفتها تحت نظرات حازم المبغضة. تحدث فريد بتعاطف. "معلش يا ابني اعذرها هي بس واخدة على خاطرها منك، ادخل وراها وحاول تراضيها." أومأ حازم وتوجه إلى غرفته. نظرت فايزة لفريد وقالت باستياء.
"ليه متكلمتش معاه الأول." جلس فريد على المقعد وتحدث بحكمة. "لما نشوف الأول هيعملوا إيه، بنتك بتحبه وهو بيعرف يأثر عليها، هيرجعوا لبعض وكلمتنا إحنا اللي هتقف يبقى نهدى كده ونشوف هيعملوا إيه." في الداخل. دلف حازم الغرفة فوجدها جالسة على الفراش في سكون تام. ألمه قلبه لحالتها لكنه مجبر لأجل مصلحته. تقدم ليجلس بجوارها ثم تطلع إليها يسألها بروية. "ممكن أعرف سبب للي بتعمليه ده؟
لم تنظر إليه وظلت على وضعها فمد يده إلى يدها وقربها لفمه يطبع عليه قبلة اشتياق وتمتم بحشرجة. "وحشتيني، بقالك يومين بعيدة عني." سحبت يدها بهدوء لكنه لم ييأس وتسللت يده لخصرها يقربها منه وتابع حميته. "إيه موحشتكيش." طبع قبلة صغيرة على وجنتها قبل أن يتسلل لثغرها وهو يتمتم من بين شفتيها. "الليلتين دول كانوا أصعب ليلتين مروا عليا وحشتيني أوي." أبعدت ثغرها عن مرمى فمه مما جعله يزفر بنمق وسألها.
"إيه يا هايدي كل ده عشان أوهام في دماغك؟ التفتت إليه بحدة وقالت باستنكار. "أوهام؟ بعد كل اللي قلته ده وتقولي أوهام؟ وضع يده على وجنتها وتمتم بثبات. "هايدي أنا بحبك ومفيش في حياتي واحدة غيرك." "بس قلبك فيه غيري." تنهد بيأس منها وقال بتسويف. "محصلش أنا... نبهته بتحذير. "أوعى تكدب عشان مش بحب الكدب." "بس أنا عمري ما كدبت عليكي، أنا بحبك أنتِ." "وحور؟ بغت بسؤالها وضيق عينيه بشك. "حور أختي." ابتسمت بسخرية ونهضت قائلة.
"حور مش أختك، لأن حور ماتت من سنين اللي معاكم دي أسيل حسين النعماني حلم حياتك." جذبها حازم من ذراعها يسألها بحدة. "انتي بتقولي إيه؟ جذبت ذراعها من يده وقالت بثقة. "بقول الحقيقة وأوعى تنكرها لأني اتأكدت بنفسي." غمغم برفض. "مش حقيقي."
"لأ حقيقي وأكبر دليل على كده إقناعك لها إنك تسجل إياد باسمك ومتخافش أوي كده عليها، انت عارف كويس معزتها عندي لأني شفت بنفسي قد إيه بتحاول تتجنب وجودك عشاني يعني أنا مقدرش أقول فيها حاجة. أنا بتكلم عنك أنت." مسح بكفه على وجهه ثم سألها. "انتي عايزة إيه دلوقت؟ أشاحت بوجهها وقالت بتحدي. "نتطلق." "نعم؟ قالها حازم بعدم استيعاب ثم تابع بحدة. "يظهر إنك اتجننتي وعايزة اللي يرجعك لعقلك."
أمسك ذقنها كي يواجه عينيها وقال باحتدام. "طلاق مش هطلق ولو السما اتطبقت على الأرض، وبالنسبة للحمل... تحولت نظرات التحدي لرجاء فتابع هو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!