دلف جسار إلى مكتب عاصي يحمل في يده ملفاً كبيراً. كان عاصي يتحدث في الهاتف، انتظر حتى ينتهي من مكالمته. أغلق الخط مع محدثه ثم رفع نظره إلى جسار الواقف بثبات وسأله بإيماءة من عينه عما يحمله في يده. تقدم جسار ووضعه أمامه على سطح المكتب وتحدث هاتفاً باحترام: "اتفضل يا باشا، الفايل ده متسجل فيه المكالمات اللي على الخطوط بتاعة مازن الدالي بالاسم واليوم والتاريخ." ثم تابع مضيفاً: "ومحمد الدالي بره في انتظار مقابلة سعادتك."
أخذ عاصي الملف يتفحصه باهتمام، وحدث جسار بجمود: "خاليه عندك لحد ما أخلص اللي في إيدي وهبقى أبعت لك تدخله." ثم تابع مضيفاً بأمر: "عاوزك تزود الحراسة على القصر، وخصوصاً غفران هانم." "عاوز الحرس ما يغفلش عنها، يكونوا معاها في كل خطوة." "ومفيش دبانه تدخل أو تخرج إلا ويكون عندي علم بيها، أنت اللي هتكون مسؤول قدامي لو حصل أي تقصير." "مفهوم؟
"مفهوم معاليك." قالها جسار وانصرف منفذاً أوامره، تاركاً إياه يتطلع على الملف باهتمام. جرت عيناه على أرقام التليفونات الصادرة والواردة ولكنه لم يجد رقم غفران مسجلاً. ولكن ما جعل عينيه تضيق بشك هو وجود رقم نسرين ابنة خالته مسجل لأكثر من مرة ولمدة زمنية طويلة في المكالمات الصادرة والواردة. جز على أسنانه وهتف بشراسة: "لو اللي في بالي طلع صح مش هرحمك يا نسرين، أقسم بالله."
أغلق الملف ووضعه في أحد أدراج مكتبه التي تغلق برقم سري. ضغط على زر الاتصال الداخلي بينه وبين جسار وآمره بإدخال محمد الزيني إليه. دقائق وكان يجلس أمامه رجل في الستين من عمره، قد شيب شعره تشع منه مظاهر الثراء الفاحش. إلا أنه كان يقف متوتراً مهزوزاً أمام نظرات عاصي الشرسه التي تتفرس فيه بغضب. تحدث
محمد الدالي بنبرة مهزوزة: "شرف ليا يا عاصي باشا لما بلغوني إن معاليك طالبني. خير يا باشا، أكيد النهارده عيد عشان حضرتك طلبتني." صدح صوت عاصي بقوة يوقفه عن الثرثرة: "خلاااص.. خلاص يا محمد بيه." نظر له بقوة أجفلته وهتف من بين أسنانه: "شوف يا محمد بيه، ومن غير لف ودوران كده، ابنك مازن غلط وغلط كبير كمان، والغلط ده كان معايا أنا."
"فأنا عشان خاطرك وعشان أنت راجل كبير ومش هتتحمل بهدلة على آخر الزمن، التوكيل الألماني اللي كنت هتمضي العقد بتاعه كمان ساعتين بحححح، والنص مليار اللي كنت لممهم من البنوك بقروض ومقدم لها ضمانات وهمية عشان تدفعه مقدم للصفقة برضه بحححح! صمت ونظر إلى ملامحه الشاحبة التي حاكت شحوب الأموات والعرق المتصبب على جبينه. ثم تابع مضيفاً باستهزاء: "شوف بقى هتسدده إزاي ومنين؟ وأكمل مضيفاً بشراسة وهو
يطحن ضروسه من شدة الغضب: "وده قرصة ودن صغيرة لابنك عشان يفكر ألف مرة قبل ما يهوب من حاجة تخص عاصي الجارحي." مسح الرجل العرق الذي بدأ يتصبب منه بغزارة، وهتف يسأله بخوف: "هو الولد ده عمل إيه عشان يخلي معاليك تغضب منه بالشكل ده؟ قول لي وأنا أجيبه لحد عندك يستسمحك ويعتذر لمعاليك، بس بلاش حكاية التوكيل دي، أنا حطيت فيها كل اللي حيلتي وعاوز أخلي مازن يقف على رجله في السوق بعد ما خسر كل فلوسه في البورصة." سخر عاصي مستهزئاً
وقال: "قصدك خسرها على ترابيزة الروليت." "شوف يا محمد بيه عشان ما نضيعش وقتنا في رغي مالوش لازمة، ابنك لو شوفته ولو صدفة همحيه من على وش الأرض." "وزي ما قلت قبل كده أنا عامل لك خاطر ومقصرتش عليه أوي." "بس." رفع إصبعه في وجهه محذراً بشراسة: "بس أقسم بالله لو حاول بس يفكر إنه يظهر في طريقي تاني، ساعتها ما يلومش إلا نفسه."
"المقابلة انتهت، مع السلامة يا محمد بيه." قالها وهو يشير له بكف يده في اتجاه الباب معلناً انتهاء المقابلة. تحرك محمد الدالي إلى خارج مكتبه بخطوات مهزوزة مرتعشة، فهو يكاد يصاب بأزمة قلبية بسبب ما حدث معه. أخذ يسب ويلعن ابنه في سره، فهو أبداً لن يكف عن العبث والتهور الذي أوقعه هذه المرة في يد من لا يرحم.
بعد ساعة كان يقود سيارته عائداً إلى القصر بقلب لهيف، فهو يريد أن يتحدث معها كما اتفقوا، يريدها أن تسمعه وتفهمه، لعلها تريحه من حالة التخبط الذي يشعر بها دائماً بقربها. دلف نسرين إلى غرفة خالتها وجسدها كله يرتجف من الرعب والعرق يتصبب منها كأنها محمومة. كانت درية تجلس في غرفتها باسترخاء، تحتسي قهوتها في هدوء بعدما أخرجت ما في صدرها في وجه غفران، ولكنها نهضت مفزوعة عندما وجدت نسرين تدخل عليها بملامح شاحبة شحوب الأموات.
اقتربت منها وسألتها بنبرة غلفها القلق: "مالك يا نسرين، وشك أصفر زي الليمونة كده ليه؟ في حاجة حصلت؟ كانت جسد نسرين يرتجف بقوة ونظراتها معلقة على شرفة الجناح التي تطل على الحديقة بشكل عام والمسبح بشكل خاص. نظراتها شاخصة للبعيد وهي تهز رأسها نفياً وكأنها تنفي عن نفسها ما فعلته منذ قليل. أمسكتها درية من ذراعيها وأخذت تهزها بعنف علها تنطق وتفيق من حالة الانفصال عن الواقع التي تعيشها،
وسألتها بنبرة غاضبة عالية: "انطقي قولي فيكي إيه، عملتي إيه قولي." نظرت لها نسرين بنظرات زائغة مهزوزة وهتفت تجيبها بتأتأة: "أنا.. أنا... هدرت درية بنفاذ صبر: "أنتي إيه انطقي." "أنا قتلت غفران." شحب وجه درية وصرخت بعدم تصديق: "اااايييييه!! دلف عاصي من بوابة القصر الخارجية بسيارته الفارهة وخلفه طاقم حراسته الخاص. ترجل من السيارة بملامح متوترة، قلقة.
فهو بعض دقائق قليلة سيعقد أهم وأصعب اجتماعات في حياته، اجتماعه مع غفرانه. غفرانه التي تعشقه منذ زمن وهو كالابله يظنها مجبورة على الزواج منه. سخر من نفسه، فهو يبدو عليه الجهل في أمور العشق بجدارة. دلف إلى داخل القصر وصعد الدرج مسرعاً إلى جناحه لكي يفاجئها بحضوره مبكراً كما وعدها صباحاً. وقف أمام باب الجناح بقلب مرتجف، لاول مرة يشعر بكل هذا القلق والتوتر.
أخذ نفساً عميقاً حبسه داخل صدره وزفره على مهل حتى يستجمع شتات نفسه وحسم أمره وتوجه إليها. فتح باب الجناح ودخل يبحث عنها وهو ينادي عليها: "غافي.. غافي أنا جيبت.. غفران؟! بحث عنها في الجناح بأكمله: غرفتها، غرفة الملابس، المرحاض، غرفة المعيشة، ولم يجد لها أثر. نظر إلى الشرفة وابتسم بمكر، فهي دائماً ما تجلس في الشرفة مع زهورها، فمؤكد أنها بالداخل ولم تسمعه. فتحرك على أطراف أصابعه حتى لا يصدر صوتاً ويفاجئها بعودته.
دلف إلى الشرفة ولكنه وجدها خالية أيضاً. زفر بإحباط من عدم وجودها، وقف مستنداً بيديه على سور الشرفة، يفكر أين يجدها. فهو لن يدور يبحث عنها في القصر كالطفل الصغير الضائع من أمه، حتى لا يفتضح أمره أمام من في القصر. "خلاص انزل تحت واسأل نعمات على أي حاجة وبعدين أسأل عنها، كده هيبان إنك بتسأل عادي مش عشان حاجة معينة." أقنع نفسه بذلك الحديث حفاظاً على شكله ووضعه أمامهم.
استدار بجسده عائداً إلى الداخل ولكن لفت نظره شيئاً عائماً على المياه في المسبح. قطب جبيينه يدقق النظر في ذلك الشيء ولكن سرعان ما حاظت عيناه وخرجت من محجريها وكاد قلبه يتوقف من شدة القلق والرعب الذي لأول مرة يشعر بهم في حياته، عندما تأكد أن الجسد العائم على سطح الماء هو جسد غفرانه. صرخ منادياً باسمها صرخة أيقظت من في القبور من قوتها وشدة رعبه عليها: "غفررررررااااااااااان!!!!!
هدرت درية بغضب: "يا نهارك أسود، موتيها انتي اتجننتي ازاي تعملي كده، وفين في القصر؟! "طب افرضي حد شافك، مفكرتيش ساعتها إيه اللي هيحصلك من عاصي أو من منصور؟ "دول هيفرموكي، هيمحوكي من على وش الدنيا وأنا معاكي." "حرام عليكي، ضيعتي نفسك وضيعتيني معاكي." دارت حول نفسها تهتف بجنون: "أنا لازم أتصرف وألحق المصيبة دي قبل ما حد يعرف." وتحركت صوب الباب تنوي المغادرة، إلا أن يد نسرين التي قبضت على ذراعها بقوة توقفها مكانها،
وصرخت بها بملامح شيطانية: "اوقفي عندك انتي رايحة فين." "خلاص اللي حصل حصل وأنا اتأكدت إن محدش شافني وخلاص هي زمانها غرقت وهتبان إنها وقعت لوحدها." نفضت درية ذراعها هاربة بغضب: "انتي أكيد اتجننتي، أوعي أنا هروح ألحقها." وقفت نسرين أمامها فارده ذراعيها تسد الباب بجسدها وهتفت بمكر: "مالك خايفة ليه كده، هي أول مرة ولا إيه؟
"لو خرجتي من هنا ما تلوميش إلا نفسك لأني مش هسكت ساعتها وأقول إنك إنتي اللي عملتيها زي ما عملتيها زمان ولا نسيتي؟ شحب وجه درية حتى أصبح يحاكي شحوب الأموات وهتفت تسألها بتلعثم: "تقصدي إيه بكلامك ده؟ ابتسمت نسرين بخبث وأضافت: "إنتي عارفة أنا أقصد إيه كويس أوووي فبلاش تعمليهم عليا، إحنا فاهمين بعض كويس." فتحت درية فمها للتحدث ولكن صرخة عاصي باسم غفران جعلتها تبتلع ما كانت تنوي أن تقوله.
وجحظت عيناهما رعباً وفزعاً من صوته وارتجف جسدهما خوفاً وعلموا أن القادم لن يبشر بخير مطلقاً. يجري مهرولاً يقفز على الدرج بملامح مرعوبة وقبضة قوية تعتصر قلبه تنتزعه انتزاعاً من داخل ضلوعه وشعور غريب بالوحشة والخوف يسكنه. وبمهارة فائقة كان يقفز داخل المياه الباردة والتي لم يشعر ببرودتها من قوة فوران مشاعره. وصل إليها وحملها سريعاً على ذراعيه ينظر إلى وجهها الشاحب وشفتيها الزرقاء التي تدل على فقدانها للحياة.
خرج بها من المياه ومدد جسدها على الأرض وهو يقول بعمل إسعافات أولية لها منادياً عليها برعب: "غفران.. فوقي.. غفران.. لا مش هتروحي، أنا مش هسمح لك تضيعي مني.. فوقي يا حبيبتي عشان خاطري." أخذ يضغط بكلتا يديه على صدرها محاولاً إنعاش قلبها. وصلت نسرين ودرية إليه بجسد مرتجف من شدة الخوف. تجمع كل من في القصر على صوته حتى الحرس الواقف على باب القصر الخارجي ووقفوا يشاهدون ما يحدث بعدم استيعاب. سألته درية بنبرة قلقة: "في إيه؟
إيه اللي حصل؟ " ولكنها لم تسمع له، كل همه إنقاذ روحه التي تصارع للخروج من جسده. وضع شفتيه الغليظة على شفتيها الزرقاء وأخذ ينفخ فيها محاولاً إدخال الهواء إلى رئتيها. صرخ فيهم بغضب: "إنتوا واقفين تتفرجوا عليا، إسعاف بسرعة." كل هذا وهو يعيد الضغط على صدرها وشفتيها مراراً وتكراراً والدموع تغشى عينيه من شدة يأسه وقلة حيلته في إنقاذها. هتف بنبرة أجشة باكية متوسلاً إياها: "غافي حبيبتي عشان خاطري فوقي وارجعي لي."
كانت نسرين تتابع لهفته وخوفه عليه بقلب ممزق وأدركت أن عاصي عاشق لغفران حتى ولو لم يظهر ذلك. وكأنها استجابت لتوسله ورأفت بقلبه العاشق لها، فأخذت تسعل بقوة تخرج المياه من فمها. اختلطت دموع عاصي مع قطرات المياه المتساقطة من رأسه وجسده وهو يرفع جسدها من على الأرض يعتصرها داخل صدره مقبلاً مقدمة رأسها هاتفاً بلوعة: "الحمد الله.. الحمد الله يا رب." أخرجها من داخل صدره قليلاً مانحاً إياها فرصة للتنفس فهي لازالت تسعل بشدة.
هتفت اسمه بنبرة خافتة مجهدة: "ع.. عاصي! ضم جسدها إلى جسده يعتصرها داخل أحضانه: "روح عاصي اللي رجعت له." كان جسدها يرتجف بقوة وأسنانها تصدر صوتاً من شدة احتكاكها ببعض. وفي لحظة كان ينهض من على الأرض وهو يحملها على ذراعيه القويتين ويضمها إلى صدره بحماية وتملك مهرولاً إلى الداخل صاعداً إلى جناحهم والمياه تتساقط من جسديهما. هدر بهم بنبرة أفزعتهم: "اطلبوا الدكتور بسرعة، اتحركوا."
هرولوا جميعاً منفذين أوامره ولحقت به درية وهي ترتجف من الرعب ولكنها مثلت القلق والخوف على غفران حتى تمحو أي شبهة من عليها، تاركة نسرين تحدق في طيفهم بملامح كريهة حاقدة. صعد الدرج قاصداً جناحهم مسرعاً وهو يحملها على ذراعيه وهي لازالت ترتجف بين يديه. ولج إلى داخل الجناح وهمت درية ومن خلفها نسرين التي لحقت بهم أن يدلفوا خلفهم ولكنه زجرهم هادراً بعنف: "محدش يدخل." وأغلق الباب بقدمه في وجههم.
وقفت نسرين ودرية ينظرون إلى بعضهم بتوجس وقلق من ردة فعله إذا علم بما فعلته نسرين. دخل إلى الحمام وأوقفها في حوض الاستحمام وهو مازال محتفظاً بها داخل أحضانه وفتح المياه الساخنة التي انهارت عليهم بقوة. أخذت ترتجف بين أحضانه فهي لازالت تشعر بالبرودة وملابسها غارقة بالمياه الباردة. أسندها على الحائط وبأيدي مرتعشة أخذ يجردها من ثيابها المبتلة حتى تستطيع المياه الساخنة تدفئة جسدها.
وضعت يدها على يده تمنعه وهي تنظر له بضعف غير قادرة على النطق. فهم ما تريد قوله دون كلام وهتف يجيبها بحنو: "معلش لازم تقلعي، هدومك غرقانةماية والدنيا برد، عشان جسمك يدفي لازم تقلعي الهدوم دي." "وبعدين ما تخافيش مني يا غافي.. أنا جوزك." رفعت عينها تنظر إليه بوهن، فهو لأول مرة يعترف أنه زوجها بهذه السلاسة وكأنه معتاد على أن يقولها باستمرار. أول مرة ينسبها إليه دون قيود أو شروط. ثم تابع مضيفاً بسلاسة وكأنه شيء
عادي يحدث بينهم باستمرار: "وأنا كمان هعمل كده عشان هدومي مبلولة." كان يحاول تهدئتها وطمأنتها ولكن جملته الأخيرة جعلتها تترنح في وقفتها خجلاً مما ينتوي فعله. وفي لحظة كان يضمها داخل صدره وينزع عنها ملابسها حتى تخلص منها تماماً إلا من ملابسها الداخلية. وفعل المثل له أيضاً وبقي بملابسه الداخلية فقط. بدأت تشعر بالدفء يجتاح أوصالها ليس فقط من سخونة المياه وأنما أيضاً من سخونة جسده الذي يحتويها.
كان يعتصرها داخل صدره، يمرر يده بحنان على ظهرها، فهو لأول مرة يشعر بقلبه يكاد يخرج من بين ضلوعه آلماً وخوفاً من فقدانها. ظلوا فترة طويلة تحت المياه، هي تخفي نفسها داخل أحضانه تلتمس منه الحنان والحماية. وهو يقربها من قلبه يريح دقاته التي آنت آلماً من شد خوفه عليها، شاعراً بالراحة والأمان.
أغلق المياه وأحضر روب الاستحمام خاصتها وألبسها إياه بعدما جفف جسدها جيداً، ووضع منشفة أخرى على شعرها، وحملها كطفلة صغيرة بين يديه، خرج بها من الحمام ووضعها على الفراش ودثرها جيداً بالغطاء. ثم غاب عنها لثواني معدودة جفف فيها نفسه ولف خصره بمنشفة كبيرة وعاد إليها. فتح جهاز التكييف على الساخن حتى يدفيء الجناح لها وعاد إليها مرة أخرى. جلس بجانبها في الفراش وجذبها إلى أحضانه واضعاً الغطاء الكثيف حولهم.
همس يسألها بنبرة قلقة: "أحسن دلوقتي؟ أجابته بهزة خفيفة من رأسها دون أن تتحدث، فهي لازالت تشعر بضيق في التنفس وتعاني من الإجهاد. سألها بقلق بعدما أخرجها من أحضانه ناظراً إلى ملامحها الشاحبة بقلق: "طب مش بتتكلمي ليه، سمعيني صوتك عاوز أطمن عليكي."
بللت طرف شفتيها الجافة بحركة عفوية، جعلت جسده يتصلب بقوة يود لو يلتهم تلك الشفاه الصغيرة بين شفتيه الغليظة، فهو منذ أن كانت شبه عارية في أحضانه تحت المياه وشعوره بجسدها اللين ملتصق بجسده الصلب وهو يعاني وبشدة. هتفت بصوت مرهق خافت: "صدري بيوجعني، ومش عارفة أتنفس و... ومش قادرة أتكلم." انتفض بفزع يضع يده على صدرها يدلكه برفق وهو يقول بتوتر: "بالراحة.. خدي نفس بالراحة.. خدي نفس عميق وطلعيه بالراحة."
نفذت ما قاله بتعب وصدرها بدأ يؤلمها أكثر بالرغم من أخذها لنفسها بصورة أفضل إلا أن صدرها بدأ يؤلمها. رفع سماعة الهاتف يطلبهم في الأسفل، هدر فيهم صارخاً بغضب: "الدكتور فين، كل ده ولسه موصلش؟ استعجلوه بسرعة." أغلق الهاتف والتفت يحدثها بحنو وهو يملس على شعرها بحنان: "الدكتور على وصول خلاص، أنا هقوم أجيب لك حاجة تلبسيها قبل ما يوصل."
ولج محمد الدالي بملامح وجه غاضبة إلى غرفة نوم ابنه وأخذ ينادي عليه بصوت جهوري وهو يزيح الغطاء من عليه. "قوووووم، قوم يا بيه.. شوف آخرة صياعتك ووساختك وصلتنا لحد فين، قوووووووم." اعتدل مازن بجسده ونظر إلى والده وهو يغمض عين ويفتح الأخرى وسأله بنعاس: "مالك يا بابا في إيه، مصحيني من النوم وعمال تزعق كده ليه؟
هدر والده بغضب: "طبعاً ما أنت نايم في العسل وأنا عمال ألم وألم وراك من هنا لهنا، بس خلاص ضيعنا واللي كان كان، فلسنا وبقينا على الحديدة وكل ده ليه عشان حضرتك فارد لي عضلاتك وعاوز تلعب مع الأسد، وأهو الأسد أكلنا ورمانا للكلاب." سأله مازن بغباء: "أسد إيه وكلاب إيه، وفلسنا إيه؟ إيه اللي أنت بتقوله ده ما تتكلم كلام مفهوم." قالها وهو يتناول علبة سجائره يخرج منها واحدة يشعلها عله يفيق ويفهم كلام والده الغريب.
تحدث والده جازاً على أسنانه يسأله بغضب: "في إيه بينك وبين عاصي الجارحي؟ تعلقة السيجارة أمام شفتيه والدخان الأبيض يغشى ملامحه التي توحشت عن عيني أبيه فور ذكره لاسم غريمه. سأل والده بنبرة جامدة: "اشمعنا؟ هدر والده بسخط: "أنت هتخش لي أفيه! جاوبني على سؤالي فين إيه بينك وبين عاصي الجارحي عشان يعمل معانا اللي عمله." هب واقفاً من رقدته ووقف أمام والده وسأله مضيفاً عينيه بشك: "عمل إيه؟ ممكن تتكلم على طول من غير الغاز."
أجابه والده بحزن وحسرة: "قول معملش إيه، خلاص كل حاجة راحت، توكيل العربيات الألماني اتلغى ومبقاش فاضل غير الديون اللي عليا للبنوك اللي مش عارف هسددها منين وإزاي.. وكل ده قرصة ودن صغيرة ليك عشان اللي عملته معاه واللي أنا مش عارف إيه هو لحد دلوقتي." صرخ مازن بغل وقهر: "وهو مين عشان يعمل كل ده وانت إزاي تسمح له بحاجة زي كده، إذا كان هو عاصي الجارحي فأنت محمد الدالي على سن ورمح." نظر له والده بغيظ من غبائه وغروره هاتفاً
بسخط: "والنبي اتلهي على خيبتك، عاصي الجارحي ده غول حوووت كبير وبلعنا في كرشه ومحدش يقدر يقف قصاده والسوق كله معاه وفي جيبه." "وعلى فكرة هو مش بيهوش والدليل اللي عمله، وحلف لو شافك صدفة في طريقه أو طريق اللي بخصه هيفرمك." هدر مازن بغضب وغرور: "على نفسه مش عليا، أنا بقى هعرفه مين هو مازن الدالي وإزاي يلعب معاه."
نظر له والده بيأس من غرور وعجرفة ابنه التي حتماً ستؤدي بحياته وتوقعه في مشاكل هو في غنى عنها ولكن عواقبها ستكون وخيمة عليه وعلى الجميع. وقف يتابع الطبيب باهتمام وهو يضع ماسك الأوكسجين على أنفها ويعلق لها المحاليل. سأله بقلب لهيف: "طمني يا دكتور.. هتبقى كويسة."
أجابه الطبيب بتقرير: "الحمد الله هي عدت مرحلة الخطر، هي بس محتاجة أوكسجين عشان ننظم عمل الرئة من تاني بعد المجهود اللي عملته والمية اللي شربتها، والمحاليل دي شوية فيتامينات ومهديء عشان تنام مرتاحة.. الحمد الله إنتوا لحقوها على آخر لحظة." ثم أشار إلى الممرضة التي ترافقه قائلاً: "وأنا هسيب الممرضة معاها تتابع المحاليل لما تخلص وتغيرها وممكن على بالليل تشيل جهاز الأوكسجين."
سأله بقلق جلي على ملامحه: "يعني هي مش محتاجة تروح مستشفى؟ أجابه الطبيب نافياً: "اطمن يا عاصي باشا، أنا عملت لها اللازم لو كانت محتاجة مستشفى ما كنتش هتأخر." ثم أغلق الطبيب حقيبته وهم مغادراً قائلاً بعملية: "الف حمد الله على سلامة الهانم." صافحه عاصي يشكره بجمود: "الله يسلمك." ألقى نظرة عليها قبل أن يغادر الجناح وآمر الممرضة بجمود: "خالي بالك منها مش عاوز عينك ترمش عليها." "اطمن حضرتك ده شغلي." قالتها الممرضة بعملية.
نزل إلى أسفل حيث الجميع يجلس وكأن على رؤوسهم الطير. سأله الجد بقلق: "طمني يا عاصي، الدكتور قالك إيه هتبقي كويسة، طمني ومتخبيش عليا حاجة يا ابني." ربط عاصي على يد جده وهتف مطمئناً إياه: "اطمن يا حج الدكتور طمني، هي بس نايمة دلوقتي عشان لازم صدرها يرتاح بعد المجهود اللي عملته."
غمغم الجد مستغفراً: "استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.. إزاي ده حصل، إزاي وقعت في الميه.. دي طول عمرها بتخاف من الميه ومش بتقرب ناحيتها، أنا هتجنن." زاغت نظرات نسرين ولم تعلق بينما هتفت درية بتوتر: "تلاقيها ما أخدتش بالها واتزحلقت غصب عنها." هدر الجد بغضب: "وإنتوا كنتوا فين لما ده حصل، إزاي قصر طويل عريض مليان خدم وناس عايشة فيه وما يخدوش بالهم منا."
"أفرض لا قدر الله عاصي مكانش جه في الوقت المناسب ولحقها، كان زمانها دلوقتي رايحة منا." قصف صوت عاصي الغاضب من خلفه: "جدي." "خلاص الحمد الله إنها بخير مالوش لزوم الكلام ده." قالها بملامح غاضبة، ففكرة أن مكروه قد يصيبها أصابت قلبه بوجع لم يشعر بمثله من قبل. ثم تابع يقول بتعب: "بكرة لما تفوق تبقي تحكي لنا عن اللي حصل، وأنا هقوم دلوقتي أراجع كاميرات المراقبة وأشوف إزاي ده حصل."
"وإنت يا جدي قوم حضرتك ارتاح شوية في أوضتك الانفعال غلط عليك، لازم تاخد أدويتك وترتاح." شحب وجه نسرين ودرية بشدة عندما سمعوا حديثه عن كاميرات المراقبة وحاولت درية أن تلهيه عن ذلك مؤقتاً حتى تستطيع التصرف في الأمر قائلة بتوتر: "وانت كمان يا حبيبي قوم ارتاح انت تعبت ونزلت الميه في عز البرد، وبعدين ابقى شوف موضوع الكاميرات ده." أجابها نافياً وهو يتوجه صوب غرفة المكتب: "أنا كويس الحمد الله، عن إذنكم."
"بس يا عاصي." قالتها بتوتر وقلق. أجابها بحسم: "أمي خلاص من فضلك." ثم غادر وتركهم يجلسون فوق صفيح ساخن في انتظار حكم إعدامه على نسرين. زفر بغضب وهو يلقي بالحاسوب أرضاً بعدما فشل في الوصول إلى أي شيء يعرفه كيف سقطت في المياه، فكاميرات المراقبة حدودها حتى مدخل الحديقة من الداخل فقط ولا يوجد كاميرا تصور المسبح حفاظاً على خصوصيتهم.
كانت درية تزرع غرفتها ذهاباً وإياباً بتوتر فهي تشعر بالرعب من مجرد تخيلها معرفة عاصي بفعله نسرين فما بالك بالحقيقة. عكس نسرين التي كانت تجلس باسترخاء تتابعها بملل. هتفت نسرين بحنق من توتر خالتها: "أنا مش فاهمة انتي قلقانة ليه كده؟ أجابتها درية بغيظ من برودها: "وأنا مش عارفة انتي إزاي باردة كده ومش خايفة ولا أما تكوني عاملة مصيبة." أجابتها بلامبالاة: "ما أنا فعلاً ما عملتش حاجة." ثم تابعت مضيفة بثقة بعدما
مقحتها خالتها بغيظ شديد: "يا أنطي انتي ناسيه إن مفيش كاميرات عند البيسين وعاصي بنفسه هو اللي كان أمر بكده، ثم أنا دخلت وخرجت من مكان بعيد عن أي كاميرا، أنا عارفة أماكن الكاميرات كويس أوي." سألتها درية بشك: "أفهم من كده إنك كنت قاصدة ومرتبة إنك تموتيها يعني محصلش بالصدفة لما اتخانقتوا وقمتي موقعاها في الميه؟ أجابتها بلامبالاة: "تقدري تقولي حاجة زي كده."
نظرت لها درية بريبة وكأنها تراها لأول مرة بحياتها، وإن كانت تظن نفسها أنها تلعب مع الشيطان فنسرين الشيطان بحد ذاته. دلف إلى الجناح فوجدها مستغرقة في النوم والممرضة قد أزالت ماسك الأوكسجين من على أنفها وأغلقت أنبوب السيروم المغذي. سألها بقلب لهيف عليها وهو يتطلع إلى وجهها الجميل الذي عادت إليه الحياة وتوردت وجنتيها مرة أخرى: "عاملة إيه دلوقتي؟ أجابته
وهي تتابع عملها بإتقان: "الحمد الله أحسن نسبة الأوكسجين في الدم اتظبطت وكمان المحلول خلص وهي بتتنفس عادي دلوقتي.. الحمد الله." ثم تابع مضيفاً بعدما أخرج من محفظته رزمه مالية كبيرة أعطاها إياها: "اتفضلي.. وكمان السواق تحت جاهز عشان يوصلك لمكان ما انتي عاوزة." رفضت الممرضة بأدب وإحراج: "كتر خيرك يا فندم أنا ما عملتش حاجة ده شغلي." تحدث برجاء: "معلش عشان خاطري اتفضلي، دي حاجة بسيطة عشان الأولاد."
"متشكرة جداً جداً يا فندم." قالتها ثم غادرت الجناح بأكمله. اقترب منها وجلس ممداً جسده بجانبها على الفراش ثم جذب رأسها ووضعها على صدره فوق مضخته الهادرة بقوة. استنشق عبيرها الآخاذ وضم ذراعيه عليها يلصقها به بقوة يريد أن يدخلها داخل قلبه بين ضلوعه. يريد أن يشعر بها بين يديه، يؤكد لنفسه حقيقة وجودها فهو لا يزال قلبه يرتجف بزعر كلما تخيل أنها من الممكن أن ترحل وتتركه.
عند هذه الفكرة يشعر بكيانه يهتز، هو لن يستطيع بدونها، لن يتخيل حياته بدونها. هي خلقت له، ومن ضلعه، هي نفسه، هي غفرانه الذي يسعى للحصول عليه. هي غفران قلبه العاصي. أسند رأسه على ظهر الفراش وهي قابعة داخل حضنه وهمس بصوت منخفض: "عملتي في إيه يا غفراني، شقلبتي حالي وكياني للدرجة دي." ثم طبع قبلة رقيقة على مقدمة رأسها هامساً: "خاليتي العاصي يلين يا غفراني."
وصل همسه إليها وهي غافية بين أحضانه، كأنه صوت يأتي من مكان بعييييد، ولكنه وصل إليها فظنت أنها تحلم به وهو يقول لها هذا الكلام. فارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها وهي مغمضة العين وهمست باسمه تناجيه في أحلامها قائلة بخفوت: "بحبك يا عاصي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!