الفصل 35 | من 53 فصل

رواية جبران العشق الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم دينا جمال

المشاهدات
23
كلمة
6,520
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

رحل وتركها تجلس على الأريكة في صالة منزلهم، تنظر للفراغ الذي يماثل روحها ضياعًا. لا تجد ما تُسكن به ذلك الألم البشع الذي يغزو خلاياها. المشهد لا يختفي من أمام عينيها، الشاب وهو يرتجف، يتوسله لأجل ذلك السم، ونظرة عينيه القاسية، ابتسامته الخبيثة، كلماته التي لا تزال تطرق عقلها بعنف. لم تطلب منه أن يكن البطل الخارق ويصلح العالم، ولكن على الأقل لا يفسده بيديه. كيف يمكن أن تكون يديه بذلك الحنو حين يضمها إليه؟

هي نفس اليد التي تدفع السم لمثل ذلك الشاب المسكين. انحدرت دموعها، عقلها مشوش، لا تعرف ما عليها أن تفعل. تتركه؟ تصر على موقفها وتطلب الطلاق؟ شيء داخلها يؤلمها مع تلك الكلمات. مجرد فكرة أنها ستخرجه من حياتها تؤلمها. أحبته، ولا تنكر. إذا هو ربح الرهان. توسعت عينيها حينها، تتذكر كلمات التحدي الذي وعدها بها:

« تعالي نتجوز يا وتر، من باب التغيير. اعتبريه تحدي، أنا أعرف أنك بتحبي التحديات أوي. يا تثبتي أني غلطان وإنك فعلاً ما حبتنيش، وساعتها بكامل إرادتي وأقسم لك هروح أسلم نفسي وأعترف بكل جرايمي. يا تثبتي لي أنك حبتيني، وساعتها بردوا مستعد أسيب كل حاجة ونبدأ مع بعض صفحة جديدة. » ربح التحدي، وسيُلزمه بكلمته. ستخبره أنها أحبته، ستطلب منه أن يفي بكلمته. ألم يتفاخر أمامها مراراً وتكراراً أن كلمته عهد لا يُخلفه أبداً؟

ارتسمت ابتسامة أمل واسعة على ثغرها. جبران شخصية نرجسية، لا ترضخ للعناد أبداً. لذلك عليها أن تشعره بأنه هو من انتصر لينفذ لها ما تريد. قامت سريعًا، عليها أن تتجهز قبل أن يأتي. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. دَق هاتفها، نظرت للمتصل لتجد اسم أمل يُضيء الشاشة. فتحت الخط سريعًا، تضع الهاتف على أذنها، تغمغم متلهفة: "ألو يا أمل؟ أنتي كويسة يا حبيبتي؟

جبران قالي إنكم بخير بس محتاجين راحة، عشان كده ما رضتش أتصل بيكي. أمل ردي عليا، ساكتة ليه؟ صمتت وتر، قطبت جبينها، ترهف السمع ليصل صوت بكاء أمل وشهقاتها إليها، وجملة ممزقة بالكاد سمعتها: "أنا محتاجاكي يا وتر، أرجوكي تعالي." تغمغم سريعًا دون تردد: "أنا جايلك حالًا، خمس دقايق وهبقى قدامك."

أغلقت معها الخط، لتقع عينيها على ساعة الحائط. لا تزال العاشرة، الوقت لم يتأخر لحد كبير. توجهت سريعًا إلى غرفتها، بدلت ثيابها إلى فستان طويل مغلق، عليه إلا يغضب في ذلك الوقت تحديدًا، إلى أن تحقق ما تريد، وليكن للحديث بقية بعد ذلك.

أخذت طريقها لأسفل. ما أن خرجت من مدخل العمارة، وقعت عينيها على جبران يقف عند ورشته، يمسك بمنشار كبيرة، يجز بعض الأجزاء الزائدة من باب كبير أمامه. رفع رأسه، يمسح جبينه بكفه، لتقع عينيه عليها. احتدت نظراته، ليلقي المنشار من يده. توجه ناحيتها، أمسك بيدها، يعود بها إلى المدخل. وقف أمامها يهمس محتداً: "أنتي رايحة فين؟ وإزاي تنزلي في الوقت دا ومن غير إذني يا بنت الذوات؟

تنهدت بعمق، تحاول ألا تصرخ في وجهه هي الأخرى. رسمت ابتسامة بسيطة، تربت على يده بخفة، تغمغم برقة: "رايحة عند أمل يا جبران. كلمتني وهي منهارة من العياط وطلبت مني إني أروح لها ضروري. ممكن أروح؟ قطب جبينه، ينظر لها متعجباً. منذ متى وهي تأخذ الإذن بذلك اللطف؟ إلى ما تخطط وتر تحديداً؟ تنهد، يزفر أنفاسه بحدة، يومئ لها. لتشكره بابتسامة واسعة. تحركت لخارج المدخل. التفتت له قبل أن تخرج، تحادثه مبتسمة:

"لما أرجع من عند أمل، في موضوع مهم عايزة أتكلم معاك فيه." وأعطته ابتسامة لطيفة وغادرت. ليقف مندهشاً، ينظر لها وهي تتوجه للعمارة القريبة منهم، يتساءل في نفسه مدهوشاً: ما بها وتر؟ ألم تكن في الانفصال عنه قبل نصف ساعة فقط؟ ضرب كفاً فوق أخرى، أخذ طريقه عائداً للورشة، يغمغم مع نفسه ساخراً: "على رأي اللي قال مستهون بالستات يا أخويا، دولا مجانين."

على صعيد آخر، أخذت وتر طريقها سريعًا لشقة أمل. دقت الباب سريعًا عدة مرات، ليُفتح بعد لحظات. ارتمت أمل بين أحضان وتر تبكي. ما إن رأتها، تحركت وتر بها لداخل الشقة، تغلق الباب. جلست بجوارها على الأريكة في الصالة، تحاول أن تفهم ما حدث. ولكن أمل لا تتوقف عن البكاء أبدًا. بعد ربع ساعة تحديدًا، هدأت عما كانت عليه. أبعدتها وتر عن أحضانها، تحادثها قلقة: "إيه في يا أمل؟ فهميني مالك وحصل إيه وكنتوا فين؟

جبران ما رضيش يقولي حاجة خالص... أهدي وفهميني." رفعت أمل يديها، تمسح الدموع عن وجهها بعنف، تحاول أن تهدأ ولو لدقائق، تتنفس بعنف مرة بعد أخرى. نظرت لوتر، تقبض على كف يدها، تغمغم بقهر: "هقولك." وبدأت تقص لها ما حدث منذ الأمس القريب. وتر تتابع بأعين مذهولة ما تسمع. ودموع أمل لا تتوقف. أنهت كلامها بشهقة بكاء عنيفة، تلتها صوتها المبحوح: "حسن اتكسر قدامي يا وتر...

وطى تحت رجلين أبوه عشان يرحمني من رجّالته. لسه فاكرة نظرة عينيه لما كنا في أوضته، كان عامل زي الطفل الصغير المرعوب. أنا ما كنتش مصدقة جبران عن اللي قاله عن أبوه، بس شوفت بعيني. شوفت هو قد إيه شخص بشع مريض." مدت وتر يدها، تربت على كتف أمل برفق، تحاول تهدئتها قليلًا. لم تستطع وتر أن تُخفي سؤالها الملح: "أنا عارفة إنه مش وقته، بس أنا عندي سؤال. أنتي حبيتي حسن يا أمل ولا لأ؟

تجمدت أمل للحظات، تنظر لوتر. أغمضت عينيها، تحرك رأسها بالنفي. انسابت دموعها من خلف عينيها المغلقة، تغمغم بغصة مؤلمة: "حسن بني آدم كويس جداً، عكس ما هو مبين للناس. بس أنا ما قدرتش أحبه. كل ما أحاول أعاند وأقول استسلم وأحبه، أفتكر اللي عمله وإنه اتجوزني غصب عني، فـ أحس بالنفور منه وإني حتى مش عايزة أشوفه... عشان كده أحسن ليا وليه إننا اتطلقنا. كده أحسن، يمكن بعد كده أدي لنفسي فرصة أحبه."

ابتسمت وتر، تربت على يدها، تؤمئ لها بالإيجاب، كأنها تخبرها أن ما تفكر فيه الآن هو الصواب. عادت أمل تحادث وتر بنبرة راجية حزينة: "ممكن تباتي معايا النهاردة يا وتر؟ أنا مش عايزة أكلم ماما، هتفضل تفتح في الموضوع عشان تعرف اللي حصل وهتقلبها مندبة، وأنا ما عنديش طاقة لكل ده." كم أرادت داخلها أن ترفض، لديها محددة لليوم، ولكنها لم تقدر على ذلك. ابتسمت لها، تحرك رأسها بالإيجاب. التقطت هاتفها، تغمغم:

"حاضر يا حبيبتي. هكلم جبران بس الأول أقوله!! *** سيُجن عقله على وشك الانفجار. بحث عنها في كل مكان، حتى في ذلك النفق الذي أخبرتهم به تلك الطبيبة. لا أثر لها. لم يجد سوى دبوس شعرها ملقى في النفق تحت الأرض. خرج منه على فضاء واسع ناحية مصنع مهجور. بحث فيه شبرًا بشبر، ولم يجد أي شيء. لا أثر لها. هل ذلك هو عقابه لأنه رفض مساعدة حسن وزوجته؟

كاد أن يصدم رأسه في حائط غرفة مكتبه، حين انفتح الباب ودخل خالد ومن بعده زيدان. توجه ناحية صديقه، يحاول التخفيف عنه: "اهدئ يا زياد. هنلاقيها والله. إحنا مش ساكتين، في أقرب وقت هنلاقيها." نظر زياد إلى صديقه. عينيه زائغة، وجهه شاحب، شعره مبعثر، منظره مُذري للغاية. صاح منفعلاً: "هنلاقيها فين وإمتى؟ وعلي ما نلاقيها هيكون عمل فيها إيه؟

دا مريض ومجنون. اللي عمله فيها مش شوية. دا ممكن يقتلها. أنا اللي غلطان، ما كانش لازم أبعدها عني أبداً." ترك المكتب وخرج يهرول من المكان بأكمله. تنهد زيدان حزينًا، ينظر ناحية خالد، يحادثه قلقًا: "وإيه العمل يا خالي؟ زياد عنده حق، دا ممكن فعلًا يقتلها." حرك خالد رأسه بالنفي، يحاول تحليل ما حدث، يردف في تروٍ:

"لأ. لو كان عايز يقتلها، كان ضربها رصاصة وسابها مرمية في المخزن عشان زياد يلاقيها جثة. خصوصًا إنه أكيد عارف صلة القرابة بينها وبين زياد. هو في الأغلب خاطفها. يا إما عشان يساوم زياد بيها، يا إما في غاية تانية في نفسه. هو الوحيد الأدري بيها."

هناك عند زياد، أخذ سيارته ينطلق بها إلى مقابر العائلة. عينيه حمراء، تزرف الدموع، جسده يرتجف خوفًا وغضبًا. يتخيل الكثير من المشاهد البشعة التي يمكن أن تكون تحدث لها الآن. يشعر بتلك العضلة التي تنبض تتمزق من الألم. أوقف السيارة أمام سور المقابر من الخارج. نزل منها سريعًا، يتحرك بخطى سريعة متلهفة إلى قبر عائلتهم، حيث يمكث أسفل التراب أبويه وشقيقه الكبير الذي كان بمثابة والده. جلس على ركبتيه أمام القبر وبكى. انهمرت دموعه بعنف،

يتمتم بحرقة: "أنا خايف يا بابا. مرعوب يا مراد. أنا مش قوي ومغامر زيك يا مراد. أنا طول عمري كنت بستخبي ورا ضهرك لحد ما سبتني وبعدت. قولتلي هتبقى جنبي دايماً وبعدت. هربت. أنا مش لاقيها يا مراد. مش عارف هو بيعمل فيها إيه دلوقتي. يا ريتك كنت موجود. أنا محتاج إيدك أتسند عليها يا بابا. أنا خايف... خايف أوي." تسارعت الدموع من عينيه بحرقة، ليخفي وجهه بين كفيه، يشعر بالعجز، لا شعور غيره يسيطر عليه. ***

منتصف الليل. صوت الساعة الكبيرة في الغرفة وهي تعلن عن انتصاف الليل، أيقظها من ثباتها. فتحت عينيها تتأوه بعنف، ألم بشع يضرب رأسها. فتحت عينيها شيئًا فشيئًا، ترمش عدة مرات. إضاءة الغرفة ساطعة بشكل مبالغ فيه. استندت بكفيها إلى الفراش، تحاول أن ترفع جسدها عنه، لتشعر بملمس ناعم للغاية أسفل كفيها. انتصفت جالسة بعد جهد شاق، تنظر حولها هنا وهناك. عينيها ترتجف ذعرًا. هو من اختطفها. أعادها إلى العذاب من جديد. حاولت القيام من

الفراش علها تهرب، ولكن جسدها أبي ذلك. تشعر بخدر غريب يسيطر على أطرافها. بالكاد رفعت جسدها قليلًا. خدر لن تستسلم له. حاولت بصعوبة التحرك إلى حافة الفراش، لتنزل منه، تمسك بالمفرش، تدفع بجسدها. تجمدت. هربت الدماء من جسدها بالكامل، حين سمعته يغمغم ساخراً:

"رايحة فين بس بالعقل كده؟ إنتي أصلًا مش قادرة تقومي من السرير. هتقدري تمشي؟ لن تنظر خلفها. أغمضت عينيها بقوة، تحاول إقناع نفسها أن ما يحدث الآن لا يحدث فعلًا. هي فقط في كابوس مخيف وستستيقظ. كابوس بشع وستصحو منه الآن. انسابت الدموع تغطي وجهها، تسمع صوت حذائه يقترب من الخلف، يصدم الأرض أسفله بخفة، وكأنه يلدغه. تحرك وليد، وقف أمامها، يكتف ذراعيه أمام صدره. ابتسم، يغمغم ساخرًا: "فتحي عينيكي يا حياة، دا مش حلم."

شهقت بقوة، تفتح عينيها على مصراعيها، تبكي بحرقة. ليته كان حالمًا تلك المرة. بدأت تدفع بجسدها للخلف علها تهرب منه، فابتعد هو عنها، ذهب إلى الأريكة في الغرفة، جلس هناك، يضع ساقًا فوق أخرى. يمسك بكأسه، ابتسم، يغمغم ببساطة: "بس تعرفي، حقيقي أنتي وحشتيني. وحشني تمردك وخضوعك. وحشني الحياة اللي في حياة."

مختل كلماته مريضة مثله. تذكرها بكل ما فعله. ذهب تأهيلها النفسي هباءً منثورًا. ما أن عادت إليه، لم تملك سوى البكاء المذعور. حياتها على المحك. ليته يقتلها فقط دون عذاب. شهقت بعنف، ترتجف الأحرف بين شفتيها: "إنت عايز مني إيه تاني؟ ... أرجوك ارحمني بقى. أنا ما عملتش اللي قلت عليه. ما قدرتش. اقتلني." ابتسم وليد في اتساع، يرتشف ما في كأسه جرعة واحدة. ضحك بقوة، يغمغم ساخرًا:

"ما أنا عارف إنك ما عملتيش. إنتي فاكراني فعلًا باعتك عشان الفيلم الهابط ده إنك تغويه ونصوره خالص؟ أنا باعتك عشان زياد باشا يشوف اللي حصل لبنت خالته. قرصة ودن صغيرة يمكن يبعد. بس هو غبي. كبيره معايا رصاصة وهخلص منه. أما إنتي... وضع الكأس من يده، قام متجهًا نحوها، لتدفع جسدها للخلف بعنف، كادت أن تسقط من الفراش. ليقبض على رسغ يدها، يستند بركبته إلى سطح الفراش. صرخت مذعورة، ما أن أمسك بكف يدها. تحرك رأسها بالنفي بعنف،

تحاول جذب يدها من يده: "حرام عليك. ابعد عني... ارحمني بقى. حرام عليك. إنت عايز مني إيه تاني؟ ترك رسغها بخفة، لترتد للخلف، ارتطمت بسطح الفراش. ليقف أمامه، يدس يديه في جيبي سرواله. تنهد، يتمتم ببساطة: "أبدًا. أنا الفترة دي قاعد لوحدي عشان روزا مشغولة، وأنا ما بحبش أكون موجود في صمت. محتاج ونيس معايا، فـ قولت اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش. فـ خطفتك."

نظرت له بحقد. كم تتمنى أن تكون أشجع قليلًا، فتقبض على عنقه، تزهق روحه، تراه يتعذب كما فعل معها. غمغمت محتدة: "إنت مريض مش طبيعي." ضحك وليد من جديد، رفع كتفيه لأعلى، يغمغم ببساطة: "حبيبتي، في المكان اللي إحنا فيه ده دلوقتي، طبيعي إنك تكون مش طبيعي. إنما مش طبيعي إنك تكون طبيعي. فاهمة حاجة؟ ظلت تنظر له وهي ترتجف خوفًا. ليبتسم، يغمغم في هدوء:

"شكلك جعانة، وأنا كمان جعان. هخلي حد من الحراس يجيبلنا أكل. إحنا لسه بينا كلام كتير، يختلف تمامًا عن كلام زمان." تحرك ليغادر الغرفة، ليسمعها تصرخ فيه بحرقة: "ليه خطفتني تاني ليه؟ أنا ما قولتلهمش أي حاجة عنك ولا حتى عن شكلك عشان تبعد عن حياتي خالص. عايز مني إيه تاني؟ التفت لها، ابتسم، يغمغم بلامبالاة:

"وأنا مش هخاطر إنك تقولي يا حبيبتي. أنا ضحيت بكتير أوي عشان أوصل للمكان. قتلت بإيدي أعز أصحابي عشان أنا أبقى الملك. مش مستعد أخاطر ولو بواحد في المية إنك مثلًا تكشفي شخصيتي. حاولي ترتاحي وتغيري هدومك على ما الأكل ييجي... هجيلك تاني يا حياة." وخرج، يغلق الباب عليها من الخارج. وضعت يديها على فمها، تصرخ دون صوت. كل ذرة بها تحترق خوفًا. شحب وجهها، تتذكر صندوق الأفاعي، وكم تمنت الموت في تلك اللحظة قبل أن تراه من جديد! ***

الثانية بعد منتصف الليل. في مكان آخر يبعد كثيرًا عن منزل صاحب الظل. هناك من يحرك الجميع كأنهم عرائس تلتف بخيوطه دون أن يعلم أي منهم. في غرفة نومه، تنتظره الجميلة بغلالة سوداء قد لا تخفي شيئًا. تنتظره على أحر من الجمر. تنظر للباب متلهفة. دقات قلبها تتسارع. فُتح الباب، لتتسع عينيها في صدمة سعيدة. تنظر له، تخترز عينيها كل شبر من وجهه. لم تره منذ سنوات. هرعت إليه، ترمي بين أحضانه، تبكي بحرقة، تتمسك به كالغريق.

تمتم بانفعال: "سراج! أنت عايش بجد؟ أنا مش مصدقة نفسي. وحشتني يا سراج... وحشتني أوي. مجدي دمرني لما فهمني إنه قتلك. خلاني أدمن المخدرات غصب عني. قتل ابننا يا سراج. عذبني سنين وسنين وهو بيفكرني كل لحظة إنه قتلك." ظل سراج صامتًا، ينظر للفراغ بعينيه الرمادية. لا شيء يطفو بالداخل، لا غضب، لا ضيق، لا شيء. فراغ كالزجاج مصمت. جل ما فعله أنه حرك شفتيه، يهمس لها: "ابننا عايش. ما ماتش. مجدي ما قتلوش."

شخصت عينا شيرين في صدمة. شهقة عنيفة خرجت من بين شفتيها. ابتعدت عن سراج، تلعثمت تردف سريعًا: "عايش؟ عايش بجد؟ طب هو فين؟ عايزة أشوفه. ابننا فين يا سراج؟ "في الحارة، في مكان بعيد تحت عيني. ما تقلقيش. هروحله بنفسي قريب." غمغم بها سراج في هدوء تام. لتحرك شيرين رأسها بالإيجاب، تضحك سعيدة، طفلها حي في مكان ما، ستراه قريبًا. ارتمت بين أحضان سراج من جديد، تغمغم: "أنا بحبك أوي يا سراج... بحبك أوي أوي."

صرخت من الألم حين قبض على خصلات شعرها بعنف، يبعدها عنه. نظرت له مذهولة. وجهها يصرخ ألمًا، في حين هزها هو بعنف، يصيح فيها: "بتحبيني وأنتي في حضن سفيان الدالي مش كده؟ أنا هدفعك تمن خيانتك ليا. إنتي والكلب اللي اسمه سفيان ومجدي. كلكم هتدفعوا التمن غالي أوي! ***

الثالثة بعد منتصف الليل. اقترب الفجر على البزوغ. لازال الظلام يسيطر على الحي الفارغ. وقف في منتصف حيه، يبتسم ثملاً. يبدو أنه أسرف كثيرًا في شرب الكحوليات، وأضاف إلى ذلك أنه أراد تجربة السم الذي يبيعه، وحقًا أعجبه ذلك الشعور. يشعر بأنه يخلق فوق الغيوم وهو يقف على الأرض. نظر لشرفة أمل المغلقة. زوجته الحبيبة تركته ليعانق الوسائد وذهبت لتمكث مع صديقتها زوجة صديقه. مسكين حسن، ينام كالطفل منذ ساعات. تحرك إلى منزله، صعد الطابق الأول، والثاني، عند الثالث في طريقه. فُتح باب شقتها، تمسك بحقيبة نفايات، تضعها خارجًا. ترتدي غلالة بيضاء ناعمة مثلها، تضع شالًا خفيفًا على ذراعيها العاريتين. ابتسم ثملاً، يترنح واقفًا. لتقطب هي جبينها،

تسأله قلقة: "معلم جبران، إنت كويس؟ مالك شكلك تعبان." ضحك في خبث، ليتقدم صوبها، يخترزها بنظراته من أعلى لأسفل. نظرت له، تتصنع أنها مرتبكة، خائفة: "مالك يا معلم؟ إنت بتبصلي كده ليه؟ تحركت للخلف وهو يخطو للأمام، إلى أن دفعها داخل شقتها بعنف، لتسقط أرضًا. نزع قميصه بعنف، يدخل إلى شقتها، يصفع الباب خلفه!!! *** الصباح الباكر. ربما لا تزال السابعة. مدت يدها، تضعها على الفراش جوارها. لما المكان فارغ بارد؟

فتحت عينيها سريعًا، تبحث عنه. لا أثر له. انتصفت، تفرك عينيها ناعسة، تلملم خصلات شعرها بيديها. نفضت الغطاء عنها، ترتدي خفها المنزلي، توجهت إلى المرحاض، تدق الباب: "بيجاد... بيجاد أنت جوه؟

لا رد. إضاءة المرحاض مغلقة، يعني أنه ليس بالداخل. ومع ذلك فتحت الباب، فلم تجد أحد. تحركت هنا وهناك بين أركان منزلهم الصغير في أسوان، تنادي باسمه، تبحث عنه كما لو تبحث عن طفل صغير. لا أثر له في المكان بالكامل. خرجت للحديقة الصغيرة خارج البيت، تبحث عنه. لا أحد. لا أثر له. السيارة تقف مكانها. أين هو إذا؟

شعرت بالخوف يتملك كيانها. عادت للداخل، تبحث عن هاتفها. التقطت بيدين ترتجف، اتصلت بهاتفه، لتسمع صوت رنين الهاتف يأتي من الصالة. توجهت إليها، لتجد الهاتف يقبع جوار التلفاز. توجهت إليه، تمسكه بين يديها. ارتجف جسدها ذعرًا. أدمعت عينيها. بيجاد وكأنه اختفى. هل انشقت الأرض وابتلعته؟

هبطت الدموع من عينيها أنهارًا. التفتت خلفها سريعًا، حين سمعت صوته وهو يصفر وصوت مفتاحه يدخل إلى قفل الباب. ارتجف قلبها، لتشق شفتيها ابتسامة واسعة، حين رأته يدخل من باب المنزل. هرولت إليه، تكاد تركض، ارتمت بين أحضانه تبكي بحرقة، تتشبث بقميصه. عقد بيجاد جبينه مندهشًا من رد فعلها. أغلق باب المنزل، تحرك بها إلى الداخل قليلًا، يسألها قلقًا: "مالك يا رُسل؟ بتعيطي كده ليه؟ حصل حاجة؟ حد جه هنا؟

نفت برأسها، تتمسك به. قضت بضع دقائق تحاول أن تستجمع رابطة جأشها. ابتعدت عنه، تمسح دموعها بكفيها، تسأله: "إنت كنت فين يا بيجاد؟ أنا اتخضيت لما صحيت ما لقيتش ليك أثر. افتكرت بعد الشر حصلك حاجة."

ارتسمت ابتسامة كبيرة على شفتيه. كم يعشق حين تخاف عليه، وكأنه فقط طفل صغير. يتوعد داخله لذلك الطبيب الأحمق الذي أعطاه المخدر، فمفعوله انتهى قبل المدة المحددة بساعات. من المفترض ألا تستيقظ إلا بعد ثلاث ساعات من الآن. اقترب منها خطوة واحدة، يحتضن وجهها بين كفيه، يحادثها مشاكساً: "كنت باخد جولة حرة يا ماما رُسل. ما تخافيش عليا أبداً."

خرجت ضحكة خافتة من بين شفتيها. كورت قبضتيها، تصدم صدره بخفة، ليتأوه، يصطنع الألم. وضع كفه على قلبه، يصيح بأداء درامي مبالغ فيه: "آه يا قلبي... قلبي اتخبط... قلبي اتسرق."

ضحكت على ما يفعل. لينظر لها، يبتسم. لم يكن يظن يومًا أنه سيعشق ابن قاتل أبيه لتلك الدرجة. عمه الحبيب قاتل والده. كم يرغب في نهش قلبه حيًا على ما فعله. ولكن رُسل لا ذنب لها. لن يجعلها تدفع ثمن جرائم والدها المقززة. الحياة بينهما أكثر من رائعة، لا ينقصها سوى أن رُسل ترفض لسبب غير مفهوم اقترابه منها. جميع محاولاته للتقرب منها بائت بالفشل. لم يكن الوقت المناسب ليفعل ما يفعل، ولكن الفضول يقتله. رفع يده، يبسطها على وجنتها بخفة، ابتسم،

يسألها دون مقدمات: "رُسل، ممكن ما تتهربيش من سؤالي المرة دي بجد. إنتي ليه رافضة إني أقرب منك؟ ليه حاسس إن في حاجز بينا؟ مع إنك عارفة إني بحبك، وأنا واثق إنك بتحبيني. يبقى ليه يا رُسل؟

اضطربت حدقتاها بعنف، ليضيء أمام عينيها مشهد قديم لطفلة صغيرة لم تكمل العاشرة، ويد آثمة تقطف بتلات جسدها، تعثو في روحها قبل جسدها فسادًا. وابتسامته المخيفة التي كانت دائمًا ترتسم على ثغره ما أن يراها. سفيان صديق والدها، الذي كان يتحرش بها وهي طفلة، ووالدها أبدًا لم يصدقها، وربما كان يصدقها ولكنه لم يهتم أن صديقه كان يفعل ذلك بابنته. لم تكن تعرف أن دموعها تمردت، تغطي وجنتيها، إلا حين شعرت بيده تمسح دموعها بخفة. تحركت مقلتاها له، لتري

نظراته الحزينة القلقة: "أنا واثق إنك مخبية عليا حاجة يا رُسل. في إيه يا حبيبتي؟ دا أنا جوزك. لو ما قولتليش أنا هتقولي لمين؟ أنا وإنتي مالناش غير بعض دلوقتي." خافت أن تخبره فيذهب إلى سفيان. وسفيان هذا أبعد ما يكون عن البشر، شيطان متنكر. حركت رأسها بعنف، ترفع كتفيها، تمسح دموعها بعنف. ابتسمت، تتمتم مرتبكة: "أنا بس كان نفسي أعمل فرح وألبس فستان أبيض...

وليد وحشني أوي. قلبي بيوجعني لما بفتكر إن أخويا اتقتل غدر، بعد ما قرر يتوب ويبعد عن قرفهم." لم يقتنع تمام الاقتناع بما تقول، لكنه ابتسم، يومئ لها. سيعرف عاجلًا أم آجلًا ما بها. فقط ينتهوا من دائرة الشر تلك. مد ذراعيه، يضمها لأحضانه، يمسح على رأسها برفق، يغمغم مترفقًا: "ولو إني مش مصدقك، بس ماشي... قريب هعملك أكبر فرح في البلد، وأحلى فستان تختاريه. تمام كده؟

أومأت له، تزدرد لعابها مرتبكة. أبعدها عن أحضانه، يغمغم مبتسمًا: "تعالي يلا نخرج نفطر ونقضي باقي اليوم بره." ابتسمت، تحرك رأسها بالإيجاب. سريعًا، تركته ودخلت إلى غرفتها تبدل ثيابها. لتختفي ابتسامة بيجاد. دس يديه في جيبي سرواله، ينظر في أثرها، يفكر. يتذكر أنه يملك ذلك المصل الغريب الذي يجبر من أمامه على قول الحقيقة. عقله يلح، وقلبه يرفض. تنهد حائرًا، حانقًا. يتمنى أن يكون أنقذها من مستنقع الشر قبل أن يطالها. ***

في منزله القديم الصغير الذي كان يسكنه قبل الزواج، يقف في شرفته الصغيرة. التبغ لا يفارق شفتيه. عينيه لم تذق النوم. مقلتيه حمراء كالدماء. يديه ترتجف بين الحين والآخر. سنوات قضاها يستعيد نفسه، يبني ما هدمه أبيه، ليعاود هدم كل ما بناه. شعوره بالعجز والضعف أمام جبروت أبيه. توسله له ليرحم زوجته من براثن رجاله. هدم روحه الثائرة. هو لم يخضع يومًا لجبروت أبيه. وكانت القشة التي قطمت ظهر البعير حين انتحرت والدته أمام عينيه. ترك كل شيء وهرب. كسر كل القيود. سينتقم. يقسم أنه سيفعل. كور قبضته، يضرب بها سور الشرفة بعنف. سيأخذ بثأره، وثأر والدته، وثأر زوجته. اجفل على صوت رنين هاتفه برقم جبران. قطب جبينه. جبران لا يستيقظ باكرًا. لما يطلبه الآن؟

بالطبع كارثة. فتح الخط، وقبل أن ينطق بحرف، سمع صوت جبران يحادثه متوترًا: "حسن، تعال لي بسرعة. أنا في كارثة. بسرعة يا حسن." أغلق الخط، ليتحرك حسن سريعًا لخارج منزله، يفكر قلقًا. تُرى ما الكارثة التي حلت يا جبران؟

على صعيد قريب، في الطابق الثاني، قبل نصف ساعة من الآن. قطب جبينه منزعجًا. صوت أنين يصاحبه بكاء يأتي بالقرب منه. صوت لا يتوقف، يتكرر بشكل مزعج. حاول فتح عينيه مرة بعد مرة. الصداع ينهش عقله. ليته لم يجرب ذلك السم الذي يبيعه. لا ينكر أنه قضى ساعات أسعد من الخيال، يحلق وقدميه ثابتة على الأرض. يصرخ، يضحك، يراقص نسيم الهواء، يداعب قطرات المطر. يعيش الوهم. يضحك مع الخيال. ولكن الاستيقاظ بعد انتهاء مفعول ذلك السم هو العذاب بعينه. فتح عينيه بصعوبة، يمسد جبينه بكف يده. لما ذلك الألم البشع؟

بدأت الرؤية تتضح أمامه شيئًا فشئ، ليقطب جبينه متعجبًا، متألماً. أين هو؟ بيت من هذا؟ بسط كفيه، يستند ليشعر ببرودة الأرض تحت كفيه. ما الذي يحدث؟

رفع جسده بصعوبة عن الأرض، لتتسع عينيه ذهولًا حين رأى صدره العاري. نظر جواره، ليري آثار دماء. بحث برأسه حوله، ليجد تلك الفتاة صفا تجلس هناك، تلتصق بالحائط، تضع يدها على فمها، تبكي، تغطي جسدها بأحد مفارش الطاولة البيضاء الذي تلطخ بالدماء. توسعت عينيها فزعًا حين رأته يستيقظ. ليبدأ جسدها بالارتجاف بعنف، لتصرخ فيه بحرقة: "حرام عليك. حسبي الله ونعم الوكيل فيك. أنا عملتلك إيه عشان تضيع مستقبلي وحياتي؟

خدت مني شرفي غصب عنك. منك لله. ربنا ينتقم منك." وانخرطت تبكي وتلطم وجنتيها بعنف، تصرخ مقهورة. وهو يقف كالصنم، لا يصدق في أبعد كوابيسه أنه قد يفعل ذلك أبدًا. مد يده إلى خصلات شعره، يشد عليها بعنف، يحاول أن يفكر في حل ما. مد يده سريعًا، يبحث عن هاتفه، إلى أن وجده. يطلب رقم حسن، يطلب منه المجيء سريعًا. أغلق الخط، ينظر لها مشفقًا، حزينًا. حاولت التحدث: "صفا، أنا... قاطعته تصرخ بحرقة: "اخرس!

مش عايزة أسمع صوتك منك لله. ضيعتني وضيعت حياتي." لحظات، وسمع جبران صوت أقدام حسن تصعد. فتح الباب سريعًا قبل أن يكمل طريقه لأعلى. وقف حسن مكانه، ينظر لجبران مدهوشًا: "جبران!! إنت بتعمل إيه هنا؟ جذبه من يده سريعًا، يدخله للمنزل، لتشخص عينيه فزعًا حين أبصر صفا على حالتها تلك. ليعاود النظر لجبران، يهمس لها مصعوقًا: "إنت عملت إيه؟ الله يخربيتك."

جذب جبران يد حسن، يقف به بعيدًا. وقف أمام يشعر بالعجز لأول مرة في حياته. تلعثم، يردف متوترًا: "ما أعرفش. مش فاكر. كانت أول مرة أجرب الزفت اللي أنا ببيعه ده، وما دريتش بنفسي غير دلوقتي. وهي عمالة تصوت وتلطم. أعمل إيه؟ أنا ما كنتش واعي لأي حاجة خالص والله يا حسن." تنهد حسن، يزفر أنفاسه حانقًا. التف برأسه، ينظر للفتاة مشفقًا على حالها، ليعاود النظر لجبران، يهمس له محتداً:

"مش هينفع نسيبها كده. لازم نتصرف. دي ممكن تموت نفسها بعد القرف اللي أنت هببته." "والعمل! وأردف بها جبران متوترًا، يشعر وكأنه ألقى بنفسه في النار دون أن يشعر. ليشد حسن على كفه، يفكر، يحاول إيجاد حل. جبران إن تزوج منها، ستنتهي علاقته بوتر نهائيًا. الحل هنا بيده هو. رفع رأسه لجبران، يغمغم حائرًا:

"مش عارف. بس مش هينفع تتساب كده. إنت علاقتك بوتر أصلًا على شعرة. لو عرفت اللي حصل، تبقى علاقتكم انتهت. وبرضه البنت دي مالهاش ذنب. ومش هقدر أقولك اتجوزها في السر، لأنها مصيرها هتتعرف وهتبقى سؤ سمعتها بردوا." رائع. حسن صديقه الذي أحضره ليجد له حل لتلك الكارثة، يغلق جميع الحلول الممكنة أمام وجهه. زفر بعنف، يغمغم محتداً: "إنت بتقفلها في وشي. أعمل أنا دلوقتي؟ أروح أرمي نفسي في النيل؟

حرك حسن رأسه بالنفي. تنهد بعمق، ربت على كتف صديقه، يغمغم: "إنت صاحبي يا جبران، وكفاية إنك أنقذتني من بيت كمال. وبعدين أنا خلاص طلقت أمل." فهم جبران إلى ما يرمي حسن. ليحرك رأسه نفيًا بعنف، يردف متجهماً: "لأ يا حسن. إنت مش هتشيل شيلتي. أنا اللي غلطت، وأنا اللي هدفع تمن غلطتي." هنا صرخت صفا أو روزا بحرقة: "إنتوا بتحدفوني لبعض؟ بتجاملوا بعض على حسابي؟ أنا لا هتجوزك ولا هتجوزه. أنا هبلغ عنه وأوديه في ستين داهية."

تحرك حسن، يلتقط قميص جبران من على الأرض، يدفعه إليه. يدفع جبران نفسه إلى باب الشقة، يصيح فيه محتداً: "اطلع شقتك، وأنا هتصرف. يلا." تفاجأ جبران من رد فعل حسن. كاد أن يرفض، لكن حسن دفعه بعنف غريب لخارج المنزل، يغلق الباب في وجهه. تحرك حسن عائدًا إلى مكان مكوث صفا. أحضر مقعدًا، يجلس بالقرب منها. لتصرخ فيه: "إنت كده بتحميه صح؟ إنتوا إزاي حيوانات كده؟ لا عندكوا قلب ولا ضمير."

رفع حسن كفيه، يحاول تهدئتها، يغمغم سريعًا بترفق قليلًا: "أهدي بس وهنتفاهم وهتتحل. دلوقتي مش هتستفيدي أي حاجة لما تبلغي عن جبران غير الفضيحة. لأن معلش يعني، في ألف طريقة وطريقة نطلعه بيها من القضية دي." شخصت عينيها ذعرًا، لتسكب الدموع بغزارة، تصرخ بحرقة: "حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا. لو أنا أختك، ترضي يحصلي كده؟ كنت برضه هتقول كده؟ ربنا يدوقكوا من نفس العذاب. أنا هفضحه، هقول للناس كلها على اللي هو عمله فيا."

تنهد بعمق. مسكينة تلك الفتاة، يشفق عليها حقًا. ولكن جبران صديقه أولًا وآخرًا. عليه أن يتصرف وينهي تلك الكارثة. قاطعها، احتلت نبرته، يحادثها: "ممكن تهدي؟

ما أنا ممكن أقولك أنا لا عندي أم ولا أخت، وأسيبك تخبطي دماغك في الحيطة، وشوفي مين هيصدقك لو قولتي إن جبران كان بايت عندي. أنا عايز أساعدك. إن كان على اللي حصل، أنا هتجوزك وهعملك فرح. هيبقى زيك زي أي عروسة في الحارة هنا. ما حدش هيعرف حاجة. هنتجوز فترة اللي إنتي عايزاها، وبعدين هطلقك، وهطلع نفسي أنا اللي غلطان. الظالم اللي بهدلك. ها، قولتي إيه؟ صدقيني دا أسلم حل عشان تكملي حياتك اللي جاية. قولتي إيه؟

اضطربت حدقتاها بعنف. تكور قبضتها بغل، تشد عليها. خطتها كلها ذهبت هباءً منثورًا. جبران الأحمق سقط نائمًا دون أن يمسها حتى، منذ ساعات وهي تجهز لمشهدها كفتاة ضعيفة تم اغتصابها حتى يتزوج بها كما توقعت. ليأتي ذلك الحسن يدمر خطتها في لحظات. عليها أن تخبر المايسترو أن الخطة حدث بها تغير كبير. اصطنعت القلق ببراعة، تغمغم بحرقة: "مش عارفة... مش عارفة." وضعت يديها على وجهها، تبكي بحرقة. ليتحرك حسن من مكانه، يغمغم بهدوء:

"أنا هسيبك تفكري، والأفضل تختاري الحل اللي في مصلحتك. عن إذنك." تحرك للخارج. فتح الباب، لتشخص عينيه حين رأى وتر تصعد السلم هي الأخرى. نظرت له مدهوشة. قطبت جبينها، تغمغم مستنكرة: "حسن!! إنت بتعمل إيه هنا؟

وقف للحظات، يحاول أن يبحث عن مبرر ما ليقوله، فلم يجد شيئًا. عقله مرهق للغاية. فجذب الباب، أغلقه بعنف. تجاوز وتر وكأنها غير موجودة، يسرع للأسفل. لتنظر الأخيرة في أثره، تقطب جبينه قلقة. نظرت إلى باب شقة صفا المغلقة، تتساءل. تُرى ماذا كان يفعل حسن هنا صباحًا عند تلك الفتاة في شقتها!!! تحركت لأعلى سريعًا، فتحت باب المنزل بالمفتاح، لتسمع صوت المرش. جبران في المرحاض. إذا...

جلست على أحد المقاعد، تحاول تفسير ما حدث. حين خرج جبران من المرحاض، يجفف شعره بمنشفة صغيرة. اقتربت منه، تغمغم سريعًا ما أن رأته: "جبران، أنا شفت حسن صاحبك نازل من شقة البت اللي تحت دي... تفتكر كان بيعمل إيه عندها؟ ابتلع لعابه مرتبكًا، لا يجد ما يقوله. تجاوزها متجهًا إلى غرفة النوم، يحاول أن يبدو هادئًا: "لما أنزل هبقى أسأله. وبعدين حسن مالوش في الشمال. ما تقلقيش على صاحبتك."

تحركت خلفه، وقفت أمامه، تبتسم برقة. طوقت عنقه بذراعيها، تردف: "مش صاحبتي بردوا. ولازم أقلق عليها. المهم، في حاجة مهمة عايزة أقولك عليها. فاكر التحدي اللي كان بينا قبل ما نتجوز؟ قطب جبينه، يحرك رأسه بالإيجاب. لتتورد وجنتيها خجلًا. تلعثمت تردف على استحياء: "فاكر لما قولتلي لو إنت فزت في التحدي وأنا حبيتك، إنك هتبعد عن كل القرف ده ونبدأ صفحة جديدة أنا وإنت في مكان بعيد؟

حرك رأسه بالإيجاب من جديد، لتقترب منه، تنظر، تبتسم. تنظر لقسمات وجهه. فتحت فمها لتخبره أنها حقًا أحبته، حين لمحت عينيها خدوش أظافر عند أسفل فكه ورقبته. لم ترها من بعيد. رفع عينيها إليه، تسأله مستنكرة: "إيه الخدوش اللي على رقبتك دي يا جبران؟ توترت حدقتاه. ارتسمت ابتسامة مرتبكة على ثغره، يغمغم ضاحكًا: "دي قطة واحد صاحبي بهدلتني امبارح... المهم، كملي. بعد أنا وإنتي في مكان بعيد."

ضيقت حدقتاها، تنظر له. نظراتها تملؤها الشك. لتتنهد، تنفض أي أفكار عن رأسها. تردف: "ماشي يا جبران، هصدقك. لو إنت فعلًا كسبت التحدي ده، هتنفذ اللي قولتلي عليه." حرك رأسه بالإيجاب في هدوء. لترتسم ابتسامة جميلة على ثغرها. تغمغم برقة: "أنا بحبك يا جبران!! ***

حل الصباح وهي لم تنم منذ الأمس. ربما لأن جسدها استقبل كمية كبيرة من المخدر في يوم واحد. شردت عينيها في الفراغ، خائفة. ذلك المجنون لا يفهم أي لعبة مريضة يمارسها الآن. منذ الأمس لم تره. فقط بعث لها مع أحد حراسه عربة كالتي تظهر في الأفلام، يتراص عليها أشهى أنواع الطعام. لم تجرؤ على الاقتراب منه خوفًا من أن يكون وضع به شيئًا ليخدرها من جديد. أغمضت عينيها لعدة دقائق، لتستيقظ مفزوعة خوفًا من أن يكون هنا. حين يحاول جسدها أن ينام، تذكره أنها هنا في وكر الشيطان. فينتبه خوفًا من أن يحدث له شيء. فذاكرة الجسد لا تنسى بسهولة.

اجفلت مذعورة حين فُتح باب الغرفة وطل منه. عادت للخلف تلقائيًا، تلتصق بالحائط خلفها، تنظر له مذعورة. أما هو فابتسم. نظر لعربة الطعام، ليعاود النظر إليها، يردف معاتبًا: "معقولة يا حياة؟ ما أكلتيش حاجة خالص من إمبارح؟ ينفع كده يعني؟ ولما تتبعي من قلة الأكل." مجنون يمارس إحدى ألعابه النفسية. تثق في ذلك. سيؤذيها، سيفعل. تقدم خطوتين للأمام، يردف مبتسمًا:

"على فكرة كده مراد هيزعل منك. مش كنتي بتقوليله بردوا يا بيه مراد وأنتي صغيرة؟ كيوت أوي إنتي يا حياة." شهقت بعنف، تنظر له مذعورة. كيف مراد مات؟ أخبرها زياد أنه مات. تلعثمت، تردف مذعورة: "مات... مراد ميت... زياد قالي." ضحك وليد عاليًا، ليقترب من جديد، حتى صار على بعد خطوتين منها. حاولت الهرب، ليمد ذراعيه يحتجزها بينهما، هو والحائط خلفها. ضحك، يردف ساخرًا: "زياد ده ما يعرفش حاجة خالص...

دا كان هيموت ويقتل أخوه عشان ياخد ترقية. إنتي متخيلة هو قد إيه مريض!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...