الفصل 29 | من 40 فصل

رواية جبل النار الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
20
كلمة
3,907
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

في الصباح، ترجلت أسيل الدرج وهي لا تعرف كيف تخبر أمينة وحازم بذلك القرار. لقد اتصلت عليه وأخبرته بأنها تود التحدث معه، وها قد جاء دون تأخير. تقدمت منهم وهي تقول بروية: _صباح الخير. ردوا جميعاً: _صباح النور. سألتها أمينة: _خير يا أسيل. حاولت أسيل البحث عن صوتها، فخرج مهزوزاً وهي تقول: _أنا هتجوز بكرة وهسافر معاه. قطب جبينه بحيرة وسألها: _اللي هو إزاي مش فاهم. اهتزت نظراتها وتمتمت برهبة: _هو طلبني من عمه امبارح.

صححت سريعًا: _أقصد يعني إنه طلب منه يكتب صوري بس عشان أسافر معاه في العملية، وبعدها عمه هيخلص إجراءات التثبيت بطريقته، وأول ما تخلص هرجع آخد ابني وأسافر. مسح حازم على وجهه بكفيه ثم تطلع إليها: _بأي اسم؟ ازدردت لعابها بوجل وتمتمت: _باسمي. رفع حاجبيه متسائلاً: _وهو عادي كدة مش هياخد باله من الاسم؟ _وهو هيعرف منين؟ وبعدين عمه هيظبط كل حاجة. زم فمه كي يتحكم في أعصابه وسألها: _والمطلوب؟ تطلعت إليه بعتاب:

_إنك تكون معايا يا حازم، مش معقول بعد كل ده هتسيبني دلوقتي. تنهد بتعب، لا يعرف ماذا يفعل معها، هل يتركها لتلك المجازفة أم يحافظ على الأمانة التي تركها سليم معه بكل الطرق ويرفض ذلك القرار المتهور. _وإنتِ هتآمني مع نفسك معاه. ردت بثقة: _ميقدرش يعمل حاجة، أنا واثقة من ده كويس، وبعدين أول ما يطلع من العمليات هكون أنا سافرت. زفر بضيق ثم وقف وهو يسألها بثبوت: _أمتى؟ تهربت بعينيها بإحراج: _بكرة والسفر بعده.

أومأ لها رغم اعتراضه: _خلاص، إياد وأمي هيكونوا معايا الفترة دي لحد ما ترجعي. تركها وغادر دون أن يضيف كلمة أخرى. تطلعت إلى أمينة التي التزمت الصمت منذ بداية الحوار وسألتها: _مش هتقولي حاجة يا دادة؟ تنهدت أمينة وقالت باستسلام: _هقول إيه يا بنتي، المهم في الآخر مصلحة إياد، مش عايزين غير كده. أومأت لها أسيل والتزمت الصمت بدورها. وقف داغر أمام المرآة وهو يعدل من رابطة عنقه. اليوم ستكون زوجته.

ذلك الحلم الذي تمناه وحلم به كثيرًا، الآن يتحقق، لكن ليس كما تمنى. نعم، مازال يرغبها ويريدها حد الجنون، لكن فُقد الاشتياق ولم يعد كما كان من قبل. لكن ما يشغله حقًا أن تتزوجه بذلك الاسم الآخر. نفى ذلك، فهي قد تعرض نفسها للمسائلة. وإن كان باسمها الحقيقي، فإن ذلك يثبت أن عمه على دراية بحقيقتها ويخفي عليه هو أيضًا. استبعد ذلك، فإن عمه لن يفعلها. أخرجه من شروده صوت الباب، فقام بارتداء نظارته ثم سمح للطارق بالدخول. دَلفت

سلوى وهي تقول ببهجة: _خليل بيه مستنيك تحت مع المأذون. سألها بهدوء: _وهي جت؟ _آه جت مع أخوها ومستنيين حضرتك. أومأ لها: _جاي حالًا. ترجل داغر الدرج بروية، عكس قلبه الثائر الذي تلاعب الظن بداخله من جهة عمه. وهو يشاهده يمليه بياناتها. وها هو حازم الذي يجلس على جمر ملتهب ولم يستطيع إخفاء امتعاضه مما يحدث. لا يعرف لما تمنى ألا يبصر في تلك اللحظة ويرى الجميع يشارك بخيانته، ضاغطين على نقطة عجزه. تقدم منهم قائلاً

وهو ينظر إلى حازم ببغض: _السلام عليكم. رد الجميع السلام ما عدا حازم الذي أشاح بوجهه بعيدًا. جلس بجوار يحيى الذي يندهش مما يحدث. سأل المأذون: _مين الوكيل؟ أجاب خليل الذي جلس بجواره: _أنا وكيلها زي ما قولتلك. ضغط داغر على قبضته يحاول السيطرة على أعصابه. ويحيى الذي اندهش بدوره من موقف خليل، لكن داغر أشار له بأن يتجاهل كل شيء طالما بالنهاية ستصبح زوجته، وبعدها سيحاسب كل من قام بخداعه، لكن بتروي.

أنهى المأذون عقد القران وطلب أن تأتي كي تمضي أمامه على القسيمة. ظهرت أمامه وهو يحاول بقدر الإمكان ألا يلتفت إليها. جلست بجوار حازم، وكأنها تتعمد ذلك كي تتأجج نار الغيرة بداخله. زم فمه كي يتحكم في أعصابه وألا ينهض ليلكم ذلك الوجه العابث، وأخذها من جواره. لكنه تحكم في أعصابه التي أصبحت على وشك الانفجار، وهو يراه يقرب الورقة منها ويناولها القلم لتمضي به.

ولكن العجيب في الأمر تلك النظرة التي رمقته بها وهي تحمل عتاب قوي لا يعرف سببه. من يعاتب من؟ وما الذي تخفيه عنه؟ أسئلة متكررة ولكن ليس لها إجابة. والآن جاء دوره. وضع يحيى القسيمة أمامه وتمتم بخفوت: _شيل عينك من عليها شوية عشان محدش يلاحظ. ضغط على قبضته يحاول التماسك وألا يبدي شيء، عندما رأى اسمها "أسيل حسين النعماني" مدون على القسيمة. دون إرادته رفع عينيه إلى عمه بعتاب قاسٍ. ثم أخذ القلم ودون اسمه بجوار اسمها.

انتهى عقد القران والمأذون ومن معه خرجوا وتركوهما. كل واحدٍ ينظر إلى الآخر ينتظر رد فعله. لكن التزم الجميع السكون، وكأن على رؤوسهم الطير. كل واحد منهم يخفي أمرًا عن الآخر، ولا أحد منهم يستطيع البوح به. لكن نهوض حازم قطع ذلك السكون وهو يقول بلهجة خرجت حادة: _إحنا ماشيين دلوقتي. _على فين؟ قاطعه داغر بصوتٍ حاد جعل الجميع ينتبه له. قال حازم بصبر نافذ: _مروحين، عندك مانع؟ نهض داغر وقال باحتدام:

_مفيش خروج لها، إنما اتفضل مع السلامة. قطب حازم جبينه بدهشة وانقبض قلب أسيل بوجل، فسأله حازم: _مفيش خروج إزاي مش فاهم. رد داغر بلهجة حاول أن يكون ثابتًا: _هتروح فين؟ وده بيتها. تطلعت أسيل إلى حازم تستنجد به، وقد تلاعبت بها الظنون. تدخل خليل يهدئ من أعصابهم: _إيه يا داغر؟ ميعاد السفر لسة بكرة وهي لازم تروح تجهز شنطتها والصبح هنعدي عليها واحنا رايحين المطار.

رد داغر بلهجة حازمة عندما وجدها تتحامى في حازم، الذي وقف بدوره حاميًا لها، فتشنج فمه قبل أن يقول: _وأنا قلت مش هتخرج من هنا إلا على المطار. هدر حازم به: _بصفتك إيه؟ ده مجرد جواز صوري حبر على ورق عشان بس نحلل تواجدها معاك. سخر داغر منه وهو يضع قدم فوق أخرى: _ولما إنت راجل أوي كدة إزاي تسمح لأختك أنها تسافر مع واحد غريب وتضطر تمضيها على عقد صوري زي ما بتقول عشان تحلله. انفعل حازم وهم بالرد، لكن يحيى تدخل قائلاً:

_اهدوا يا جماعة، فيه إيه. تطلع إلى حازم وقال بحكمة: _وإنت يا دكتور حازم، هي خلاص بقت مراته، حتى لو كان جواز صوري، ده أصبح جوزها ولازم تطيعه. أصيبت أسيل بالذعر مما يحدث، فأمسكت بذراع حازم دون إرادتها، جعلت غيرته تشتعل أكثر وأصبح كبركان على وشك الانفجار. فقال حازم بانفعال: _بس ده مكنش اتفاقنا من الأول. تدخل خليل ليحسم الجدال:

_خلاص يا دكتور حازم، الموضوع بسيط، إحنا الأوض عندنا كتير والموضوع مجرد سواد ليل مش أكتر، والصبح هيكونوا في المطار، فمفيش داعي للجدال ده. تطلع إلى أسيل التي وقفت ترتعد وقال بهدوء: _وإنتِ يا حور، اطلعي أي أوضة تعجبك وباتي فيها للصبح. _مش هتبات غير في أوضتها. التزم الصمت قليلًا كي يتلاعب بأعصابهم، ثم تابع بحزم:

_اللي هي أوضتي، وكلمة زيادة هلغي كلمة صوري اللي عمالين ترددوا فيها دي وتكون مراتي شرعًا، مش معنى إني أعمى إني أسيبكم تمشوا كل حاجة على مزاجكم، هتطلع أوضتها دلوقتي تجهز شنطتي، وتبات فيها للصبح. تسمر الجميع في أماكنهم وكأن على رؤوسهم الطير. هزت أسيل رأسها بوجل، وكأن المشهد يعاد أمامها. انتبه الجميع فجأة على سقوطها مغشيًا عليها. فيسقط قلب داغر معها.

أسرع الجميع إليها، فينتفض جسد داغر من شدة الغيرة عندما حملها حازم ليضعها على الأريكة. هم داغر بالتحرك لمنعه، لكن يحيى أوقفه: _اهدى يا داغر، إنت كدة هتشككهم فيك. ضغط على قبضته بعنف حتى ابيضت مفاصله، وهو يشاهد حازم الذي جثى على ركبتيه بجوارها يسعفها. فكانت لمساته لها تشعل النار بداخله أكثر وأكثر. وكم كان صعبًا عليه أن يراها بتلك الحالة وجسدها ينتفض بهذه الحدة، كما حدث من قبل. عليه أن يعرف سببًا لذلك عندما يسافرا معًا.

انتهت النوبة وهدأ تشنجها. لكن قلبه لم يهدأ. سأل خليل بقلق: _نوديها المستشفى عشان نطمن؟ رفض حازم: _لأ، مفيش حاجة، ده بيحصلها لما بتكون تحت ضغط، هي دلوقتي نايمة. _خلاص خليها هنا، مينفعش تاخدها وهي بالحالة دي. تابع بمغزى: _سيبها ترتاح ومتخافش عليها. اضطر حازم للموافقة مطمئنًا لوجود خليل معها، يعلم بأنه لن يذهب ويتركها معه لوحده. أرمق داغر ببغض، ثم تقدم منه ليقول من بين أسنانه بتهديد:

_لو فكرت بس تأذيها ولا تقرب منها، هتشوف مني جانب تاني خالص. ابتسم داغر بسخرية يستفزه: _طبعًا مش أخوها. تطلع إلى خليل يسأله: _فين الأوضة اللي هتكون فيها؟ رد خليل: _تعالي معايا. حملها حازم وصعد خلف خليل تحت نظرات داغر التي تشتعل بلهيب لو خرج لأحرق المكان بمن فيه. جلس على المقعد خلفه وهو يقول بغضب: _شايف. جلس يحيى بجواره وهو يقول برتابة:

_آه شايف، بس شايف عمايلك اللي هتكشفك قدامهم، لازم تهدى شوية ومتبينش إنك شايف حاجة لو عايز تستمر في اللي بتعمله. هي خلاص بقت مراتك ويوم بالكتير وهتكون معها لوحدكم، وهناك واجهها بالحقيقة واعرف منها ليه اتخلت عنك في ظروفك دي. هز رأسه بنفي وتحدث من بين أسنانه: _مش بالسهولة دي، لازم أندمها الأول وأعرفها إنها غلطت لما فكرت تستغفلني، وبالنسبة لعمي هيكون بينا كلام تاني، بس بعد ما أصفّي حسابي معاها وأرجع من السفر.

لم يعجبه نية داغر في معاقبة الجميع، لذا قال بحكمة: _داغر، أنا صاحبك وأكتر واحد خايف عليك، بلاش تعمل حاجة تندم عليها. هز رأسه بنفي: _مش هندم، بس هندمهم كلهم وهتشوف. توقف عن الحديث عندما سمعوا صوت خطوات حازم وخليل. لم يهتم داغر بنظرات حازم له ولا يد خليل التي ربتت على حازم كأنه يتعاطف معه. بلع تلك الغصة التي أرهقت قلبه من عمه الذي ظل عمره سندًا له، فيتعاطف الآن مع معذبيه.

لم يكن عمه موضع شك ولن يكون، ومؤكد بأن هناك شيء جعله يوافقهم على التلاعب به، وعليه أن يعرفه بأسرع وقت. نهض يحيى قائلاً: _طيب، أنا ماشي عشان مسافر الصبح، لو احتاجت حاجة كملني. أومأ له داغر واستأذن يحيى من خليل وخرج. لم يريد داغر البقاء مع عمه، لذا استأذن بدوره وصعد للأعلى. دلف غرفته وقام بتبديل ملابسه، ومن ثم خرج متجهاً إلى غرفتها. فتح الباب ودلف الغرفة التي حلم كثيرًا أن يدخلها وهي معه، يحملها عروسًا له.

كل ركن بتلك الغرفة حلم بتواجدها معه، متخيلًا لحظات تجمعهم بسعادة لا توصف. ولم يتخيل للحظة أن تجمعهما كأعداء، وكل منهم يخطط للآخر. ذلك الفراش الذي كان شاهدًا على مدى اشتياقه لها، وتمنى أن يأتي اليوم الذي يعود من الخارج فيجدها مستلقية عليه، فينضم إليها وينعم ببحور عشقه. لكن الآن هي نائمة مرغمة، تبغض تواجدها في مكان يجمعهم. لم ينسى تلك الرجفة التي انتابتها فور أن أعلن عدم ذهابها.

أو فقدانها للوعي فور أن هددها بأن تكون زوجته فعلاً. إذا كانت تبغضه كل ذلك البغض، فلماذا وافقت على الزواج منه؟ سؤال آخر انضاف للقائمة، والتي لا يعرف متى يتلقى الإجابة عليها. الإجابة الوحيدة التي يعرفها أنه ضعيف أمام هذه الفتاة. تنهار قوته ويهدأ جبروته عندما يراها أمامه. كيف باستطاعته الانتقام وهو بذلك الضعف؟ دون إرادة منه وجد قدميه تسوقه إليها وانضم للفراش بجوارها، مستلقيًا على جانبه يتطلع إليها بشوق لم تمحوه السنين.

نعم، عاشق لها مهما فعلت به. وسيظل عاشقًا مادامت به روح تنبض. تطلع إلى وجهها الذي اشتاقه كثيرًا، رغم أنه لم يغب عن مخيلته لحظة واحدة. رفع أنامله رغماً عنه يمررها على وجهها بشغف ووله. كانت عيناه تجوب ملامحها بعشق جارف، يتأمل عينيها نزولًا لشفتيها التي تاق كثيرًا لشفهها. مرر إبهامه على شفتيها الرخوة يتحسسها بشوق وحنين. لما كان عليها أن تكون بذلك الغدر؟

لو لم تهرب منه، لكانا الآن ينعمان بعشقهما، وربما يكون بينهما طفل يزيد من ولعهما. غلبه الشوق ووجد نفسه يميل بوجهه عليها، يطبع قبلة هادئة على جبينها. وكأنه بذلك ملك الدنيا بأكملها، وأعلنها بكل وضوح أنه ضعيف أعزل أمام سطوة عشقها. وضع وجهه بين ثنايا عنقها وأغمض عينيه كي ينام لأول مرة براحة واطمئنان بعد أن أصبحت زوجته. توقفت سيارة الأجرة أمام منزل حسين، فيترجل منها وعلامات الغضب مرتسمة على وجهه.

دلف إلى المنزل فيجد شاهي تترجل على الدرج وابتسامة ساخرة على وجهها. _حمد لله على السلامة. هدر بها حسين: _ممكن أفهم إيه اللي عملتيه ده؟ رفعت حاجبيها تتصنع الدهشة: _عملت إيه يا حبيبي؟ رد ساخطاً: _إزاي أدخل شركتي، الأمن يمنعني ويقولي الهانم مانعة دخولك. أومات برأسها وهي تقول بتأكيد: _حصل، واللي إنت متعرفوش إني منعتك برضه من دخول الفيلا، بس يظهر إن الأمن الأغبياء مأخدوش بالهم من دخولك. اتسعت عيناه ذهولاً مما تقول وسألها:

_إنتِ بتقولي إيه؟ تقدمت منه بثقة عندما وجدت الأمن يدلف الفيلا وقالت بفتور: _بقول الحقيقة، مش إنت برضه كتبتلي كل حاجة باسمي عشان الخدامة متخدش منهم حاجة؟ خلاص، لا إنت ولا الخدامة ولا ولادك هتاخدوا منهم حاجة، لإني ببساطة أخدت كل حاجة كانت لبابا، وأبوك نصب على بابا وأخدهم منه. هو بصفعة قوية على وجهها: _يا واطية. أمسكه رجال الأمن عندما هم تكملة ما بدأه فيهدر بهم حسين: _سيب دراعي يا حيوان منك له. قال أحدهم:

_آسفين يا باشا، بس حضرتك لازم تطلع معانا. تطلعت إليه شاهي بسخط: _بقا بتمد إيدك عليا؟ أنا هرميك في الشارع زي الكلاب. قالت لرجال الأمن بأمر: _ارموه بره وميدخلش الفيلا لو شفتوه بيموت قدامكم. لم يصدق حسين ما يحدث ولم يتحمل عقله كل ذلك، كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده وسمح لتلك المرأة أن تدمر حياتهم. إذا فما أخبره به سليم كان حقيقة واضحة، وهو بعماه لم يرى ذلك.

انتبه للأمن الذي يطلب منه الخروج، وقبل أن يخطوا به خطوة واحدة شعر بألم حاد في قلبه واهتزت قدماه، ثم سقط على الأرض بدون حراك. استيقظت أسيل وهي تشعر بألم حاد في رأسها. فتحت عينيها أثر ذلك الطرق على الباب جعلها تنتفض مسرعة وهي تحاول استيعاب أين هي. تذكرت ما حدث أمس عندما غابت عن الوعي. كيف تركها حازم هنا ورحل. فتحت الباب فتجد أمامها سلوى تسألها: _عاملة إيه دلوقتي يا حور. رمشت بعينيها مرات متتالية وعقلها يستوعب ما حدث:

_كويسة.. كويسة الحمد لله. _طيب كابتن داغر مستنيكي تحت عشان ميعاد الطيارة قرب. اتسعت عين أسيل بصدمة، كيف لها أن تسافر دون أن ترى طفلها وتودعه. خرجت من الغرفة وهي تسألها: _هو فين؟ اندهشت سلوى من سؤالها: _تحت مستنيكي. لم تستمع إليها أسيل ونزلت إليه فتجده جالسًا على المقعد بأريحية. تقدمت منه لتقول باندفاع: _أنا لازم أروح البيت حالًا. رد باقتضاب: _ليه؟ شنطتك والسواق جابها، عايزة إيه من هناك؟

تطلعت إلى حقيبتها التي وضعت بجوار حقيبته، ثم قالت بإصرار: _هسلم على دا... (صححت قولها) _على ماما قبل ما أمشي. نهض وهو يقول بهدوء: _حقك برضه، بس للأسف مفيش وقت، ممكن نعدي عليها في طريقنا دا إذا أمكن. زمت فمها بغيظ منه، وخاصة عندما تابع: _يلا بسرعة لو عايزة تعدي عليها. خرجت معه وحمل صالح الحقائب ليضعها في السيارة، ثم تلى خروجهم خليل الذي أصر على أن يذهب معهم للمطار. في السيارة.

ظلت أسيل تنظر من نافذة السيارة تفكر، هل أخطأت فيما أقدمت عليه؟ لكن لم يكن بوسعها فعل شيء سوى الزواج منه لأجل طفلها. فهو يستحق أن تضحي بنفسها لأجلها. أخذت تفكر في تلك الأيام التي لن تستطيع رؤيته فيها ومدى صعوبته. لكن عليها التحمل فقط لأيام، كما وعدها عمه، وبعد تسجيل طفلها والحصول على شهادة ميلاده، حينها سينتهي كل شيء وستأخذ طفلها والهروب دون عودة.

أما هو، فقد كان يتطلع إليها بحرية من خلف نظارته ويرى شرودها منذ أن خرجوا من المنزل. من الذي شغل تفكيرها إلى ذلك الحد. أمر خليل السائق أن يصل بهم أولاً إلى منزلها. فهو يعلم بأنها لن تستطيع الذهاب دون أن تودع طفلها. توقفت السيارة أمام المنزل وترجل قلب أسيل قبل جسدها كي ترى روحها والتي ستغيب عنها. أخذت تحتضنه وتقبله وتعتذر له ببكاء شديد، حتى شعر الطفل بالخوف وبدأ يبكي لبكائه. تقدمت منها أمينة بتعاطف:

_كفاية يا أسيل، الولد خاف. مسحت دموعها سريعًا وقالت بابتسامة له: _معلش يا حبيبي، هما يومين بس هغيبهم عنك وهرجع على طول، ووقتها مش هسيبك لحظة واحدة. أعادته لحضنها مرة أخرى، وكم صعب عليها تركه، لكن لابد من ذلك. تركته بصعوبة بالغة لأمينة، ثم خرجت عندما ازداد صوت أبواق السيارة تحثها على الخروج. فخرجت لهم ونظراتها تحمل بغض وسخط لداغر، الذي بادلها النظرات بأخرى متعجبة.

وتساءل، لما نظراتها لها دائمًا تدينه، وكأنه هو من أخطأ بحقها. حتى عمه نظراته له تحمل عتاب قوي ولا يعرف لما. منذ متى وهو يعاتبه في الخفاء، فقد كانت حياتهم معًا أكثر من عم وابن أخيه، بل كان دائمًا داعمه أبيه وأخيه وصديقه. ماذا فعل حتى يستحق منهم ذلك. لما تكالبوا عليه وكأنه مجرم والكل يعاقبه. تطلع إليها عندما جلست بجواره وقد ارتدت نظارة سوداء مثله كي تخفي بها دموعها. لما تلك الدموع؟ ظل يتساءل حتى وصلوا لوجهتهم.

وقفت السيارة أمام المطار وترجلوا جميعًا، إلا من داغر الذي ظل مكانه. سأله خليل: _إيه يا داغر؟ منزلتش ليه. تطلع داغر إليها وهي تقف بعيدًا تنتظر خروجهم، فقال لعمه: _المفروض إني واحد أعمى، والمفروض برضه إن مراته تقوم بدورها وتسانده. علم خليل ما يود داغر الوصول له، فتقدم من أسيل قائلاً: _تعالي يا أسيل، خلي اليوم ده يعدي على خير. عقدت حاجبيها بعدم فهم: _آجي فين؟ تنهد بتعب: _عايزك تكوني جنبه. قبل أن تعترض، منعها خليل:

_اسمعي كلامه بس لحد ما توصلوا، وهناك اعملي اللي انتِ عايزاه. أومأت له وتقدمت من داغر وهي تتمتم بجمود: _اتفضل انزل. رد داغر دون النظر إليها: _المفروض إن المكان مش محفوظ بالنسبة لواحد أعمى، فطبيعي إن مراته تاخد بإيده وتساعده، ولا إيه؟ زمت فمها باستياء وأرادت أن تتركه وترحل وتضرب بتعقلها عرض الحائط، لكنها أحجمت تلك الرغبة، ثم مدت يدها إليه، وحينها ظهرت ابتسامة ماكرة على فمه، ومد يده إلى يدها الرخوة يحتويها بتملك وحب.

أما هي، فقد اهتز جسدها برهبة وهي تنظر ليده التي لاقت منها قسوة لن تنساها على مر السنين. سارت بجواره ترشده للطريق كي تنسى مداهمة تلك الذكريات لها. أما هو، فقد كان بعالم آخر، وتلامس أيديهم أشعلت النار بداخله وأحيت بداخله مشاعر ظن يومًا أنها لم يعد لها وجود. كان يشعر بارتجافتها، فظن أنها محرجة منه. إذا كان ذلك سيعمل بكل الطريق كي يمحيه، وألا يجعل له وجود. من قال إن زواجهم سيظل صوريًا؟

واهم من ظن ذلك، لكن سيشفي غليله منها، ثم يطبع ملكيته عليه. لن ترحل بتلك السهولة التي ظنتها، بل هي ملكه ولن تكون لغيره. وخطأها في حقه سيحاسبها عليه حتى ترضخ له ولعشقه، حينها فقط سيدخلها دنياه من جديد. وقف خليل يتطلع إلى الطائرة التي انطلقت، فتنهد بتعب قائلاً: _اديني جمعتك بها، ياريت بقا تصلح غلطك وتتأسف على اللي عملته. عاد إلى السيارة وقال لصالح: _اطلع بينا على القاهرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...