الفصل 10 | من 50 فصل

رواية غناء الروح الفصل العاشر 10 - بقلم زيزي محمد

المشاهدات
20
كلمة
5,021
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

أغلقت "سيرا" باب غرفتها خلفها بإحكام. خطت بخطوات واسعة بجانب نافذة غرفتها الكبيرة، ملتصقة بها وهي تردف بتوتر: -في إيه... قصدي خير... قصدي يعني متصل ليه يا أستاذ يزن؟ ألصقت الجدية بطرف حديثها متعمدة، فاستمعت إليه وهو يقول بمزاح وأريحية: -بتصل أعاتبك وأعتذرلك، بس ما كنتش أعرف إنك بتقتلي ولاد اختك عشان الجبنة الرومي. تلونت وجنتاها باحمرار طفيف وهي تقول من بين أسنانها بغيظ: -أنت فهمت إيه!

، ده أنا بلعب مع عيال أخواتي، وبعدين يعني هو أنا معقول هزعّلهم عشان جبنة رومي، دي تفاهات يا أستاذ يزن. أعجبه ارتباكها الذي يصل إليه من خلال مكالمتهما، فأصر على الضغط عليها بكلماته المتلاعبة: -لا ثواني، إزاي ده أنا سامعك بوداني والعيال بتصرخ من الخوف منك. ضغطت فوق شفتيها بقوة، ثم حمحمت بحرج رغم أنها تتظاهر بالجدية: -لا أبدًا، أكيد فهمت غلط، دي لعبة اسمها لعبة الجبنة الرومي. -لا يا شيخة! ودي بتتلعب إزاي بقى؟! نفخت

بضيق وهي تقول بشبه عصبية: -هتلعبها مع مين؟! دي عايزة عيال صغيرة. وصل إليها صوت ضحكاته الرجولية، ثم ادعاؤه الصرامة وهو يقول: -لا ماسمحلكيش تتدخلي في خصوصياتي يا أستاذة سيرا، قوليلي بتتلعب إزاي ويبقى كتر خيرك. رفعت أحد حاجبيها باعتراض، وألزمت الصمت حول لسانها كي لا توبخه. وبعد ثوانٍ بسيطة قالت: -ممكن أعرف عايز تعتذرلي ليه؟! تجاهلت أمر عاتبه عن قصد، ففهم مقصدها ورد ببساطة:

-عشان لتاني مرة اضطريت أمشي وأسيبكم، بس يعني أكيد عارفة أنه بيبقى غصب عني. أظهرت تفهمها للموقف وهي تعقب خلفه: -أكيد طبعًا، مامتك بخير؟! وهنا انفجر بها معاتبًا بأريحية تعجبت لها: -لسه فاكرة تسألي، كتر خيرها أبلة حكمت سألت عليا، ست ذوق ومحترمة، حقيقي ماشفتش زيها أبدًا. آلام طفيفة أصابت رأسها، أو ربما خُيل لها أنها ستفقد وعيها عندما ذكر "أبلة حكمت". فتسائلت بحذر: -هي أبلة حكمت كلمتك؟!

أجاب، ونبرة غريبة تلاحق كلماته لم تفهمها، وكأن ذلك الثعلب أدرك نقاط ضعفها من جانب أختها المتهورة: -اه سألت عليا واتطمنت على والدتي، اختك ذوق أوي. تبرمت بشفتيها وهي تجيبه بضيق: -أنت بتحاول تجر ناعم مع أبلة ليه، ما صدقت لقيت زبونة زيها صح؟! أنت شكلك محدش بيعبرك وبيجيلك الأجانص بتاعك! ضحكة صغيرة صدرت عنه وهو يقول ساخرًا:

-أنتي ليه محسساني إني كمان شوية هقف قدام باب الأجانص وبشحت، أو مثلاً اطلع عربية مرسيدس واقف بيها وأمسك ميكروفون وأقول بمليون ونص تعال بص. جذبت نفسًا طويلاً تحاول تهدئة نفسها قبل أن تنفجر به، لكنها فشلت قائلة بهجوم شرس: -يا بني افهم ابعد عن أبلة حكمت خالص. -ليه بقى؟! أبعد عنها ليه؟! خليكي صريحة، مقابلتين شوفتهم فيها كان واضح جدًا إنك مش مرتاحة أو بتحاولي تتطفشيها مع إنها اختك، أنتي شكلك الطرف الأسوأ في العيلة.

ضيقت عينيها بغيظ شديد ووجنتاها تتوهجان بانفعال مفرط. وحين حاصرها "يزن" بأسئلته، استغلت صمته وحاول عقلها خلق كذبة أو ادعاء يرضي خصوصيتها التي تحاول الحفاظ عليها معه: -بص يا يزن.... قاطعها مصححًا لها بجدية ساخرة: -أستاذ يزن لو سمحتي! زفرت بخفة وهي تتجاهل تعقيبه عن قصد:

-بص أنا خايفة عليك بجد، أبيه صافي جوز أبلة حكمت صعب جدًا وغيور أوي أوي أوي فوق ما تتخيل، تخيل بقى لو سمع إن أبلة بتكلم راجل غريب، ده ممكن يطربق الدنيا فوق دماغك ويكسرلك الأجانص بتاعك، ويأذي أبلة حكمت، أنت ترضيلها الأذية؟! صدر عنه همهمة بسيطة معلنًا استجابته لحديثها. فزفرت براحة وكأن عقلها الشارد وجد غايته ونجاته أخيرًا. فسمعته يقول: -يااااه جوزها صعب لدرجادي؟! أجابت بتأكيد صارم: -جدًا فوق ما تتخيل.

-غريبة مع إن الراجل كان لطيف جدًا ومتفهم وهو بيكلمني. تحشرج صوتها وأصابها الغباء وهي تتساءل: -راجل مين؟! رد بسلاسة والتسلية تحلق بنبرته عاليًا: -أبيه صافي! كأن ماءً باردًا سقط فوق رأسها وهي تسأل بنبرة مستنكرة: -أبيه صافي كلمك أنت؟ -ايوه لما أبلة حكمت اتصلت تتطمن على والدتي، عرفتني على جوزها الحاج صافي وكان راجل لطيف ومتفهم جدًا ووعدني إنه هييجي يشرب معايا فنجان قهوة عندي في الأجانص في أقرب وقت.

ابتلعت لعابها عدة مرات تحاول إنهاء تلك المكالمة قبل أن تنهي حياتها بسبب بئر الإحراج الذي تغرق فيه والسبب تصرفات "أبلة حكمت" المثيرة للجدل. -طيب... طيب سلام بقى يا أستاذ يزن، مضطرة أقفل، مع السلامة. أغلقت الهاتف دون أن تستمع لرده. ثم توجهت سريعًا إلى الصالة تبحث بعينيها عن أختها الكبرى فلم تجدها. ولكن العزم الذي بداخلها لم يمنعها من متابعة خطواتها نحو شقتها بالأسفل.

فطرقت الباب عدة مرات حتى فتحت "دهب" ابنة "حكمت" الكبرى وهي تحمل كتابًا يخص مرحلة الثانوية: -نعم يا خالتو؟ -أمك فين يا دهب؟! أجابت بلامبالاة وهي تنظر إلى الكتاب مدعية الاجتهاد: -راحت مع بابا تتخانق مع عمي عشان واكل على بابا تلاتين ألف جنية في حسبة بيع تخص الميراث. نفخت "سيرا" بضيق وقررت أن تغادر. وقبل أن تترك باب شقة أختها حركت الكتاب ناحيتها وهي تقول: -ابقي وطي إضاءة التليفون يا روح خالتو وانتي بتذاكري. ارتبكت "دهب"

وتظاهرت بالثبات: -أصل بذاكر من الاتنين. ابتسمت "سيرا" ساخرة: -ما شاء الله الاجتهاد واخد حقه معاكي، ربنا يحميكي يا بنتي. تركتها "سيرا" وقررت بدلاً من الصعود إلى شقتها الذهاب إلى منزل صديقتها "فاطمة" للتفكير معها بشأن تصرفات "أبلة حكمت" المريبة. طرقت باب شقة صديقتها عدة مرات بتتابع موسيقي حتى فتحت والدتها وهي تبتسم: -واحدة بتطبلي على الباب، والتانية بتمثل جوا. اتسعت ابتسامة "سيرا" وهي تضحك: -هي الفنانة طماطميوا بتتدرب!

زفرت والدة "فاطمة" بغيظ وهي تقول: -عشان خاطري يا سيرا كلميها، خليها تطلع الموضوع المهبب ده من دماغها. تنهدت "سيرا" بحيرة وهي تتلفظ بضيق: -واقسم بالله أنا زهقت كلام معاها، بس هي وعدتني إنها مش هتدفع فلوس تاني لأي كاست، وأهو لعل وعسى تكره الحوار ده وتزهق، وانتي بردو يا طنط لمي ايدك شوية في المصاريف، خلي فاطمة تهدى وتعقل. ارتسمت خيوط الأسى بريشة الحزن فوق وجه والدة "فاطمة" وهي تقول:

-ما بحبش أزعلها، ده هي اللي حيلتي من يوم وفاة أبوها وهي بقت كل دنيتي. اقتربت منها "سيرا" بحب وقبلتها فوق رأسها تخفف عنها حزنها: -ربنا يخليهالك ويبارك فيها يا رب، يلا هدخل أقعد معاها شوية. تركتها "سيرا" ودلفت إلى داخل غرفة "فاطمة" التي ما إن رأتها حتى رحبت بها ترحابًا شديدًا. وأخبرتها قائلة بحماس: -وبس يا سيرا ادوني المشهد ده أتمرن عليه، وأروح بكرة في مقر الشركة الرئيسي عشان فيه مخرج مهم هيشوفني أنا وكام بنت.

عادت "سيرا" تسألها بتحذير: -دفعتي فلوس يا فاطمة؟! هزت "فاطمة" رأسها تُظهر عكس ما يدور بداخلها: -أبدًا، أنا اقتنعت بكلامك أصلاً ومادفعتش جنيه وهما بردو ماطلبوش. صمتت "سيرا" على مضض وأظهرت ملامح عدم الرضا عن الطريق الذي تصر صديقتها على سلكه رغم شوائبه وعواقبه العديدة. ولكن ثرثرة فاطمة المعتادة دفعتها لإخبارها بما حدث اليوم. فعقدت "فاطمة" ما بين حاجبيها: -الله!

أبلة حكمت دي غريبة جدًا، اللي يسمعك وانتي بتقولي اتصرفت إزاي مع يزن ده مايشوفهاش وهي بتتخانق الصبح على اتنين كيلو طماطم مع أم سارة. عبرت "سيرا" عن قلقها قائلة: -أنا خايفة أوي يا فاطمة من أبلة حكمت لتفضحني بجد، لسانها مفيش حد في الدنيا يقدر يسيطر عليه، ربنا يستر. ربتت "فاطمة" فوق يد "سيرا" بحنان: -ما تقلقيش يا سيرا، خير إن شاء الله، أنا عارفة أبلة حكمت كويس حياة الأثرياء دي مش هتتحملها كتير، صدقيني. ****

في اليوم التالي... هبطت "سيرا" من الحافلة التي استقلتها للذهاب إلى مقر عملها. وسارت بالطريق الرئيسي الكبير بوجه جامد وملامح شبه غاضبة، إذ لم يكن صباحها أفضل صباح. بدأ يومها بشجار مع أولاد أخواتها بسبب تدخلهم في خصوصياتها داخل غرفتها. ثم تبع ذلك جدال مع "أبلة حكمت" في أمور شتى. وانتهى بمواجهة مع "فايق"، ذلك المستفز الذي حاول التحدث معها.

لكنها أطلقت فتيل غضبها في وجهه وتركته يحدق في أثرها متعجبًا من جرأتها غير المعتادة. لمحت من بعيد جسد "يزن" وهو يقف مستندًا إلى أحد الأعمدة أمام "معرضه"، ويبدو عليه أنه ينتظر قدومها. شجعت نفسها على تجاهله بعدما نفدت قارورة صبرها لهذا اليوم. فقد قررت ألا تتحمل لعبة القط والفأر التي بدأت تشعر ببداياتها معه. سارعت بخطواتها بوجه جامد، مجبرة نفسها على تحديد وجهتها.

حتى نجحت أخيرًا في الدخول من بوابة البرج الحديدية، ملقية السلام على صاحب البرج بابتسامة مقتضبة. أما "يزن"، فقد تراجع بجسده خطوتين بعدما كاد يستعد للذهاب خلفها والتحدث إليها. إلا أن تجاهلها له أثار استغرابه قليلًا. ثم أوهمه عقله بأنها ليست سوى خطة منها للإيقاع به في شباكها. فارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة ماكرة، وهو يردد بحماس شبابي: -ماشي يا ست سيرا اتقلي براحتك.

أما على الجانب الآخر، مال الحاج "أحمد" صاحب البرج الذي تعمل فيه "سيرا"، على أحد أصدقائه قائلاً بعبوس كعادته: -هو إيه حكاية يزن الشعراوي ده، أنا ملاحظ إنه مابينزلش عينه من على البت اللي لسه طالعة الجيم. هز صديقه رأسه بتأكيد ساخر: -ما يبقاش يزن الشعراوي إن ما حاول يكلمها. احتدت ملامح الحاج "احمد" بقسوة: -لا أنا مابسمحش عندي بالمسخرة أبدًا، قول لصاحب الجيم يمشيها.

-لا لا يا حاج البت الشهادة لله محترمة ومشوفناش منها أي حاجة وحشة، وبعدين أنا قولتلك لسه بيحاول يوصلها، بس باين عليه مش عارف ياخد معاها حق ولا باطل. تنهد بتروي قبل أن يقول بحسم:

-خلاص فتح عينك لو لقيتها اتسهلت معاه قولي وعرفني، أنا مش عايز أي سمعة وحشة على البرج، وبعدين ربنا يهديه يا أخي إلا ما الواحد شاف له زبون راجل، كلهم ستات في ستات، مع إن اخوه الكبير محترم وراجل ابن ناس سمعته زي الجنية الدهب، مش عارف ماطلعش لاخوه ليه! -ملناش دعوة يا حاج، دع الخلق للخالق. **** انتفضت "يسر" بفزع وهي تنظر لوالدها السيد "فاضل" بعدما هب يوجه طوفان غضبه نحوها:

-يعني إيه عايزة أطلق وخلاص، هو أنا أهبل قدامك، في واحدة محترمة عايزة تهد بيتها من غير سبب! هتفت برجفة بسيطة وهي تقول: -يا بابا أنا ونوح مابقناش متفاهمين صدقني، وده أحسن لمصلحة لينا. ضرب السيد " فاضل" كفًا بآخر وهو يقول: -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قوليلي سبب واحد عشان تطلبي الطلاق منه، بيضربك؟ هزت رأسها نفيًا، فتابع هو بصرامة: -بيشتمك بأهلك، بيقل منك؟

عادت تحرك رأسها نفيًا، والخوف يسيطر عليها من إفشاء سرها مع نوح. فتابع والدها بانزعاج: -ما بيصرفش عليكي؟ هزت رأسها، والصمت يلتف كشبكة عنكبوتية حول لسانها. فصاح "فاضل" بغضب: -امال إيه يا بنتي! ، بصي بقى مفيش طلاق غير لما تيجي تقوليلي سبب واحد وصريح، غير كده أنا مش هسمح بلعب العيال ده، وأنا النهاردة هروح لنوح أتكلم معاه. وضعت "أمل" التي كانت تتابع حديثهما، يدها فوق وجهها بصدمة.

فسارعت "يسر" تحاول إلغاء تلك الفكرة قائلة بارتباك طفيف، والدموع تتسابق فوق وجنتيها: -طـ... طيب بص يا بابا سيبني أتكلم معاه النهاردة وأوصل لحل يرضيني، ولو حسيت إننا لسه مش متفاهمين هسيبك تتكلم معاه تمام! أحس "فاضل" بشيء مريب لم يستطع فك لغزه. ولكنه أظهر موافقته وغادر إلى عمله. أما "أمل" فقد انتقلت فورًا بجانب ابنتها، وقالت بخوف: -يالهوي لو أبوكي عرف الحقيقة، وإنك كنتي موافقة من الأول ده يبهدلنا ويسود عيشتنا.

بكت "يسر" بانهيار في أحضان والدتها قائلة بنبرة عاجزة: -أنا تعبت ونفسي أرتاح بجد. ترددت " أمل" قبل أن تلقي ما في جعبتها مرة واحدة: -أنا من رأيي يا يسر، تـ... تسيبه يجرب اللي هو عايزه وفي الآخر يا بنتي هيعرف قيمتك وإنه كان متجوز جوهرة... قاطعتها "يسر" بغضب شديد: -لا يا ماما أنا غلطت مرة واتنازلت وكنت فاكرة إني هنجح في علاقتي مع نوح، بس بالعكس أنا اتدمرت ومانجحتش في أي حاجة، غير إن دمرت نفسي وبس. تنهدت "أمل" بقلة حيلة:

-خلاص يا بنتي دي حياتك وانتي حرة فيها، حاولي تقنعي أبوكي بأي حاجة غير إنه يعرف اللي حصل. هزت رأسها "يسر" بتفهم، ونهضت تدخل غرفتها لتستجمع قواها وتحاول إيجاد فكرة مناسبة لإنهاء تلك المعضلة. **** استطاعت "سيرا" اقتناص وقت للراحة، فأخرجت هاتفها تعبث به قليلاً على وسائل التواصل الاجتماعي. حتى رأت رسالة نصية مُرسلة من قبل "فاطمة" فحواها:

"سيرا الحقيني أنا في مصيبة، الشركة اللي قولتلك عليها طلعت نصباية وصاحبها راجل متحرش، أنا قدرت أخلع منه وقفلت على نفسي في أوضة من جوه، هبعتلك اللوكيشن انقذيني، أوعي تتصلي عشان ده الفون الصغير اللي معايا، التاني برة معاهم في شنطتي". توسعت عينا "سيرا" بصدمة وتسارعت أنفاسها. فأرسلت رسالة بأصابع مرتجفة: "ما تخافيش يا طمطم هتصرف وأجيلك".

استأذنت سريعًا من عملها وهبطت الدرج بسرعة جنونية، ثم إلى الطريق الرئيسي وبدأت تهرول كالمجنونة وعقلها عاجز عن التفكير بمن تستنجد به في هذه الحالة دون أن تثير بلبلة حول صديقة طفولتها. أما "يزن"، فقد رآها تركض بسرعة جنونية والقلق يسيطر عليها من خلف زجاج معرضه. ترك الملفات التي كانت بيده وسارع خلفها ليطمئن عليها. بينما الحاج "أحمد" تابع ما يحدث بوجه مستاء حتى غابت "سيرا" عن أنظاره ثم كذلك "يزن". فتمتم بضيق:

-يزن ده مش هيجيبها لبر أبدًا. بينما كانت "سيرا" تحاول إيقاف أي سيارة أجرة، لم تلاحظ وجود "يزن" خلفها مباشرةً إلا عندما قال بنبرته الرجولية التي اخترقت مسامعها: -سيرا انتي كويسة؟! انتفضت بفزع وهي تستدير بكامل جسدها نحوه، والقلق واضح على ملامحها. حتى لمعت برأسها فكرة الاستعانة به. فقالت برفق مهزوز: -يزن ممكن تساعدني؟ أجابها بثقة وتأكيد على الفور: -طبعًا، مالك في إيه؟ -عندك عضلات، وبتعرف تضرب؟

كان سؤالها عجيبًا، ولكنه لم يتعجب كثيرًا. فقد اعتاد أن "سيرا" فتاة غريبة الأطوار، قهرت جميع معتقداته عن الفتيات بتصرفاتها غير المتوقعة، حتى استفزت فضوله ومشاعره نحوها لاكتشاف أغوارها أكثر: -انتي شايفة إيه؟! استعرض عضلاته أمامها، فقالت بتوتر متجاهلة هيئته التي خطفت أنفاسها: -بص دي رسالة من فاطمة صاحبتي كانت بتعمل كاست تمثيل... ناولته هاتفها ليقرأ محتوى الرسالة، فقال لها بحزم:

-ثواني هجيب عربيتي وأجيلك ماتتحركيش من مكانك، وابعتيلي اللوكيشن ده حالًا. هزت رأسها بالإيجاب وانتظرته حتى أتى بسيارته ووقف أمامها، مشيرًا إليها بالصعود. امتثلت لطلبه وبدأت في فرك كفيها بتوتر بالغ، وعقلها يصور لها أسوأ اللحظات التي قد تمر بها صديقتها. حاولت إرسال رسائل إليها دون أن تتلقى أي رد، فانهارت باكية وهي توجه حديثها لـ "يزن"، الذي شعر بتوتر لم يصبه مثله من قبل: -هي ليه مابتردش عليا طيب؟

يبقى كسروا الباب عليها صح! نظرت إليه، والدموع تتسابق على وجنتيها وكأنها في سباق للركض. اختطف "يزن" نظرة سريعة نحوها وأصابه شعور بالعجز والضيق. فجذب منديلاً وأعطاها إياه، قائلاً بلطف: -خلاص اهدي، إن شاء الله مش هيحصلها حاجة، وأنا كلمت زيدان اخويا ظابط شرطة وهو كمان في طريقه ليها. هتفت بتوتر وخوف: -بس هي عمرها ما دخلت أقسام وأنا ما... ما كنتش عايزة يعني إنها تتبهدل، أكيد انت فاهم إنها بنت....

رمقها بنظرة متفهمة يبث فيها روح الاطمئنان، والتي وصلت إليها من خلال كلماته: -ما تقلقيش أكيد فاهم، وزيدان هيتصرف. تنهدت بخوف وهي تتابع الطريق الذي سلكه "يزن" بأقصى سرعة، حتى وصلا إلى البناية المنشودة. فالتفت إليها قائلاً بتحذير: -هو أنا مش قولتلك ماتتحركيش من مكانك، ماسمعتيش كلامي ليه؟ -أنا مابسمعش كلام حد. ردت بعنادٍ وهي تتجه بتمردٍ نحو الدرج. فتابع خطواته خلفها محذرًا:

-سيرا، إحنا لازم نستنى لما زيدان ييجي ماينفعش نتهور أبدًا. توقفت عن صعود الدرج، ونظرت إليه نظرة ساخرة: -هي العضلات دي تركيب ولا إيه؟! ضيّق عينيه واقترب منها مختصرًا بعض المسافة بينهما وهو يقول: -بتستفزيني صح، بس أنا بقى دماغي اللي بتسبق إيدي ودي المعلمة. -طيب يا معلم أنا صاحبتي فوق وفي واحد بيتحرش بيها، هنسيبها لحد ما أخوك الظابط ييجي. -أخوه الظابط جه يا جماعة.

التفت "يزن" إلى مصدر الصوت، بينما رفعت "سيرا" رأسها تبحث عنه. لتجد شابًا يشبه "يزن" إلى حدٍ كبير ويحمل وسامة مماثلة، وخلفه بعض الرجال. عقدت حاجبيها بعدم فهم ووجهت نظراتها إلى "يزن": -هو مش أخوك ظابط شرطة؟ -إيه مش حاسة صح، أنا نفسي مش متأكد. قالها "يزن" بمزاحٍ طفيف رغم صعوبة الموقف. فاحتل الضيق معالم وجه "زيدان" وهو يردف بغرور: -مالي يا ماما ماشبهش ظباط الشرطة ولا إيه؟!

وجهت "سيرا" حديثها لـ "يزن" مرة أخرى متجاهلة أمر "زيدان" من فرط خجلها وهي تردد باستنكار: -غريبة! مش لابس لبس ظباط الشرطة ليه؟ حاول "يزن" التحدث وهو يرمق "زيدان" نظرة محذرة، حين لمح في عينيه الاندفاع والهجوم. لكن سبقه "زيدان" قائلاً بتهكم: -معلش بيعملي حساسية، الدكتور مانعني منه. نظرت إليه نظرة متوترة يختلط بها الحدة. ثم استكملت صعودها. ولكن "يزن" عرقل "زيدان" محذرًا:

-خف يا خفيف عشان ما أزعلكش، ومتضايقهاش تاني، أحسنلك. رفع "زيدان" أحد حاجبيه باعتراض وكتم ردوده الوقحة عندما لاحظ متابعة رجاله لجدالهما. أما "يزن" لم يعطه فرصة للرد، حيث تحرك خلف تلك المهرة سريعًا محاولاً حمايتها. مما أثار تعجب زيدان. وصلوا أمام باب الشقة فقالت "سيرا" بحماس ممزوج بالخوف: -يلا اكسر الباب، أو طلع مسدسك اضرب عليهم نار. وجه حديثه لـ "يزن" متعمدًا نفس أسلوبها معه: -قولها متتدخلش في شغلي.

ثم اقترب خطوة وكاد أن يطرق الباب. فقالت "سيرا" بانفعال خافت والدهشة ترتسم فوق معالمها: -يا نهار أسود، أنت بتعمل إيه؟ -بخبط عليهم! رد ببساطة ساخرة أدهشتهما. فقال "يزن" متابعًا باستفهام ساخر: -أنت أكيد في موسيقى الشرطة يا زيدان قولي وريحني؟! رفعت "سيرا" حاجبيها معًا قائلة بتهكم طفيف: -أنت بتستأذن منهم؟ -أنا ظابط متربي عشر مرات، قبل ما أقبض على حد بستأذنه الأول، أعمل إيه في أخلاقي!

قالها بضحكة سمجة، جعلتها تغضب سريعًا فظهر انفعال ناري بأنفاسها ونظراتها. لكزه "يزن" بخفة ثم همس له بتهديد: -أنا مش قولتلك ماتزعلهاش! -خلاص اسكتوا أصل ويمين الله هقبض عليكوا انتوا. أبعده "زيدان" عنه بغيظ، وطرق الباب طرقة قوية فزعت "سيرا" وجعلتها تستكين بصمت بجانب "يزن". فنظرف إليها "زيدان" بنفس ابتسامته السمجة: -كده عجب! أخفت ملامحها خلف جسد "يزن" الذي ثار بضيق:

-يا عم ما تخلصنا بقى، إيه الحوار اللي مش باين له معالم ده! فُتح الباب وظهر رجل قصير القامة ممتلئ الجسد وأصلع الرأس، يتظاهر بالنوم وهو يفرك في عينيه متسائلاً: -خير، مين حضراتكم؟ -يارب ما يكون أزعجناكم؟! أوعى يا عم من كده من وشي، مش ناقصة لؤم على الصبح! رد عليه "يزن" باستهجان متأجج بعد أن نفد صبره. ودفع الرجل للخلف بقوة في حركة مباغتة أدهشتهم جميعًا. فقد الرجل توازنه وسقط أرضًا.

بينما اندفع "يزن" إلى الداخل يبحث عن صديقة "سيرا". في حين كانت هي تسير خلفه بخطواتٍ مسرعة تنادي بصوت قلق: -فاطمة انتي فين؟ -إيه اللي بيحصل في بيتي ده! قال الرجل بقسوة، وهو يوجه حديثه إلى "زيدان" الذي كان يقف يرمق أخاه بنظرات شرسة، بعد أن تجاوز حدوده وبادر بأمورٍ لم تكن بمحلها! لكن "يزن" لم يكتفِ عند هذا الحد، بل أمسك الرجل من ثيابه وهدده بقسوة:

-هتخليك محترم هتطلع منها سليم، هتلاوع هخرب عليك وعلى اللي خلفوك، فين فاطمة؟ ارتجف الرجل تحت يده وأردف بتلعثم: -فـ.... فاطمة مين؟ أنا ماعرفش حد بالاسم ده! كانت "سيرا" تفتح أبواب الغرف واحد تلو الآخر بحثًا عن فاطمة. حتى وصلت إلى غرفة أخيرة، وحاولت فتحها ولكنها كانت موصدة. فقالت بذعر: -يزن خليه يفتح الأوضة دي. -فين مفتاح الأوضة دي؟! سأله "يزن" بصرامة، وعيناه تشتعلان غضبًا. فقال الرجل بتحذير مهزوز:

-أنا هبلغ البوليس، وهحبسكم. -وتبلغ ليه يا افندم، البوليس موجود بنفسه معاك. قالها "زيدان" وهو يقف بجانب رجاله، ينظر للرجل بنفس ابتسامته السمجة، بينما معالم وجهه تخفي الكثير والكثير. فقال "يزن" لـ "زيدان" بحسم: -خلي رجالتك يكسروا باب الأوضة. لم يتحرك أحد من رجاله حتى أشار إليهم "زيدان" بنظرة واحدة جعلتهم يندفعون كالإنسان الآلي، ينفذون الأمر في ثوانٍ معدودة.

وفجأة ظهرت "فاطمة" تقف مكبلة الأيدي وعلى فمها شريط لاصق ومن خلفها رجل يضع سكينًا على عنقها. فصرخت "سيرا" بفزع: -فـــــاطـــمــــــــة. **** بعد مرور عدة دقائق.. خرجت "سيرا" بجانب "فاطمة" من البناية، تساندها بلطف ورفق، محاولة تهدئتها بشتى الطرق: -خلاص يا فاطمة بقى، اهدي ماحصلش حاجة واهم اتقبض عليهم. هتفت "فاطمة" بنبرة مذعورة، وعيناها ترتجفان خوفًا: -أنا عشت أصعب لحظات في حياتي. ربتت "سيرا" فوق رأسها

عدة مرات وهي تقول برفق: -خلاص يا حبيبتي الموضوع انتهى وانتي الحمد لله بخير، وهما راحوا في ستين داهية. هزت "فاطمة" رأسها محاولة الاقتناع بكلمات "سيرا" اللطيفة، علها تطفئ نيران صدرها وتهدئ ثورة عقلها. في تلك اللحظة، استمعتا معًا إلى صوت "يزن" الذي قال من خلفهما: -يلا عشان أوصلكم. سارعت "سيرا" بالرفض مع ابتسامة مهذبة ممتنة: -لا شكرًا، إحنا هناخد تاكسي، شكرًا يا يزن على اللي عملته، تتردلك إن شاء الله.

عقدت "فاطمة" حاجبيها من رد "سيرا" الأخير، بينما ضحك "يزن" رغمًا عنه قائلاً بمزاح: -هترديها في إيه! ، أنا مش هقبل أقل من حالة تحرش. تحفظت ملامح "سيرا" عن إظهار الامتنان، وأعلنت اعتراضًا شرسًا على مزاحه الساخر بحقها. فرمقته بنظرة ساخطة، وجذبت "فاطمة" خلفها. أما "يزن"، فقد وقف يتابع أثرهما بتسلية، حتى وقف "زيدان" بجانبه ينثر تهكمه: -يا حرام! ، أخدت غرضها وخلعت منك. التفت إليه "يزن" يخصه بنظرة مستنكرة

والاشمئزاز يحتل وجهه: -أنت اسكت خالص، كسفتني يا أخي الله يكسفك وأنا اللي كنت بتباهى بيك، طلعت أي كلام. طال التعجب ملامح "زيدان"، فتابع "يزن" حديثه بعتاب ساخر: -إلا ما طيرتلك باب ولا كسرت رجل ولا إيد حد حتى، هو الأكشن اتلغى من الشرطة ولا إيه؟ زفر زيدان بحقد وغل:

-تصدق بالله أنا راجل أهبل عشان مشيت وراك وجيتلك، كنت المفروض أسيبك محتاس، وتطلع فشنك قدام السنيورة بتاعتك، وبعدين يا أعمى البصيرة أنت ماشوفتهمش وهم مستسلمين قدامك، هيبتي بس تكفي. حذره يزن بقوة: -أولاً ماتدخلش السنيورة في كلامنا أحسنلك، ثانيًا هيبة مين يا عم، أنت اللي وقعت في مجرمين محترمين شوية. ثم غادر "يزن"، تاركًا "زيدان" ينظر إلى أثره باستنكار وضيق، وهو يهمس لنفسه: -ماشي يا يزن، أنا هعرف أخرتك مع السنيورة إيه!

**** دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. جرت "يسر" أقدامها بثقل شديد حتى وقفت أمام الشقة التي تقع بها عيادة "نوح". جذبت أنفاسًا طويلة، وملامحها الذابلة تزداد ضعفًا وقهرًا. فقد ترك العجز آثاره على ملامحها الجميلة، واختفى بؤبؤ عينيها من شدة الدموع المتجمعة فيهما. دقت الجرس وانتظرت بخمول، حتى فتح "نوح" الباب، متفاجئًا من وجودها أمامه بهذه الحالة البائسة: -يسر مالك؟ حصلك حاجة انتي ولا لينا؟ هزت رأسها نفيًا، وكلماتها

تثقل أكثر فوق طرف لسانها: -لا، أنا كنت عايزة أتكلم معاك، ينفع؟ -طبعًا ينفع، ادخلي. وقبل أن تدخل "يسر"، سمعت صوتًا أنثويًا يهتف من خلفها، جعل "نوح" يصاب بالصدمة، وظهرت علامات الارتباك على ملامحه: -دكتور نوح. وما كانت تلك سوى "حسناء"، السكرتيرة، تقف في وضعية مشبعة بالغنج والدلال، مع ابتسامة خبيثة تخفي الكثير خلف ثغرها الملون بحمرة وردية. عجزت "يسر" عن تفسير وجودها في تلك الساعة، سوى أن طبول الخيانة بدأت في القرع.

شعرت بأنها لا تملك أحقية الدفاع عن حياتها الزوجية، خاصة بعدما قطع "نوح" حبل الوصال بينهما. فقررت رفع راية الاستسلام أمام خصمها، سواء كانت "حسناء" أو أي شخص آخر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...