فتح "زيدان" عينيه بكسل شديد، ومد ذراعيه للأمام وهو يتثاءب، ثم اعتدل بجسده العلوي وضغط على زر الإضاءة الخافتة بجانبه. ألقى بصره بجانبه فلم يجد "مليكة"، فتعجب وجلس على الفراش. فتح فمه لينادي عليها، لكنه صُدم مما رآه، فقال بذعر تجسد على ملامحه: -أيه ده؟ سلام قولًا من رب رحيم، إزاي دخلتوا هنا!
كان "سليم" و"يزن" يجلسان في آخر الغرفة بهدوء شديد. عندما أعلن صدمته بوقاحة، نهض "يزن" من مكانه، وخطى خطوات ثقيلة وهو يبتسم بشر، ثم انحنى بجذعه العلوي نحو "زيدان" المصدوم قائلاً بهمس حاد: -أيه رأيك في المفاجأة السودة دي، ده أنا هبقى عملك الأسود من هنا ورايح. ثم جلس "يزن" على ركبتيه وأمسك بـ "زيدان" من تلاتيب سترته القطنية، فدفعه بعيدًا عنه بانزعاج:
-أوعى يا عم من على السرير، وبعدين انت جيت امتى وإزاي محدش قالي إنكوا جيتوا! كور "يزن" يديه معلنًا استعداده لخوض معركة المصارعة المعتادة بينهما، وهو يردف بسخرية: -عشان كلهم باعوك، محدش يالا خاف عليك مننا، حتى مراتك باعتك في ثانية! دفعه "زيدان" مرة أخرى بعيدًا عنه وهو يشير إلى "سليم" بعتاب: -شايف قلة أدبه يا سليم، أنا ساكت له بس عشان انت قاعد وموجود. نهض "سليم" هو الآخر وقطع صمته الطويل، واقترب حتى حاصر "زيدان"
من الجهة الأخرى: -بتودينا في عمارة من أولها لآخرها مسكونة يا زيدان؟ رسم "زيدان" علامات الاندهاش والبراءة الزائفة على وجهه، وقال بنبرة متعجبة: -أنا! محصلش، مسكونة مسكونة إزاي؟! ضربه "يزن" فوق كتفه بقوة وهو يتلفظ بكلمات نارية محملة بأعيرة الغضب مما فعله به ذلك الفظ: -استهبل يالا، عباس قالنا كل حاجة، عايز تخلص مننا يا زيدان، ليه حارقينك في أيه؟! أشاح "زيدان" يده بلا مبالاة، شاعرًا بالإحراج منهما، لكنه أظهر عكس ذلك:
-يا عم أوعى، حارقين مين، ده جزاتي عشان وقفت جنبك، والله يا سليم اللي بتعمله وهتعمله فيا حلال. شمر "يزن" عن ساعديه، ونهض فوق الفراش بطوله الفارع، وقال بتوعد وانتقام تدلى من نبرته الحادة: -ده اللي أنا هعمله فيك هو الحلال.
ثم هبط فجأة بجسده نحو "زيدان" الذي تحمل وزن "يزن" بصعوبة حتى احمر وجهه. حاول دفعه، لكن الآخر أمسك بوسادة ووضعها فوق وجهه. دارت المعركة بينهما، وابتعد "سليم" عنهما سريعًا كي لا يحظى بلكمة في وجهه. كان للفراش نصيب حيث انكسر من شدة عراكهما. في ظل محاولات "سليم" البائسة لإسكاتهما، لم ينتبها إليه، فطرأت فكرة في عقله نفذها على الفور وقال بنبرة عالية يغمرها الخوف وهو يشير خلف "يزن": -يزن البت وأمها وراك.
انتفض "يزن" برعب ونظر خلفه، لم يجد شيئًا. استمع إلى ضحكات "سليم" و"زيدان" معًا، وأدرك مزحة "سليم"، فزفر بحنق وقال: -يا جدعان، وأقسم بالله انتوا كده بتضيعوا مستقبلي. اخشوشنت نبرة "سليم" عن قصد وهو يبوخه: -ما أنت مش راضي تسمع كلامي وتبعد عن الهمجي ده، واديك كسرت السرير. رفع "زيدان" أحد حاجبيه باستنكار وهو ينظر إلى "يزن": -هو شتمني؟ -آه يا بارد يا...
عارف لو سليم مش واقف كنت سمعتك قاموس شتايم إنما أيه عنب يستاهل دماغك السم دي. -طب أوعى، وبعدين بذمتكم مش فصلتوا شوية، المفروض تشكروني. هز "يزن" رأسه وهو يجلس على طرف الفراش السليم، متهكمًا على حاله: -فصلنا؟! إحنا فعلاً فصلنا وبقينا خارج نطاق الخدمة بسببك. جلس "سليم" هو الآخر على مقعد بجوار الفراش، مقررًا فتح الموضوع، فقال ببسمة جانبية ساخرة تحوي في طياتها غموضًا وألغازًا أثارت القلق في نفس "يزن":
-تصدق يا زيدان عندك حق، يزن فعلاً فصل وعمل إعادة تدوير لمخه وقرر إنه يسمع كلامي وهيخطب البنت اللي كانت كرفاله! رفع "يزن" رأسه بشموخ رافضًا أن تهان كرامته وكبرياؤه، وقال بضيق طفيف: -أيه يا سليم كرفاله دي، محصلش ولا عمرها هتحصل. -يا عم اقعد ساكت وخلي الطابق مستور، ما أنت اتفضحت والدنيا كلها عرفت هنا في البيت وعندك في الشغل والمنطقة والناس كلها!
ألقى "زيدان" كلماته بعناية وحرص لتغرز كالأشواك في عقل "يزن"، فوجده يقول بسخرية عكست توترًا في عينيه: -يا سلام ومين عرف الناس دي كلها! تلاعب "زيدان" بحاجبيه قاصدًا إثارة استفزازه أكثر، مبتسمًا بمكر: -آه يعني البت كرفالك فعلاً، طيب يا يزن مجتش اخدت من عصير خبرتنا أنا وسليم ليه؟! أشاح "يزن" بوجهه ببرود وهو يتمتم بنبرة ثقيلة، فلم يكن يعترف بهزيمته، فكبرياؤه كان يرفض حتى مجرد التفكير في التراجع:
-هو انتوا عندكم عصير أصلاً، وبعدين ماتهزروش، سليم أنا قراري ماتغيرش. لم يكن "سليم" بحاجة إلى الصراخ مثل المرة السابقة، فقد كان يعرف أن الهدوء والثقة الآن هما السلاح الأقوى لإقناع "يزن" بما يريد، لذا قال بتريث: -المرة دي مفيهاش هزار ولا حتى تفكير، أنا كلمت أبو البنت واتفقت إن أنا هنروح لهم يوم الجمعة. صاح "يزن" مستنكرًا وهو ينظر إلى "زيدان" مستنجدًا به: -نعم؟!
تدخل "زيدان" بقوله الهادئ، والذي رغم لطف نبرته إلا أنه حمل وقاحة صدمت "يزن": -يزن عايز الصح، أولًا انت اتفضحت ولازم الموضوع يتلم. زمجر "يزن" باستنكار ورد بوقاحة غير قادر على تحجيم لسانه: -ليه مسكتوني معاها في شقة، أيه يا جماعة متأفوروش! خلق "سليم" البيئة المثالية التي تجعل من المستحيل على أخيه رفض ما يقترحه، وكأنه لا يملك خيارًا آخر: -متنساش إن أنا قولت للحاج أحمد إنك بتحاول توصل لأبوها عشان تخطبها...
قاطعه "يزن" بحنق وقد نفد صبره، وهو يحاول الحفاظ على حياته التي يريد "سليم" رسمها كيفما يشاء، بينما هو يصبح كلعبة في يده: -يا دي الحاج أحمد، ماتخلونيش أقتل الراجل ده. كان "سليم" يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، حتى قرر قطع صمته، متحدثًا بمزيج من المنطق والعاطفة، استطاع أن يصوغ حججه بطريقة تجعل من الصعب على أي شخص أن يرفضها:
-الموضوع له أبعاد كتير يا يزن، أولًا إنك لازم تستقر وحياتك تجرب فيها حاجات جديدة ومش هتيجي غير بالجواز وإنك تبني عيلة، وتاني حاجة أنا قولتلك أحيانًا تصرفاتك ممكن نتيجتها متكنش تعجبك وفعلاً اللي قولته حصل، ومتنساش إن الموضوع دخل في بنت، طيب الحاج أحمد مقتنع إن البنت مؤدبة غيره مش هيكون مقتنع لإن حضرتك وقعت مع واحد مبيتبلش في بوقه فولة والأخبار زمانها منتشرة وانت لو ماخدتش خطوة بجد البنت دي هتتطرد من شغلها بسبب القيل والقال، ومش ذنبها إنها مش جايه معاك سكة ومش معجبة بيك!
فكر ورد عليا ويا ريت تكون راجل وتتحمل مسئولية شوية. غادر "سليم" ولم يعطِ له فرصة للرد، فبدأ "يزن" يميل إلى آرائه، لكنه أظهر عكس ذلك بعناده واعتراضه الممزوج باستنكار لاذع: -هو أنا من امتى مكنتش راجل معاه في كلامي! تنهد "زيدان" بقوة وهو يستند بظهره إلى الفراش، متحدثًا بهدوء ماكر، متلاعبًا بأفكار "يزن" المتخبطة، مستغلاً التناقض المنسوج في عينيه الحائرتين:
-فكك من الكلام ده كله، انت خسران أيه، اخطبها شهر ولا اتنين ولا تلاته وبعدها قوله مش مرتاح وفركش، وأهو بردو تكون اتعرفت عليها طالما هي مزحلقالك كده. احتدمت ملامح "يزن" وهو يردف بنبرة متوعدة: -تصدق بالله أنا هخطبها مخصوص عشان أوريك إزاي هي معجبة بيا ومبسوطة بيا عشان نظرة الشماتة اللي في عينك دي!
-يا عم ده جزاتي إن بقولك على الخلاصة وتخلص إزاي من سليم لإنه مش هيسيبك، سليم أخوك لو مانفذش اللي في دماغه هتبقى سواد على دماغنا قبلك! فرك وجهه بقوة وهو يشعر بالحيرة، فقد انقسم إلى جزئين، جزء يصارع ويثور رافضًا لرأي "سليم" من الأساس، فتلك حياته وهو أدرى بها، وآخر يخضع لرأي "زيدان"، خاصةً أن تلك الجامحة، سليطة اللسان، متقلبة الأهواء، لم يرسُ بعد في مرساها، فلِمَ لا يخوض التجربة؟
-سليم عايز يعدلني بالعافية، وأنا لو مكنتش مقتنع عمري ما هكون زي ما هو عايز. تنهد "زيدان" بقوة قبل أن ينهض من الفراش، ثم قال بهدوء رزين تعجب له "يزن" كثيرًا: -بس متنساش إن هو بيحبك وبيخاف عليك، وأكتر حاجة زعلته هو كلام الحاج أحمد عنك يا يزن، فهو عايز يثبتله إنك عكس كده، فهمت. زم شفتيه بضيق حاد قبل أن يقول باعتراض: -من امتى سليم بيهمه كلام الناس! توقف "زيدان" قبل أن يدخل إلى دورة المياه وهو يحمل منشفته فوق كتفه:
-لغاية عندي وعندك، ويمكن عندك انت كمان أكتر بيهمه جدًا كلام الناس، أخوك عايزك تبقى واجهة مشرفة. لانت ملامحه المنزعجة إلى استنكار طفيف وهو يشير نحو نفسه: -وأنا واجهة أيه يعني دلوقتي! تظاهر "زيدان" بالتفكير قليلاً قبل أن تتسع ابتسامته ويردف بوقاحة معتادة منه: -الصراحة أكيد واجهة تعر! يلا البيت بيتك يا يزون أنا داخل آخد شاور.
ودخل سريعًا قبل أن يلقي "يزن" في وجهه وسادة كبيرة، معطيًا لسانه حرية التعبير بشتائمه القذرة، منهيًا اعتراضاته: -يزون في عينك يا زيدان، والله ما أنا سايبك. *** خرجت "سيرا" سريعًا من غرفتها تحمل حقيبتها بعدما تأخرت اليوم على عملها، ولكن أوقفها أخواها "عبود" و"قاسم" التوأمان، وهما يبتسمان برجاء، فتفهمت "سيرا" مقصدهما كعادتهما معها.
-والله يا شباب المستقبل أنا ما معايا إلا على قد المواصلات الشهر ده، ابقوا تعالوا الشهر اللي جاي! التفوا حولها وقال "قاسم" ذو البحة الغليظة التي لا تتناسب مع رجائه: -سوسو، إحنا عايزين بس خمسين جنيه، ورانا اشتراك ماتش ضروري وعايزين نروح. تولى "عبود" ذو البحة الأضعف والجسد الأصغر والملامح الضعيفة عن توأمه: -مستقبلنا في إيدك الحلوة دي. ثم وضع قبلة فوق يدها، وتولى الآخر اليد الأخرى وأغرقها بالقبلات، حتى أبعدتهما "سيرا"
بحنق وهي تقول بشك: -طالما جاينلي يبقى بابا مانع عنكم المصاريف، يا ترى ليه؟! اندحرت ملامح "قاسم" الخشنة إلى براءة زائفة تحت نظرات أختهم المستنكرة: -كانت مجرد خناقة مع شوية عيال ملهمش لازمة، وبابا شافنا وحلف ليعاقبنا، طيب يعاقب واحد، أبدًا إحنا الاتنين. زمت شفتيها بضيق من أفعالهما المتهورة، خاصة أنهما في مرحلة مراهقة ويصعب التحكم بهما. أخرجت نقودًا من جيبها ووضعتها بين قبضتيهما قائلة بتهديد صارم:
-أول وآخر مرة تتخانقوا، المرة الجاية ممكن يحصلكم حاجة، فاهمين! أومأ الاثنان برأسيهما في خضوع تام، وعندما فتحت قبضتها التقاطا النقود وفرّا خارج المنزل سريعًا، تحت نداءات "أبلة حكمت". وما إن وصلت "سيرا" إليها، حتى سمعتها تقول: -يا ماما ركزي شوية مع جوز البهايم دول، صافي بيقولي عاملين مصايب مع المنطقة كلها. وما إن التفتت حتى رأت "سيرا" تقف خلفها مباشرة، فنظرت لها بشك: -انتي اديتهم فلوس يا سيرا؟!
أشارت "سيرا" نحو نفسها باستنكار، متحدثة بجدية: -أنا! أنا يا أبلة أديهم استحالة، أنا ماشية بمبدئك في الحياة! السلف تلف والرد خسارة! أمسكتها "حكمت" من كتفيها قائلة بفخر، وابتسامتها تظهر بوضوح، وهي نادرًا ما تحتل ثغرها المقتضب دومًا: -أيوه يا بت شاطرة، إن كنت على البير اصرف بتدبير. -الله يا أبلة، الله على أمثالك اللي بتخليني كل يوم متأكدة إن بمشي ورا الشخص الصح. توقفا عن الحديث عندما خرج والد "سيرا" من غرفته، مناديًا
عليها: -سيرا عايزك. نظرت في ساعتها فوجدت نفسها متأخرة ما يقرب من نصف ساعة عن عملها، فقالت بحذر ونبرة مهذبة للغاية: -دلوقتي يا بابا؟ -آه معلش، حتى لو هأخرك عن شغلك، في حاجة ضرورية. اضطربت معدتها مما هيأه عقلها البائس، ونظرت إلى أختها الكبرى التي كانت تنظر لوالدها بفضول كاد يقتلها. وقبل أن تتحرك "سيرا" وجدتها تسبقها وتدخل الغرفة عنوة تحت نظرات والدها المستهجنة: -أيه يا بابا هتطردني ولا أيه!
أفسح والدها لها المجال وهو يشير للداخل بنبرة غير راضية، لكنها تجاهلت اعتراضاته وجلست فوق أريكة صغيرة، وبجانبها جلست "سيرا" بقلق ما أن يفاتحها والدها بشأن تقدم "فايق" إليها! وقد صدق حدسها عندما قال بهدوء مثبتًا بصره عليها: -في عريس جايلك. توهجت ملامحها المرتبكة لغضب مستنكر وهي توطئ عتابها لأختها دفعة واحدة: -عريس؟! انتي قولتي لبابا يا أبلة بردو. تنقلت نظرات والدهما بينهما وهو يقول بحيرة: -قالتلي على أيه؟!
زمت "سيرا" شفتيها وشعرت بانقباض صدرها لدرجة أنها أحست ببوادر البكاء تقف على حافة جفنيها: -على فايق يا بابا، أنا مش عاوزاه. -لا فايق أيه، أنا كمان ما عجبنيش الموضوع، يوم ما تتجوزي تتجوزي جوازة حلوة، انتي آخر العنقود في البنات ومعنديش أعز ولا أغلى منك. هنا زاد فضول "حكمت" إلى الضعف من بداية الأمر، وهي تعرف أن الموضوع لا يخص "فايق"، فوالدها أبدى رفضه حتى بعد محاولاتها المستميتة لإقناعه، فتدخلت بحماس:
-مين يا بابا العريس، قولنا وفرحنا. تبسم والدها برفق وهو يكشف جزءًا عما يحويه داخل جعبته: -واحد عيلته كويسة أوووي أوووي، لو عرفتيه اظن أنك هتتبسطي وبوزك ده مش هيبقى موجود. وأشار بإصبعه نحو "سيرا"، التي تابعت في صمت مستشيط ظهر في مقلتيها، خاصة عندما تدخلت "حكمت" للمرة الثانية، لم تستطع كبح رغبتها في استكشاف هوية الشخص المتقدم لأختها، حيث كان فضولها يتزايد مع كل لحظة تمر، فقالت بنزق طفيف: -مين يا بابا شوقتنا!
أرضى والدها فضولها دفعة واحدة عندما أفصح عنه بلمحة إعجاب أنارت عينيه وعبرت عن مدى سعادته: -يزن الشعراوي، أخوه الكبير اللي اسمه سليم كلمني واتفق يجيوا عندنا يوم الجمعة هنا في البيت. توسعت عينا "حكمت" بصدمة وسعادة في آن واحد، فنهضت تصيح بنبرة عالية، وعيناها تلمعان بحماس مفرط: -أيه يزن! مبروك يا سيرا، مبروووووك يا حبيبتي، ده أنا هوزع شربات على المنطقة كلها.
حاول والدها تهدئتها قائلاً برصانة متأصلة فيه رغم ابتسامته المضيئة على وجهه منذ أن كشف عن هوية العريس: -اهدي يا حكمت داري على شمعتك تقيد يا بنتي، نتفق بس وبعدها اعملي اللي انتي عايزاه، بس المهم انتي كنتي قولتي لام فايق إن أنا رافض!
توقف قطار سعادتها قليلاً في محطة القلق، وذلك لأنها لم تخبر والدة "فايق" برفض والدها، حيث كانت مقتنعة بأنها ستحاول إقناعه. لقد خالفت أوامر والدها كعادتها، لكنها لم تبدِ للأمر أهمية، ففرحة نسب "يزن" لعائلتها أكبر من "فايق" ووالدته بكثير، فقررت أنهما ستخبرانهما فيما بعد، وحاولت الإفلات من مصيدة والدها إليها، وذلك عندما رأت شرود أختها الغريب، فسألتها بقلق وشك صارم: -آآه اه أكيد، مالك يا بت يا سيرا مسهمة كده ليه؟!
هزتها "حكمت" برفق فقالت سيرا بتيه واضح عليها: -ها.. رفعت "حكمت" أحد حاجبيها بريبة وهي تقول: -ها أيه مالك يا بت! ابتلعت "سيرا" لعابها بتوتر، وهي تجيب بصدق بان بعدستيها: -أصل اتفاجئت مفيش أي مقدمات إنه هيجي ويتقدم، ليه الموضوع فجأة قلب كده. تدخل والدها بحكمته يبرر بتعجب لاستنكارها المضيء بمقلتيها: -الراجل كلم أخوه وحس بمشاعر ناحيتك وحب يدخل البيت من بابه، بالعكس المفروض تفرحي.
لم تترك لها "حكمت" مجالاً للتحدث مع والدها وإفراغ شحنة القلق داخلها من سرعة تطور الأمور بينها وبين "يزن"، وحتى إن كان فؤادها قد اضطربت أوردته لأول مرة من أجله، وشعرت بضجيج مشاعرها وتخبطها كلما فكرت به أو تذكرته، إلا أن سرعة تهيئة الأمور لما تتمناه تقلقها وتثير الارتباك في أعماقها، استمعت لصوت "حكمت" في الصالة وهي تصيح بعائلتها رغم اعتراض والدها بالتزام الهدوء: -سيرا هتتخطب يا بنات، هتتخطب لواحد حلو أوووي وجوازة سقع.
هز والدها رأسه بضيق ويأس من تصرفها، قائلاً بهمس حانق: -ربنا يسامحك يا حكمت، يا بنتي اهدي. أبعدت يد والدها عنها وهي تقول بحماس وسعادة حقيقية تسربت إليهم جميعًا، فوقفت "سيرا" تنظر إلى سعادتهم على أعتاب غرفة والدها: -اهدا أيه يا بابا، تعالوا يا بنات، تعالي يا ماما، هاحكيلكم على عريس سيرا، أيه طول بعرض، وعنده معرض عربيات كلها فظيعة بتشوفوها في الأفلام.
وظلت تخبرها عما تعرفه عن "يزن" وعن عمل عائلته، وبما تملكه عائلة "الشعراوي" من محلات لتجارة الذهب، كما أخبرها "يزن" ذات مرة، فانتفضوا جميعًا بفرحة عارمة وتوجهوا نحوها يقبلونها بحب وحماس، فقالت "شاهندا" وهي تقبلها في خديها بحب: -ألف مبروك يا سيرا، أنا هاين عليا اطلع في البلكونة وأزغرط.
ابتسمت بتوتر، وقد شعرت بالفعل ببوادر السعادة، ومال عقلها إلى حديث والدها، خاصة أنها لم تنصاع لمحاولات "يزن" للتعرف عليها، وظلت تراوغه حتى هرع صريعًا لها وأعلن استسلامه، فقالت بمزاح طفيف: -أيه يا جماعة هو أنا كنت بايرة ولا أيه! تدخلت "كريمة"، الأخت الأخرى، وهي تقول بعتاب وتمسك فوق كتفيها برفق وحنو بالغ: -لا يا حبيبتي طبعًا ده انتي ست البنات كلهم، بس أبلة حكمت بتقول إنها جوازة حلوة وعريس غني ومبسوط.
تلقت "سيرا" التهاني والمباركات من عائلتها واحدًا تلو الآخر على هذا الإنجاز العظيم من وجهة نظرهم، ورأت بعينيها سعادة والديها، التي لم ترها مع أي عريس تقدم لها من قبل، خرجت من بؤرة التيه التي دخلتها، وأدركت الآن نجاح خطتها في الإيقاع بـ "يزن" في شباكها، ولأول مرة، تضحك لها الحياة وتفتح ذراعيها لتحتضنها داخل جنان الحب والسعادة. ***
خرجت "سهام"، أخت "فايق"، إلى غرفته باندفاع قوي، وهي تطلق زغاريد مصرية وسعادة كبيرة تحتل وجهها المستدير، قالت بنبرة مرتفعة، محركة الغافي فوق فراشه بقوة لإيقاظه، بعدما أصبح نومه ثقيلًا جدًا، بعد عدة محاولات، فرق جفنيه بصعوبة بالغة، حتى أنه حاول رفع رأسه وفشل، فالخمر لا تزال آثاره في عقله، وأصبحت رؤيته مشوشة وهو يرى أخته تقف بالقرب منه. -فايق، قوم، قوم يا حبيبي ألف مبروك. خرجت حروفه الثقيلة بأعجوبة وهو يقول: -فيه أيه؟!
مالت نحوه وحاجباها يتلاعبان بمزاح، مقررة إخباره بأسعد خبر في حياته: -فيه زغاريط جاية من بيت سيرا، باين أبوها وافق. أخيرًا نجح في الاعتدال، وحاول التظاهر بالتركيز كي لا يُكشف أمره أمام أخته وعائلته، فقال بعدم تصديق ونبرة مندهشة: -بجد؟! أكدت برأسها في حماس وهي تجلس بجانبه: -آه والله، يا فرحتنا بيك يا حبيبي.
حمحم بخشونة وهو يؤكد عليها، وكأنه يؤكد على عقله غير المصدق لتلك الأخبار، فبسبب معاملتها الجافة وأسلوبها النافر مؤخرًا، رسم في خياله صورًا عديدة للرفض، لكنه لم يمل أو يكل حتى تصبح زوجته ويكسر أنفها المتعالي عليه: -يعني كده هروح لهم يوم الجمعة. -آه، أبلة حكمت كانت قايلة لماما إنه لو أبوها وافق هتسمعوا الجواب بنفسكم من الزغاريط، وبعدين يا حبيبي هما يلاقوا أحسن منك فين؟
ده انت سيد الناس، وماما كانت متفقة معاها على يوم الجمعة. ارتاح قلبه وعقله في آن واحد، واعتقد أنها ليست مجرد خدعة منها لتوقعه في شباكها كأي فتاة تراه وتعجب به، لكنه كان يأخذهن لمجرد التسلية، أما هي، فقد كانت ومضة الإعجاب التي تحولت إلى مشاعر سكنت قلبه بلا استئذان، لن ينسى سعادته عندما جاءت "سهام" إليه راكضة تخبره بكلام "فاطمة"، التي استطاعت إيقاعها به، وعن مدى إعجاب "سيرا" به:
-طيب كويس، سيبني أنام بقى عشان جاي متأخر امبارح وتعبان. مسدت "سهام" فوق رأسه بسعادة وتركته يعود لنومه مجددًا، بينما هي ذهبت إلى والدتها ليتفقا على جميع الأشياء التي سيأخذونها معهم يوم الجمعة. -نام يا عريس، نام نوم الهنا والسعادة. *** فرقت جفنيها بألم تجلى بوضوح على ملامحها الشاحبة، عندما هاجمها كابوس آخر ينخر في روحها البائسة، مستغلاً ضعفها وأوجاعها. همست لنفسها بألم واضح: "وما شأن تلك الكوابيس بي؟
ألا ترفق بفؤادي المكسور، وبذلك الشرخ العميق في صدري المكلوم، وبعقلي الذي أصبح مهترئًا بسبب طعنات الغدر والخيانة! آه من مذاقها المر العلقمي! انتفضت بفزع عندما طرق والدها باب غرفتها عدة طرقات عنيفة، ثم دخل يهتف بنبرة معاتبة: -يسر، قومي انتي نايمة بتعملي أيه ده كله؟! جلست على الفراش وهي ترتب خصلات شعرها، قائلة بإحراج من نظرات والدها الغاضبة: -هعمل أيه يا بابا يعني؟! جلس والدها مقابلها وهو يردد بنبرة هادئة،
ولكن الضيق سيطر عليها: -تعملي كتير أوي، انتي لسه في بداية حياتك، هتقضيها نوم على السرير واكتئاب. أبعدت بصرها عنه وهي تمتم بنبرة منكسرة، شاعرة بالعجز الشديد أمام ضغوطات والديها لتخرج من بؤرة الاكتئاب تلك، وكأنها تملك عصا سحرية تسيطر من خلالها على أوجاعها المتزايدة من غدر وخذلان وحزن وغضب، مزيج يصعب التحكم به وهي في أضعف حالاتها، فالخيانة شيء مرير يعجز العقل عن تقبلها، وينهار القلب كجبل وتد انهار!
-يعني هي فترة وإن شاء الله هبقى أحسن. رفع "فاضل" أحد حاجبيه وهو يتمتم بضيق وحسرة: -يا فرحة نوح فيكي لو شافك بالمنظر ده! رفعت عينيها تهتف بحقد دفين: -نوح مابقاش فاضيلي، ربنا يسامحه. ضرب "فاضل" كفًا بآخر بعدم رضا وهو يقول بنبرة حادة: -أو ياخده ماتفرقش، وبعدين انتي لما قولتيلي ارفع قضية خلع وعايزة انتقم منه، قولت يا فاضل بنتك طلعت بتفهم، وهتتخطاه بسرعة.
تنهدت بعمق قبل أن تقول بثبات حاولت التحكم به، لتقنع والدها أن الأمر بينها وبين نوح منتهٍ: -بابا ماتقلقش أنا مش هرجع لنوح تاني! احتدمت ملامح والدها بغضب وهو يهدد بشراسة ضمنية: -انتي لو رجعتي له هديكي بالجزمة، أنا ما قصدتش كده طبعًا. رمشت بأهدابها بقلق وشك وهي تقول: -امال؟ كانت التنهيدة هذه المرة من نصيب والدها، الذي هدأ من حدة نبرته وهتف بغموض ولمحة انتقام استشعرتها يسر أيضًا من خلال عينيه، التي سردت لها كم الوعود
التي كانت نصيب نوح فقط: -اللي أقصدُه إنك تعلميه الأدب ويحس إن كان معاه جوهرة وضاعت من إيديه، وبعدين الراجل مننا لو حس إن الست هتموت عليه بيستكبر وبيشوف نفسه، أما بقى لو حس إن الست منفضاله هيفضل يلف ويدور حوالين نفسه زي النحلة. ورغم حديث والدها ووضوحه إلا أنها قالت بحماقة: -ما أنا هخلعه. نهض والدها وهو يبرز عدم اهتمامه برأيها، راسمًا علامات الاشمئزاز فوق وجهه: -مش كفاية، انتي تقومي تستحمي كده ريحتك ظهرت.
ورغم انزعاجه، إلا أنها ضحكت بشدة وكأنه ألقى عليها مزحة طريفة، فتساءلت عن لمحة السرور التي دخلت صدرها المظلم بكآبة لن تتخلى عنها بسهولة، استمعت لرأي والدها وهو ينظر لملامحها بحب أبوي وابتسامة شعارها الرضا: -شوفتي لما ضحكتي وشك نور إزاي، وبقيتي حلوة زي ما كنتي زمان، نهايته، يلا قومي عشان تيجي معايا عشان محضرلك مفاجأة تجنن. -مفاجأة أيه؟! نهضت من على الفراش، وهي تسأله بحماس أطفأت شعلته عندما قال والدها بوعد شرس:
-أنا وانتي هنبقى عمله الأسود، هنرازيه في حياته وكله بما يرضي الله، واثقة في أبوكي؟ أجابت سريعًا بثقة وصدق: -طبعًا. -طيب يلا بينا وهاتي بنتك معانا. *** كانت "فاطمة" تجلس فوق مقعد صغير أمام سراحتها وتنظر في المرآة، متخيلة البطل المكتوب في السيناريو المرسل لها عن طريق الإنترنت، ولكن دخول سيرا المفاجئ أفزعها وهي تقول ببسمة واسعة: -فاطمة، الحقيني هموت من الفرحة، قلبي هيقف.
نهضت "فاطمة" وهي تسأل بانزعاج من دخولها الهجومي، فقطعت عليها أدائها التمثيلي: -فيه أيه! دارت "سيرا" حول نفسها بسعادة بالغة وهي تردد: -متقدم لي عريس ومش أي عريس، أحلى عريس. عقدت "فاطمة" ذراعيها أمامها وهي تنظر لفرحتها باستياء متعجبة من تغيير صديقتها بهذا الشكل بين ليلة وضحاها: -أيه يا سيرا هو انتي كنتي بايرة وأنا ماعرفش، إيه الفرحة دي كلها! توقفت "سيرا" عن دورانها وهي تقول ببطء مدروس ونظرات متلاعبة سعيدة بترقب فاطمة
للإفصاح عن هوية العريس: -أنا فرحانة عشان اللي عجبت بيه ودخل قلبي وعقلي هو اللي اتقدم لي واخوه الكبير كلم بابا! انتظرت "فاطمة" ثوانٍ تفكر بهما حتى صاحت بانفعال: -ماتقوليش يزن الشعراوي! هزت "سيرا" رأسها إيجابًا ولا تزال ابتسامتها الواسعة تزيدها إشراقًا وحيوية مبهجة: -آه. احتضنتها "فاطمة" بفرحة عارمة صادقة: -يا حبيبتي ألف مبروك، أنا فرحانة أوي.
دارت "سيرا" حول نفسها مرة ثانية، ثم توقفت أمام المرآة تنظر لصورة صديقتها المنعكسة أمامها وهي تقول بغنج ممزوج بنبرة انتصار: -أنا اللي هموت من الفرحة وطايرة من السعادة، شوفتي بقى نتيجة اللي عملته، اهو جه واتقدم رسمي فهمي نظمي. هزت "فاطمة" رأسها بيأس منها ومن أفكارها العجيبة، ولكنها لم تحبذ إحباطها فقالت برزانة: -يا ستي ده من حظك وبعدين تلاقيه بس حبك واعجب بيكي.
التفتت حينها "سيرا" إليها وهي تخرج جزءًا من مكنوناتها التي احتجزتها بعيدًا عن عائلتها، كي لا يفضح أمرها: -يااااه يا فاطمة لما تتمني حد والحد ده يجيلك لغاية عندك، الحمد لله بجد أخيرًا هأرتبط باللي كان نفسي أرتبط بيه. ربتت "فاطمة" فوق كتفها بحب: -حبيبتي يا سيرا، ربنا يسعدك يا رب. أشارت "سيرا" بإصبع السبابة في وجه "فاطمة" التي استمعت لأوامر صديقتها والتي بان بها مدى سعادتها، فسيرا لم تكن بهذا الشكل إطلاقًا:
-من هنا ليوم الجمعة عايزة أعمل ماسكات بقى، بصي حطيلي كل الماسكات على وشي، أنا عايزة اليوم ده مفيش فيه غلطة. جذبتها "فاطمة" خلفها لتجلسا فوق أريكة صغيرة، وهي تسألها بفضول عن رأي أهم فرد في عائلة سيرا بأكملها: -استني بس، أبلة حكمت عرفت؟ -آه طبعًا زمانها بتطلع لماما طقم الصيني بتاعها، إحنا مصدومين أصلاً عمالة تطلع لنا طقم صواني جديد وحاجات تانية! رفعت "فاطمة" حاجبيها باندهاش تجلى على ملامحها:
-إيه ده أبلة حكمت راضية عن العريس أوي. أكدت "سيرا" على حديث صديقتها برأسها وهي تسرد عليها بأريحية أكثر بما يعج في صدرها: -كلهم، كل أخواتي وماما وبابا، ولما أخوه كلمه بابا سأل كام حد وشكر فيهم أوي، ادعيلي بس ربنا يتمم على خير، أصل حاسة إن حاجة هتكسر قلبي وفرحتي! -ده الشيطان فكك، وركزي في فرحتك. زفرت "سيرا" بضيق طفيف فتلك الغصة في حلقها تخنقها وتزيد من توترها:
-ماشي، أنا مش رايحة الشغل النهاردة وهختفي اليومين دول عشان أنا الصراحة مكسوفة منه ومش هعرف أقف أتكلم لو ناداني، وكمان صاحب البرج ده بيخضني بنظراته وبيقلّقني أوي، لما نقرا فاتحة بقى أبقى أقف معاه وأحط صوابعي في عين التخين! أكدت "فاطمة" برأسها عندما شعرت أن قرارها هو القرار السليم، وسرعان ما اندمجتا معًا في الأحاديث المرتبطة بليلة يوم الجمعة! *** بعد مرور عدة ساعات..
توقفت سيارة فاضل أمام البرج الذي يعمل به نوح، فتعجبت "يسر" بشدة والتفتت إلى والدها تسأله: -أيه ده يا بابا، إحنا وقفنا ليه هنا؟! أشار والدها إلى المحل القابع أسفل البرج، قائلاً ببسمة مكر: -شايفة المحل اللي هناك ده؟! هزت رأسها وهي تركز ببصرها على ذلك المحل، متذكرة عندما أقنع نوح والدها بشرائه: -مش ده اللي نوح كان قالك عليه لقطة واشتريه! ربت والدها فوق ساقها وهو يقول بحب ونبرة دافئة احتوت قلبها في لحظة يصعب نسيانها:
-آه، أنا كتبته باسمك، ومن هنا ورايح هتفتحي أي مشروع تحبي تفتحيه. رمشت بأهدابها بعدم تصديق وسألته بحماقة سيطرت على استيعابها: -أيه، أنا؟! هز والدها رأسه مؤكدًا على حديث ابنته بصدق، مقررًا أن نجاة ابنته من بئر الضعف والاكتئاب ستكون على يده، كواجبه دومًا نحوها: -آه، هو انتي قليلة ولا أيه؟ انتي بنت الحاج فاضل، عايزاني أفتحه معرض للأجهزة الكهربائية عادي، عايزة أي مشروع تاني براحتك، وأنا جاهز من جنيه للألف.
احتضنت والدها وهمست ببكاء ونبرتها يغمرها الامتنان والحب: -ربنا يخليك ليا يا بابا. -أنا كلمتلك مهندس ديكور مشهور أوي على النت، واتفقت معاه تتقابلوا وتشوفيه هتوضبيه زي ما انتي عايزاه! ربت والدها على ظهرها عدة مرات تحت نظرات ابنته المنتظرة اللحظة المناسبة للتدخل وقلب مشهد الحنان الأبوي لآخر عبثي: -ماما، ممكن أروح لبابا؟ ابتعدت "يسر" عن والدها بحدة وهي توجه نظراتها للصغيرة التي انكمشت خوفًا من اقتضابها: -لا...
قاطعها والدها هذه المرة معاتبًا، فقال في بداية كلامه استنكار طفيف، ثم استكمل بمكر وابتسامة جانبية ساخرة تحتل وجهه: -لا ليه؟ روحي يا لينا، بس بسرعة عشان هنمشي. خرجت الصغيرة سريعًا من السيارة وركضت بسرعة الصاروخ نحو البرج، فأظهرت "يسر" استياءها واعتراضها: -بابا، سمحتلها ليه؟! ضربها والدها بجانب رأسها بأصابعه مشيرًا إليها نحو عقلها بنزق شديد: -عشان تروح تقوله، مش بقولك هعلمه الأدب؟ افتحي دماغك الجزمة دي! ***
بالأعلى، وتحديدًا داخل عيادة نوح، دخلت حسناء وهي تمسك بيد الصغيرة، تهتف بنبرة يغمرها الدلال والنعومة المفرطة: -شوفت المفاجأة القمر دي يا دكتور؟ رفع نوح عينيه ليطالع صغيرته التي ما إن رأته حتى ركضت نحوه تحتضنه بحب واشتياق بان في همسها الطفولي: -بابا، وحشتيني. أبعدها عنه بعد أن غمرها بأحضانه، ثم مسد فوق جانبي شعرها الناعم وهو يتساءل بدهشة: -لينا حياتي، جيتي إزاي ومع مين؟! أجابت برقة: -مع جدو وماما.
انكمشت ملامحه بتعجب، وحاول استيعاب سبب مجيئهما بطفلته، ولم يلاحظ انقباض يد حسناء بغل وخوف من تدمير خطتها، فسمعته يتساءل: -وهما فين؟ -تحت جدو جابلها محل تحت هنا، وأنا هاجيلك كل يوم. انعقد حاجباه بعدم فهم، وظن أن الصغيرة تهذي أو ربما تتخيل أمورًا من نسج خيالها الواسع، فأمسك بكفها وقال: -تعالي ننزل نشوفهم.
وبالفعل غادر مكتبه مع صغيرته تحت أنظار حسناء المستشيطة بغل وحقد، بينما هو ما إن خرج من بوابة البرج حتى تركت الصغيرة يده وركضت صوب سيارة جدها، وما إن دخلت، انطلق فاضل بأقصى سرعة، تاركًا نوح يتسمر مكانه من تلك الإهانة المتعمدة، فهمس بانفعال مسجون بين قضبان الغضب: -والله أنا مهزأ عشان نزلتلهم! *** ليلاً...
دخل "يزن" غرفته بعد قضاء يوم طويل في التنقل بين معرضه وبعض الأمور التجارية المتعلقة بشأن سيارات جديدة سيغزو بها معرضه الفترة المقبلة، متظاهرًا بإلهاء نفسه وسط انشغالاته، إلا أنه كان ينتظر مجيئها اليوم ليتحدث معها، ولكنها خابت آماله ولم تطل بطلتها البهية! وما أن أشعل "يزن" إضاءة غرفته حتى أصيب بهلع عندما وجد "سليم" يجلس في زاوية ما بالغرفة صامتًا: -يا سليم، فزعتني، أقسم بالله أنا كده بضيع. -ليه، شوفت عفريت؟!
قالها "سليم" بنبرة خشنة ولم يتحرك من مكانه، ووضعه المغمور في أنهار الكبرياء والتعالي! -آه فعلاً شوفت، ومن كتر ما أنا شوفت، بقيت أشك في كل اللي بيكلمني، بقولك كان بيسمع أغنية وبيشرب سجاير، ولا البت دي أنا كنت بلعب معاها زي الأهبل وماعرفش إنها عفريته ومقتولة... قاطعه "سليم" متأففًا: -ما بلاش السيرة دي بقى، أنا كده كده هطلع وهسيبك تنام لوحدك!
-ما تخلينيش أتجنن وأطلع أنام في حضنك يا عم، أنا اتعاملت مع عفاريت يعني مش باقي على الدنيا! قالها "يزن" بارتباك وهو ينظر في أرجاء غرفته متخيلًا شبح الجن يطارده في كل مكان، إلا أن "سليم" نجح في سلب انتباهه وهو يقول بنبرة عميقة: -فكرت؟ تنهد "يزن" بضيق وهو يرفع بصره المحتدم نحو أخيه: -آه. -وأيه قرارك؟! سأل "سليم" بترقب، فأجاب الآخر بلمحة سخرية: -على أساس لو قلتلك رافض هتسيبني في حالي!
آه يا سليم موافق بس عشان خاطر ما أطلعكش صغير، بس أنا عندي شرط... لانت ملامح "سليم" المتهجمة إلى الارتياح ولكن عيني "يزن" الصارمة وجموده أقلقاه قليلاً، فقال: -شرط إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!