الفصل 38 | من 40 فصل

رواية جبل النار الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
25
كلمة
4,158
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

اتسعت عين أسيل بذهول وهي ترى الجميع أمامها يصفقون لهم بسعادة وورقات الزهور تتقاذف عليهم، لا تعرف من أين. يد داغر تحيط كتفها بتملك وحب. كانت تنظر إلى الجميع وهم يتطلعون إليها بسعادة كبيرة صادقة وليست مزيفة. ومن بين الجميع ترى ذلك الصغير الذي يسرع تجاهها بخطوات متعسرة، فتلتقطه لتضمه لصدرها بسعادة كبيرة وكأن الدنيا الآن أصبحت بين يديها. قبلت كل انش بوجهه وكأنه غاب عنها زمن، فتمتمت بأنفاس متلهفة:

"وحشتني أوي أوي يا حبيبي." ولم يكن حال داغر أفضل من حالها، وهو ينظر لطفله بلهفة وشوق وعيون تكاد تلتهم كل إنش به، يود حمله لكن يخشى من رد فعله، فهو لم يعتاده بعد. وكأن أسيل شعرت بمدى معاناته، إذ تمتمت في أذن طفلها: "ديدو تروح لبابا." بعفوية نبعت من فطرته، نظر إلى داغر وابتسم بخجل.

قد كانت دعوة لداغر بأن يحمله، ولم يرفض الطفل ذلك بل ألقى نفسه بين يدي والده التي مدها إليه بعفوية، وحينها شعر داغر بأنه يحمل الدنيا بين يديه. ظل يملي عينيه منه غير منتبهاً لأحد، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. فبين ليلة وضحاها يكتشف أن له طفلاً، وبذلك العمر يتذكر هول تلك الصدمة عليه، وقد حرم من لحظات مبهجة تكاد تصله لعنان السماء عندما تكون يده أول يد تحمله. لكن أقسم في تلك اللحظة أن يعوضه عن غيابه وحرمانه منه.

ربتت أسيل على يده تعيده لعالمهم، فتطلع إليها بوله قبل أن يضمها إليه ويحتويها هي وطفلهما بكل ذلك التملك. تقدم خليل من داغر ليحتضنه بأبوة: "حمد لله على السلامة يا داغر." رد داغر بتقدير له: "الله يسلمك يا عمي، تعبتك أوي معايا." رد خليل بصدق: "متقولش كده، انت ابني. معاك انت عرفت إن الأب اللي بيربي مش اللي يخلف." تطلع إلى إياد الذي استكان بهدوء بين يد داغر وداعبه بحنو: "المستشار الصغير عامل إيه؟ عقد داغر حاجبيه باستياء:

"مستشار!! لا يا عم أنا هطلعه قبطان زيي." رد خليل بتعند: "وليه بقا ميكملش مسيرة جده؟ "طيب بزمتك مهنتك دي كانت حرقت أعصاب ولا لأ." وافقه باستسلام: "منكرش." "خلاص سيب حفيدك بقا يخليه في مهنة الرفاهية بتاعت أبوه." تدخلت أسيل لفض جدالهم: "والله بقا أنا شايفة إنكم تأجلوا الكلام ده لحد ما يكبر ويقرر بنفسه." رد خليل بقلة حيلة: "ماشي يا ستي. ها هتيجوا معايا زي ما وعدتني ولا الجو عجبك وعايز تكمله؟ غمز داغر بشقاوة لعمه:

"بصراحة الجو عجبني أوي أوي، بس راجع معاك يا باشا." "يعني مش ناوي تبيع؟ "من الجهة دي مكدبش عليك، مع كل إجازة هبيعك وآخدهم وآجي على هنا." ضحك خليل وقال برضا: "وأنا قابل يا سيدي." أشار لسيلين أن تتقدم منهم وقام بتقديمها لهم: "دي مدام سيلين صاحبة المصنع، جات مخصوص عشان تباركلكم." ابتسمت سيلين بمجاملة وهي تصافح أسيل وداغر: "ألف مبروك، تتهنوا بابنكم يا رب." رحبت أسيل بها بحفاوة: "متشكرة أوي لذوق حضرتك."

أخرجت علبة صغيرة من حقيبتها وقدمتها لأسيل قائلة: "دي هدية صغيرة، أتمنى إنها تعجبك." أخذتها أسيل كي لا تحرجها: "مكنش في داعي تتعبي نفسك." تطلعت لخليل ببهجة وهي تقول: "مفيش تعب ولا حاجة، دي أقل حاجة ممكن أقدمها." لاحظ داغر نظراتها لعمه فتمتم بصوت خافت: "هي السنارة غمزة ولا إيه؟ سأله خليل: "بتقول حاجة يا داغر؟ تدارك داغر موقفه سريعًا: "ها لا يا عمي، بقول إنك كنت وحشني أوي." ربت خليل على كتفه بتقدير:

"وانت كمان، بس خلاص هتعوضني بقا عن غيابك بمرات ابني وحفيدي." تذكر خليل أمر أخيه وقال بجدية: "على فكرة أنا عزمت والدك ويارين وهما جايين من المطار دلوقت. ياريت تنسى اللي فات وتبدأ صفحة جديدة معاه، انت خلاص بقيت أب وجربت بنفسك صعوبة إن ابنك يكون بعيد عنك. انسى اللي فات وكمل فرحتك بعيلتك." أومأ داغر وقد قرر أن يطوي صفحات الماضي دون أن يعود إليها مرة أخرى. تقدم سليم من أسيل وهو يقول بابتسامة:

"حمد لله على السلامة يا سيلا." بادلته أسيل الابتسام وهو يحتضنها بأخوة: "الله يسلمك يا سليم، عامل إيه؟ "الحمد لله، أحسن." سألته بتوجس: "برضه مفيش أخبار عن بابا؟ تنهد بتعب شديد وقال: "لسة مش عارف أوصل لمكانه. المشكلة إني بتعامل مع الموضوع بحذر عشان محدش يشم خبر، فقلت أكلم المستشار خليل، هو اللي يقدر يساعدنا." "تحب أكلمه أنا؟ قاطعها سليم: "لا أنا اللي هكلمه، متشيليش انتِ هم حاجة."

"إن شاء الله نوصله بأقرب وقت. أومال فين وعد؟ أوعى تقول مجتش." التفت حوله فيجده تتقدم تجاههم وهي تقول بمزاح: "أنا هنا يا قلبي، مقدرش أتأخر." احتضنت أسيل بسعادة كبيرة وتمتمت: "كنت هزعل أوي لو مجتيش." تقدمت هايدي بدورها: "وسعوا خليني أسلم على اللي استنذلت أول ما رجعت لحبيبها." ضحكت أسيل واحتضنتها بحب: "مستحيل استنذل معاكي انتِ بالذات." وقبل أن تسأل عن أمينة وجدتها تتقدم منها وتقول بعتاب:

"يظهر إني أنا اللي اتناسيت، مش انتِ يا هايدي." ترقرقت العبرات في عين أسيل حينما رأت أمينة تدنو منها، فتمتمت اسمها باشتياق: "دادة وحشتيني أوي." قطعت أسيل المسافة بينهم لتحتضنها بحنين واشتياق لتلك المرأة التي كانت سند ودعم لها طوال عمرها. شدت من احتضانها وهي تتمتم بصدق: "لو نسيت الدنيا كلها، مستحيل أنساكي انتِ." ابتعدت عنها قليلًا وتابعت:

"طول عمرك وأنتِ سند وضهر بالنسبة لي، وكمان مرايتي اللي بتنبهني لأخطائي، مستحيل أنساكي." تأثرت أمينة بحديثها وتمتمت بإخلاص: "انتِ بنتي يا أسيل، ومفيش كلام زي ده بين البنت وأمها." عادت تحتضنها من جديد، فتتفاجأ بصوت حازم وهو يقول بتزمر: "وأنا بقا شرير الرواية بتاعكم، مش كده؟ ضحكوا جميعًا وابتعدت أسيل عن أمينة وهي تقول بمزاح: "بلاش أقولك مكانتك قد إيه عشان عندنا واحد بيغير." تطلع داغر لحازم باعتزاز:

"مبقاش ينفع أغير منه من وقت ما عرفت الحقيقة، كفاية أوي إنه وقف جنب مراتي وابني وعوضهم عن غيابي. لولاه الله أعلم كان ممكن يحصلهم إيه." رد حازم بجدية: "أنا معملتش حاجة استاهل عليها الكلام الكبير ده، أي واحد مكاني كان هيعمل كده وأكتر كمان." أرادت وعد أن تنهي ذلك الحديث عندما انتبهت لحزن سليم وقالت بمزاح: "إيه يا جماعة، إحنا هنقلبها نكد ولا إيه؟ ردت أمينة: "ربنا ما يجيب نكد وتدوم فرحتنا على طول."

أمن الجميع خلفها وبدأ المدعوين بالظهور، وكان أولهم يحيى ودينا زوجته. تقدم يحيى منه وقال بمزاح: "من لقى أحبابه نسي أصحابه، صح ولا أنا غلطان." أيده داغر بمزاح مماثل: "بالظبط كده، يعني تخلع والنهار بدري." تنهدت دينا براحة: "أخيرًا، يعني اللي حاولت أنا أعمله في سنين، جات أسيل عملته في شهرين." تطلعت لأسيل وقالت بتنبيه: "أنصحك تبعديه عن جوزك، لإن جوزي عينه زايغة وهيعلم جوزك بعد ما ربنا هداه."

شهقت أسيل وهي تنظر لداغر بإدانه. تلعثم داغر وهو يقول لدينا: "إيه يا دينا، متخليكي محضر خير. انتِ جايه تباركي ولا جايه تنكدي عليا في أول ليلة في البيت ده؟ ما تشوف مراتك يا زفت." ردت دينا بغيظ: "لا وحياتك، بوعيها عشان متغلطش غلطتي." تطلع إليها يحيى وهو يقول بجدية مصطنعة: "ده مرض يا حبيبتي، بعيد عن عنك ومرض مستعصي كمان بيصيب الإنسان اللي عياره فالت زيي كده." هزت رأسها بيأس منه وقالت لأسيل: "عشان تصدقي." تطلعت

أسيل لداغر وقالت بتهديد: "يبقى يعملها وهو عارف إيه اللي هيجراله." وضع داغر يده على عنقه عندما تذكر تحذير يارين من غيرة المرأة وقال بتهرب: "أومال فين الباقي؟ مش شايف حد منهم." تطلع يحيى تجاههم وقال: "مستنيينك هناك، تعالى نروح لهم." سأل داغر بغمزة وهو يتطلع لإياد: "بس قولي، عملتها إزاي دي يا نمس، الواد نسخة منك." تطلع إليه بسخرية: "العب بعيد يا شاطر، دي قدرات انت مش قدها." "خلاص يا عم متزقش، اللي اداك يدينا." تطلع

يحيى إلى إياد وقال بتهديد: "وحياة أمك لما تكبر وتعرف إنك شربت سيجارة محشية من غيري، لانفخ أبوك." تقدم أحد أصدقائهم وهو يتطلع إلى داغر بتساؤل مرح: "حصل إزاي وأمتى؟ أفهم بس." ضحك داغر ورد قائلاً: "بعد الحادثة لما سافرت أمريكا." غمز طارق بعينيه: "طول عمرك بتاع مفاجآت، بس متخيلتش مفاجأة زي دي. على العموم يا سيدي ألف مبروك." رد داغر بسرور: "الله يبارك فيك يا طارق، عقبالك." رد طارق بتفاخر:

"لااا، أنا لسة ملقتهاش ومظنش إني هلاقيها، لإني حاطتلها مواصفات إنما إيه عنب." ربت يحيى على كتفه وقال بسخرية: "يبقى هتعمل زي حسنين." قطب جبينه بحيرة وسأله: "حسنين مين؟ ضرب على كتفه وتمتمت بسخرية: "واحد صاحبي متعرفوش." ضحكوا جميعًا على مزاحهم الذي لا يكفوا عنه، فقال داغر: "يا سيدي بكرة نشوف، بس ابقا اعزمنا." "لا طبعًا، اعزمك إيه دا أنا…." توقف عن الحديث عندما وجد تلك الحورية التي دلفت من الباب الرئيسي وخلفها والدها،

فتمتم بمكر: "هي المكنة طلعت قماش ولا إيه؟ تطلع داغر إلى حيث ينظر فوجد يارين تدلف مع والده، فقال بتحذير مبطن بالغيرة: "عين لقلعهالك." جذبه يحيى من أمام داغر وهو يقول: "ملقتش إلا دي، يخرب بيتك دي أخته." عض طارق على شفته وهو يقول بحسد: "الواد ده الستات في حياته ملهمش حل، بس وديني أنا قتيلهم الليلة دي." قال الآخر: "سيبه، هو شكله ناوي على نهايته." "الله! أنا عملت إيه؟

كلكم متجوزين، مفيش سنجل غيري وخلاص لقيتها. وبعدين هو هيلاقي أحسن مني فين." ضربه يحيى على مؤخرة رأسه: "يا شيخ اتلهي." ابتسم داغر بود لوالده الذي تقدم منه ليحتضنه وقال بسرور: "ألف مبروك يا داغر." رد داغر بحب: "الله يبارك فيك يا بابا، متشكر أوي إنك جيت." ربت ناجي على كتفه وتحدث بصدق: "متقولش كده، ده أسعد يوم في حياتي وخصوصًا إني شوفت حفيدي." حمله من يد داغر وداعبه بحنو: "عامل إيه يا ديدو؟ تقدمت يارين من

داغر لتقبله وقالت بسعادة: "داغر congratulations." ابتسم داغر بحبور: "الله يبارك فيكِ يا قلبي، عقبالك." رفعت إصبعها أمام داغر بتنبيه مرح: "بس يكون قبطان زيك." تمتم داغر بغيظ وهو يتطلع لطارق: "حظه خدمه ابن اللذين." "نعم." سألته يارين بحيرة. أدرك نفسه قائلاً: "لا يا حبيبتي، دا أنا بقول هيكون سعيد الحظ اللي هياخدك." قبلت خده بحبور: "ميرسي يا قلبي. أومال فين أسيل." أشار لها باتجاهها: "واقفة مع حبايبها أهه." عند أسيل:

اتسعت عينيها بسعادة وهي تسألها: "بجد يا وعد، يعني أنا كلها كام شهر وهشيل ابن سليم." "صححت بسعادة: لا وحياتك بنت، مش ابن. وكمان سليم ناوي يسميها أسيل على اسمك." احتضنها أسيل بسرور: "ألف ألف مبروك، تتربى في عزك وفي عز سليم يا قلبي." التفتت أسيل إلى يارين التي ميزت صوتها: "أسيل How are you." "يارين جيتي إمتى؟ قبلتها يارين بحب: "لسة واصلين حالاً، بس مش مطوليين، هنسافر بكرة إن شاء الله." قالت أسيل باستياء: "ليه كده؟

كان نفسي أقعد معاكي أكتر من كده." "معلش، تتعوض مرة تانية." كان سليم يقف مع خليل، تحدثوا في أمور عدة قبل أن يفتح معه أمر والده وشرح له كل شيء. فقال خليل بحيرة: "معقول محدش قدر يوصله؟ هز سليم رأسه بأسف: "أنا بنفسي اللي دورت لإني مش عايز شوشرة، انت عارف المواضيع دي بتبقى حساسة قد إيه." أومأ بتفاهم: "تمام، أنا هكمل صديق في الدخلية وهخليه يبحث في الموضوع بشكل سري، وإن شاء الله نوصله بأقرب وقت."

شكره سليم ثم تحدثوا في أمور عدة. تقدم داغر من أسيل بعد أن شعر بالضيق لأبتعادها عنه ولم يعد يتحمل. أشار لها بالتقدم تجاهه، فلبت نداءه وتركت كل شيء وتوجهت إليه، فقال بغمزة: "وحشتيني أوي. لو أعرف إن الحفلة دي هتاخدك مني المدة دي مكنتش عملتها." "ياسلام، دول كلهم ساعتين." تطلع إلى ثغرها وقال بمكر: "اصلك بصراحة تجنني أوي أوي في الحجاب وعايز أشكرك بطريقتي." رفعت حاجبيها تتصنع الدهشة: "وهتشكره إزاي بقا؟ غمز بشقاوة: "هقطعه."

ضحكت أسيل على خفته وقالت بيأس: "انت مجنون." رفع حاجبيه بتوعد: "بقا كده؟ طيب اصبري بس لما يمشوا وأنا هعرفك الجنان بيبقا إزاي." هزت رأسها بصبر نافذ، ثم تطلعت إلى سيلين التي لم ترفع عينيها عن خليل وقالت: "مش واخد بالك من حاجة؟ قطب جبينه بحيرة وسألها: "حاجة إيه؟ "شوف مدام سيلين مرفعتش عينيها عن عمي طول الحفلة، إيه رأيك لو نجوزهم." تطلع إلى سيلين التي تقدمت من عمه لتحدثه وقال:

"تصدقي عندك حق، وبصراحة الموضوع جاي في ميعاده." "إزاي يعني؟ "هقولك بعدين لأنهم جايين علينا." تقدم خليل من داغر وقال: "طيب يا داغر، أنا لازم أرجع القاهرة دلوقت عشان أوصل مدام سيلين وهستناكم الصبح زي ما اتفقنا." "إن شاء الله يا عمي." تطلع إلى سيلين وتابع: "شرفتينا يا مدام سيلين." ابتسمت بمجاملة: "الشرف ليا أنا إني اتعرفت عليكم." خرجت سيلين مع خليل، فقالت أسيل: "أخدت بالك؟ "واضحة أوي بصراحة، بس عادي نخطبهاله وبالمرة…."

توقف عن التحدث عندما وجد طارق يقترب من يارين وقال بحنق: "ليلة أمك سودا." تابع بامتعاض: "استنيني هنا لحد ما أشوف المتخلف ده بيعمل إيه." حاولت أسيل منعه لكنه تركها وتقدم منهم وهو يقول من بين أسنانه: "إيه يا طروقة، الحفلة عجبتك." حمحم طارق باحراج: "بصراحة جداً، وناوي إن شاء الله المرة الجاية هتكون عندك برضه." ضرب على كتفه وتمتم بمغزى: "طيب من هنا للحفلة الجاية، لم دورك عشان معندش قصادك." رفع يديه باستسلام:

"لا وعلى إيه، الطيب أحسن، بس…." دنى من أذن داغر وأردف: "بس حب فيا قدامها، إلهي يستر anaerobic أنا تبت بعد النهاردة وهمشي جانب الحيط." أومأ لها داغر: "ماشي، يلا بقا عشان بينادوا عليك." في نهاية الحفل بدأ الجميع بالانصراف، حتى جاء الدور على طارق الذي تقدم من داغر وقال بمغزى: "بقولك إيه يا كابتن، متتوسطلي ينوبك ثواب، أهه تكون سبب توبتي." ضرب داغر بقوة على كتفه وقال بمغزى:

"ربنا يسهل، بس التوبة دي هتمشيك جانب الحيط وهتتعبك، نصيحة شوفلك حاجة غيرها." فعل طارق بالمثل وهو يقول بتهديد مرح: "يا سيدي أنا راضي أمشي جانب الحيط اللي خلاك أنت مشيت، أنا مش همشي." تطلعت إليه أسيل بصدمة أخرى، لكن داغر أدرك الموقف: "ماشي، ربنا يسهل. روح انت ولما ترجع تاني من أمريكا يبقا أفتحها، هي هترجع قريب متخافش." "إن كان كده ماشي، يلا سلام." حمحم داغر عندما وجد أسيل تتطلع إليه بغيظ، فسألها مدعي الجهل:

"في حاجة يا حبيبتي." زمت فمها بحنق وقالت بتوعد: "لما نطلع أوضتنا هقولك." انصرف الجميع، وتعلق داغر بأن يضع ابنه في فراشه ثم يأتي إليها. دلف داغر غرفة ابنه التي أعدها له لتناسب طفلاً بسنه. أغلق الباب خلفه وسأل ابنه: "ها عجبتك الأوضة؟ لو مش عجباك قولي أغيرهالك من الصبح." تطلع إليه بحب وتالع بوعد: "هعوضك عن كل الأيام اللي عشتها بعيد عنك." قربه من صدره وتابع بوعد: "وهعيش في الدنيا دي عشان أسعدك إنت وماما."

ظل يحدث طفله حتى غفى بجواره على الفراش، وكلما هم بالنهوض من جواره تشبث به طفله حتى استكان هو أيضًا ونام بجواره. في اليوم التالي توقفت سيارة داغر أمام المنزل، مما جعل أسيل تغمض عينيها بألم عندما داهمتها الذكريات. هي ليست مستعدة بعد لأن تدخل ذلك المنزل، ليس الآن على الأقل، لكن داغر أصر على ذلك كي تواجه كل الصعاب. انتبهت على يده التي أمسك بها يدها يخبرها أنه بجوارها. أومأت له بصمت ثم تطلعت لطفلها الذي

غفى في مقعده وتمتمت بتأثر: "دا نام." تطلع داغر إليه بابتسامة: "المشوار كان طويل أوي، يلا خلينا ندخل." انفتحت البوابة الخارجية ودلف داغر بسيارته، وأسيل تحاول بشتى الطرق أن تجابه تلك الذكريات. اندهش داغر عندما لم يجد الباب الداخلي، مما جعله يترجل من السيارة وينادي أحد الحرس: "محمد." تقدم منه الحارس يسأله: "حمد لله على السلامة يا كابتن، خير؟ أشار داغر على الحائط وسأله: "فين الباب؟ قال الحارس بأسف:

"أنا متأسف لحضرتك، نسيت أعرفك إن المدخل ده اتلغى وخليل بيه عمل مدخل من ورا." اندهش داغر لبرهة لكنه فهم سريعًا. شكر الحارس وعاد لسيارته التي توجه بها إلى الجانب الآخر. تطلع إلى أسيل التي ما زالت تخفي عينيها بتلك النظارة السوداء، فقال بروية: "أسيل." تطلعت إليه أسيل متسائلة، فقال بحنو: "وصلت." ترجل من السيارة وتوجه ناحية مقعدها كي يفتح لها الباب، عندما ظلت مكانها لم تتحرك، فقال بدعم: "انزلي، متخافيش."

ترددت لبرهة قبل أن تمد يدها إليه وترجلت بدعمه. تطلعت إلى المنزل بوجل وتمتمت برهبة: "داغر أرجوك…" قاطعها داغر بحكمة: "أرجوكي انتِ يا أسيل، قومي عشان خاطري، وزي ما انتِ شايفة عمي بيعمل اللي يقدر عليه عشان يساعدك." أومأت له رغم اعتراضها، وتركها داغر ليحمل طفله، ثم عاد إليها ليكون داعمًا لها.

حسها على السير حتى دلفت المنزل، تتشبث بذراعه، فيجدوا خليل قد بدل معامل المنزل بأكمله، مما جعل داغر يندهش كيف استطاع في تلك الفترة الوجيزة أن ينهي كل ذلك. ومنها أشياء كان يعتز بها حقًا، كيف استطاع محوها من مكانها. ابتسم برضا، فهذا عمه الذي ظل طوال حياته يعطي دون أن ينتظر مقابل. تطلع إلى أسيل التي ما زالت تغمض عينيها، فتمتم بروية: "فتحي عنيكي، إحنا في بيت غير البيت." فتحت أسيل عينيها وهي لا تفهم شيء مما يقول.

بعيون مهتزة تلفتت حولها، فترى أنها حقًا في مكان آخر غير الذي دخلته من قبل. صحيح أنه لم ينهي رهبتها كاملة، لكنه خفف من وطأته عليها. انتبه كلاهما على ترحيب خليل: "حمد لله على السلامة." تبتسم داغر باعتزاز وهو ينظر لعمه الذي تقدم تجاههم: "الله يسلمك يا عمي، بس إيه اللي عملته في البيت ده؟ أنا قلت دخلت غلط ولا إيه." تطلع خليل لأسيل وقال بتقدير:

"أسيل تستاهل أكتر من كده، لو كان ينفع كنت بعت البيت كله وشفت مكان تاني، بس أنا عارف إن البيت غالي عليك برضه." تطرق في حديث آخر كي يخفف عن أسيل: "تعالوا بقا أفرجكم على أوضة المستشار الصغير." رد داغر بغيظ وهو يمسك بيد أسيل ويصعد معه للأعلى: "شكلنا كده هنخسر بعض بسببه، بس ماشي يا سيدي، مستشار مستشار." لم تطاوعها قدمها على الصعود، فترك داغر إياد لعمله وسألها باهتمام: "مالك يا أسيل؟ أغمضت عينيها لتسقط منها الدموع المتعلقة

بأهدابها وتمتمت برهبة: "مش قادرة يا داغر، مش هقدر أدخل الأوضة دي مهما حصل." هنا تدخل خليل بحنو:

"بس الأوضة دي معدش لها وجود يا أسيل، تقدري تقولي كده محيتها نهائي. وبعدين ده موقف صعب من مواقف كتير بتمر في حياتنا، ولو وقفنا عند كل موقف منهم يبقى مش هنقدر نكمل حياتنا، فلازم تكوني أقوى من كده عشان بقا في روح مسؤولة منك، لازم تكوني قوية قدامها عشان تستمد منك القوة دي. وخليكي على ثقة إن كلنا جانبك وبندعمك بكل اللي نقدر عليه. أنا هاخد حفيدي أفرجه على أوضته، وانت خد مراتك وخليها تختار الأوضة اللي تعجبها، أنا برضه غيرت فرش الأوض كلها."

صعد خليل وترك داغر معها كي يبث الاطمئنان بداخلها أكثر. وبالفعل استطاع داغر أن يمحو أي خوف بداخلها، ثم أخذها وصعد بها للأعلى. لم تجد حقيقة أي معالم للغرفة، وقد فتحها خليل كردهة وملأها بالكثير من أشجار الظل. اندهشت أسيل بدورها، هل فعل عمه كل ذلك لأجلهم؟ أو بشكل أدق لأجلها هي، فقد أخبرها داغر كذباً بأنه لا يتذكر سوى استيقاظه في الحقيقة، إذاً فقد فعل ذلك لأجلها وحدها. بدأ الخوف يتلاشى تدريجيًا، وخاصة عندما تحدث داغر:

"تحبي تتفرجي على الأوض عشان تختاري واحدة منهم." هزت رأسها بنفي، وقد لاحت ابتسامة رضا على فمها: "لا مش هختار، أنا واثقة

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...