هرعوا جميعا من المكتب خلف حسن الذي هرول بخطاه تجاه إحدى الزنزانات الصغيرة التي تستخدم للحجز الانفرادي. لتتسع أعينهم في ذهول، ها هو سفيان ملقى أمامهم أرضاً، وجهه أزرق، عيناه جاحظتان، شفتيه زرقاء، يخرج من فمه رغوة بيضاء. مات مسموماً، إذاً وليس منتحراً. قتل بمعنى أدق. اقترب بيجاد من جبران يهمس له خفية: -ده مات متسمم، انتحر إزاي؟ هو اللي سمم نفسه يعني؟ هيجيب السم منين؟ أنت فاهم حاجة؟
نفى جبران برأسه، يراقب زياد عن كثب وهو يقترب من جثة سفيان. انحنى جوارها يتفحصها بعينيه عن قرب. لا وجود لأي آثار عنف في الجثة. ولكن كيف وصل السم لسفيان؟ من صانع الحلقة المفقودة؟ أما حسن، فاقترب من يدي سفيان يفتحها. لا وجود لأثر أي شيء، لا محقن، لا بقايا سم علقت على أصابعه. يديه لا يرتدي فيهما أي خواتم قد تحمل السم بداخلها. إذاً كيف وصل السم إليه؟ حرك يده بين خصلات شعر سفيان عله يجد شيئاً، ولكن لا شيء أيضاً.
أجفلوا جميعاً على صوت غاضب يأتي من خلفهم: -البهوات اللي فاكرين نفسهم من الطب الشرعي يبعدوا عن الجثة. ابتعد حسن وزياد. توجه حسن صوب الرجل الداخل يسأله متعجباً: -ده ميت مسموم؟ جاب السم إزاي؟ مش المفروض إن فيه تفتيش قبل ما بيدخل أي مسجون الزنزانة؟ أومأ الرجل برأسه بالإيجاب. تحركت عيناه إلى حذاء سفيان يغمغم حانقاً: -المفروض... وده حصل فعلاً، بس سفيان طلع مخبي السم في الجزمة بتاعته. أنا مش فاهم ليه ينتحر بعد ما اعترف؟
ولا غروره ما سمحلوش إنه يتحبس؟ هنا تدخل زياد، عيناه تجوب جثة سفيان والتعجب يملأ نبرة صوته: -الغريب فعلاً إن جثة سفيان متخشبة بشكل غريب، يعني ما اعتقدش إنه ميت من ساعات عشان جثته تبقى متخشبة بالمنظر ده. همهم الرجل الواقف موافقاً على ما يقول زياد. ولكن الأهم فالأهم دائماً. أشار لجبران يغمغم:
-فعلاً، وده اللي هيثبته تقرير الطب الشرعي. دلوقتي الأهم عندنا الفلاشة اللي سفيان اداهالنا، وعليها أسماء كل تجار المخدرات هنا في مصر وورق إدانتهم... جبران تعالا معايا عاوزك لوحدنا. أومأ جبران بالإيجاب. تحرك ليغادر. نظر لجثة سفيان للمرة الأخيرة قبل أن يغادر. ليقطب جبينه يحاول أن يتذكر، هل كان يمتلك سفيان شامة مستديرة على رقبته؟!!!
تحرك خلف ذاك الرجل إلى غرفة مكتبه. أشار له ليجلس. في حين اقترب الرجل من مكتبه، التقط ملف أزرق، مد يده له به يغمغم مبتسماً: -صحيح مجدي مات وسفيان انتحر، بس إحنا بردوا كسبنا. قطعنا رأس الحية ومسكنا المورد اللي برة اللي هو وليد، ومعانا دلوقتي أسماء كل التجار وجاري القبض عليهم. وطبعاً ده كله بفضل ربنا ومساعدتك يا مراد... صدقت لما قولت عايز أكفر عن غلطتي وفعلاً عملت كده...
اتفضل يا سيدي ورقك الرسمي. رجعت مراد تاني وغيرنا صورتك القديمة في الورق الجديد. أما الورق القديمة زي ما هو، وهتلاقي هنا بردوا شهادة طبية من دكتور تجميل إن حصلك حادثة كبيرة واضطروا يغيروا في ملامح وشك عشان ينقذوك... تقدر ترجع لحياتك تاني وجبنا لك شهادة تخرج من كليتك يا سيدي. صحيح مش هتشتغل بيها، بس اهو تبقى خريج قدام الناس.
ارتسمت ابتسامة حزينة ساخرة على شفتي مراد. سنوات وهو اعتاد على شخصية جبران، حتى باتت جزء لا يتجزأ منه. فتح الملف ليجد بطاقة شخصية جديدة وشهادة تخرج من جامعته وقسيمة زواجه من وتر باسمه الحقيقي وصورته التي هو عليها الآن وبعض الأوراق الأخرى.... قام من مكانه يصافح الرجل الواقف أمامه، يغمغم مبتسماً:
-متشكر يا أفندم. أنا حقيقي إني قدرت أوفي بوعدي، بس سامحني أنا مش هقدر أرجع مراد تاني. أنا اتعودت على المعلم جبران السواق. هفضل كبير المنطقة بس مش تاجر حشيش... هفضل بس على الورق الرسمي مراد لو ينفع يعني. أومأ الرجل مبتسماً. صافحه يغمغم ببساطة: -مفيش مشكلة يا معلم جبران. اللي تحب تفضل عليه كمل فيه. ابتسم جبران ممتناً. يودع الواقف أمامه. تحرك ليغادر ليسمعه يصيح باسمه: -مراد. التفت له ليبتسم الرجل يغمغم:
-والدك الله يرحمه كان حقيقي بيحبك أوي. وأنا واثق إنه لو كان عايش دلوقتي كان هيبقي حقيقي فخور جداً بنجاحك ده. مع السلامة يا مراد، ولو احتجتني في أي وقت رقمي معاك. ارتعشت ابتسامة مراد، يشعر بالدموع تغزو مقلتيه. ليومئ برأسه سريعاً. خرج من المكتب يتحرك بين الطرقات. أدمعت عينيه يغمغم مع نفسه سعيداً: -كان هيبقي فخور بيا... هو دلوقتي فخور بيا أكيد. أنا نجحت! _على صعيد آخر في مكان آخر يبعد عنهم كثيراً، في قصر بعيد...
بعيد للغاية. تقف فتاة طويلة القامة، صاحبة جيد طويل وشعر أحمر ناري يتطاير كشرارات النار. خلفها تقف أمام نافذة كبيرة تنظر لضوء الصباح وهو يصعد يملئ المكان. تنفث سيجارة طويلة تمسكها بين أصابعها الرفيعة. يقف ذلك الوسيم الأشقر خلفها، تنهد يغمغم ساخراً: -مار؟ سفيان انتحر؟ الأسد العجوز لم يتحمل قبضة الشرطة. التفتت له بوجهها فقط. نفثت دخان سيجارته، ابتسمت تغمغم ساخرة: -بتلك البساطة؟ سام؟
الأحمق المغرور أخيراً انتهينا منه. أتعلم؟ كنت أفكر قتله بنفسي، ولكنه فعل. لن أضطر لفعلها إذاً. ضحك سام يلف ذراعيه حول خصرها، يميل برأسه يضعها على كتفها يغمغم ضاحكاً: -الأحمق جاك يتحرق شوقاً ليعرف من مار؟ ولكن خدعة الطائرة حقاً كانت مذهلة. عطل مُتقن. لن يصدق أحد أنه بفعل يديكِ الناعمة هذه يا مار. ضحكت الأخيرة عالياً. كم تعشق سام حين يتغزل في ذكائها. ليُشبع غرور عقلها الثائر. طبعت قبلة صغيرة على وجنته تغمغم برقة:
-أعتقد أنها أنا من ستتولى أعمال العائلة في مصر بعد أن سيتم القبض على الجميع. فبالطبع سفيان لن يسقط بمفرده. أومأ سام برأسه موافقاً، يغمغم: -الأمر بيد ألكسندر، ولكني أظن اللعبة تلك المرة ستكون في يدك. صرخت مار سعيدة، تقفز فرحة. تعلقت بعنف سام تحتضنه بقوة تغمغم مبتهجة: -أنت الأفضل يا سام. صدقني أنت الأفضل. ضحك سام عالياً، ليحملها بين ذراعيه كأنها عروس، يغمغم ضاحكاً:
-وأنتِ فتاة مشاكسة صاخبة. هيا لدينا حفل كبير لنحضره. عليكِ أن تكوني سيدة الأعمال الجميلة، صاحبة الشركات المهذبة الخجولة. الخجولة مار لا تنسي. وأنا علي أن أتقمص ذلك الدور السخيف للرجل النبيل. هيا مار تأخرنا. أومأت له. قلبت عينيها ساخرة تتنهد حانقة. عليها أن تُمثل وهو أيضاً.
_عودة مرة أخرى إلى مديرية الأمن. داخل مكتب زياد، يتسطح جبران على الأريكة هناك، يغط في النوم بعد ليلة طويلة للغاية. جافٍ النوم عينيه فيها. دخل بيجاد يبحث عنه، ليشير له زياد بالهدوء، يهمس له: -هشش، ده أنا ما صدقت إنه نام. بقالي ساعتين بقنع فيه... فيه حاجة؟
نفى بيجاد برأسه. تحرك يجلس على مقعد قريب من أريكة جبران. كاد أن يقول شيئاً حين دق هاتف زياد. أجاب سريعاً، أخذ الهاتف يخرج من الغرفة حتى لا يزعج شقيقه. في حين التفت بيجاد إلى مراد، يتذكر المرة الأولى التي رآه فيها بعد هروبه من قبضتهم وعودته لمصر. Flash back
خرج من المطار يتلفت حوله قلقاً حذراً. وقف خارج المطار يحمل حقيبة صغيرة يبحث عن سيارة أجرة. لم يجد سوى واحدة فقط. دخلها، يُملي السائق عنوان مكان ما. تنهد بارتياح، يضجع إلى ظهر الأريكة ينظر إلى الطريق أمامه. مرت عدة دقائق قبل أن يقطب جبينه يغمغم حذراً: -أنت ماشي منين ده؟ مش طريق العنوان اللي قولتلك عليه خالص. ابتسم السائق في هدوء. التفتت له يغمغم ببساطة: -ما تخافش يا بيجاد. دا أنا مراد يا صاحبي.
شخصت عينا بيجاد في دهشة. الجمته عن الحديث. تجمد مكانه يراقب ذلك الشاب الذي لا يشبه مراد. ولكن كيف عرفه؟ هل يعقل أنه أحد رجال سفيان ومجدي؟ توقفت السيارة أمام منزل في منطقة صحراوية. ذلك البيت تابع لبيجاد لا يعلم به سوي مراد. حتى وليد لا يعرف عنه شيئاً. نزل مراد سريعاً، فتح الباب المجاور لبيجاد يجذبه لداخل المنزل. أغلق الباب ليقبض بيجاد على عنق ذلك الواقف أمامه يصيح فيه: -أنت مين بالظبط؟ ومراد إزاي يعني؟
وعرفت البيت ده منين ومعاك مفتاحه إزاي؟ دفع مراد بيجاد بعيداً عنه بقوة، يسعل بعنف يحاول التقاط أنفاسه، يسب بيجاد غاضباً: -يخربيت التخلف! كنت هتموتني يا حيوان. اديني فرصة أفهمك... هتموتني ويطلع عفريتي يشرحلك مثلاً؟ أسلوب السخرية ذاك يعرفه. ولكن كيف؟ ذاك لا يشبه مراد. أشار مراد له لأقرب مقعد يغمغم ساخراً: -اترزع عشان أفهمك كل حاجة. مافيش وقت.
جلس بيجاد مضطراً لذلك. ينظر للواقف أمامه حذراً. ليتنهد مراد ويقص عليه كل ما حدث له الفترة الماضية. ليهب بيجاد واقفا يشعر وكأن ألف خنجر ينغرس في قلبه. احمرت عيناه تنهمر دموعه يصرخ غاضباً مقهورا: -يعني كل اللي أنا فيه، كل اللي أنا شوفته ده بسبب أختي؟ أختي عايزة تموتني؟ اتفقت مع صاحب عمري عليا؟ أنا مش مصدق... مش حقيقي. أنا اللي دخلتها بإيدي في حياتنا. كنت عاوز أعوضها. دا أنا كنت هموت من حزني عليها لما افتكرتها ماتت...
تطلع هي اللي كانت عايزة تموتني. ليه يا مراد؟ لييييه؟ اقترب مراد من صديقه يعانقه لينهار بيجاد في البكاء. تنهد مراد حزيناً على حال صديقه. ذكره بحاله قبل سنوات صرخ وانهار وبكى. ولكنه بعد سنوات أدرك أنه كان فقط عقاب على جرائمه. ربت مراد على رأس بيجاد برفق. أبعده عنه قليلاً يحادثه مترفقاً: -أنا عملت زيك أول ما فوقت واكتشفت إن وشي اتشوه...
مشهد كارمن وهي بتحضن وليد مش بيفارق خيالي. بس أنا قررت انتقم وآخد حقك وحقي. وأنت كمان لازم تساعدني يا بيجاد. أمسك مراد بذراعي بيجاد يغمغم سريعاً: -وليد ما كشفش حقيقته الـ**** قدامك لسبب مهم. ممكن يكون عايزك ترجع تثق فيه وتشتغل معاه. ويمكن عشان رسل... المهم دلوقتي فعلاً رسل...
من ساعة الحادثة اللي حصلتلها ومجدي راميها في بيت صغير ليه في **** وحاطط معاها خدامة. البنت دي مالهاش علاقة بالمستنقع ده كله. ابعدها عنهم وأنا هكون معاك دايما. أنا أو زياد أخويا. المهم اوعي أبداً تثق في وليد مهما مر من وقت. صدقني ده شيطان بيتلون بألف لون. Back وليد الأحمق وقع في شر أعماله أخيراً.
الخبيث أن صديقه القديم عاد إليه ويريد أن يأخذه في كنفه ويحتضنه هو وشقيقته. هو من أبلغ الشرطة بمكان قصره البعيد في ذلك اليوم الذي كان يقف فيه في الحديقة، وأن حياة قريبة زياد موجودة هناك وهو ينشد الشعر. «تنهد يحادث نفسه بصوت مسموع: -القمر بدر والصحرا بليل حقيقي مخيفة، تحس كأن في 3000 كيلو من الهم. والغريب أن الحياة هنا ازاي ما اعرفش وسط الصحرا حياة. -دا أنت بقيت شاعر بقي يا عم بيجاد. غريب الحب مين فاهمه.»
ضحك ساخراً. هو فهم الحب، والأحمق وليد لديه سنوات كافية في السجن ليفهمه هو الآخر، أن لم يُحكم عليه بالإعدام في تلك اللحظات. فُتح له ليدخل زياد. يوجه أنظاره لبيجاد يغمغم سريعاً: -خدنا عينة من رفات والدك زي ما أنت طلبت، والمعمل الجنائي أثبت أنه سراج والدك. هنا تنفس بيجاد الصعداء. إذاً والده بريء، لم يفعل شيئاً...
والده قُتل غدراً، وقبل قليل فقط عرف أن عمه هو قاتل أبيه. والده بريء، والده أبداً لم يكن يوماً بذلك الشر. اقترب زياد من بيجاد يحادثه ممتناً: -أنا متشكر حقيقي أنك رغم كنت في قصر وليد في عش الدبابير، ورغم كدا اتصلت بيا عشان تبلغني بمكان حياة. ابتسم بيجاد ينفي برأسه، يغمغم ببساطة: -يا عم ما تقولش كدة، دا رد جميل بسيط. ما أنت بتساعدني من ساعة ما وصلت مصر، أنا اللي متشكر.
-أيوه أيوه، قضوها بقي. أنا اللي متشكر، لاء أنا اللي متشكر. غمغم بها جبران ساخراً، ليلتفت زياد إلى شقيقه. دس يديه في جيب سرواله. ضحك يغمغم متهكماً: -ما تتلم يا معلم جبران، ولا عايزني أشدك على القسم تتربي يومين. ضحك جبران عالياً في سخرية. تحرك من مكانه، اقترب من زياد ليباغته بصفعة عنيفة على رقبته من الخلف. قبض على تلابيب ثيابه يغمغم حانقاً:
-فكرتني. تعالي بقي يا حلو، أنا ياض تقل مني قدام المزة، وقال إيه عاملي الشاب النحنوح الطيب وعايز ترتبط بآنسة وتر. دا أنا هربطك ولا خروف العيد. تأوه زياد حانقاً، يمسد رقبته بيديه. يدفع جبران بعيداً عنه، يغمغم ساخطاً: -أوعي يا عم، إيدك تقيلة. وبعدين مش كنت بسبك الدور... -تسبك الدور رايح جاي تهزق في اللي خلفوني وتقولي بسبك الدور يا حيوان.
غمغم بها جبران حانقاً، يشمر عن ساعديه. لتتسع عينيه زياد في ريبة. عاد للخلف بحذر، يقف خلف بيجاد يحادثه قلقاً: -حوش صاحبك المتخلف دا عني. ضحك بيجاد عالياً، يفسح الطريق لجبران. لتشخص عينا زياد، يسب بيجاد في نفسه. اندفع جبران يقبض على مقدمة ثياب زياد. ابتسم يغمغم متوعداً: -حبيب قلبي، دا أنا هعمل في وشك أحلى زفة وأعزمك فيها. بس مش دلوقتي، لما نطمن على البت حياة الأول.
تنهد زياد بارتياح. لم يدم سوى لحظات، وفاجأته لكمة من يد جبران. ضحك الأخير يغمغم ساخراً: -سوري، بس كان نفسي أعمل كدة. يلا بينا، كل واحد يروح يشوف مراته. ***
هناك بعيداً في غرفة وتر، استيقظت بعد ساعات من مفعول المخدر. فتحت عينيها تنظر حولها، وكم تمنت أن يكون كل ما حدث ليس سوى كابوساً وستصحو منه تجد نفسها نائمة بين أحضان زوجها في شقتهم الصغيرة. ولكن الآن لا شيء بات كما كان. وضعت يدها على بطنها تبتسم ساخرة. الطبيب أخبرها أنها لم تكن حاملاً من الأساس، وتلك الأعراض التي شعرت بها كانت بسبب المخدرات التي دخلت جسدها. نزلت دموع عينيها رغماً عنها. الحياة بأكملها كانت كذبة. خدعة
والدها الحنون الطيب تاجر مخدرات، والأكبر يبدو. والدها كان يعلم بما حدث لها في المستشفى، إذاً والدتها كانت محقة فيما قالت. وجبران الحب الذي عشقته لم يختلف كثيراً عنهم. شخصاً آخر لا تعرفه. شخص سئ للغاية، تأمر عليها منذ البداية. لما فعل ذلك؟
بما استفاد بما فعل؟ ضحكت ساخرة. لذلك لم يلومها أبداً. كيف يفعل وهو الجاني هنا. نفضت الغطاء عنها، توجهت تقف أمام شرفتها، فتحتها ليدخل نسيم الهواء. احتضنت نفسها بذراعيها فقط، تنتهي من تلك الكارثة التي تعثو في دمها فساداً، وسيكون لها رأي آخر ستريه. فقط ينتظر. في الغرفة القريبة منها، استيقظت رُسل أخيراً بعد ساعات من العملية. فتحت عينيها تنظر للمكان حولها. لما هي في غرفة مستشفى؟
قطبت جبينها تشعر بألم بشع في جميع أنحاء جسدها، خاصة رأسها الذي يلتف بعنف. أين هي؟ وماذا حدث؟ والسؤال الأهم، من هي؟ استندت بكفيها إلى سطح الفراش بصعوبة لتعتدل جالسة. تنظر حولها. في ذلك الأثناء، فُتح الباب ودخل بيجاد. ابتهجت ابتسامته حين رآها مستيقظة. اقترب منها سريعاً، جلس جوارها يبتسم سعيداً. أمسك بكفها يقبله، يغمغم متلهفاً: -رُسل، حمد لله على سلامتك يا حبيبتي. الحمد لله يارب أنك بخير.
سحبت يدها من يده. قطبت جبينها تنظر له بحذر، تسأله قلقة: -أنت مين وأنا مين... ومين رُسل دي؟ ***
في سيارة شرطة، تحرك من القسم إلى الحي. يريد حقاً أن يرى رد فعلها حين تراه. وقفت السيارة في منتصف الحي، لينزل منها بحلته الرسمية السوداء. توجهت نظرات الجميع إليه ما بين دهشة وذهول. صبي المعلم جبران ضابط شرطة. توجه صوب عربة الطعام الخاصة بها. ينظر لها وهي منهمكة فيما تفعل. لم ترفع عينيها له بعد. وقف أمامها يدق على الزجاج. يعرف أنها تكره تلك الحركة. رفعت رأسها غاضبة لتشخص عيناها في ذهول حين رأته يقف أمامها. ماذا يرتدي؟
تفحصته عيناها للحظات قبل أن يطرقع بأصبعيه، يغمغم ساخراً: -تراخيص العربية دي فين؟ أجفلت، تومئ له. فتحت درج النقود تخرج له عدة أوراق. أعطته له. فتحها ينظر لها. رفع عينيه عن الأوراق، يغمغم ساخراً: -التراخيص دي منتهية من 48 ساعة، يومين كاملين. تؤتؤتؤ... صحة المواطن. حسبي الله ونعم الوكيل. بتاجروا بأرواح الناس. قدامي يا آنسة أمل على البوكس. مش آنسة أمل بردوا. شخصت عين أمل فزعاً. ما الذي يهذي به ذلك الأحمق؟
كادت عيناها تخرج من مكانها حين أخرج لها الأصفاد، قيد يدها اليمنى بيده اليسرى، يجذبها معه للسيارة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!