تحميل رواية «غفران العاصي» PDF
بقلم لولا
الفصل 16 — رواية غفران العاصي الفصل السادس عشر 16 - بقلم لولا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في أحد القصور العريقة المطلة على شاطئ البحر المتوسط في أرقى أحياء مدينة الإسكندرية، وتحديدًا في قصر الجارحي، أحد أهم وأكبر وأشهر رجال الأعمال في الإسكندرية خاصةً ومصر عامةً، منصور الجارحي. كانت هناك حالة من الهرج والمرج داخل القصر والكل يعمل على قدم وساق من أجل استقبال الحفيد الأول لمنصور الجارحي والرجل الثاني بعده في إدارة إمبراطورية الجارحي، عاصي الجارحي. بعد عودته أخيرًا من العمل في الخارج في فرع الشركة الثاني في مدينة الضباب "لندن"، واستقراره في مصر بعد سفر دام لخمس سنوات لم يأتِ خلالهم ولو...
رواية غفران العاصي الفصل السادس عشر 16 - بقلم لولا
جلس الجد في بهو القصر ممسكاً بعصاه بيديه، سانداً رأسه عليها مهموماً حزيناً، مفطور القلب على حفيدته الغالية الراقِدة في غرفتها، يتفحصها الطبيب بعدما سقطت مغشياً عليها تحت قدميه.
رفع رأسه ينظر إلى حفيده الذي يتحرك أمامه ذهاباً وإياباً بعصبية شديدة كالليث الحبيس.
حانت منه التفاتة نحو درية ونسرين الجالسات باسترخاء، وكان ما حدث قد لاقى قبولاً واستحساناً لديهما.
تنهد الجد بثقل مستغفراً الله في سره، ثم تحدث بجدية إلى حفيده العاصي قائلاً:
"ممكن تفهمني يا بيه إيه اللي أنت عملته ده وازاي تطلق مراتك كده؟"
هتف عاصي بجمود وهو يوليه ظهره:
"هي عندك ابقي اطلع اسألْها لما الدكتور يمشي."
ضرب الجد عصاه في الأرض بغضب وهتف بنبرة عصبية شديدة من بروده:
"أنا بسألك أنتَ يا أستاذ يا محترم... وبعدين بص لي وأنا بكلمك... إيه مفيش احترام ليا خلاص، هتكبر عليا يا عاصي؟"
كز عاصي على أسنانه بغضب واستدار إليه يقف أمامه، هاتفاً باعتذار حقيقي:
"أنا آسف يا جدي، مقصدتش."
ثم تابع بغضب شديد:
"بس أنا مش عاوز أتكلم دلوقتي علشان مش عاوز أغلط."
هتف الجد ساخراً:
"ليه هو أنت لسه مغلطتش يا أستاذ بعد اللي عملته؟"
ثم تابع يلومه:
"هي دي الأمانة اللي أنا آمنتَك عليها، إذا كنت بتعمل معاها كده وأنا لسه عايش على وش الدنيا، هتعمل معاها إيه لما أموت؟"
نظر له عاصي بعيون يملؤها الغضب وقلب جريح مغدور.
هدر عاصي عالياً:
"يا جدي أنت مش فاهم حاجة، مش فاهم..."
صرخ بصوت جهوري في آخر كلمة، ثم أطاح بيده مزهرية كريستالية كانت بجانبه على الأرض، فأصدرت صوتاً مدوياً وهي تتفتت إلى شظايا صغيرة مثل قلبه المجروح، مخرجاً بها جزءاً من غضبه.
أجفلت درية من فعلته وقامت على الفور تتجه نحو ابنها تربت على كتفه تواسيه، ثم وجهت حديثها إلى الجد:
"معلش يا عمي سيبه دلوقتي، أنت مش شايفه مضايق إزاي، سيبه يهدي وبعدين تبقوا تتكلموا."
نهرها الجد بغلطة:
"درييييه!!؟ اطلعي أنتِ منها وماتدخليش في اللي مالكيش فيه، ولا ما هو علشان الموضوع جاي على هواكي خلاص هتقعدي تعيدي وتزيدي في كلام ملوش لازمة."
احتقن وجه درية بالغيظ من ذلك العجوز وهتفت بغل:
"يا عمي بس..."
رفع الجد يده في وجهها يمنعها من الاسترسال في الحديث، هاتفاً بنبرة حاسمة آخرستها:
"ولا كلمة زيادة."
ثم نظر إلى عاصي هاتفاً بأمر:
"وأنت، هتتكلم دلوقتي وتحكي لي إيه اللي حصل بالظبط ووصل غفران للحالة اللي هي فيها دي؟"
سحب عاصي نفساً عميقاً كتمه داخل صدره وهز رأسه موافقاً، فهو يجب عليه إنهاء النقاش في هذا الأمر لأنه سوف يحدث سواء الآن أم بعدها، فليحدث الآن ويغلق تلك الصفحة من حياته إلى الأبد.
هتف بنبرة مستسلمة:
"حاضر يا جدي، تحت أمرك في اللي أنت عاوزه... بس يا ريت نتكلم في أوضة المكتب علشان القصر مليان خدم واللي هقوله ما ينفعش حد يسمعه."
شعر الجد بالقلق من طريقته وأدرك أن ما يسمعه ليس بالأمر الهين، فحاله عاصي وغفران تدل على أن هناك كارثة حقيقية قد حدثت.
قام الجد من جلسته متجهاً نحو غرفة المكتب، ولكن نزول الطبيب من غرفة غفران مع نعمات الخادمة جعلهم ينتظرون حتى يطمئنوا على حالة غفران.
اقترب الجد مسرعاً نحو الطبيب يسأله بقلب لهف على حال غاليتة:
"طمني يا دكتور غفران عاملة إيه دلوقتي؟"
تحدث الطبيب يجيبه ببشاشة:
"الحمد لله مدام غفران كويسة."
تنهد الجد براحة شاكراً لله على سلامتها، ثم سأله مستفسراً بوضوح عن حالتها:
"أومال أغمي عليها ليه؟"
أجابه الطبيب مضيفاً بعملية:
"هي محتاجة للراحة والغذاء الكويس لأنها ضعيفة وضغطها واطي، وهو ده سبب الإغماء ده، غير إن التوتر والانفعال غلط عليها الفترة دي."
كان يستمع إلى كلام الطبيب باهتمام، راسماً على وجهه الجمود واللامبالاة، يخفي خلفهما قلقه وخوفه عليها رغماً عنه، رغم كل ما حدث، فهي متربعة على عرش قلبه.
انفلت السؤال من بين شفتيه دون إرادته، وكأن لسانه له إرادة أخرى منفصلة عنه، عندما استمع إلى كلام الطبيب الأخير:
"غلط عليها ليه يا دكتور مالها؟"
تنحنح الطبيب بحرج وقد تدارك نفسه مسرعاً، فقد كان على وشك أن يخلف وعده مع غفران.
شرد قليلاً يتذكر حديثه معها قبل قليل.
انتهى الطبيب من الكشف عليها وتدوين بعض الملاحظات عن حالتها في الأجندة الخاصة به.
رفع رأسه إليها كي يحدثها، ولكن قبل أن يتفوه بحرف واحد، أسرعت غفران تطلب من نعمات الواقفة بجانب الطبيب:
"نعمات ممكن تجيبي لي كوباية مياه بعد إذنك."
"حاضر يا بنتي."
قالتها نعمات وهي تتحرك بخطوات مسرعة نحو الثلاجة الصغيرة الموجودة في غرفة المعيشة الملحقة بالجناح تحضر لها الماء، وتركتهم بمفردهم.
تابعتها غفران بنظراتها حتى غابت عنها، ثم عاودت النظر إلى الطبيب وحدثته بصوت منخفض حتى لا تسمعهم نعمات:
"من فضلك يا دكتور عاوزة أطلب من حضرتك طلب."
أجابها الدكتور باهتمام:
"تحت أمرك يا مدام غفران."
تحدثت إليه بلطف:
"طبعاً حضرتك عرفت إني حامل لما كشفت عليا، وأنا كمان لسه عاملة تحليل النهارده واتأكدت إني حامل."
سألها الطبيب بعدم فهم:
"تمام وبعدين؟"
زيفت ابتسامة مرحة على شفتيها وهي تقول برجاء:
"ممكن حضرتك ما تعرفش حد إني حامل؟ أصل... أصل أنا عاوزة أعملها لعاصي مفاجأة."
قالتها وصمتت تبتلع غصة مرة كالعلقم تسد حلقها، فهي تعيش أسوأ يوم في حياتها على الإطلاق، يوم لن تنساه ولن تنسى أحداثه مهما حيت. اليوم الذي من المفترض أن يكون أسعد أيام حياتها، فقد عرفت اليوم أنها تحمل داخل أحشائها ثمرة عشقها من حبيب روحها. هو نفس اليوم الذي كتب فيه معشوقها شهادة وفاتها ونهاية حياتهم معاً بعدما طلقها.
"يا دكتور!!!!"
قالها عاصي بنبرة صوت مرتفعة نسبياً، مما جعل الطبيب يعتذر منه بحرج:
"آسف يا عاصي باشا، سرحت شوية."
"مفيش مشكلة، بس عاوز أعرف كنت بتقول الانفعال غلط عليها ليه مالها؟"
أجابه الطبيب مصححاً:
"أقصد إن الانفعال وحش علشان الضغط."
ثم مد يده يقدم له روشتة الأدوية:
"أنا كتبت لها على مقويات وفيتامينات لازم تاخدها بانتظام مع الاهتمام بالغذاء السليم والراحة. ألف سلامة عليها عن إذنكم."
وجه عاصي حديثه إلى نعمات:
"مع الدكتور وصليه للباب، وخذي الروشتة وابعتي حد من الحرس يشتري الأدوية اللي فيها."
تحدث الجد آمراً موجهاً حديثه إلى عاصي:
"تعالى ورايا على المكتب."
قالها وهو يتوجه إلى غرفة المكتب، يتبعه عاصي الذي سار خلفه دون أن ينبس بحرف واحد، يليهم درية التي سحبت نسرين من يدها تجرها معها حتى يعرفوا حقيقة الأمر.
جلس الجد خلف مكتبه المهيب يتطلع إلى حفيده الجالس أمامه بوجه محتقن من شدة الغضب.
ضرب الجد بقبضة يده بقوة على سطح المكتب عندما وجد درية ونسرين تدلفان إلى الداخل:
"أنا مش قلت عاوز عاصي بس، جايه ليه درية وجارة بنت اختك وراكي ولا هي جنازة وعاوزين تشبعوا فيها لطم؟"
أجابته درية بنبرة خفيضة تخفي خلفها كرهها وحقدها منه:
"ده ابني يا عمي وعاوزة أطمن عليه وأعرف إيه اللي شقلب حاله كده، ده من حقي أنا أمه مش حد غريب. ونسرين مش غريبة دي بنت خالته ومتربية معاه زيها زي غفران بالظبط. ولا إيه؟"
كز الجد على أسنانه بضيق:
"دريرررريه!!!"
عاندته أكثر هاتفة:
"اعذرني يا عمي ده ابني الوحيد."
قالتهل وهي تجلس على الأريكة الجليدية الموضوعة في جنب الغرفة وتجذب نسرين من يدها تجلسها جانبها بقوة دون خجل.
هتفت نسرين بنبرة حاولت جعلها منكسرة حزينة:
"معلش يا أنطي بلاش أنا، خاليكوا انتوا على راحتكم أنا هطلع أوضتي ولما تخلصوا ابقي أحصلكم."
هتفت درية بعصبية:
"قلت اقعدي."
هدر الجد بنفاذ صبر:
"خلصنا... تقعدي ولا تقومي يا نسرين خلاص مش فارقة، ما هي خالتك كده كده هتحكي لك هي بتخبي حاجة عنك."
كزت نسرين على دروسها تطحنها بغل من ذلك العجوز الداهية الذي تكرهه بشدة.
واحتقن وجه درية بشدة من فظاظته معها ولم ترد. أما عاصي فكان شاخص البصر ناظراً للبعيد وصورتها وهي عارية في فراش غيره لا تبارح خياله تجلده بسياط حديدية تكوي قلبه وتحرق روحه.
كان يضغط على قبضتي يديه بقوة حتى كادت أن تهشم من شدة ضغطه عليها، ويهز قدمه اليسرى بحركة عصبية رتيبة وصوت ذلك الوغد يتردد داخل عقله وهو يناديها باسم التدليل الخاص بها.
نيران شعواء تندلع داخل صدره لو أطلقها لأحرقت الأرض ومن عليها، ولكن لن يهدأ له بال إلا عندما يجد ذلك الحقير ويقتص منه لكرامته المهدورة وقلبه المطعون.
كان الجد يتابع تبدل ملامح وجهه ويرصد كل خلجة تصدر منه حتى نداه بصوت عالٍ حتى ينتبه له ويخرجه من شروده، فهو يكاد يفقد وعيه بسبب ما يعيشه بسببهم.
"عاصي... عاصي...!!"
أخرجه صوت جده من شروده وأجابه بعدما صمت لثوانٍ يستجمع فيها نفسه:
"أيوه يا جدي."
سأله الجد مباشرة وبوضوح:
"عاوز أعرف إيه اللي حصل بالظبط."
توحشت ملامح عاصي واربدت بغضب أسود وهو يسترجع أحداث السويعات السابقة التي لا تنفك أن تذهب من عقله.
ابتلع غصة مرة كالعلقم تسد حلقه وبدأ يسرد على جده كل ما حدث في هذا الصباح المشؤوم.
في الأعلى عند غفران.
كانت تبكي بانهيار، وأحداث اليوم تمر أمام عينيها كشريط سينمائي، بداية من سعادتها بخبر حملها وانتهاءه بطلاقها من عاصيها.
آه حارقة خرجت من جوفها وصدا الكلمة يتردد على مسامعها. كيف طاوعه قبله قبل لسانه أن ينطق بها؟ لهذه الدرجة هي لا تمثل له شيئاً؟ هل كل ما عاشوه لم يكن حقيقياً؟ لماذا أصدر حكمه عليها دون أن يستمع لها؟ تعذره ولكن! أين ثقته فيها؟ أين عشقه لها؟ كيف له أن يكون القاضي والجلاد في نفس الوقت؟
عقلها يكاد يجن، ألف سؤال وسؤال يدور داخل رأسها، ولكنها لن تستسلم له ولقراره المجحف في حقها وحق حياتهم.
نهضت من على الفراش وقررت النزول إلى أسفل وعزمت على أن تواجهه وتتحدث معه حتى لو دون إرادته. ستفعل كل ما عليها للآخر حتى لو كان الطلاق هو الحل الوحيد ستقبل به، ولكن وهي مرفوعة الرأس مدافعة عن نفسها وليس متهمة خاطئة في نظره.
نزلت إلى أسفل تبحث عنه، ولكن صوته العالي من غرفة المكتب وصل إليها.
ارتعدت أوصالها من نبرة صوته الجهورية الصارخة، نفضت عنها الخوف وتوجهت إلى غرفة المكتب، فلا سبيل أمامها سوى المواجهة والحقيقة وليكن ما يكون.
وقف عاصي بجسد متشنج من قوة غضبه أمام جده يحكي له ما حدث.
نظر له الجد بقوة هاتفاً بصرامة:
"وأنت صدقتها!!! أنت ممكن تصدق كده على أي حد إلا غفران، فاهم يا عاصي إلا غفران."
ثم تابع يضيف بنبرة أقل حدة:
"أنا عاذرك وعارف إنك اتحطيت في موقف صعب على أي رجل إنه يمر بيه وخصوصاً أنت. لكن اللي مش قادر أفهمه أنت إزاي صدقت، لو هي مش مراتك وأنت واثق فيها وفي أخلاقها، دي بنت عمك اللي اتربت قدام عينيك وعلى إيدك وعاجنها وخابزها زي ما بيقولوا... أنت..."
قاطعته درية تبخ سمها في أذن ابنها بعدما لاحظت بداية تأثير كلمات جده عليه:
"يا ما تحت الساهي دواهي، اللي كنا فاكرينها قطة مغمضة طلعت قطة شوارع و..."
"درييييه!!!"
قصف صوت الجد بقوة من خلفها.
"مش عاوز أسمع صوتك أنتِ فاهمة ولا لاء، اللي بتتكلمي عنها دي حفيدتي ومش هسمح لأي مهما يكون إن يغلط فيها أو في شرفها، لأن ساعتها أنا اللي هقف له وأنتي عارفة كويس أوي يعني إيه منصور الجارحي لما يقف في وش حد بيمحيه من على وش الدنيا."
شحب وجه درية بشدة وهتفت بتلعثم:
"أنا... أنا يا عمي..."
قاطعه مرة أخرى هادراً بغضب:
"بلا عمي بلا زفت قلت مش عاوز أسمع صوتك."
ثم وجه كلامه إلى حفيده العاصي:
"وأنت يا بيه شايف إنك كده اتصرفت صح، طلاقك منها هو الحل."
هدر عاصي غاضباً بانفعال وهو ينتفض واقفاً أمام جده:
"بقولك خانتني يا جدي، خانتني..!!!"
"أنا عمري ما أخونك يا عاصي..!!!"
جاء صوتها من خلفه عندما فتحت باب المكتب ودلفت للداخل بعدما استمعت إلى صراخهم من الخارج.
اقتربت منه حتى وقفت على بُعد خطوات منه تنظر إلى ظهره المتشنج من قوة غضبه.
هتفت بنبرة ضعيفة رغماً عنها:
"والله ما خنتك يا عاصي."
تحدث من بين أسنانه المطبقة وهو مازال معطيها ظهره لا يريد أن ينظر إليها، فهو كلما نظر إليها لم يستطع محو صورتها وهي عارية في فراش غيره من عينيه.
"اخرسي مش عاوز أسمع صوتك!!!"
هتفت من خلفه بعند:
"لا هتسمعني... هتسمعني علشان أنا ما غلطتش، أنا اتضحك عليا زي ما اتضحك عليك."
مدت يدها تلمس ذراعه هاتفه برجاء:
"علشان خاطري يا عاصي."
نفض ذراعه من يدها بغضب واستدار إليها يطالعها بنظراته الشرسة وقد سيطر عليه غضبه بشكل كبير.
هتف بشراسة:
"مالكيش خاطر عندي، الست اللي تضحك على جوزها وتستغفله وتروح في مكان من غير ما يعرف طريقها وتقفل تليفونها ما تلزمنيش."
اعتصر الألم قلبها من شراسته وهجومه عليها، ولكن ذلك لم يمنعها من مواجهته.
اقتربت منه ونظرت داخل عينيه وهتفت بقوة:
"لا هتسمع غصب عنك زي ما أنا سمعتك قبل كده... بس على الأقل أنا سمعتك بعد ما شفتك وأنت في أوضة الهانم بعد نص الليل وهي واقفة قدامك بقميص نوم عريان وبتبوسك ولا نسيت!!!!"
قالتها وهي تشير على نسرين الجالسة بجوار خالتها، والتي شعرت بأن دلو من الماء البارد سقط فوق رأسها عندما تصوبت أنظار الجد ودرية عليها.
هتف الجد بعدم فهم:
"تقصدي إيه يا بنتي بكلامك ده؟"
أجابته ومازالت حرب النظرات دائرة بينهم:
"اللي سمعته يا جدو، من فترة عاصي راح أوضة نسرين وكان بيتكلم معاها وأنا معدية بالصدفة سمعتها وهي بتتكلم معاه وبتعبر له عن حبها، ودخلتي عليهم لقيتها بتبوسه من شفايفه."
نظر الجد باشمئزاز إلى نسرين التي تنظر إلى غفران بغل وكره شديد.
شهقت درية بصوت عالٍ وهي تلعن نسرين في سرها فقد قلبت الطاولة عليها.
زاغت نظرات نسرين وهتفت بصراخ:
"أنت كدابة محصلش."
لم يلتفت إليها أي منهم، بل تابعت غفران تضيف:
"عارف عملت إيه ساعتها يا جدو؟ ضربتها بالقلم وقلت لها تبعد عن جوزي، جوزي اللي استغربت إزاي إني أصدقه حتى من غير ما ينطق ولا يتكلم لأني واثقة فيه وفي حبه ليا."
أنهت كلامها وهي تنظر إليه نظرة ألم وخذلان.
توترت نظرات عاصي من نظراتها وكلامها وعقد مقارنة سريعة داخل رأسه بين موقفهم. هي صدقت ووثقت، وهي كذب وشك!
تابعت درية تبخ سمها حتى تزيد من سكب البنزين على النار:
"هو رجل ما يعبهوش حاجة، لكن انتي ست."
تفاقم غضب الجد من درية ومن لسانها السليط، فهدر بها بعنف:
"هو انتي غبية ما بتفهميش، مش قلت لك ما تدخليش في اللي مالكيش فيه. وبعدين الكلام ده تقوليه للهانم اللي جنبك اللي بتعرض نفسها على رجل متجوز ومش عاملة احترام لحد ولا للبيت اللي هي عايشة فيه. بس هقول إيه ما هي تربيتك وطلعاك وبتعمل زي ما كنتي بتعملي زمان ولا نسيتي؟"
شحب وجه درية من مغزي كلام عمها وهتفت تسأله بتلعثم:
"ت تقصد إيه بكلامك ده يا عمي؟"
نظر لها الجد نظرة ذات مغزى وأجابها بغموض:
"بعدين يا درية مش وقته الكلام ده دلوقتي."
تحدث عاصي بعدم فهم:
"قصدي إيه يا جدي؟"
أجابه الجد بحسم:
"قلت بعدين، خلينا في موضوعك دلوقتي."
ثم نظر إلى غفران التي لم تتزحزح عينيها من على عاصيها وسألها:
"إيه اللي حصل بالظبط يا غفران؟"
ابتلعت غصة مرة تسد حلقها وقالت بنبرة حزينة:
"هقولك كل حاجة يا جدو."
ثم بدأت تقص عليه كل ما حدث معها منذ نزولها من الشركة حتى مجيء عاصي لها في ذلك المنزل، دون أن تذكر ذهابها إلى الطبيب وخبر حملها. فهي قررت ألا تفصح عن خبر حملها مؤقتاً حتى ترى موقف عاصي منها، وحتى لا يظن أنها تخدعه أو تستخدم الحمل كحجة حتى لا يطلقها.
"هو ده كل اللي حصل والله العظيم."
قالتها وهي تمسح دموعها المنهمرة على وجنتيها الحمراء الملتهبة.
هتفت درية بغل:
"يا سلام عيال صغيرة إحنا علشان نصدق الحدوته الخايبة اللي أنت بتحكيها دي، ده ما يدخلش على عقل عيل صغير."
كان الغضب هذه المرة من نصيب عاصي عندما هدر بها بنبرة غاضبة أجفلتها من شدتها:
"من فضلك يا أمي مش عاوز حد منكم يدخل. الموضوع ده بيني وبين غفران."
"يعني إيه؟"
قالتها بغل شديد وهي ترمق غفران بكره.
هدر بها عاضباً:
"يعني اللي سمعتيه."
ثم نظر إلى غفران وهتف بنبرة أقل حدة:
"فين الرقم اللي اتصل بيكي؟"
أخرجت هاتفها المحمول من جيب سترتها وعبثت به حتى عثرت على الرقم الذي هاتفها وأعطته له.
أخذ منها الهاتف ودون الرقم الذي اتصل بها في ورقة.
ثم سألها بنفس الجمود:
"عنوان الحاجة مني إيه؟"
أملت عليه عنوانها وقام بتدوينه في نفس الورقة.
أخرج هاتفه واتصل بجسار رئيس الحرس الخاص به.
استأذن جسار قبل أن يدلف إلى غرفة المكتب متحدثاً باحترام شديد:
"أوامرك يا باشا."
حدثه عاصي بأمر:
"عاوز أعرف كل حاجة عن المعلومات اللي في الورقة دي. معاك ساعة واحدة وتكون كل المعلومات دي عندي."
أجابه جسار بحسم:
"تحت أمرك يا باشا."
نظر عاصي إلى غفران وهتف بنبرة خطرة:
"ساعة واحدة والحقيقة هتبان وياويلك مني لو كنتي بتكذبي عليا ساعتها هتشوفي مني اللي عمرك ما شوفتيه."