دخلت إلى شقتها بعد يوم شاق. اتجهت إلى الغرفة التي يرتاح بها آدم، وطَرقت على الباب عدة مرات إلى أن سمعته يأذن لها بالدخول. ريتال: كنت نايم ولا إيه؟ آدم: عيني راحت في النوم مع إني مكنتش عاوز أنام. ريتال: نورت يورك. وقف آدم يصافحها وهو يبتسم بشوق لها. آدم: وحشتيني يا ريري، يورك وأمريكا كلها منورين لأنك فيهم. ريتال: مقولتش ليه إنك جاي كان حد فينا استقبلك؟ آدم بابتسامة: حبيت أعملكم مفاجأة.
ريتال: أحلى مفاجأة. يلا اغسل وشك كده وظبط حالك عشان تتغدى على ما أنا أغير هدومي وبعد كده نقعد نتكلم. آدم: ياريت عشان في كلام كتير قوي محتاج أقوله ليكي. ريتال بابتسامة أظهرت غمازاتها: وأنا منتظرة الكلام اللي عندك. خرجت ريتال وتركته ينظر إلى خروجها بحيرة في معنى كلماتها. وقد شك أنها تعلم ما بداخله. لا يعلم أنها على علم بكل ما يخفيه بداخلها تجاه ليلى منذ أن دق قلبه لها وتغيرت نظرته إليها من صديقة إلى حبيبة. ***
جلسوا جميعهم لكي يتناولوا الطعام سوياً في جو عائلي دافئ، ولكن كانت ماريا بعيدة عن تلك الجمعة وهذا الجو العائلي. كانت بعيدة جداً شاردة في كل كلمة قالها عادل. لم تكن مجرد كلمات بل كانت كالطعنات في قلبها وروحها تصيبهم إصابة بالغة دون أن تقتلها كالموت البطيء. انتبهوا جميعاً لها، ولكن لم يحاول أحد التحدث معها بشيء، فهي كانت على وشك الانهيار بكاءً.
أما هو الآخر فقد اضطر لمشاركتهم تحت ضغط ليلى كالعادة، وأيضاً نظراً لوجود آدم كان لا بد أن يجلس معهم. لم يحاول مشاركتهم الحديث أو الدخول معهم في أي نقاش، ولكن لاحظ نظراتهم الغريبة تجاه ماريا. فنظر إليها ومن ثم عاد ينظر إلى الطعام. هذه الفتاة منذ أن أتى للسكن هنا معهم، أو بالأدق منذ رآها، لم يحاول التحدث معها إلا في أضيق الحدود. لا ينكر شعوره بالامتنان لها بالوقوف جوار شقيقته ومساندتها. أما ريتال فهي دائماً ما تسأله عن حاله وأيضاً تهتم به من الجانب الصحي وترتيب الأدوية والفحوصات الدورية التي يجريها من وقت لآخر.
وقفت ماريا بعد أن تركت الملعقة من يدها وزينت ابتسامة مزيفة على وجهها. ماريا: الحمد لله شبعت، هستأذن منكم هدخل أرتاح شوية لأن يومي كان مرهق. وقبل أن يعترض أحد ردت عليها ليلى تسمح لها بذلك، نظراً لحالتها التي لا تستطيع إخفاءها عنهم. فماريا من الشخصيات التي دائماً ما تظهر مشاعرها وكل ما تشعر به على وجهها وفي عينيها. بعد أن دخلت ماريا إلى غرفتها نظر آدم إلى ريتال بجدية وقال لها: آدم: هو عادل لسه بيحاول يقرب منها؟
ريتال: أيوه وشكله كده زودها انهاردة ومش هيبعد إلا لما آكله بسناني. ليلى: اهدى يا ريري، جايز حاجة تانية هي اللي زعلتها لأنها انهاردة كانت بره المدينة. ريتال وهي تنظر إليها نظرات ثاقبة: مقتنعة بكلامك؟ عاوزة تفهميني إن ٩٩٪ مش هو سبب الحالة اللي هي فيها دلوقتي؟ تنهدت ليلى بألم وقالت بلهجة شاردة وقد شردت عيناها في البعيد: وإيه في الدنيا يقدر يوصل واحدة للحالة دي غير اللي بيدق قلوبنا ليهم. ***
دخلت ريتال إلى غرفة ماريا بعد قليل، فهي لم تستطع تركها على تلك الحالة أكثر من ذلك. وجدتها جالسة على الفراش بعيون شاردة، ولكن شفتيها مقوستين للأسفل كالأطفال، ولكن بشكل يؤلم قلب من أمامها. هي مثال للمرآة ولكن عيناها تحمل آلاماً كثيرة. انتبهت لها ماريا فنظرت لها وقد سقطت دمعتان من عينيها قائلة بخفوت حزين: خلاص اقتنعت. ريتال بجمود: اقتنعتي بإيه؟
حاولت الابتسام بسخرية ولكن ظهرت الابتسامة منكسرة على شفتيها المرتعشة وهي تجاهد للتحـدث بثبات: بكل حاجة، بأني صفر ومستحقش أي حاجة، اقتنعت إني ولا حاجة، إني أقل من إن حد يتمسك بيا أو يضحي عشاني أو حتى يكتفي بيا. وقفت ريتال عدة ثواني وهي تنظر إليها وتفكر بداخلها هل تترك التصرف لقلبها وتحتضنها وتواسيها أم تترك عقلها يتعامل مع الموقف؟
ولكن قاطع حيرتها صوت بكاء ماريا بعد أن دفنت وجهها بين قدميها وأحاطت جسدها بذراعيها. اقتربت منها سريعاً وضمتها بقوة كأنها تريد أخذ آلامها كلها وامتصاص وجعها. ماريا وهي تبكي في أحضان ريتال: لما لم يتمسك بي أحد من والداي؟ لما لم يكتفي بي هو؟ لما يتعمدون جميعاً كسري وهزيمتي؟ لهذه الدرجة أنا لم أعنِ لهم شيء؟! ألا أستحق مجرد تضحية صغيرة في سبيل إسعادي؟
جميعهم يرحلون وأنا أشاهد رحيلهم فقط. وما يؤملني أكثر أنهم يجعلون الأمر وكأن أنا هي من تختار الرحيل والابتعاد وهم ضحايا لأنانية فقط. تركتها ريتال تبكي وتفرغ ما بداخلها وانتظرت حتى هدأت شهقاتها ومن ثم أبعدتها برفق وهي تمسح دموعها بيديها. وأخبرتها برقة وحنان بالغ: ريتال: إنتي ماذا ترين؟ نظرت إليها ماريا بعدم فهم. ريتال: لا يهم ماذا يرونك هم، ولكن المهم إنتي ترين نفسك تستحقي السعادة؟
تستحقي إنسان يكتفي بكي ويفعل كل شيء في سبيل إسعادك؟ هل ترين نفسك دنيئة إلى الحد الذي يجعلهم جميعاً يتخلون عنكي؟ ماريا بقوة ودون تردد: لا أنا لست دنيئة أبداً، أنا أستحق الأفضل. أنا كنت دائماً ابنة صالحة لهما، ولكن كل واحد منهما اختار حياته ولم يكتفيا بي مطلقاً وأنا كنت دائماً من أحاول التقرب منها، ولكن ماذا كان المقابل؟! ها أنا أعاني من ويلات تصرفاتهم وأخطائهم تجاهي، أنا أشعر أن جميعهم قامروا بحياتي وطعنوني بقلبي.
ريتال بحنو: إذا كيف لي أن تقتنعي بما أخبرتني وأخبرتي نفسك به قبلي؟
ماريا بحيرة على ذاتها: من الخذلان، من تخيلهم عني، فقد تعمد كل واحد منهم أن يتركني بطريقة مختلفة تجعلني أتحسر على فقدهم. أبي تركني مع أمي بعد انفصالهما ولم أكن أراه سوى مرات معدودة طوال العام هذا إن لم تكن مرة واحدة فقط، ولكني ظللت أحبه ولم يتأثر إحساسي تجاهه كوالد بداخلي. وهذا ما كان يثير غضب أمي رغم أنها الأخرى تزوجت وابتعدت عني وقامت ببناء حياة ليس لي بها مكان. وأيضاً أنا لم أعترض ولم أحقد عليها أو أي شيء. ومن
بعدهم ماتت مربيتي والتي كانت الأم بالنسبة لي وكانت تلك المرة الأولى فعلياً التي أشعر فيها بمرارة الفقد. وكان حينها عادل متأثراً بوفاتها فتغلبت على ما بداخلي لأسانده، رغم أنها كانت تعني لي كما تعني له بل ولا أبالغ إن قلت أكثر. بفقده افتقدت الكثير ومن بعدها ظللت في حالة انتظار، انتظار صرامة أبي وتعليمي ديني كما كانت تفعل، في انتظار حنان أمي واحتوائها لي كما كانت تفعل تلك التي فقدتها. ولكن لم يبالي أحد منهم. وعندما
ابتعدت وقررت أن أفعل كما فعلوا اتهموني أنا بالتهم التي قاموا هم بها وما كان فعلي سوى رد لأفعالهم. والآن أتى دور الآخر،،، صديق الطفولة والحبيب والرجل الوحيد بحياتي، أنا اكتفيت به ولم أحاول يوم إثارة غضبه ولم أخونه يوماً لا بنظري ولا بإحساسي ولا بكياني، وما كان منه رداً على ذلك سوى الخيانة، وقتلي بأبشع الطرق. والآن يعايرني بما فعل أهلي معي وبوقوفه جواري ويخبرني بكل بساطة أنه رغم خيانته لي وما فعل سوف أعود إليه، وليس
ذلك فقط بل أعود نادمة أتذلل له ليرضى عني. هـه هل علمتِ الآن من أين لي بما أشعر؟
ربتت ريتال على ظهرها بحنان بالغ وهي تنظر إلى عينيها بنظرات تخبرها أنها لن تتركها أبداً. وكانت تلك النظرات هي أهم ما تحتاج إليه ماريا. خرجت ريتال من غرفة ماريا بعد أن تركتها نائمة جراء بكائها الشديد. وجدت ليلى بجوار الباب تقف تستند بظهرها على الحائط المجاور للباب. ريتال بتصنع الاستغراب: واقفة كده ليه؟ نظرت ليلى إليها بألم وردت على سؤالها بسؤال آخر: نامت؟ تنهدت
ريتال بأسف على حال ماريا: أيوه نامت ومتقلقيش هي هتبقى أحسن، أو نقدر نقول أنها في بداية الطريق لأنها تكون أفضل وأقوى. ليلى بغضب مكبوت داخلها: ملعون الحب وملعون اللي يضعف ويسلم للحب.
كان آدم جالس على المقعد يراقبها وهي تقف أمام غرفة صديقتها متألمة ولا تريد الدخول إليها. ورأى لهفتها عندما خرجت ريتال وسمع كلماتها الغاضبة. تلك الكلمات أحبطت الحماس الذي كان بداخله وجعلت شعور الخوف يسيطر عليه. قرر بعدها الرحيل ولم يتسن له الحديث مع ريتال كما كان يريد، فقد رأى أن الوقت لا يسمح أبداً لهذا الحديث. وشكرته ريتال بداخلها على ذلك فهي تشعر أنها ليس لديها أي طاقة لمناقشة ما يريد ولكن لديها طاقة لشيء آخر.
دخلت ليلى أيضاً إلى غرفتها وأوشكت ريتال على الذهاب لشقتها، ولكن نظرت إلى غرفة مروان بعد أن سمعته يأذن بالدخول، ظناً منه أنها ليلى أخبرته أنها ريتال، فسُمح لها بالدخول. دخلت عدة خطوات إلى غرفته وتركت الباب مفتوح. ريتال ببرود: أخدت أدويةك. مروان بخفوت: الحمد لله. تحولت لهجتها لتخلو من البرود نهائياً وقد اعتزمت النية على البوح له بما تريد. ريتال: هتفضل كده لحد امتى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!