ما سبب الزيارة الغالية دي؟ هتف بها الجد متسائلاً بحبور عن سبب زيارته المفاجئة. صمت آسر يتفرس في ملامحهم قبل أن يتفوه بثبات يُحسد عليه، مما جعل عاصي ينقض عليه: أنا جاي النهارده يا حج علشان أطلب منك إيد غفران على سنة الله ورسوله. انتفض عاصي من جلسته ينقض عليه وهو يجذبه من تلابيبه هادراً فيه بنبرة خطرة: بتقول إيه يا روح أمك تتجوز مين؟ وقبل أن تصل قبضة عاصي إلى وجه آسر، لكمه بعنف وشوه ملامحه.
جاء صوتها من خلفه بنبرة متحدية جمدت الدماء في عروقه: وأنا موافقة أتجوز آسر يا جدي. لثوانٍ تجمد عاصي في مكانه رافعاً يده ضاماً قبضته في الهواء، ينظر في عيني آسر بشراسة وعدم تصديق. بادله آسر إياها بنظرات شامته متحدية. استدار عاصي ببطء ينظر لها وهو لازال محتفظاً بتلابيب آسر بين قبضته الفولاذية، متسائلاً بنبرة خطرة تنذر بما هو أخطر: قولتي إيه؟ اسمعيني كده تاني، قولتي إيه؟
وقفت غفران تتطلع إليه بذقن مرفوعة وهي تعقد ذراعيها حول صدرها تتظر إليه بتحدي هاتفة بنبرة متحدية ضاغطة على كل كلمة تنطق بها: قلت أنا موافقة أتجوز آسر. رمقها عاصي بنظرة شرسة فتاكة ارتعدت على إثرها أوصالها، ولكنها لم تعد تعبأ به بعد الآن. ارتدت رأس عاصي مرة أخرى جهة آسر عندما صدى صوته موجهاً حديثه إلى الجد: أظن كده مش فاضل غير موافقتك على الجواز يا حج. ثم رمق عاصي بطرف عينيه قائلاً بشماتة: خصوصاً وإن العروسة موافقة.
جنوووووووون! كل ما يشعر به الآن هو الجنون، وهذا الآسر اللعين مصمم على أن يخرج أسوأ ما فيه. وتلك النظرة الشامتة التي تلمع داخل مقلتيه تثير فيه غريزة القتل البربرية ببشاعة. ولكنه لن يكون عاصي الجارحي إذا أعطى له الفرصة للانتصار عليه أو الشماتة فيه. بل سيرد له الصاع صاعين وسيجعله يبكي ندماً وقهراً لمجرد تفكيره في تحديه أو تجرئه على أي شيء يخصه.
وهي ليست بشيء عادي، فهي روحه وعمره ومحبوبته وزوجته وأم ابنه، باختصار هي كل نساء الأرض في عينيه وحدها، هي غفرانه. تلك الصغيرة العنيدة المجنونة بلوة حياته. سيتفنن في عقابها على عنادها وتحديها له، ولكن على طريقته الخاصة. الخاصة جداً. طريقة عاصي الجارحي. فلتنتظري مني عقابك على عصياني يا غفراني. وحان دوري الآن كي ألعبك بنفس طريقتك.
دفعه عاصي بقوة في صدره فجأة، وعاد إلى جلسته مرة أخرى واضعاً قدم فوق الأخرى، ينظر لهم ببرود وكأنه شخص آخر غير المجنون الذي كان يتحدث منذ قليل. توترت الأجواء من حولهم خاصة بعد تبدل حال عاصي الغريب. والجد أصبح في موقف يُحسد عليه ولا يعرف بما يجيب طلب آسر خاصة بعد إعلان غفران لموافقتها أمام الجميع. كما أنه لا يريد أن يظلم حفيده خاصة وهو يعرف بخطته للانتقام من مازن ونسرين، إلى جانب عشقه لغفران. تحدث الجد بهدوء ورزانة:
والله يا آسر يا ابني أنت فاجئتني بطلبك ده. هتف آسر بنبرة جادة: أنا عارف يا حج إني طلبت الطلب ده فجأة من حضرتك وإني كان لازم أفاتح حضرتك الأول في الموضوع ده. وأنا آسف إذا كنت اتسرعت في طلبي أو طلبته منك بطريقة غريبة، بس أنا فعلاً جاد في طلبي ومعنديش استعداد إني أخسر غفران، خصوصاً إن هي كمان موافقة على الجواز مني واظن حضرتك سمعت موافقتها بنفسك.
كانت دماء عاصي تغلي كالمراجل في أوردته، ولكنه تحكم في أعصابه وثورته بإرادة من حديد، منتظراً اللحظة الحاسمة لتفجير قنبلته الموقوتة التي ستطيح بغرور ذلك الأبله إلى الأبد. صدى صوت درية الماكر من خلفهم بسعادة لن تستطيع مداراتها وهي تقطع ذلك الصمت المشحون: وافق يا حج، آسر بيه الراوي شاب مفيش زيه وكل عائلات البلد تتمناه لبنت من بناتها.
ده غير إن غفران معتقدش إنها هتلاقي فرصة أحسن من كده، خصوصاً يعني لواحدة في وضعها وظروفها. أقصد يعني مطلقة ومعاها طفل وآسر بيه شاب أعزب مسبقش له الجواز قبل كده. أكدت نسرين على حديثها: عندك حق والله يا آنطي. رمقهما كل من آسر وغفران وآدم بنظرة استهجان لحديثهما السخيف. بينما التزم عاصي الصمت راسماً الجمود والبرود على وجهه منافياً لثورانه الداخلي. وهو الأمر الذي أثار حزن غفران بشدة وتأكدت أنها بالفعل لا تمثل شيئاً له.
نظر الجد إلى حفيده محاولاً فهم ما يدور بخلده أو مساعدته في الرد على آسر، ولكن عاصي بادله النظر بنظرات جليدية غير مقروءة. تحدث آدم بدبلوماسية منقذاً الموقف: يا ريت يا آسر بيه تدي الحاج فرصة يتشاور مع غفران براحتهم، وإن شاء الله يوصل لك الرد في أقرب وقت. شعر الجد بالامتنان الشديد لآدم الذي أنقذه من الإحراج أمام آسر الذي تحدث موافقاً على حديث آدم: طبعاً يا آدم عندك حق. ثم تابع مضيفاً وهو يوجه حديثه إلى الجد:
أنا في انتظار ردك يا حج في أقرب وقت، وبعد إذن حضرتك لو وافقت على جوازنا، أنا إن شاء الله عايز أكتب الكتاب على طول وهو شهر بالكتير ونتجوز على ما الفيلا عندي تكون خلصت. وأخيراً خرج عاصي عن صمته وتحدث بثقة وغرور لا يليق إلا به، وهو على نفس جلسته المغترة واضعاً ساق فوق الأخرى، وهو ينظر لآسر ببرود هاتفاً بما صدم الجميع وجمد الدماء في عروق غفران:
أنا مش عارف يا آسر أنت جايب البجاحة والجرأة دي منين علشان تيجي لحد بيتي وتطلب إنك تتجوز مراتي. هتف آسر يرد عليه بنبرة ساخرة: قصدك اللي كانت مراتك، هي دلوقتي طليقتك ولا نسيت. تعالت ضحكات عاصي بصخب في حديقة القصر. حقاً يضحك ويضحك بقوة ولكن دون مرح. يضحك حتى يخفي حزنه وقهره وغضبه. لم تعير غفران أي اهتمام لما يقوله ظناً منها أنه يتحدث عن وضعهم السابق وأن غروره صور له أنه يستطيع التدخل في شؤونها كما كان يفعل من قبل.
بينما نسرين ودرية احتدمت نظراتهما وهوى قلبهما أرضاً بعد حديثه وضحكته الغريبة رافضين تصديقه. أما الجد فقد تأكد أن عاصي قد أعاد غفران إلى عصمته دون أن يخبر أحد بذلك حتى هو. توتر آسر من ضحكة عاصي المستفزة، ولكنه أبى أن يظهر ذلك على ملامحه. انتهى عاصي من نوبة ضحكته الجنونية هاتفاً بنبرة جادة: يظهر إنك مش بتركز في الكلام اللي بيتقال لك كويس. قلتها لك مرتين وأنت برضه مصمم على عنادك وغبائك.
قلتها مرة في المكتب من يومين والمرة الثانية دلوقتي. غفران الجارحي مراتي على سنة الله ورسوله. غفران الجارحي خط أحمر. ثم عاجله بضربة قوية من جبهته ارتد على إثرها آسر إلى الخلف، ولحقها بلكمة قوية من قبضته الفولاذية جعلت الدماء تنبثق من أنفه وفمه بغزارة. انتفضت نسرين مفزوعة من جلستها كمن لدغتها حية تهتف فيه بجنون وهي تجذبه من زراعه حتى ينظر لها: أنت بتقول إيه يا عاصي، إيه التخريف ده، غفران مين اللي مراتك، وأنا... أنا...
أنا أبقى إيه؟ لم يجيبها عاصي أو حتى كلف نفسه عناء النظر إليها، بل كان نظره منصبًا فوق غفران المصدومة. انتبهت غفران من ذهولها على ضربة عاصي الوحشي لآسر، تبعها صرخة نسرين، ويبدو أن ما سمعته حقيقة وأنه لا يكذب، لكن كيف وهو طلقها أمام الجميع؟ كيف تكون زوجته إلى الآن؟ تقدم آسر من عاصي يهدر فيه بغل وعدم تصديق وهو يمسح بطرف يده الدماء التي تسيل من شفتيه:
أنت كداب، غرورك وأنانتك هما اللي مش مخلينك تعترف بالحقيقة ورافض تصدقها. فوق يا عاصي من اللي أنت فيه واعترف إنك بتكدب علشان تبعدني عنها. وقف عاصي أمامه بزهو واضعاً يديه في جيب بنطاله وهم أن يتحدث قبل أن يفاجئ بغفران تقف بينهم وهي تنظر له بتحدي هاتفة بغضب: أنت إيه اللي أنت بتقوله ده أنا مراتك إزاي، أنت نسيت إنك طلقتني ورميت عليا اليمين قدامهم كلهم، أبقى مراتك إزاي بقى؟
ولا أنت بتعمل كده علشان أفضل دايرة في محرابك وما تكونش ليا حياة من بعدك. لكن لا فوق من وهمك وغرورك يا عاصي، أنا هعيش حياتي براحتي وأتجوز الإنسان اللي اختارته بإرادتي، الإنسان الوحيد اللي صدقني ووثق فيا ووقف جنبي من غير ما ينتظر مني المقابل. صمتت تلهث بصوت عالٍ وصدرها يعلو ويهبط بجنون دون أن تحيد بنظراتها عنه. كانت نظرات عاصي لها في تلك اللحظة تحكي ألف حكاية وحكاية عن الحزن والأسف والخزلان.
وهو يقف أمامها بقوة وشموخ يداري خلفهما انهياره وجرح قلبه النازف من كلماتها التي ألقتها في وجهه وهي تطعنه بكل قوتها. بالرغم من صدق حديثها وجرحه لها، إلا أنها جرحته حتى أدمت قلبه. هتف بنبرة باردة ساخرة: أنا مش فاهم أنتوا ليه مش عاوزين تصدقوا، أنا بقول الحقيقة، وأنتم اللي بتنكروها. هسألك سؤال يؤكد لك حقيقة كلامي. تقدري تقوليلي فين قسيمة طلاقك؟ ولا أنتِ ناويه تتجوزي من غيرها؟
انعقد لسانها ولم تستطع الرد، فهي قد تناست أمرها بل لم تخطر على بالها من الأساس. أجاب آسر بدلاً عنها رافضاً تصديقه: سهلة أوي ممكن نطلعها بمنتهى السهولة. هتف بسخرية: مش بقولك غبي. صدى صوت الجد يسأله بجدية: ممكن تفهمنا أنت رجعتها تاني لعصمتك امتى وإزاي وليه مقولتش؟ أخذ عاصي نفس عميق قبل أن يجيبه وهو ينظر داخل عينها بنظرة تحمل الكثير من الاعتذار والندم:
أنا بعد ما طلقتك وعرفت الحقيقة من مرات عاصم أبوهيبة واللي أكده عليه كلام آدم واتاكدت منه بنفسي. شرد بنظراته للبعيد وذكرى ما حدث تتكرر أمام ناظريه كشريط سينمائي يزيد من عذابه ويعاظم رغبته في الثأر منهم بأبشع الطرق. تابع مضيفاً: ده غير البنت اللي مازن زقها عليكِ واللي كلمتك في التليفون علشان تروحي الشقة اللي لقيتك فيها.
قدرت أوصل لها وجبتها واعترفت لي بكل حاجة وإن مازن هو السبب في كل حاجة وعمل كده علشان يفرق بينا وساعتها يقدر يوصل لك من تاني. ساعتها رجعت جري على القصر أدور عليكِ علشان أعتذر منك وأقولك إننا اتخدعنا وكنا ضحية لشوية ناس وسخة مليانة غل وكره هدفها تفرقنا عن بعض. ابتلع غصة تسد حلقه وتابع مضيفاً بمرارة: ساعتها ملقتكيش في القصر وعرفت إنك مشيتي وسبتيني. قلبت الدنيا عليكِ، دورت عليكي في كل مكان وأنت فص ملح وداب.
ساعتها فكرة واحدة بس هي اللي سيطرت على تفكيري إن أرجعك تاني لعصمتي علشان لما ألاقيكي أثبت لك إني كنت غلطان وندمان والدليل على ده إني رديتك بعد طلاقك بـ 48 ساعة. فنزلت على القاهرة وروحت لدار الإفتاء وحكيت لهم اللي حصل كله وأكدوا لي إني ممكن أردك ليا لأنك لسه في العدة وإني أطلع كفارة لليمين اللي رميته عليكِ. عملت كده ورديتك ليا على طول. ده كل اللي حصل. اقترب منها أكثر ناظراً داخل عمق عينيها بنظرة تؤكد معنى حديثه:
يعني أنتِ لسه مراتي وأنا لسه جوزك. اقشعر بدنها من نبرة صوته ونظرة عينه التي دغدغت الأنثى بداخلها. وانهمرت دموعها تجري على وجنتيها ولم تعد تحدد سببها، هل بسبب سعادتها أنه عرف الحقيقة وصدقها؟ أم أنها لازالت زوجته وعلى اسمه؟ أم حزناً وقهراً على تحكمه بها وبحياتها وتحريكها كيفما يشاء وحسب هواه؟ وضعت يدها على رأسها تقاوم الدوار الذي أصابها، تنظر إليه بتوهان، تشعر بالضياع ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل وإلى أي إحساس تميل.
تنهد الجد بارتياح لحقيقة ما سمعه شاكراً الله على استجابة لدعواته في الجمع بين أحفاده. بينما آدم ابتسم بسعادة على جنون عاصي فهو عاشق لغفران حد النخاع، يغض النظر عن الطريقة التي يسلكها في عشقه. أما آسر فلملم المتبقي له من كرامته خارجاً من القصر دون أن يشعر به أحد حاملاً مشاعره التي تحركت نحو امرأة من المستحيل أن تكون له في يوم من الأيام، فهي لم ولن تعشق غير هذا المجنون المغرور.
حقيقة بالرغم من وضوحها إلا أنه كان دائماً ما ينكرها. خرج من القصر بسيارته مقرراً طي صفحة غفران من حياته إلى الأبد. صوت تكسير زجاج متبوع بصوت صرخة نسرين جعلها تشهق مفزوعة بخضة ولا شعورياً ضمت نفسها داخل صدره تحتمي به من جنون نسرين. تضخم قلبه بعشقها وشقت الابتسامة شفتيه سعيداً بتصرفها العفوي الذي ربط على قلبه. وتحركت يديه دون إرادته تضمها إلى صدره بحماية وكل خلية في جسده تنتفض شوقاً وعشقاً لها.
صرخت نسرين بجنون وقد انفعلت زمام تحكمها في أعصابها من عقاله: كنت بتضحك عليا يا عاصي، بتخطبني وتوعدني بالجواز وأنت على ذمتك واحدة تانية ومن غير حتى ما تعرفني. كلمات نسرين أخرجتها من نشوة دفء أحضانه، وحقيقة ارتباطه بها وصورته وشفتيه وعنقه ملونين بأحمر شفاهها أخرجها عن صمتها. فدفعته بعنف وهي تركض مسرعة إلى أعلى وإحساسها بالضياع يتضاعف أكثر بداخلها.
كز عاصي على أسنانه بحنق لاعناً نسرين في سره وقد تناسى أمرها في لجّة شعوره بها في أحضانه. هتف بنبرة هادئة مخاطباً إياها محاولاً تهدئتها وامتصاص غضبها حتى لا تفسد مخططه الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه: اهدي يا نسرين وتعالي نتفاهم بالعقل. صرخت نسرين بجنون وهستيرية والدماء تتساقط من يدها بعدما انكسر كأس المياه في يدها من شدة ضغطها عليه:
ما تقوليش اهدي وتحاول تضحك عليا، ولو كنت فاكر إني هسيبك ليها زي ما سبتك زمان تبقى غلطان، أنت من حقي أنا، ملكي أنا وبس أنت فاهم. صدح صوت الجد بقوة من خلفهم: درية خديها على جوه وخليها تهدى وبعدين نبقى نقعد ونتكلم. امتثلت درية لأوامره وهي تسحب نسرين التي تصرخ بجنون هاتفة فيها بتوبيخ: اهدي يا غبية هتضيعي نفسك وتضيعينا معاكي بجنانك ده، بدل ما نقعد ونشوف هنتصرف إزاي في المصيبة دي عمالة تصرخي زي المجانين.
قالتها وهي تسحبها معها إلى الداخل حتى اختفوا عن أنظارهم. هتف الجد فور دخولهم متحدثاً إلى حفيده بنبرة متسائلة: ممكن تفهمني أنت ليه مقولتليش من الأول إنك رجعت غفران لعصمتك؟ زفر عاصي هواء ساخن من رئتيه متقلباً بالهموم، قبل أن يجيبه: علشان ما كنتش عاوز حد يعرف قبلها وكمان ما كنتش عاوزها تعرف من حد غيري. ده غير إنك ضعيف يا جدي من ناحيتها وكنت ممكن تقولها.
والأهم من ده كله أنا كنت عاوزها ترجع لي وهي راضية مش مجبرة بعد ما تكون شافت غليلها مني وانتقمت لكرامتها زي ما هي عاوزة. بس للأسف اللي عمله الحلوف اللي اسمه آسر ده لخبط الدنيا وعكها على الآخر. من ناحية غفران اللي ومن ناحية نسرين اللي مش ضامن رد فعلها هيكون إيه وخصوصاً لما تروح للوسخ التاني تحكي له اللي حصل. هتف آدم متسائلاً بجدية: وأنت ناوي تعمل إيه؟ تنهد بهم متابعاً بقلق وهو يمسح على وجهه:
مش عارف، ربنا يسترها ويعدي الأيام اللي جاية دي على خير. أنا هطلع لغفران علشان لازم نتكلم مع بعض وتفهم كل حاجة. أومأ الجد برأسه موافقاً: قوم يا بني ربنا يهدي سرك ويعينك على اللي أنت فيه. تلوت نسرين بعصبية وانتزعت ذراعها بقوة من بين يدي درية التي تحاول تهدئتها هادرة فيها بصراخ: ابعدي عني وسبيني، مش عاوزة أسمع حاجة.
وبلغي الباشا ابنك إنه لو ما تتمش جوازي منه زي ما إحنا متفقين، قسماً بالله لهخليه يندم على اليوم اللي فكر يكذب عليا فيه، والمرة دي حياته هو هتكون التمن. قالتها قبل أن تغادر القصر كالعاصفة الهوجاء تاركة خلفها درية بوجه شاحب تشعر بالرعب على ابنها من تهديد تلك المجنونة التي لا تتورع عن أذيته. هتفت درية بغل وهي تنظر إلى أعلى نحو غرفة غفران: كله منك يا بنت جميلة.
صعدت الدرج بخطوات تدك الأرض من غضبها، وبدون استئذان اقتحمت باب غرفة غفران بقوة ووقفت تطالعها بنظرات حاقدة كريهة. كانت غفران منذ صعودها وهي تزرع غرفتها ذهاباً وإياباً بعصبية وغضب شديدين. وأفكارها المتصارعة تحارب بضراوة داخل رأسها الذي يكاد ينفجر من شدة التفكير.
استدارت فجأة بجسدها مجفلة عندما فتح باب غرفتها بقوة، ظنت في بادئ الأمر أنه عاصي، ولكنها اصطدمت بوجود أكثر حد لا تريد رؤيته الآن، فهي ليس لديها القدرة على تحمل سخافتها. قلبت غفران عينيها بملل وهتفت تتحدث بملامح ممتعضة وهي تقف في وسط غرفتها عاقدة ذراعيها أمام صدرها: خير. هتفت درية بكرة وحقد دفين وشبح جميلة يظهر أمام عينيها من جديد: أنتِ إيه لعنة وصابت ابني.
أنتِ لعنة زي أمك صابت البيت ده من زمان ومش عارفين نخلص منها، كل ما نخلص من واحدة تطلع الثانية. اقتربت منها وضغطت على ذراعها تعتصر لحمها بين قبضتها هاتفة بحقد شديد: أوعي تفتكري إني مصدقة اللي حصل تحت ده تبقي غلطانة. أنا عارفة إن اللي حصل ده مجرد تمثيلية ومثلتوها علينا، بس أنا مش هكون مغفلة واسمح لك تهدي اللي طول عمري ببني فيه.
عاصي هيتجوز نسرين وهيحلف منها بدل العيل عشرة والثروة دي كلها هتكون لينا إحنا، وأنتِ وابنك هتخرجوا بره حياتنا ومش هتطولوا منها ولا مليم. وده آخر إنذار ليكي، يا تاخدي ابنك وتمشي من سكات يا أما ما تلوميش إلا نفسك. انتزعت غفران ذراعها منها بقوة وهتفت بها بشراسة لما عدّتها في نفسها وهي تدفعها في كتفها بحركة مهينة: أنتِ مين أنتِ علشان تتكلمي معايا وتتشرطي عليا بالطريقة دي وتقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه.
أنتِ ظاهر إنك نسيتي نفسك، أنتِ أرملة عمي الله يرحمه، يعني بمعنى أصح مالكيش صفة هنا سواء أنتِ أو بنت اختك السافلة الواطية بتاعة الحركات الوسخة اللي زيها. لكن أنا حفيدة منصور الجارحي ومرات عاصي الجارحي وأم ابنه، والثروة اللي بتتكلمي عنها دي بتاعتي أنا وعاصي وابننا بالشرع وبالقانون، يعني أنتِ مالكيش فيها. ثم تابعت مضيفة باستفزاز: وأحب أطمنك أنا مش ناوية أطلق من جوزي وأبو ابني، وإن شاء الله قريب هيجي أخ أو أخت لعمر.
صمتت تتطلع في ملامحها التي تربدت بغضب أسود وتابعت تضيف قاصدة إهانتها: وإذا كان جدي سايبك قاعدة هنا أو بيصرف عليكي بعد وفاة عمي الله يرحمه، فده علشان هو بيراعي ربنا وبيفهم في الأصول مش أكتر، يعني تقدري تقولي شفقة وإحسان. والبيت ده إذا كان في حد لازم يمشي منه فهو أنتِ وبنت أخوكي، مش أنا. هدرت دريه بجنون وقد أثارت غفران غضبها بجنون بعدما تفوهت به، ورفعت ذراعها عالياً تريد صفعها: اخرسي يا سافلة ما أنتِ حية زي أمك.
تجمدت يد درية في الهواء بعد أن أوقفتها قبضة عاصي الفولاذية الذي استمع إلى حديثهم من أوله. التفت درية بوجه شاحب تنظر إلى عاصي والذي لأول مرة تلمح تلك النظرة في عينيه. نظرة خيبة وخذلان وليست نظرة احترام كما اعتادت منه. هتفت درية بنبرة خائفة متلعثمة: عااااصي... أنا... أنا... كان عاصي ينظر لها وكأنه يراها على حقيقتها للمرة الأولى، هذه التي أمامه ليست أمه التي أنجبته وربته، هذه امرأة غريبة عنه لا يعرفها.
هتف عاصي بنبرة جليدية وهو لازال محتفظاً بيدها: هي إيه يا درية هانم؟ هي اللي رفعت إيدها عليكي ولا هي اللي هددتك لو ماسبتيش البيت ومشيتي متلوميش إلا نفسك. ولا برضه هي اللي هددتك وقالت لك إنك مالكيش حق لا أنتِ ولا ابنك في الثروة دي. كانت صوت ضربات قلب دريه تصم أذنيها من قوته حتى أنها شكت أنهم قد سمعوه من شدته، فهي تأكدت أن عاصي استمع إلى حديثهم من أوله. أخفضت نظراتها أرضاً بخزي ولم تتفوه بحرف واحد.
ترك عاصي معصمها أخيراً هاتفاً بنبرة شرسة: ما عاش ولا كان اللي يفكر بس مجرد تفكير إنه يمد إيده على مرات عاصي الجارحي طول ما أنا عايش على وش الدنيا. ولولا إنك للأسف أمي أنا كنت اتصرفت معاكي التصرف اللي يليق بعملتك دي. ودلوقتي ياريت تطلعي بره علشان عاوز أقعد براحتي مع مراتي. قالها بنبرة حاسمة لا تقبل الجدال مؤكداً على كل حرف ينطق به، سواء معها أو مع تلك التي تقف خلفه تناظره بتحدي.
أومأت دريه صاغرة تخرج من الغرفة تجر أقدامها بإنهاك وقد أيقنت أنها أقامت حاجزاً كبيراً بينها وبين ابنها بسبب تلك الملعونة غفران. بعد خروجها، وقف عاصي يتطلع إلى غفران بإعجاب. معجب جداً بقوتها وشراسة شخصيتها الجديدة، تروقه وتستفزه، فهو لطالما أحب اللعب مع القطط الشرسة. تحدثت غفران بنبرة هادئة: Sorry على الكلام اللي قلت لوالدتك بس هي اللي استفزتني علشان كده قلت لها الكلام اللي أنت سمعته. ثم تابعت بنبرة مستحفزة:
وعلى فكرة مالوش لازمة الـ show اللي أنت عملته ده علشان تبين إني أهمك وإني مش هتسمح لحد إنه يتعدى حدوده معايا لإن ببساطة أنا أقدر أعمل كده لوحدي من غير مساعدة حد. ابتسم عاصي بجاذبية مهلكة وهو واقف واضعاً يديه في جيب بنطاله يطالعها بتلك النظرة التي تذيب مفاصلها: على فكرة أنتِ مش محتاجة تتأسفي على اللي قلتيه، هي تستحق ده لإنها غلطت فيكي. وبعدين أنا مش بعمل show عشان أبين لك إني مهتم بيكي، لإن فعلاً دي الحقيقة.
ده غير إن مفيش حد يقدر يمس شعرة منك طول ما أنا فيا نفس لإنك ببساطة أنتِ بالنسبة لي خط أحمر، اللي يفكر يعديه يبقى حكم على نفسه بالموت. رفرفت غفران بأهدابها غير مصدقة لما تفوه به وسألته بعدم تصديق: يعني أنت مش مضايق علشان اتكلمت كده مع والدتك. أجابها وهو على نفس وضعه برد قاطع: لا. ثم تابع مضيفاً بجدية:
غفران، في حاجات كتير أوي حصلت أنتِ ما تعرفيهاش علشان كده المرة دي أنا مش هخرج من هنا غير لما نقعد ونتكلم وتسمعي اللي عاوز أقوله للآخر وبعدها كل اللي أنتِ عاوزاه هنفذهولك. كان يتحدث بنبرة جادة لا تقبل النقاش مما جعلها ترضخ له وتستمع إليه، فهي تحتاج لفهم كثير من الأمور.
على سطح زجاج الطاولة التي تتوسط غرفة المعيشة، أخذ يساوي ذلك المسحوق الأبيض في سطرين رفيعين متساويين، ثم تناول ورقة فئة الـ 100 دولار ملفوفة على شكل أسطواني صغير. وضع أنفه على طرف الورقة واستنشق المسحوق الأبيض بانتشاء. وكرر نفس الفعل مرة أخرى حتى استنشق المسحوق كله، مرجعاً رأسه للخلف سامحاً للمسحوق بالتوغل داخل أنفه ورئتيه بانتشاء رهيب. ارتخى جسد مازن والخدر يسري في كل جسده جراء جرعة المخدر الذي تناولها.
وفجأة وجد باب الشقة ينفتح بقوة وتدلف منه نسرين كالعاصفة الهوجاء. نظر لها من بين جفونه شبه المغلقة متحدثاً بلسان ثقيل: إيه داخلة بوليس الآداب دي. وبعدين مفتاح شقتي بيعمل إيه معاكي. ثم تابع مضيفاً بسخرية: أنا راجل عايش لوحدي وأخاف على سمعتي. هدرت فيه نسرين بغضب وهي تتناول سيجارة من علبته، تشعلها وتنفث دخانها بغضب: فوق لي كده وقوم شوف المصيبة اللي وقعت على راسنا، إحنا اتلعب بينا الكورة وعاصي غفلنا كلنا.
بنفس اللسان الثقيل سألها وهو يتجرع من كأس الخمر الذي بين يديه: مال الباشا الكبييييير أوي. عمل إيه تاني. تابعت نسرين بغل: بقولك فوق وصحصح علشان نشوف هنتصرف إزاي في اللي حصل. هز رأسها موافقاً والخمر والمخدر يلعبون برأسه هاتفاً بتوهان: ارغي. اللمعت عينيها ببريق حارق وهي تنطق بغل من بين أسنانها المطبقة: هقولك.
انتهى عاصي من سرد لها كل ما حدث واكتشافه للفخ الذي وقعوا فيه واكتشافه تورط أمه ونسرين مع مازن ومساعدتهم له، وخطته الذي خطط لها بمعرفة جده للإيقاع بمازن. حكى لها كل شيء وكيف عاش ضائعاً من بعدها، واعتذر منها طالباً صفحها وغفرانها. كانت تستمع إليه ودموعها تجري كالانهار على وجنتيها، لا تصدق ما تسمعه منه. هل هناك أناس بكل هذا الشر في الدنيا؟ ولماذا يفعلون معها كل ذلك وهي أبداً لم تؤذيهم بسوء؟ وقفت تهز رأسها نفياً
لما سمعته هاتفة ببكاء: مش صحيح، أنت بتضحك عليا. أنت عاوز تطلع مبرر للي عملته معايا. تحدث عاصي بهدوء وهو يقترب منها محاولاً احتواءها فهو مدرك حاله التخبط والانكار التي تعيشها الآن، فهي أرق وأنقى من أن تستوعب كل هذا الحقد: أهدي يا غافي، أنا مقدر إنك مش قادرة تستوعبي اللي حصل، بس أنا والله مش بضحك عليكي أنا بحبك، بحبك أوي وأملي إنك تسامحيني ونبدأ حياتنا من جديد مع ابننا.
هدرت صارخة فيه بغضب وهي تدفعه بقبضة يديها الصغيرة في صدره المعضل القوي والذي ازداد قوة وصلابة عن ذي قبل. أنت إيييييه! أنت أكتر إنسان أناني أنا شوفته في حياتي. عاوز كل حاجة تمشي على هواك وزي ما أنت عايز. ثم تابعت مضيفة بقهر: أنا عشت معاك ست شهور شوفت فيهم اللي عمري ما شوفته وأنا بخيبتي كنت بستحمل وأعدي علشان كنت بحبك.
في الأول اتجوزتني غصب عنك وجرحتني وهينت كرامتي يوم فرحي في اليوم اللي كل بنت بتستناه علشان تجتمع فيه مع الإنسان الوحيد اللي حبيته. وأنا سكت واستحملت وعديت. وأنت عجبتك حكاية البت الهبلة الصغيرة اللي كل نظرة من عينيها بتقولك إنك الرجل الوحيد اللي في الكون وده كان بيرضي غرورك ورجولتك. وبعدين قلت ماشي وفيها إيه يعني أما أقرب منها وأتم جوازي منها ما أنت رجل ولك رغبات ودي مراتي وفي الحلال يبقى ليه لأ.
والدنيا مشيت زي الفل وقدرت تخدعني إنك بتحبني وبتموت فيا، وعند أول اختبار مرينا بيه اكتشفت إن جوازنا وحبنا وبيتنا مالوش أساس قوي عامل زي بيت الرمل مع أول موجة اتمسح ومبقلوش وجود. مع إن نفس الموقف حصل منك وأنا صدقتك ودافعت عنك وعن حبي. صمتت واقتربت منه تتطلع في عينه تضيف بقوة: علشان أنا كنت بحبك، لكن أنت عمرك ما حبيتني. أنا بالنسبة لك شيء امتلكته زي ما بتمتلك أي حاجة في الدنيا بتتعامل معاها بتملك وأنانية.
وبرضه أنانيتك هي اللي خلتك تطلقني وأنانيتك هي اللي خلتك ترجعني لعصمتك غصب عني. بس أنا بقى بقولها لك، نجوم السما أقرب لك مني يا عاصي. والعيلة الصغيرة اللي كانت متعلقة في إيدك كبرت وبتقولك لا مش عاوزاك. هي خلاص خرجتك بره حياتها من زمان أوي وما بقاش لك وجود في حياتها. هدر هو الآخر بغضب ويأس وقد اكتفى من كل الصراعات والحروب التي يخوضها من أجلها، يريد أن يرتاح، أن يأخذ استراحة محارب.
يريد أن تكون هي الشاطئ الذي يرسو عنده يلقي بكل همومه وتعبها، فقد اكتفى حقاً من غبائها ومحدودية تفكيرها ورؤيتها للموقف من زاويتها هي فقط. هتف بغيظ وقهر: أنتِ بتتهميني إني أناني ومش بحبك، طب وأنتم اللي عملتيه من الأول وكان السبب اللي وصلنا للي إحنا فيه ده مش أنانية وغباء منك. لما صاحبتك وابن خالتك قالوا لك غلط تخبي على جوزك ولازم يعرف كل حاجة أنتِ بتعمليها، ده مكانش غلط وغباء أنا محاسبتكيش عليه لحد دلوقتي.
وبسبب غبائك وقلة خبرتك وطيبتك الزيادة جرّيتِ روحتِ على عنوان متعرفيهوش لمجرد إن واحدة اتصلت بيكي تقولك على مكان مامت صاحبتك، تقومي تجري تروحي من غير ما تستأذني من الحمار اللي أنتِ متجوزاه ولا تعرفيه مكانك فين. صمت يتنفس بصوت مسموع وشريط ما حدث يعاد أمام ناظريه مرة أخرى: عمرك فكرتي في إحساسي كرجل بيحب مراته بجنون وبيغير عليها من الهدوم اللي عليها، لما يجيلي رسايل تقولي مراتك بتخونك وبعدها صورك وأنتِ عريانة.
عمرك فكرتي فيا وأنا جاي لك في الطريق ميت من الرعب وأنا بدعي إنه يكون كدب وإنه مش أنتِ اللي مقصودة. عمرك ما هتعرفي إحساس رجل، دخل لقي مراته ملفوفة بملاءة ملط في سرير غير سريره وواحد وسخ بينادي عليكي باسم د لعك وهو ملط هو كمان. كنتي مستنية مني إيه آخدك في حضني وأطبطب عليكي وأقولك البسي هدومك يا حبيبتي علشان نرجع بيتنا. تابع بغيره مجنونة كلما لاحت تلك الذكرى الكريهة أمام عينيه:
أنا لولا إن لسه جوايا ذرة عقل كنت قتلتك وقتلته في لحظتها ومحدش يقدر يلوم عليا. مفيش رجل دمه حر في موقف زي ده بيفكر بعقل وهدوء. وطلاقك لي كان رد فعل طبيعي رغم إني كنت كارهه وفي نفس الوقت كنت خايف عليكي مني، لإن لو ما كنتش طلقتك كنت هوريكي العذاب ألوان كنت هموتك بالبطيء.
ولو بتقارنين بين موقفي وموقفك لما شوفتي نسرين وهي بتحاول تبوسني وضربك ليها بالقلم، ده علشان أنتِ عارفة نسرين وفاهمة غرضها إيه من اللي هي بتعمله وإنها من زمان وهي عاوزة تتجوزني، قبل ما يكون ثقة فيا. لكن أول ما عرفت الحقيقة ما ترددت لحظة إن أردك وأدور على الوسخ اللي عمل فينا كده علشان أدفعه تمن اللي عمله.
كنت عامل زي المجنون بدور عليكي ليل نهار وأنتِ فص ملح وداب وكل ده وجدي عارف مكانك وسايبتيني بموت من قلقي وندمي وخوفي عليكي. اختنق صوته بغصة مؤلمة: استحملت بعدك عني أنتِ حامل، اتحرمت من فرحتي بحملك في ابني، اتحرمت إني أعيش معاكي ومعاه كل لحظة وهو بيكبر جواكي. ولما رجعتي كل ما أحاول أكلمك أو أقرب منك علشان أفهمك تصديني وما تدينيش فرصة، بتستفزيني وتعامليني كأني غريب عنك.
وأقول معلش حقها، زعلانة، كرامتها وجعاها وأنا غلطت وحقها تعاقبني زي ما هي عاوزة، أنت الرجل ولازم تستحمل. وفي الآخر وبعد كل ده وتقولي عليا أناني. اقعدي مع نفسك كده وفكري بعقل واوزني الأمور ساعتها هتعرفي مين فينا الأناني. وكمان هتعرفي إن كل اللي حصل مني كان رد فعل على تصرفاتك. جلست تبكي بصمت، تعلم أنه محق وتعلم أنها أخطأت. وأنها السبب الرئيسي فيما حدث لو لم تكن أخفت عليه موضوع الطبيبة.
شعرت بغصة تعتصر قلبها وهي تستمع إلى قهره وهو يصف لها الموقف من وجهة نظره كرجل. أشفقت عليه والتمست له العذر. ولكن هناك جرحاً لازال عالقاً داخل قلبها، هناك فجوة حدثت بينهم عاجزة عن تخطيها. تعشقه وتريده ولن تقدر على العيش بدونه وفي نفس الوقت لا تريد الرجوع إليه قبل أن تشفي جراحها، وكيف تشفي وهو الداء والدواء. اعتصر الألم قلبه بسبب بكاؤها، لا يريدها أن تبكي وأن يكون هو سبب بكاؤها.
يعلم ما تشعر به وما تمر به من تخبط، فقط يريدها أن تعطيه فرصة لتضميد جراحها ومساعدتها على تخطي العثرة التي تعوق استكمال حياتهم. جذبها من يدها برفق حتى تقف أمامه مقترباً منها حد الالتصاق، ومد يده يمسح بأنامل دموعها هاتفاً بنبرة حنونة: غافي.
رغم الألم والحزن والانكسار الذي عاشه في بعدها عنه، إلا أن كلمتها أنها كانت تحبه أكثر ما أوجع قلبه، فهو يعطيها كل الحق في كل فعل وتصرف يصدر منها وعلى أتم الاستعداد لتحمل كل غضبها وعصبيتها، إلا كرهها له وبعدها عنه. فهو قد اكتفى من البعد، لا يريد بعد آخر بينهم، تفعل ما تفعل وهي بجانبه يملي عينه وقلبه من قربها. همس بنبرة حنونة أمام شفتيها وهي يتشرب حلاوة ملامحها التي اشتاق لها حد الجنون:
اعملي اللي أنتِ عايزاه وانتقمي مني براحتك وعلى أقل أقل من مهلك وأنا مستعد أتحمل كل حاجة منك، بس وأنتِ في بيتي وفي حضني. ادينا فرصة يا غافي، إحنا الاتنين غلطنا وعاقبنا بعض بما فيه الكفاية. ادينا فرصة نصلح غلطنا ونعيش حياتنا اللي اتحرمنا منها مع عمر ابننا. ثم همس بجانب أذنها بنبرة مثيرة خطرة بها لمحة من الجنون والتملك: لأني مش هسيبك أو أبعد عنك إلا بموتي يا غافي، أنتِ بتاعتي أنا وبس. أنتِ غفراني. أنتِ غفران العاصي.
وفي اللحظة التالية انقض على شفتيها الحمراء المرتعشة بإغراء بسبب بكاؤها يقتنصها داخل شفتيه في قبلة مشتاقة عاصفة معبراً فيها عن كل ما يختلج داخل صدره من مشاعر كلها تدور في مدارها هي.. غفرانه. وبعد لحظات كانت تصارع قلبها وعقلها، قلبها الذي يخبراها أن تعطيه فرصة أخرى فهم يستحقوا فرصة أخرى. وعقلها الذي يحثها على الرفض والثأر لكرامتها منه.
ولكن قلبها اللعين انتصر على عقلها وتركت نفسها تنعم بدفء أحضانه وقبلته التي أذهبت عقلها، مقررة أن تعاقبه فيما بعد بطريقتها الخاصة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!